كيلي غولدسميث، جينغ شو، ورافي دهار
يتخذ المستهلكون يوميًّا قرارات الشراء باختيارهم من بين مجموعات كبيرة من المنتجات ذات الصلة المعروضة للبيع في ممرات المتاجر. فما العوامل التي قد تؤثر منهجيًّا في كيفية اتخاذ المستهلكين للقرارات بين مجموعة من المنتجات؟ يستكشف بحثنا جانبًا من هذا السؤال.
وكما يدرك معظم المسوّقين، ليس المتسوقون جميعهم سواء، ففي المتجر نفسه، قد يبحث أحدهم عن منتج محدد لتلبية حاجة فورية، في حين قد يتجول آخرون دون هدف محدد. وبما أن أهدافهم عند دخول المتجر قد تختلف، فإن المستهلكين الأفراد قد يقتربون من قرارات الشراء بعقليات مختلفة، ما يؤثر في طريقة تسوقهم. وفي علم النفس الاجتماعي، تُعرَّف “العقلية” بأنها مجموعة من العمليات الإدراكية والمعايير الحكمية التي، إذا فُعّلت، قد تنتقل إلى مهام وقرارات غير ذات صلة. بعبارة أخرى، إذا جعلت المستهلك يفكر بطريقة معينة، فإن تلك الطريقة في التفكير -أي تلك العقلية- يمكن أن تؤثر في سلوكه التسويقي اللاحق.
وقد حدد علماء النفس الاجتماعيون نوعين مميزين من العقليات ذات الصلة بكيفية اتخاذ المستهلكين للقرارات عند اختيارهم من بين مجموعات كبيرة من المنتجات المترابطة: التجريدية والملموسة. فالعقلية التجريدية (Abstract Mindset) تشجع الناس على التفكير بطريقة أكثر شمولية وعمومية. فعندما يكون المستهلك في عقلية تجريدية ويواجه مجموعة من المنتجات ذات الصلة، فإنه يركز أكثر على السمات المشتركة للمنتجات المرتبطة بهدف عام، مثل الفئة العامة للعناية بالشعر أو صيانة السيارات. وعلى النقيض، تجذب العقلية الملموسة (Concrete Mindset) الانتباه إلى التفاصيل الأدنى والخصائص المرتبطة بالتنفيذ أو الاستخدام؛ لذا يركز المستهلك ذو العقلية الملموسة على العوامل التي تميز المنتجات بعضها عن بعض.
في بحثنا، درسنا كيفية تأثير العقليات التجريدية مقابل الملموسة في قرارات شراء المستهلكين (وقد وُصفت نتائج البحث بالتفصيل في ورقة عمل بعنوان “دور العقليات التجريدية والملموسة في شراء المنتجات من الفئات المتجاورة”). وفي سلسلة من التجارب، وجدنا أن للعقلية تأثيرًا ملحوظًا، فعندما يضطر المستهلكون إلى اتخاذ قرار بشأن الشراء من فئات متعددة من المنتجات المرتبطة لكن المختلفة -مثل معجون الأسنان، وغسول الفم، وخيط الأسنان ضمن مجموعة منتجات العناية بالفم- تزيد العقلية التجريدية من عدد المنتجات التي يختارها المستهلكون، أما العكس فيحدث عندما يختار المستهلكون من بين منتجات متشابهة إلى حدٍّ يمكن فيه استبدال أحدها بالآخر، مثل مجموعة متنوعة من العصائر، ففي هذه الحالات، تزيد العقلية الملموسة من عدد المنتجات التي يرغب المستهلكون في شرائها.
وفي التجارب، استخدمنا أولًا تمارين أشارت أبحاث سابقة إلى أنها تساعد في ترسيخ عقلية تجريدية أو ملموسة، مثل أن يُطلب من بعض المشاركين الكتابة عن عام قادم (مهمة من المرجح أن تحفز عقلية تجريدية)، في حين يُطلب من آخرين الكتابة عن الغد (ما من شأنه أن يحفز عقلية ملموسة)، ثم قارنّا نية الشراء -وفي بعض التجارب، المشتريات الفعلية- بين المستهلكين ذوي العقلية التجريدية ونظرائهم ذوي العقلية الملموسة، ووجدنا أن المسألة ليست أي العقليتين أفضل في زيادة احتمال الشراء لدى المستهلكين، بل إن تأثير العقليات التجريدية والملموسة يختلف بحسب نوع مجموعة المنتجات التي يختار منها المستهلكون.
وعلى وجه التحديد، عندما يواجه المستهلك خيارًا بين أنواع مختلفة من المنتجات المرتبطة بهدف عام واحد -مثل الأنواع المختلفة من المنتجات المتوفرة في ممر العناية بالفم- فإن امتلاك عقلية تجريدية بدلًا من عقلية ملموسة يزيد من عدد المنتجات المشتراة، ويُحتمل أن ذلك يحدث لأن العقلية التجريدية تجذب الانتباه إلى الهدف الأعلى -في هذه الحالة، العناية بالفم- ما يزيد اهتمام المستهلكين بالوسائل جميعها التي تخدم ذلك الهدف -مثل فرشاة الأسنان وخيط التنظيف، وغير ذلك- وبذلك يزيد العدد الإجمالي للمنتجات التي يرغب المستهلكون في شرائها.
غير أنه عندما يختار المستهلكون بين منتجات متشابهة بدرجة كافية ليكون أحدها بديلًا للآخر -مثل مجموعة من العصائر- فإن العقلية التجريدية تقلل من الاهتمام بشراء منتجات إضافية مقارنة بالعقلية الملموسة، ويعود ذلك إلى أن العقلية التجريدية تركز على الهدف الأعلى -مثل إرواء العطش- وعلى الأرجح، إلى أن مشروبًا واحدًا يكفي لتحقيق ذلك الهدف التجريدي. وعلى النقيض، يركز المستهلكون ذوو العقلية الملموسة على العوامل التي تميز بين المنتجات، وبذلك يكونون أكثر ميلًا لاختيار عدد أكبر من المنتجات القابلة للاستبدال مقارنة بنظرائهم ذوي العقلية التجريدية.
إن لهذه النتائج دلالتين واضحتين ومباشرتين للمديرين: لزيادة المبيعات، ينبغي للشركات أن تأخذ في حسبانها مواءمة عقلية المستهلك أو التأثير فيها.
موافقة الذهنية: إن طبيعة البائع أو أنواع المنتجات المعروضة قد تفضي بطبيعتها إلى تعزيز ذهنية أكثر تجريدًا أو أكثر واقعية، وهو ما يمكن للشركات استثماره. ففي بعض الحالات، قد يميل المستهلكون إلى التعامل مع البائع وهم يخططون لشراء منتجات لاستخدامها في المستقبل البعيد؛ فعلى سبيل المثال، قد يقيم المستهلكون قطع الأثاث التي ستسلم لهم بعد أسابيع عدّة. وتشير الأدبيات المتعلقة بالذهنية التجريدية مقابل الذهنية الواقعية إلى أن المستهلكين عندما ينظرون في منتجات للاستخدام المستقبلي البعيد، فإنهم يكونون بطبيعة الحال في حالة ذهنية أكثر تجريدًا من أولئك الذين يقيمون منتجات للاستهلاك الفوري. وتشير أبحاثنا إلى أن البائعين الذين يدركون أن منتجاتهم قد تدفع المستهلكين إلى التفكير في المستقبل البعيد (ما يُفضي إلى ذهنية أكثر تجريدًا)، قد يحققون زيادة في المبيعات إذا نظموا عروض منتجاتهم بطريقة تبرز العلاقة بين المنتجات وهدف أعلى مشترك. فعلى سبيل المثال، قد يجمع بائع الأثاث المنتجات بطريقة تبرز كيف أن أنواع الأثاث المختلفة تشترك جميعها في ميزة توفير الراحة والدفء، وعلى النقيض من ذلك، بالنسبة إلى البائعين -مثل باعة الوجبات الخفيفة- الذين يدركون أن منتجاتهم تحفز الاستخدام الفوري، ما يُفضي إلى ذهنية أكثر واقعية، فإن جمع المنتجات المتشابهة والقابلة للاستبدال معًا ينبغي أن يساعد في تعظيم معدلات الشراء لدى المستهلكين.
توجيه الذهنية: بينما قد تكون موافقة الذهنية استراتيجية فعالة للبائعين الذين تعزز بضائعهم بطبيعتها حالة ذهنية متميزة، فإن تنوع المنتجات لدى كثير من البائعين يجعل من الصعب أن تهيمن ذهنية واحدة بوضوح. وبالنسبة إلى هؤلاء البائعين، قد يكون توجيه حالة الذهنية لدى المستهلكين في أثناء اطلاعهم على مجموعات محددة من المنتجات وسيلة فعالة لزيادة معدلات الشراء.
تخيل بائعًا يعرض مجموعة كبيرة من المنتجات المتشابهة، لكن المختلفة في قسم العناية بالفم. تشير نتائجنا إلى أنه لزيادة المبيعات، ينبغي لذلك البائع أن يفكر في تعزيز الذهنية التجريدية لدى المستهلكين في أثناء تقييمهم للمنتجات. فعلى سبيل المثال، يمكن للمديرين تنفيذ عروض ترويجية تبرز ارتباط المنتجات الفردية بالهدف الأعلى الشامل (أي العناية بالفم، وليس مجرد تنظيف الأسنان)، وذلك لزيادة ميل المستهلكين إلى شراء أنواع أكثر من منتجات العناية بالفم، وعلى النقيض من ذلك، بالنسبة إلى البائع الذي يعرض مجموعة كبيرة من المنتجات القابلة للاستبدال، مثل العصائر في قسم المشروبات، فإن التوصية المعاكسة هي الأنسب؛ إذ يمكن استخدام وسائل التواصل داخل المتجر التي تبرز الذهنية الواقعية -من خلال التركيز على الفوائد الفردية والفريدة للمنتجات المختلفة- لزيادة إجمالي المبيعات.
وبينما نعتقد أن عملنا هذا يشير إلى آثار عملية مهمة للبائعين، فإن البحث المستقبلي ضروري لاستكشاف الآثار الملحوظة وفهمها على نحوٍ كامل. ونأمل أن يدفع هذا البحث الحالي إلى مزيد من الاستقصاء في هذا المجال.
