القائمة الرئيسية

في مديح التسعير الصادق

في مديح التسعير الصادق
ملخص المقال

يتناول المقال تحليل التسعير الخفي وتأثيره على المستهلكين والشركات، مستعرضًا أمثلة من صناعات مختلفة مثل تأجير الأفلام، والهواتف المحمولة، وتأجير السيارات، حيث تقدم الشركات أسعارًا تبدو منخفضة أو عروضًا مغرية لكنها تخفي رسومًا إضافية غير معلنة تجعل الكلفة الحقيقية أعلى بكثير، ما يربك المستهلك ويزيد معدل تبدل الزبائن، ويقوض الولاء ويزيد المنافسة الضارة على الأسعار. يشير المقال إلى أن التسعير الصادق والشفاف، سواء عبر الكشف عن التكلفة الحقيقية أو تسعير الوحدة أو استخدام ملصقات مثل برنامج “نجمة الطاقة”، يعود بالنفع على المستهلكين من خلال وضوح التكلفة وتحقيق وفورات، كما يعود بالنفع على الشركات عبر زيادة رضا العملاء، وتميّز المنتجات، وتحقيق أرباح أكبر على المدى الطويل، مؤكدًا أن الشفافية في الأسعار تشجع الابتكار وتخفض المخاطر المرتبطة بالمنافسة القائمة على الخداع والتضليل.

باري نالباف وإيان آيرس

إن أكثر متاجر تأجير الأفلام تعرض عرضًا خاصًّا في منتصف الأسبوع، وهو اثنان بسعر واحد، فيبدو ذلك صفقة مغرية لجذب الناس في الأيام الراكدة، لكن الخدعة أن هذا العرض لا يشمل رسوم التأخير؛ فإذا تأخر الزبائن في إعادة الأفلام وجب عليهم دفع غرامة عن كل فيلم، فلا يكون الفيلم الثاني مجانيًّا في الحقيقة، وتلك الرسوم تتراكم حتى تبلغ عشرين في المئة من إيرادات شركة بلوكباستر مثلًا.

وكذلك الحال في شركات الهواتف المحمولة وشركات تأجير السيارات وغيرها؛ إذ تعلن عن سعر “منخفض” لمنتجاتها، وتخفي كثيرًا من الرسوم في الحواشي الدقيقة، وإذا ابتدأت بعض الشركات بذلك، اضطرت الأخريات إلى اتباعها، كما هو شأن الحروب السعرية.

والرأي الشائع أن مثل هذه الحيل نافعة؛ إذ تتيح للشركات زيادة أرباحها مع إظهارها بمظهر المنافسة في الأسعار. غير أن التسعير الخفي لا يضر المستهلكين فقط؛ إذ يعجزون عن معرفة الكلفة الحقيقية، بل الشركات نفسها، وكما يظهر في صناعة الأجهزة والمطاعم، فإن الشركات التي تنتهج الصدق في التسعير تجني فوائد جليلة: زبائن أكثر رضًا، وتمايزًا أوضح في المنتجات، وربحًا أعظم. فإعلام الناس بالكلفة الحقيقية قد يكون أنفع من التسابق إلى خفض الأسعار حتى تصير وهمية.

هل الكلام رخيص؟

تقدم تجارة الهواتف المحمولة مثالًا صارخًا للتسعير الخفي، فانظر إلى عرض شركة سبرينت بي سي إس: أربعة آلاف دقيقة اتصال بثمن تسعة وثلاثين دولارًا وتسعة وتسعين سنتًا في الشهر. قد يبدو للوهلة الأولى أن الدقيقة تُحسب ببنس واحد، لكن في الحقيقة هناك ثلاثمائة وخمسون دقيقة فقط يمكن استخدامها ضمن العرض في أي وقت، بينما تُخصَّص الثلاثة آلاف وستمائة وخمسون دقيقة المتبقية لفترات الليل وعطلة نهاية الأسبوع، فإذا تجاوز المشترك الوقت المخصص في أي قسم، دفع خمسة وثلاثين سنتًا عن كل دقيقة زائدة، وتضيع الدقائق غير المستعملة، فما الكلفة الحقيقية للدقيقة؟

ولما كان قليل من الناس يستعمل كل دقائق الليل ونهاية الأسبوع، فلنحسب أن الاستعمال خارج الذروة شبه مجاني، وأن الكلفة كلها في دقائق الذروة، فإذا استعمل المشترك ثلاثمئة وخمسين دقيقة تمامًا، كانت الكلفة أكثر قليلًا من أحد عشر سنتًا للدقيقة، أما إذا استعمل مئتي دقيقة في بعض الأشهر وخمسمئة في أخرى، ففي الأشهر القليلة الاستعمال يدفع عشرين سنتًا للدقيقة ويُضيع مئة وخمسين دقيقة، وفي الأشهر الكثيرة الاستعمال تصير الكلفة ثمانية عشر سنتًا ونصفًا للدقيقة بسبب رسوم الدقائق الزائدة.

فما يبدأ في الظاهر بنسًا للدقيقة يصير أحد عشر سنتًا، ثم عشرين سنتًا، بسبب تباين الاستعمال الطبيعي. والأهم أن لا أحد يدري ما يدفعه فعلًا، ولا أي خطة أصلح له، أما الشركة فتعلم، لكنها لا تصرح، إذ كان يمكن أن تذكر للزبون في كشف الحساب المتوسط الذي دفعه عن كل دقيقة، لكنها، كسائر منافساتها، تفضل أن تتركهم في حيرة.

وقد يكون ذلك مفهومًا لو كان فيه مزية ظاهرة، لكنه في الحقيقة ضار؛ لأنه يسبب تبدلًا عظيمًا في الزبائن؛ إذ ينتقلون من شركة إلى أخرى كلما ظهر عرض أفضل، وتكثر هذه العروض، كأن يقال: “اشترك معنا وخذ هاتفًا مضادًّا للجاذبية مجانًا!”، ثم ما تلبث غرابة الهاتف أن تزول، وتأتي الفواتير أعلى من المتوقع، فيبدأ المستهلك من جديد، وقد بلغ معدل تبدل الزبائن في الصناعة أربعين في المئة سنويًّا، وهو خسارة جسيمة للشركات. فلو خفضت كلفة جذب الزبائن وركزت على الاحتفاظ بهم بتسعير أصدق، لكان خيرًا لها من إغراء الناس بهدايا زائلة.

هل تملأ الخزان؟

وشركات تأجير السيارات كذلك تمارس التسعير الخفي في تعاملها مع رسوم الوقود، فللزبون ثلاث خيارات، كلها عسيرة؛ فإن كان يعيد السيارة إلى مطار، وجب عليه أن يخاطر بتأخر رحلته ليبحث عن محطة وقود قريبة فيملأ الخزان، وهو ما ينغص كثيرًا على العائلة نهاية العطلة.

ومن أراد تجنب هذا العناء يمكنه أن يعيد السيارة بخزان ناقص ويدفع للشركة أربعة دولارات أو خمسة عن كل جالون ناقص، أو يدفع مقدمًا ثمن خزان كامل مع زيادة يسيرة، كدولارين للجالون، ويترك للشركة ما بقي من الوقود عند الإعادة. وفي كل ذلك لا يمكن معرفة الكلفة الحقيقية أو الخيار الأفضل. فكم جالونًا يترك الناس في العادة إذا دفعوا مقدمًا؟ وكم تزيد رسوم التعبئة على متوسط الفاتورة؟ الشركات تعلم، لكن المستهلكين لا يعلمون إلا أنهم يُخدَعون.

والمغزى أن في وكالة التأجير مضخة وقود أصلًا، فهنا ينبغي تعبئة السيارة، ولأجل الكفاءة يجب أن يؤدي السعر إلى هذا الحل.

غير أنَّ للواقع القائم ميزة واحدة، فإنَّ الرسوم المرتفعة لإعادة التزود بالوقود تتيح للمسافرين بغرض الترفيه استئجار السيارات بأقلَّ من تكلفة الزبائن من رجال الأعمال؛ إذ إنَّ الفكرة أنَّ رجل الأعمال الذي يسدد نفقاته من حساب الشركة لا يدفع بنفسه ثمن إعادة التزود بالوقود، فلا يعبأ بالسعر، أمَّا المسافر بغرض الترفيه، الذي يتحمل تلك الرسوم، فيلجأ إلى محطة الوقود القريبة ويعيد السيارة وخزانها ممتلئ، وهكذا تصبح أرباح الشركة من رجال الأعمال إعانة للمسافرين بقصد الترفيه، ولو أُزيلت الرسوم الخفية، لارتفعت أسعار الإيجار على المسافرين وانخفضت على الشركات، وإذا أدى ذلك إلى انخفاض الطلب الكلي، كما يُتوقع، فقد يؤدي أيضًا إلى تراجع أرباح الصناعة.

ويبدو أنَّ شركة ذات همة يمكن أن تظفر بميزة عبر استبدال الرسوم الخفيَّة للوقود برضا الزبائن، فما الذي يمنع، مثلًا، شركة “هيرتز” من ذلك؟ إنَّ العقبة الكبرى تكمن في صعوبة إقناع المستهلكين بأنَّ تبسيط الأسعار يعود عليهم بالنفع، فلو تخلت “هيرتز” عن الرسوم الخفيَّة وزادت سعر الإيجار ثلاثة دولارات في اليوم، لما تصدرت نتائج البحث في “إكسبيديا” وسائر أنظمة الحجز؛ إذ ستبدو وكأنها أغلى من منافسيها، وقد تعلن “هيرتز”: “أيها المستهلكون، نحن الأرخص حقًّا، فغيرنا يخفي التكاليف!” لكن ذلك يقتضي ثقة المستهلكين في الشركة ووعيهم بتلك التكاليف، وستضطر “هيرتز” إلى تثقيف السوق وحدها، وحتى تفرغ من ذلك، ستظل في موضع ضعف أمام منافسيها.

وكثير من الشركات تقع في شرك التسعير الخفي، فلا تجني أرباحًا أكثر؛ إذ إنَّ المنافسة على الزبائن تدفعها إلى التضحية بتلك الأرباح في الواجهة، غير أنَّ ثمَّة مخرجًا من هذا الشرك.

الحل ذو الملصق الأصفر

في عام 1992م، أطلقت وكالة حماية البيئة الأمريكية برنامج “نجمة الطاقة”، وهو برنامج طوعي لوضع ملصقات تهدف إلى مساعدة المستهلكين على إدراك الفوائد الاقتصادية للمنتجات الموفرة للطاقة. في البدء اقتصر البرنامج على الحواسيب والشاشات، ثم امتد عام 1996م ليشمل معظم الأجهزة المنزلية. واليوم، يشمل نظام التصنيف هذا كل شيء من إشارات المرور إلى الفنادق الكبرى والأسواق المركزية.

تمنح تلك الملصقات معلومات عن التكلفة الإجمالية للملكية؛ إذ تتيح للمستهلكين إضافة تكاليف الطاقة المتوقعة إلى سعر الشراء الأولي. قبل بدء البرنامج، لم يكن لدى المستهلكين وسيلة جيدة لمعرفة إن كان الجهاز الموفِّر للطاقة صفقة رابحة، فلم يكن ثمة دافع قوي لدفع مبالغ أكبر لقاء أجهزة موفرة للطاقة، فمال الناس إلى شراء الأجهزة الرخيصة المستهلكة للطاقة، وكانت النتيجة سيئة للبيئة وللمستهلكين، الذين فاتتهم فرص توفير المال، ويقال إن البرنامج يوفر للمستهلكين خمسة مليارات دولار سنويًّا.

والبرنامج نعمة أيضًا للصناعة، فالتمييز بين المنتجات من أساسيات الربح، وبرنامج “نجمة الطاقة” يجعل التمييز ممكنًا، فمن دون الملصقات، لا يختلف المكيف إلا في تصنيفه الحراري (BTU)[1]، ومعها يختلف في الكفاءة أيضًا. وللشركات حافز للاستثمار في تطوير أجهزة أكثر كفاءة؛ إذ يمكن للمستهلكين إدراك فوائدها، فالصانع الذي توفر مكيفاته خمسمئة دولار من تكاليف الكهرباء يمكنه أن يبرهن على ميزته، فيرفع أسعاره أو يزيد حصته السوقية.

ومن صور الشفافية أيضًا، تسعير الوحدة في الأسواق المركزية، فقبل ذلك، لم يكن المستهلك يعلم كم يدفع مقابل المنتج، فقد يحتوي صندوق البسكويت الذي يبلغ ثمنه دولارًا وتسعة وسبعين سنتًا على خمسين أو مئة قطعة، ولم يكن معظم الناس يرغبون في حساب التكلفة لكل أونصة، ولإظهار منتجاتهم وكأنها ذات قيمة أفضل، كان المصنعون يزيدون حجم العبوة، فكانت النتيجة عبوات ضخمة، وزبائن محبطين، وهدرًا لمساحة الرفوف.

وقد بدأ العمل بتسعير الوحدة حوالي عام 1970م، بجهود المدافعين عن حقوق المستهلك بالتعاون مع الحكومة وسلاسل الأسواق الكبرى، وأدى ذلك إلى خفض التكاليف، كما حمى الشركات الصادقة من أن تتضرر من سوء سمعة فئة المنتج؛ إذ لم تعد العبوات الكبيرة تخدع الزبائن.

ومع ذلك، فإن تسعير الوحدة لا يتكلم عن الجودة، فبعض أنواع البسكويت أفضل من غيرها، وتسعير الوحدة ليس حلًّا كاملًا، لكنه خطوة في الاتجاه الصحيح، وتطبيقه ليس صعبًا. فشركات الهاتف النقال، مثل “سبرينت” ومنافسيها، يمكنها إخبار المشتركين بتكلفة الدقيقة وأي خطة تناسبهم حسب استخدامهم، ولو قارنت الإعلانات كلفة المستخدم الإجمالية بين الخطط، لصارت الأسعار أوضح، ولربما اختفى رسم التجاوز البالغ خمسة وثلاثين سنتًا للدقيقة.

وفي ألمانيا، تقوم شركات الكهرباء بمقارنة الخطط لعملائها، ففي نهاية كل عام، يُعاد احتساب الفاتورة حسب الخطة الأرخص وفق الاستهلاك، ويكافأ الولاء؛ إذ إن من يغير مزوده في منتصف العام يخسر ميزة السعر المنخفض عن السنة السابقة.

إن ذلك النظام يعود بالنفع الواضح على المستهلكين، كما أن التسعير الصادق قد يزيد من أرباح الصناعة كذلك. تخيل مثالًا افتراضيًّا يتعلق بشركات الاتصالات المحمولة: افترض أن قيمة الزبون المتوسطة مدى الحياة تنخفض من ٤٥٠ دولارًا إلى ٤٠٠ دولار، لأنها أصبحت قادرة على اختيار الخطة المثلى (وهي أقل كلفة من الخيارات المربكة التي كانت متاحة لها سابقًا)؛ وإذ أدركت الشركات أن قيمة الزبائن قد نقصت، قلَّصت من دعمها للأجهزة من ٣٠٠ دولار إلى ٢٠٠ دولار، فتنخفض بذلك قيمة الزبون أقل من مقدار الدعم المقدم ابتداءً، وذلك بسبب زيادة كفاءة النظام، وتنتهي الشركة بأن تحقق ربحًا قدره ٢٠٠ دولار لكل زبون بدلًا من ١٥٠ دولارًا في الوضع القائم.

وهناك كثير من الأعمال الأخرى التي يمكنها أن تعود بالنفع على نفسها وعلى زبائنها بمزيد من الشفافية، فمصدرو بطاقات الائتمان يمكنهم أن يبينوا للزبائن المحتملين احتمال دفعهم لرسوم التأخير، وبائعو السيارات يمكنهم أن يوضحوا للناس احتمال أن يقدموا مطالبة على الضمان الممتد، وصالات الرياضة يمكنها أن تخبر أعضاءها كم يدفعون في كل زيارة بِناءً على رسم الاشتراك السنوي ومعدل استخدامهم الفعلي، وفي كل تلك الحالات، تستطيع الشركات أن تصوغ عروضها بما يلائم زبائنها، وتختار أن تنافس في التميز لا في السعر.

ربح أوفر وأعظم

ينبغي أن يؤدي التسعير الصادق إلى زبائن أكثر رضًا، وإلى تمييز أوضح للمنتجات، وينبغي كذلك أن تتمكن الشركات من جني المزيد من المال مع تحسن الهيكل الكلي لتكلفة صناعتها، وهناك بعض الأدلة التجريبية التي تبين كيف يمكن أن يحدث ذلك.

فقد كشفت دراسة حديثة عن حالة أدى فيها توفير المزيد من المعلومات إلى زيادة الأرباح: وهي بطاقات تقييم الصحة للمطاعم، ففي مقاطعة لوس أنجلوس، تقوم إدارة الصحة العامة بمنح جميع المطاعم بطاقة تقييم بدرجات: أ، ب، ج، د. ولسنوات طوال، كان الناس يغفلون عن تلك الدرجات، وكان للمطاعم الحرية في وضع درجتها في نافذتها، ولكن قلة منها فعلت ذلك، بل حتى المطاعم الحاصلة على درجة “أ” كانت تتجنب عرض درجتها، وربما لم ترغب في لفت الأنظار إلى مشكلة النظافة العامة؛ وربما كانت تخشى (ولها في ذلك عذر) مما قد يحدث إذا حصلت في الفحص القادم على درجة “ب”.

وبعد تقرير استقصائي بثته قناة CBS News أظهر بوضوح الظروف غير الصحية في المطاعم المحلية، صوَّت مجلس مشرفي مقاطعة لوس أنجلوس على إلزام عرض تقارير الفحص علنًا، وكان لذلك أثران مباشران: فقد بادرت أغلب المطاعم المتدنية الأداء إلى تحسين شروط النظافة بسرعة (أو أغلقت أبوابها)، وارتفعت المعدلات العامة للدرجات، واكتسب الزبائن ثقة بجودة جميع المطاعم، فكثر إقبالهم عليها، وقد تمكن الباحثان جينجر جين وفيليب ليزلي من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس من قياس الأثر باستخدام بيانات الضرائب المحلية، فوجدوا أن المطاعم الحاصلة على درجة “أ” زادت إيراداتها بمعدل ١٤٪، أي نحو ١٥ ألف دولار لكل مطعم.

ورغم تلك النتيجة، فإن كثيرًا من الشركات قد تعارض تصرف الحكومة في لوس أنجلوس من باب رد الفعل الفوري، وترى فيه تنظيمًا جديدًا (وقد عارضت جمعيات المطاعم ذلك فعلًا)، غير أن المسألة ليست في التنظيم بقدر ما هي في المعلومات تلك المعلومات اللازمة لضمان عدالة المنافسة، والتي لا توفرها السوق دائمًا، ومع أن الشركات ربما ترغب جماعيًّا في إتاحة تلك المعلومات، فإنها لا تملك الحافز نفسه لتغيير البيئة منفردةً، بل قد يكون هنالك ضرر لمن يبادر أولًا فشركة تأجير السيارات التي تلغي من طرف واحد رسوم الوقود الإضافية وتدرجها في السعر المعلن ستبدو أغلى من منافساتها.

وثمة شركات بعينها أبدت استعدادًا للريادة في هذا المجال كشركتي “ساوث ويست إيرلاينز” و”جت بلو إيروايز” اللتين تتبعان تسعيرًا شفافًا في مجالهما، ولعل البقية ينظرون إلى التقليد الطويل الذي يلزم البائعين بالكشف عما يعرفونه عن أنفسهم وعن منتجاتهم، فشركة “هوستس” ملزمة بالإفصاح عن مقدار الدهون في حلوى “توينكي”، ومقرضو الرهن العقاري ملزمون بإدراج معدل النسبة السنوية (APR) في إعلاناتهم، فلمَ لا يُلزَم البائعون بالكشف عما يعرفونه عن مقدار ما يدفعه الزبائن فعليًّا مقابل منتجاتهم؟

فهل، مثلًا، ستجني المصارف مزيدًا من المال لو أن المقترضين لم يعرفوا مقدار ما يدفعونه؟ الأرجح أنها ستنفق أكثر على وسطاء القروض، والإعلانات، والديون المعدومة والدعاوى القضائية؛ إذ تتآكل الأرباح الزائدة بفعل المنافسة على الزبائن المربكين، والعبرة الأوسع أن خداع الزبائن وحده لا يكفي؛ إذ ينبغي للشركات أن تخدع منافسيها أيضًا في ألعاب التسعير، وذلك أصعب بكثير، فالمنافسون ماهرون كذلك في خداع الزبائن، وسينفقون بسخاء لاجتذابهم، فإذا اضطرت المنافسة شركة إلى إنفاق دولار إضافي اليوم لاجتذاب زبون يساوي دولارًا إضافيًّا غدًا، لم يجنِ أحد لا الشركة ولا الزبون نفعًا.

أما التسعير الصادق، فيرغم الشركات على التنافس في جوانب أهم، فبعض صور المنافسة تقلل من حجم الربح الكلي، تأمّل أسعار الفائدة التمهيدية على بطاقات الائتمان أو توزيع الهواتف المحمولة مجانًا؛ والتي تضعف ولاء الزبائن وتزيد من معدل تبدلهم، بينما توسع صور أخرى من حجم الربح، كتطوير الأجهزة الموفرة للطاقة بتحسين جودة المنتج أو تعزيز الابتكار. ولعل المديرين المبدعين ينظرون في كيف يمكن لتحولهم نحو التسعير الصادق في صناعتهم أن يعينهم على بيع مزيد من المنتجات والأفضل منها لقاعدة زبائن أوفى.


[1] يشير تصنيف BTU (British Thermal Unit) إلى القدرة الحرارية للجهاز، أي مقدار الحرارة التي يمكن أن ينتجها أو يزيلها خلال ساعة. وتكمن أهميته في مواءمة قدرة الجهاز مع مساحة المكان، إذ إن اختيار BTU مناسب يسهم في ترشيد استهلاك الطاقة؛ فالمبالغة في القدرة تؤدي إلى هدرٍ غير ضروري، بينما تقلّ القدرةُ عن المطلوب تُجبر الجهاز على العمل بجهد أطول وكفاءة أقل.

مقالات ذات صلة