ترجمة: سمية القحطاني
التسويق العصبي، والإدارة العصبية، والتمويل العصبي
شهدت محاولات دمج علم الأعصاب في عالم الأعمال انتشارًا واسعًا، وربما تم الترويج لها بشكل مبالغ فيه.
يؤكد مؤيدو تطبيقات علم الأعصاب في المجال التجاري أنه يوفر رؤى قيّمة تساعد في فهم سلوك المستهلكين والموظفين، مما يمكّن الشركات من تطوير منتجات وخدمات أكثر جاذبية. ورغم صحة هذا الادعاء جزئيًّا فإن المديرين الذين يفكرون في تبني هذه التقنيات قد يتأثرون بادعاءات عامة تتجاهل قيودًا جوهرية تتعلق بالتطبيق العملي لعلم الأعصاب.
يهدف هذا المقال إلى تزويد المديرين بأدوات تحليلية لتقييم العروض التجارية التي تعتمد على علم الأعصاب. وبشكل خاص، هناك ثلاث قضايا رئيسية يجب أن يفهمها قادة الأعمال لاتخاذ قرارات استثمارية واعية في هذا المجال.
القضية الأولى: المقاييس البديلة
أحد أبرز أمثلة التسويق العصبي يتعلق بالباحثين الذين استخدموا بيانات الدماغ لأفراد يشاهدون إعلانات أفلام سينمائية بهدف التنبؤ بمبيعات التذاكر. وقد أدى ذلك إلى ادعاءات بأن تصوير الدماغ يمكن أن يُستخدم لتحسين استراتيجيات التسويق وزيادة إيرادات شباك التذاكر.
لفهم سبب التشكيك في مثل هذه الادعاءات، دعونا نستكشف مشكلة المقاييس البديلة.
المقياس البديل هو أي مؤشر غير مباشر يُستخدم للتنبؤ بنتيجة شيء يصعب أو يستحيل قياسه بشكل مباشر. على سبيل المثال، يعتمد كشافو رياضة البيسبول غالبًا على نسبة وصول اللاعبين إلى القاعدة في دوري الأحياء الصغرىكمقياس بديل للتنبؤ بمدى نجاحهم في الوصول إلى القاعدة في الدوريات الكبرى. يسمح هذا القياس غير المباشر للفرق باتخاذ قرارات مستنيرة دون الحاجة إلى استثمار ملايين الدولارات في تجربة كل موهبة واعدة.
حتى يكون المقياس البديل ذا قيمة في أي مجال، يجب أن يستوفي ثلاثة معايير محددة:
١.المصداقية: نظرًا لأن العلاقات المستنتجة من مجموعات بيانات صغيرة غالبًا ما تكون غير دقيقة أو مضللة، فإن المقاييس البديلة الجيدة يجب أن تستند إلى مجموعات بيانات واسعة وشاملة.
٢.الصلاحية: نظرًا لأنه من الممكن نظريًّا أن تؤدي أي تجربة فردية إلى نتائج متباينة للغاية، كما حدث عندما اكتشف مختبر فيزياء CERN الأوروبي بشكل خاطئ جسيمات تتحرك أسرع من سرعة الضوء، فإن المقاييس البديلة الجيدة يجب أن تكون قد أُعيدت تجربتها بشكل مستقل.
٣.الفائدة: نظرًا للموارد ورأس المال المحدوديْن، يجب أن تقدم المقاييس البديلة الجيدة نسبة مفضلة من حيث التكلفة مقابل الفائدة
في البيسبول، تُعدّ نسبة الوصول إلى القاعدة في الدوريات الصغرى موثوقة،لأنها استُمدت من بيانات آلاف اللاعبين على مدار عدة عقود، وهي صالحة؛ لأنها أُعيدت تجربتها باستخدام بيانات لاعبين من عشرات الدوريات المستقلة الدولية، وهي مفيدة؛لأنها لا تكلف الكثير لقياسها،ومع ذلك تتوافق بشكل جيد مع نسبة الوصول إلى القاعدة في الدوري الكبير.
لا يوجد سبب للاعتقاد بأن بيانات الدماغ لا يمكن استخدامها بفاعلية كمقياس بديل؛ فنحن نستخدمها بالفعل في السياقات الطبية بانتظام. ومع ذلك، فإن الأبحاث العصبية التي تُجرى عادة لأغراض تجارية،نادرًا ما تلتزم بمعايير المقياس البديل الفعّال.
في البداية، يعتمد معظم التجارب العصبية المرتبطة بالأعمال على مجموعات بيانات صغيرة جدًّا، مما يثير مخاوف حول الموثوقية. على سبيل المثال، شملت تجربة إعلانات الأفلام المذكورة عددًا قليلًا من الأفراد الذين شاهدوا مقاطع الفيديو. ومن الناحية الإحصائية، من الصعب إثبات الموثوقية استنادًا إلى مجموعة صغيرة من البيانات.
علاوة على ذلك، نادرًا ما يتم تكرار الدراسات العصبية، مما يثير تساؤلات حول صلاحية النتائج. على الرغم من الضجة الإعلامية حولها، تظل دراسة إعلانات الأفلام تجربة واحدة فريدة. من الجدير بالذكر أن عدم تكرار الدراسات العلمية يمثل مشكلة معروفة، حيث تكون لدى الباحثين دوافع أكبر للاكتشاف بدلًا من التأكد من النتائج. ومع ذلك، بما أن هذه الدراسة تُعد من أبرز التجارب في مجال التسويق العصبي، فإنه من المستغرب أنه لم تتم محاولة تكرارها بشكل مستقل.
أخيرًا، فإن الاستثمار الكبير في الوقت والمال المطلوب لإجراء البحوث في علم الأعصاب يثير مخاوف بشأن الجدوى. تشير التقديرات التقريبية إلى أن تجربة عرض مقاطع الأفلام الدعائية تطلبت معدات متخصصة بقيمة ٥٠٠٠٠ دولار، وشملت أكثر من ٥٨ ساعة للإعداد والتفكيك، ولم يكن من الممكن إجراؤها إلا بمشاركة شخصين في كل مرة. في الدراسة نفسها، طلب الباحثون من كل مشارك ملء استبيان بتكلفة رمزية، استغرق إكماله ٢٠ دقيقة، وكان من الممكن أن يشارك فيه مئات الأشخاص في الوقت نفسه. .
بالنظر إلى هذه التكاليف، فما هي الفوائد؟ أظهرت نتائج نشاط الدماغ ارتباطًا بإجمالي إيرادات شباك التذاكر بمعدل 0.52، وهو معدل الارتباط نفسه الذي حققه الاستبيان تمامًا؛0.52. ومن الواضح أن الاستبيان وفّر نسبة تكلفة إلى فائدة أفضل بكثير مقارنةً بقياسات نشاط الدماغ.
لا يوجد ما يمنع اعتبار بيانات الدماغ مؤشرًا فعالًا، لكن لكي تكون ذات قيمة في بيئات الأعمال، تنبغي المطالبة ببيانات أكثر تفصيلًا، وبِتكرار أكبر للتجارب، ونسبة معقولة بين التكلفة والفائدة.
القضية الثانية:التولد
إحدى الوظائف الرئيسية في مجالات مثل الاقتصاد العصبي والتمويل العصبي، هي استخدام بيانات الدماغ لتفسير سبب تصرف العملاء بالطريقة التي يتصرفون بها.
على سبيل المثال، في دراسة مشهورة أخرى، أجرى الباحثون تجربة “تحدي بيبسي”داخل جهاز مسح الدماغ. استنادًا إلى النتائج، تم الادعاء أنه في وجود علامات تجارية مشهورة، يمكن لقشرة الفص الجبهي الجانبية (DLPFC) في الدماغ أن تتجاوز المعالجة الحسية، مما يدفع المستهلكين لاختيار مشروب غازي بناءً على تفضيلات سابقة بدلًا من الذوق الفعلي.
مفهوم الظهور يساعد في تفسير سبب عدم موثوقية هذا التفسير. يشير مبدأ التولد إلى أنه عندما يتفاعل العديد من الكيانات البسيطة ضمن بيئة مشتركة، يمكن أن تظهر سلوكيات جديدة ومعقدة لا يمكن التنبؤ بها أو تفسيرها من خلال الكيانات البسيطة نفسها. يعبّر هذا المبدأ عن المبدأ المُتداول “قيمة الأجزاء مجتمعة أكبر من قيمة كل جزء بمفرده”(الكثرة تغلب).
في سياق علم الأعصاب، يشير الظهور إلى أن النشاط العقلي ينشأ من تفاعل الجهاز العصبي مع جميع الأنظمة الجسدية الأخرى مثل الجهاز الهضمي، والدوري والتنفسي، وبالتالي لا يمكن تفسيره أو التنبؤ به من خلال أي نظام منفرد. بمعنى آخر، لا يمكن استخدام حالات الدماغ لقياس حالات العقل بدقة.
عندما يتم الترويج لعلم الأعصاب بشكل مبالغ فيه، فإنه يتجاهل هذه التعقيدات ويعكس المنطق. على سبيل المثال، تخيل أننا نعلم أن المنطقة (س) في الدماغ تكون نشطة عندما يتخذ الشخص قرارًا اقتصاديًّا، ونعلم أن “بيتسي“تتخذ قرارًا اقتصاديًّا، وبالتالي يمكننا استنتاج أن المنطقة (س) في دماغ“بيتسي“ نشطة .
الآن، دعونا نعكس هذا التسلسل: تخيل أننا نعلم أن المنطقة (س)في الدماغ تكون نشطة عند اتخاذ قرار اقتصادي، ونعلم أن المنطقة (س) في دماغ “بيتسي”نشطة؛ من هذا، لا يمكننا استنتاج أن“بيتسي” تتخذ قرارًا اقتصاديًّا.
المشكلة هنا تكمن في مبدأ التولد، حيث إن كل منطقة في الدماغ ترتبط بعدد هائل من السلوكيات المختلفة. على سبيل المثال، تنشط اللوزة الدماغية عندما يمر الشخص بمشاعر الفرح، أو الخوف، الاشمئزاز،الغضب، الحزن، في أثناء تكوين الذكريات،التعرف على الوجوه، تنسيق الحركات الجسدية، بالإضافة إلى العديد من العمليات العقلية الأخرى. وبالتالي، فإن مجرد معرفة أن اللوزة الدماغية لشخص ما نشطة، كلا يخبرنا بأي شيء محدد ممّا يفعله أو يفكر فيه أو يشعر به.
لفهم معنى نشاط الدماغ، يجب علينا جمع بيانات سلوكية. على سبيل المثال؛ لكي نستنتج أن تنشيط اللوزة الدماغية مرتبط بالفرح أو الخوف أو الحزن، يجب أن نسأل الشخص أولًا عن شعوره في تلك اللحظة.
لكن هذا يقودنا إلى مفارقة دائرية: إذا كنا بحاجة إلى بيانات سلوكية لفهم بيانات الدماغ، وإذا كان التفسير السلوكي هو الهدف النهائي لمجالات مثل الاقتصاد العصبي، فما القيمة الحقيقية التي تضيفها بيانات الدماغ؟
لرؤية هذه المفارقة الدائرية بشكل عملي، دعونا نعُد إلى دراسة تحدي بيبسي” المذكورة سابقًا. تذكر أن الباحثين ادّعوا أن قشرة الفص الجبهي الجانبية (DLPFC) يمكنها دفع الأشخاص لاختيار مشروب غازي بناءً على تفضيلاتهم السابقة، بدلًا من الطعم الفعلي.
لكن وفقًا لمبدأ التولد ، لم يكن من الممكن التوصل إلى هذا الاستنتاج من بيانات الدماغ وحدها، لأن DLPFC مرتبطة بمجموعة واسعة من الوظائف الإدراكية، بما في ذلك تحديث الذاكرة، وتنظيم العواطف، والكذب، والتخطيط الحركي، والاستدلال المنطقي، وغيرها. وبذلك، فإن بيانات الدماغ وحدها لا تخبرنا بشيء محدد عن اختيار المستهلك.
في النهاية،اضطر الباحثون من أجل محاولة فهم معنى بيانات الدماغ هذه، إلى جمع بيانات سلوكية؛ وذلك من خلال مطالبة المشاركين بالإبلاغ شفهيًّا عن المشروب الغازي الذي يفضلونه بعد تذوق كل واحد منهما. والأهم من ذلك، أن هذه البيانات السلوكية هي التي مكّنت الباحثين في النهاية من تقديم المفهوم التفسيري الأكثر صلة بالأعمال: أن تفضيل العلامة التجارية يمكن أن يتفوق على تفضيل الطعم.
لهذا السبب، توصل” تحدي بيبسي “الأصلي الذي أجري عام١٩٧٥إلى التفسير نفسه لسلوك المستهلك دون الحاجة إلى دراسة الدماغ على الإطلاق. وبسبب مبدأ الظهور، لم يضف علم الأعصاب سوى اختصار محيّر وآلية غير محددة إلى التفسير النهائي لسبب تصرف المستهلكين بالطريقة التي يتصرفون بها.
القضية الثالثة: التفسير
هناك عدد لا يحصى من المحاولات لاستخدام بيانات الدماغ لتطوير مبادئ عملية يمكن للمديرين الاستفادة منها، ومع ذلك، غالبًا ما يكون هذا النهج مليئًا بالمشكلات والعقبات.
لنأخذ، على سبيل المثال، دراسة بارزة حول الأوكسيتوسين، وهو هرمون مرتبط بالعديد من العمليات الإدراكية؛مثل تنظيم التوتر، والانتباه الاجتماعي، وتكوين الذاكرة؛أي أنه مثال واضح على مبدأ الظهور. في هذه الدراسة، استخدم الباحثون قياسات دموية لإظهار أن ارتفاع مستويات الأوكسيتوسين مرتبط بزيادة الثقة بين الأفراد الذين يشاركون في لعبة التبادل النقدي ومن هذه العلاقة، استنتجوا أن المديرين ينبغي أن يستخدموا تقنيات تحفز إفراز الأوكسيتوسين بين الزملاء لتعزيز تماسك الفريق.
لفهم سبب ضعف هذا الادعاء، دعونا نناقش مشكلة التفسير.
يشير مصطلح التفسير في العلوم إلى عملية استخدام البيانات من مجال معين لاستخلاص مبادئ عملية قابلة للتطبيق في مجال آخر غير ذي صلة.
وهنا تكمن المشكلة: التفسير الفعال يتطلب جمع البيانات داخل المجال الذي نحاول تطبيق المبادئ فيه، مما يجعل أي بيانات مستعارة ليس لها جدوى كبيرة.
على سبيل المثال، عندما طُلب من المديرين استخدام تقنيات لتعزيز إفراز الأوكسيتوسين لزيادة الثقة داخل الفريق، كان السؤال الأول الذي طرحوه: “كيف؟” لم تقدم بيانات الدماغ الأصلية أي توضيح حول السلوكات المحددة التي تؤدي إلى إفراز الأوكسيتوسين، مما يجعل من المستحيل تطوير مبدأ عملي استنادًا إلى هذه الدراسة فقط.
لتحقيق فائدة حقيقية للمديرين، كان من الضروري جمع بيانات سلوكية منهم مباشرة وهو ما لم يفعله الباحثون. ولكن لنفترض أنهم فعلوا ذلك ووجدوا أن الثقة داخل الفريق تزداد كلما خاطب المدير زميله باسمه. بناءً على ذلك، يمكننا حينها تقديم مبدأ عملي واضح: “خاطب زملاءك بأسمائهم مباشرةً لتحفيز إفراز الأوكسيتوسين وتعزيز الثقة”
نأمل أنك لاحظت، مع ذلك، أن بيانات الدماغ الأصلية تصبح غير ذات صلة عند تطوير هذا المبدأ. في النهاية، معرفة الهرمون المحدد ذو العلاقة ليست ذات أهمية حقيقية، حيث إن الفائدة الحقيقية تأتي من البيانات التي تم جمعها من المجال الذي نحاول التأثير فيه.
وهنا تكمن مشكلة التفسير: معرفة أن الثقة مرتبطة بإفراز الأوكسيتوسين لا تقدم أي قيمة إذا كان الهدف هو فهم كيفية بناء الثقة. بناءً على ذلك، من الأسلم القول بأن أي مبادئ عملية يتم استخلاصها من مزيج من بيانات الدماغ وبيانات الأعمال ستعتمد بشكل أساسي على الأخيرة فقط.
إدارة التوقعات:
إن الحماس الواسع لتطبيق علم الأعصاب في مختلف جوانب الأعمال أمر مثير للإعجاب بلا شك، لكن نأمل أن يمنح هذا المقال المهتمين فرصة لإعادة النظر ويوفر رؤية واقعية حول ما يمكن توقعه فعليًّا من بيانات الدماغ الخام.
بالنسبة لقادة الأعمال، من الضروري التأكد من أن الباحثين في علم الأعصاب يوضحون مسبقًا الأساليب التي سيستخدمونها، ويبررون كيف ستتجنب هذه الأساليب المشكلات المتعلقة بـ البدائل (Proxies)، والتولد (Emergence)، والتفسير (Translation) التي تم ذكرها سابقًا.
أما بالنسبة للباحثين، فمن المهم نشر نتائجهم أكاديميًّا قبل تعميمها لضمان مراجعة الأقران الفعالة. علاوة على ذلك، يجب على الباحثين العاملين في البيئات التجارية استخدام لغة دقيقة ومحايدة كما هي الحال في الأوساط الأكاديمية؛ مثل وصف مناطق الدماغ بأنها (مرتبطة ببدلًا من (مسببة لـ) تأثير معين، وذلك لتجنب سوء الفهم.
في النهاية، إذا كنا سنطبق أدوات علم الأعصاب في مجال الأعمال، فعلينا أيضًا الالتزام بنفس المعايير والممارسات العلمية المعتمدة في علم الأعصاب عمومًا. فالمشكلات المتعلقة بالبدائل، والتولد، والتفسير، تفرض قيودًا على جميع أشكال البحث العصبي، ولا يكفي مجرد إضافة البادئة“نيرو Neuro ”إلى مفاهيم مثل “التمويل” أو “التسويق” لتجاوز هذه التحديات.
