القائمة الرئيسية

المُغيِّرون الجدد

المُغيِّرون الجدد
ملخص المقال

يتناول المقال تحليل نظرية الابتكار المزعزع (Disruptive Innovation) التي طرحها كلايتون كريستنسن، موضحًا كيف تطورت خلال العقود الماضية مع ظهور الرقمنة والشركات الناشئة الحديثة، التي لم تعد تقدم منتجات أقل جودة ورخيصة فحسب، بل تقدم اليوم منتجات وخدمات تضاهي ما تقدمه الشركات الراسخة بأسعار أقل وتجربة أفضل للمستهلك. يوضح المقال أن هذه الشركات، مثل Warby Parker وCasper وDollar Shave Club، تعيد تشكيل الصناعات التقليدية من خلال البيع المباشر للمستهلك (D2C)، استغلال البيانات الرقمية، وتقديم تجارب مرنة وقابلة للتخصيص، مما يزيد الضغط على الشركات الكبرى التقليدية التي غالبًا ما تتجاهل الابتكارات الجديدة أو تتأخر في الاستجابة بسبب هيكليات الحوافز والمكافآت قصيرة المدى. كما يشير المقال إلى أن الرقمنة وسرعة دخول المنافسين الجدد تجعل الابتكار التقليدي المستدام أقل فاعلية، وتفرض على الشركات الراسخة تبني الاستراتيجية الرقمية القائمة على التجربة والتعلم السريع، والتكيف مع التغيرات المستمرة، بدلًا من تحسين نماذجها القديمة، مع التأكيد على أن القدرة على التعلم والتجربة والتحول السريع هي مفتاح البقاء في عالم الابتكار الرقمي المتسارع.

ريتا غونثر ماغراث

ظهرت نظرية الابتكار المعطل (Theory of Disruptive Innovation) التي وضعها كلايتون كريستنسن إلى العلن قبل خمسة وعشرين عامًا، فقد أوضح كريستنسن، ببصيرة نافذة، أن المعطلين السريعين الذين يدخلون السوق بسلع رخيصة ومنخفضة الجودة يمكن أن يقوضوا الشركات المرتبطة بالمعتقدات السائدة حول ميزة التنافس. لكن ملامح المعطلين قد تغيرت تغيرًا كبيرًا خلال العقد الأخير، فالاختلاف الجوهري يكمن في أنهم يدخلون السوق الآن بمنتجات وخدمات تضاهي تمامًا ما تقدمه الشركات الراسخة. إن صعودهم لا يقوض نظرية كريستنسن، بل يوسِّع نطاقها ويزيد من حيويتها، ويجعل من الصعب، أكثر من أي وقت مضى، على الشركات التقليدية المنافسة.

نظرية التعطيل الكلاسيكية

قبل أن نتأمل كيف تطورت الأمور، دعونا نستعرض بإيجاز سبب تأثير نظرية كريستنسن الكبير وكونها معطلة للأفكار السائدة حول ميزة التنافس، لقد استندت الاستراتيجيات التقليدية إلى مفهوم “الاستراتيجيات العامة” (Generic Strategies)، حيث يمكن للشركة أن تنافس في القمة من خلال التميز، أو في القاع عبر قيادة التكلفة، أو تركز على خدمة قطاع محدد تركيزًا استثنائيًّا، وقد أوضح كريستنسن كيف يمكن للوافدين الجدد تجاهل هذه الديناميكيات الاستراتيجية الأساسية بكل سرور، فقد بيَّن كيف أن نوعًا جديدًا من المنافسين الخطرين يمكن أن يثير الفوضى بدخوله من أدنى مستويات السوق، حيث الهوامش ضئيلة والعملاء مترددون في دفع ثمن أي شيء لا يحتاجون إليه.

يدخل الوافد الجديد السوق بمنتج أو خدمة أرخص وأكثر ملاءمة، لكنها لا تقدم المستوى نفسه للأداء وفقًا للمعايير السائدة التي يتوقعها معظم العملاء من الشركات القائمة التي عملت على تطوير التكنولوجيا لسنوات. ويشعر القائمون بأن بإمكانهم تجاهل الوافد الجديد؛ فمنتجاته ليست فقط أدنى جودة، بل هوامشه أقل، وولاء عملائه أضعف. وبدلًا من ذلك، يختار القائمون التركيز على الابتكار المستدام، أي تحسين الميزات التي كانت ذات قيمة كبرى لعملائهم من الفئة العليا. وقد أظهر كريستنسن الجانب السلبي لتجاهل الوافدين الجدد؛ فعندما يتحسن هؤلاء الطامحون، يصبحون جيدين للغاية في المعايير السائدة القديمة، كما يطورون ابتكارات قوية في السوق الدنيا تجذب عملاء جددًا، وبينما يضاعف القائمون جهودهم فيما اعتادوه، يفشلون في ملاحظة أمرين: أولًا، يغفلون عن القيمة الحقيقية للابتكارات الدنيا التي طورها الوافدون الجدد؛ وثانيًا، يتأخرون في إدراك أن عملاءهم أنفسهم أصبحوا أقل استعدادًا لدفع المزيد مقابل مزيد من السمات القديمة، وهكذا يصبح منتجهم الرئيس سلعة عادية، وتحل محله تكنولوجيا جديدة تلبي احتياجات العملاء المتغيرة بشكل أفضل.

ومن الأمثلة البارزة على هذا المسار ما حدث في شركة إنتل (Intel)، فقد تمتعت الشركة بعقود من الهوامش العالية من خلال بيع شرائح الحاسوب (Chips) عالية الأداء والقوة للحواسيب المحمولة والمكتبية والخوادم، ما أتاح للمستخدمين الاستفادة القصوى من البرمجيات متزايدة الحاجة للطاقة، ولم تكن الشركة (ولا عملاؤها) تكترث كثيرًا لاستهلاك الطاقة؛ إذ كانت الحواسيب الشخصية إما موصولة بشكل دائم بمصدر طاقة وإما مزودة ببطاريات كبيرة تكفي لساعات بين الشحنات. وبفضل هيمنتها شبه الاحتكارية، تجاهلت إنتل مجموعة جديدة من الشرائح الأقل قوة (وإن كانت أقل استهلاكًا للطاقة) المبنية على معمارية ARM (ARM Architecture) التي طورتها شركة بريطانية مغمورة آنذاك.

وقد كشفت ثورة الهواتف الذكية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عن الخلل القاتل في عروض إنتل؛ فقد كانت شرائح الشركة تستهلك كثيرًا من الطاقة، في حين أصبح المستخدمون يفضلون الأجهزة المحمولة الخفيفة التي تدوم طوال اليوم. أما الشرائح المبنية على تصميم ARM فكانت أكثر كفاءة بكثير، وهي السمة الفارقة الجديدة. كان مديرو إنتل يركزون على تحسين المعالجات الدقيقة الأساسية للشركة فيما اعتقدوا دائمًا أنه الأهم؛ لذا فقدت الشركة فرصة رقائق الأجهزة المحمولة، التي عوضت عن هوامش أرباحها المنخفضة بدخولها إلى مليارات — وليس ملايين — الأجهزة.

وتجسد معاناة إنتل مع شرائح الأجهزة المحمولة بُعدين من أبعاد التعطيل التي وصفها كريستنسن، الأول هو دخول منافس جديد إلى السوق بعروض لا تلبي احتياجات العملاء الراسخين (مالكي الحواسيب)، والثاني هو اللحظة التي يخلق فيها هذا الوافد سوقًا جديدة عبر بيع الحلول لمستخدمين لم يكونوا عملاء من قبل، مثل مصنعي الهواتف الذكية.

كما سلطت نظرية كريستنسن الضوء على الكيفية القوية التي تعزز بها معايير الإدارة وهياكل الحوافز هذا النمط، ففي رأيه، تتضافر عديد من هذه العوامل لتثبيط عزيمة المديرين التنفيذيين عن الاستثمار في الابتكار، فالمؤشرات المالية المعبر عنها كنسب، وجداول الاستهلاك المحاسبية، وخطط الأعمال التقليدية، والمكافآت المستندة إلى الأسهم أو الوقت للمديرين، جميعها تقلل من رغبة القائد في السعي وراء ابتكارات غير مؤكدة (وإن كانت ذات عائد مرتفع محتمل). وقد تفاقم كل ذلك بفعل المكافآت الضخمة للمديرين التنفيذيين والمستثمرين على المدى القصير، ما يقوض الاستثمار على المدى البعيد.

صعود الشركات الناشئة الرخيصة والمريحة وعالية الجودة

تجسد شركات اليوم التي تتبع نموذج البيع المباشر للمستهلك (Direct-to-Consumer – DTC) تطورًا جديدًا في نظرية الاضطراب. تستهدف هذه الشركات جوهر أعمال الشركات الراسخة من خلال توظيف مجموعة واسعة من التقنيات الرقمية القوية المعاصرة لتقديم منتجات أو خدمات أرخص وأكثر ملاءمة، وتضاهي في جودتها ما هو متاح حاليًّا في السوق. إن الجمع بين “الجودة المماثلة” والتقنيات الرقمية الحديثة يشكِّل نقطة تحوُّل ضخمة، ما يزيد الضغوط على الشركات التقليدية أكثر من أي وقت مضى.

كان الافتراض التقليدي الذي يقوم عليه معظم قطاع التجزئة أن حارس البوابة لمبيعات المنتجات سيكون الموزعين الكبار مثل Walmart أو Target أو Carrefour. كان على البائعين إثبات وجود طلب كبير بما يكفي من شريحة عملاء واسعة ليحظوا بمكان على رفوف الموزعين، وقد أدَّى هذا الدور التنظيمي إلى عدة نتائج جانبية؛ أولًا أن المنتجات كان يجب أن تكون موحدة إلى حد كبير لضمان التناسق عبر مختلف مواقع الموزعين. ثانيًا أن المصنعين كانوا يمتلكون معلومات بدائية نسبيًّا عن هوية المشترين، وكيفية تخزين المنتجات وعرضها، وأدائها مقارنة بمنافسيهم الذين يبيع لهم الموزع نفسه. وكان للمنتج سيطرة محدودة على تجربة الشراء. وبالنسبة إلى كثير من المنتجين، كان “العميل” الأهم هو بائع التجزئة، لا المستهلك النهائي.

شهد عقد 2010م انفجارًا في شركات المنتجات الاستهلاكية التي استغنت عن حراس البوابة لتقدم منتجاتها مباشرة إلى المستهلكين، ومن هنا جاء مصطلح D2C أو البيع المباشر للمستهلك. شركات مثل Warby Parker (تأسست عام 2010م)، Dollar Shave Club (2011)، Glossier (2010)، Away (2015)، Casper (2014)، وBonobos (2007) تعيد تشكيل قطاعات متنوعة مثل النظارات، ومستحضرات العناية بالرجال، والعناية بالبشرة، والسفر، والمراتب، والملابس. ويكاد عرض القيمة لديها للعملاء يتمثل دائمًا في منتج مماثل بسعر أقل. والأهم من ذلك، أنها تقدم تجربة تسوق تزيل كثيرًا من العقبات والمضايقات المرتبطة بالتجزئة التقليدية.

لقد تعمَّد Dollar Shave Club (الذي استحوذت عليه Unilever مقابل مليار دولار عام 2016م) انتقاد العيوب في نموذج الأعمال التقليدي لمنتجات الحلاقة الرجالية. ففي مقطع فيديو ساخر انتشر كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سخر المؤسس المشارك مايكل دوبين من ممارسات الشركات الراسخة، فقال لجمهوره الشاب في معظمه: “هل تحب إنفاق عشرين دولارًا شهريًّا على شفرات حلاقة تحمل علامة تجارية؟ تسعة عشر منها تذهب إلى روجيه فيدرر!… توقف عن دفع ثمن تقنيات حلاقة لا تحتاج إليها”. واضطرت شركة Gillette، الرائدة في السوق، إلى الرد بتخفيض الأسعار، وإطلاق نادٍ للحلاقة خاص بها، وحتى خوض غمار الإعلانات الجريئة (التي لاقت ردود فعل متباينة). ومع ذلك، تراجعت حصتها السوقية، سواء بسبب المنافسة مع شركات D2C مثل Dollar Shave Club وHarry’s، أو بسبب ميل الرجال، خاصة الأصغر سنًّا، إلى إطلاق اللحى.

في مدة وجيزة، غيَّر المنافسون الجدد سلوك العملاء تغييرًا جذريًّا في ثلاثة محاور رئيسة:

• أصبح المستهلكون الآن مستعدين لشراء السلع الصلبة مثل المراتب، والأثاث، بل حتى السيارات عبر الإنترنت. كانت الأجيال السابقة تعد ذلك أمرًا لا يمكن تصوره، فقد كان اتخاذ قرار خطأ يعني تكبُّد تكاليف إرجاع باهظة، وهدر كثير من الوقت، واستمرار القلق حول الجودة والسلامة، وربما حتى خسائر مالية. ولأن اتخاذ قرار خطأ كان يُعد مخاطرة، كان الافتراض أن المستهلكين سيرغبون دائمًا في لمس هذه السلع وتجربتها قبل الإقدام على شراء كبير.

لقد أزال المبتكرون الجدد هذا الخطر والتعقيد. لا تعجبك مرتبة Casper بعد 99 يومًا؟ لا مشكلة، ستأتي الشركة لاستلامها منك مجانًا. لقد قللت Casper من مخاطر اتخاذ قرار كان يُعد سابقًا عالي المخاطرة. في عام 2019م، تجاوزت إيرادات الشركة 500 مليون دولار، مقتطعة حصة من صناعة بلغت مبيعاتها نحو 27 مليار دولار في العام نفسه.

• يمكن بيع كل شيء تقريبًا كخدمة: فبينما بدأت الفكرة مع البرمجيات (نموذج البرمجيات كخدمة – Software-as-a-Service أو SaaS)، يمكنك الآن الاستفادة من الملابس، والأثاث، والسيارات، والشاحنات، والمعدات الثقيلة، بل حتى الحيوانات الأليفة، بنظام الاشتراك أو التجربة المحدودة. لماذا تملك المنتجات إذا كان بإمكانك الحصول على الفوائد نفسها عند الحاجة فقط، وبتكاليف مرنة؟

• الطاقة الفائضة أصبحت أصلًا للمستهلك: النموذج الأبرز لهذا التوجه هو Airbnb، الذي أنشأ سوقًا يستطيع فيها الأشخاص العاديون الذين يملكون عقارات غير مستغلة تحقيق دخل من تأجير مساحاتهم للغرباء. ووفقًا لتقارير عام 2019م، أنفق الأمريكيون مع Airbnb أكثر مما أنفقوه مع Hilton؛ إذ بلغت حصة Airbnb نحو 20% من إنفاق المستهلكين على الإقامة. ويمتد هذا النموذج اليوم إلى فئات أصول أخرى، مع شركات ناشئة مثل Neighbor.com التي تربط بين أصحاب المنازل الذين لديهم مساحة زائدة وأشخاص يحتاجون إلى مساحة تخزين.

وبالنظر إلى نجاح هذه الشركات الجديدة من نوع D2C وموثوقيتها وقيمتها المثبتة، ليس من المستغرب أن قيمة كثير من العلامات التجارية العريقة تشهد تراجعًا حادًّا. فكما تتيح التقنيات الرقمية للشركات بناء أعمالها في مدة وجيزة، تساعد وسائل التواصل الاجتماعي، والقنوات الرقمية، والمؤثرون عبر الإنترنت العلامات التجارية الجديدة على بناء هويات وسمعة قوية بسرعة فائقة.

العناصر الرقمية في النموذج الاضطرابي الجديد

تشترك هذه الشركات الجديدة من نوع D2C في عدة سمات، كل منها مدفوع بالتقنيات الرقمية، والخوارزميات، وتحليل البيانات، وأشكال جديدة من الاتصال الرقمي.

الوصول إلى الأصول، لا ملكية الأصول. كانت المنظمات التقليدية تعتمد على الأصول التي تملكها لتحقيق ميزة تنافسية وإقامة حواجز أمام دخول المنافسين. أما منظمات البيع المباشر إلى المستهلك (D2C)، فتشارك عوضًا عن ذلك في منصات رقمية يمكنها تمثيل طرفي المعاملة عند الطلب بشكل افتراضي، ما يزيل الاحتكاك والمخاطر. إن التعاقد على استخدام الأصول في سوق مفتوحة يتيح لها التوسع بسرعة، غير أن هذا يجعل نماذج أعمالها سهلة التقليد نسبيًّا من قبل الآخرين. فعلى سبيل المثال، يُعتقد أن قطاع بيع المراتب عبر الإنترنت وتوصيلها في صناديق يضم ما يصل إلى ١٥٠ داخلًا جديدًا إلى السوق. ويعكس هذا العدد من الوافدين الجدد ما وصفه أستاذَا جامعة هارفارد ويليام سالمان وهوارد ستيفنسون منذ سنوات بقصر النظر في أسواق رأس المال (capital market myopia)، حيث تندفع الشركات الناشئة إلى فئة لا يمكنها استيعاب الجميع.

التشارك في الابتكار مع العملاء: تقضي القنوات الرقمية على الوسطاء، وكما يوحي اسمها، تبني شركات البيع المباشر إلى المستهلك (D2C) علاقة مباشرة مع عملائها، ما يمنحها حلقات تغذية راجعة قوية تتيح لها التجربة والتكرار وتخصيص العروض بسرعة ومرونة أكبر بكثير من تجار التجزئة التقليديين. وتبتكر أفضل العلامات التجارية في هذا المجال تجربة متكاملة من البداية إلى النهاية، فتجذب انتباه العميل وولاءه وبياناته طوال العملية، دون مشاركتها مع أي طرف آخر.

دائمة الاتصال وقائمة على الأجهزة المحمولة: لطالما وُجدت منظمات تبيع مباشرة للمستهلكين (فكر في L.L. Bean أو Lands’ End). لكن الجيل الجديد من شركات البيع المباشر إلى المستهلك (D2C) يستخدم تقنيات البنية التحتية المحمولة ليجعل التفاعل تجربة مستمرة على مدار الساعة. وأصبح المستهلكون يتوقعون أن تكون هذه الشركات شريكًا سهلًا ومتاحًا لإجراء المعاملات وتقديم الدعم، مانحة إياهم ما يرغبون فيه في الوقت الذي يريدونه.

نماذج أعمال بيئية خفيفة رأس المال: من السمات المشتركة للشركات الناشئة في مجال البيع المباشر إلى المستهلك (D2C) أنها تتطلب رأس مال تقليديًّا ضئيلًا نسبيًّا، فهي تستعين بمصادر خارجية لمعظم العمليات، وتنضم إلى أنظمة بيئية قائمة على المنصات الرقمية، حيث تصبح البنية التحتية موردًا مشتركًا. ولا تتنافس هذه الشركات في مجال التوزيع أو سلاسل الإمداد الفُضلى؛ إذ يمكنها تجميع سلاسل إمداد معقدة في جزء يسير من الوقت والتكلفة مقارنة بالعالم التناظري، بل تتنافس فيما هو أكثر أهمية: تجربة عميل أفضل.

نظرية الاضطراب: ما الذي يبقى ثابتًا

صمدت نظرية كريستنسن الأصلية في الاضطراب جيدًا في تفسير سبب قدرة الشركات الناشئة التي تفتقر إلى الأصول أو العلامات التجارية القائمة على اقتناص حصة سوقية من المنافسين الراسخين. وكما توقعت النظرية، لا يزال المنافسون الراسخون يرون الاستثمار في الابتكار الذي قد يؤدي إلى أكل جزء من أعمالهم الحالية أمرًا غير جذاب وخطيرًا، فليس لديهم حافز كبير لملاحقة الفرص التي تحقق هوامش أرباح أقل من أعمالهم الأساسية، كما أن مؤشراتهم المؤسسية تعزز هذا الوضع القائم.

وكما تنبأ كريستنسن أيضًا، فإن “المهام” التي يسعى العملاء إلى إنجازها في حياتهم تبقى مستقرة بشكل ملحوظ، حتى إن خلقت التقنيات الرقمية طرائق جديدة كليًّا لإنجاز تلك المهام. فكر في مهمة جعل الشقة مريحة من خلال تأثيثها. يجد العاملون الشباب المتنقلون في المدن اليوم أن تأجير الأثاث أكثر ملاءمة لهم من شرائه، ويمكن أن يُفاجأ المنافسون التقليديون بهذا التحول في كيفية إنجاز المهمة، وقد يكتشفون أن منافسهم ليس تقليديًّا، بل شركة من قطاع مختلف تمامًا أتقنت التقنيات الرقمية الجديدة. فعلى سبيل المثال، تتعاون Apple مع Goldman Sachs لإصدار بطاقة ائتمان تحمل علامة Apple. ويمكن أيضًا النظر إلى تهديد تاجر التجزئة الإلكتروني Alibaba للبنوك بأنظمة الدفع الخاصة به، أو دخول Amazon إلى قطاع البقالة والمتاجر التقليدية، أو سعي Uber إلى الهيمنة على توصيل الطعام من طرف ثالث.

تنطبق نظرية كريستنسن أيضًا على حقيقة أن جذب عملاء جدد من خلال خفض الأسعار بما يكفي للتنافس مع حالة عدم الاستهلاك لا يزال يمثل فرصة متاحة للوافدين إلى السوق الأذكياء. فكما اجتذب المنافسون التقليديون الجدد المشترين إلى أسواق جديدة عبر خفض الأسعار، تجعل الشركات الرقمية المزعزعة العملية أرخص وأسهل وأسرع بكثير ليصبح المرء عميلًا. خذ على سبيل المثال ما حدث في سوق أجهزة السمع، كان تركيب جهاز سمع تقليدي يتطلب زيارة مرهقة ومكلفة للغاية لاختصاصي السمعية، وعملية معقدة للتركيب والتعديل. أما شركة Eargo الناشئة المدعومة برأس مال مغامر، فتتجاوز كل ذلك؛ فأجهزتها “غير المرئية” (المستوحاة من طُعم الصيد) توضع داخل الأذن ويمكن تركيبها ذاتيًّا، وتُشحن في علبة خاصة، من دون الحاجة إلى البحث عن البطاريات وتغييرها. وتأتي أجهزة Eargo بسعر أقل من الأجهزة التقليدية، ما يفتح سوقًا واسعة للأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة سمعية ولا يستطيعون تحمل النموذج التقليدي (خاصة مع عدم شمول معظم خطط التأمين الصحي لأجهزة السمع).

وأخيرًا، لا تزال رؤية كريستنسن لما سماه معضلة الرأسمالي قائمة بيننا، ففي كثير من المؤسسات الكبرى، لا تتوافق الحوافز مع الابتكار الذي يخلق أسواقًا جديدة. ومن أبرز الأمثلة: عمليات إعادة شراء الأسهم الضخمة، التي تكافئ التنفيذيين بسخاء في حين تستنزف الشركات من السيولة التي كان يمكن استثمارها في ابتكارات تهدف إلى استقطاب عملاء جدد عبر تحويل المنتجات والخدمات الحصرية إلى أخرى أبسط وأقل تكلفة.

نظرية الاضطراب: ما الذي تغيَّر

وصف كريستنسن (Christensen) الاضطراب بأنه عملية تستغرق بعض الوقت، حيث يتقدم القادمون الجدد ببطء من هامش الأعمال إلى مركزها الرئيس. وأبرز تغيير منذ أن عرض نظريته لأول مرة هو أن المنافسين الرقميين باتوا قادرين على التحرك بسرعة غير مسبوقة.

لم تكن ظروف الدخول إلى أي قطاع يحقق أي هامش ربح أفضل مما هي عليه اليوم، فهناك تمويل موجود بوفرة (حتى وقت كتابة هذه السطور)، ووفرة في المواهب ضمن اقتصاد العمل الحر (gig economy)، ومستهلِكون اعتادوا شراء أي شيء تقريبًا دون رؤيته مسبقًا، وتقنيات رقمية تسهِّل كل عملية كانت في السابق تشكل عقبة. كما أظهرت شركات مثل واربي باركر (Warby Parker) وكاسبر (Casper) وغيرهما، فإن المزعجين الذين يمتلكون عرض قيمة تنافسية يمكنهم تحقيق نمو واسع النطاق بسرعة لم يكن من الممكن تصورها من قبل.

هناك انحراف ثانٍ عن نظرية الاضطراب يتعلق بالعلاقة بين الأعمال التقليدية الأساسية والمشاريع المبتكرة الجديدة. في الصياغة الأصلية، كان الجزء الأساسي من الأعمال يتمتع بأرقام إيرادات متوقعة (وإن كانت تتراجع ببطء)، وزبائن يمكن تحديد احتياجاتهم، ومكافآت لمن يكرر النموذج الحالي على نطاق واسع. أما الأعمال الجديدة المبتكرة، فقد عملت بنسبة عالية من الافتراضات مقارنة بالمعرفة، ما أدى إلى ممارسات مثل التخطيط القائم على الاكتشاف، والاختبار والتعلم، والتجريب السريع.

أما اليوم، فإن الاضطراب الرقمي صار شديدًا إلى درجة أن الأعمال الأساسية أقل موثوقية من أي وقت مضى، وقد يكون تراجعها سريعًا إلى حد تهديد الكيان بأكمله. خذ على سبيل المثال مصير شركة جنرال إلكتريك (General Electric)، التي كانت يومًا ما محط إعجاب دراسات إدارة الأعمال، وأصبحت الآن توصف بأنها “تعيش على أجهزة الإنعاش”. أدركت إدارة جنرال إلكتريك في وقت مبكر نسبيًّا أن الرقمنة ستحدث تغييرات ضخمة في أعمالها. وفي عام 2013م، شرعت في تحول رقمي بإطلاق منصة تدعى بريديكس (Predix)، التي كان من المفترض أن تستفيد من الإنترنت للأشياء (internet of things) وتحدث اضطرابًا في هذا التكتل العريق. لكن جنرال إلكتريك أخفقت في تحقيق التوازن بين استثماراتها المستقبلية وحاجتها إلى تحقيق أرقام ربع سنوية. وعندما فشلت بريديكس، أثّر انهيارها سلبًا في صحة أقسام الشركة الأساسية الأخرى، ما ترك الشركة في وضع حرج.

هناك تغيير مهم آخر حدث منذ نشر أعمال كريستنسن المبكرة، وهو أن الشركات الراسخة تعلمت شيئًا أو اثنين عن الاضطراب؛ فقد قرر قادة شركة توزيع المعادن الألمانية كلوكنر (Kloeckner)، على سبيل المثال، أنه إن لم يُنشئوا منصة رقمية للأعمال، فإن شركة ناشئة ستفعل ذلك بدلًا منهم، ومنذ ذلك الحين وهم في رحلة ثابتة نحو رقمنة صناعتهم. شركات أخرى راسخة أصبحت مستعدة لاستخدام مواردها استخدامًا هجوميًّا لمواجهة الاضطراب؛ فهي تدفع مبالغ ضخمة للاستحواذ على الشركات الناشئة، وتحاول استيراد عقلية الشركات الناشئة وممارساتها، وتستفيد من مواردها وثقلها لتسريع نمو استحواذاتها الرقمية أو فروعها الجديدة. فعلى سبيل المثال، أنفقت وولمارت (Walmart) مبلغ 3.3 مليارات دولار للاستحواذ على جيت دوت كوم (Jet.com)، وملايين أخرى لشراء سلسلة من شركات البيع المباشر للمستهلكين (D2C) التي تجذب الفئات الشابة. كما أنفقت جنرال موتورز (GM) وفورد (Ford) بكثافة للمنافسة في قطاع المركبات ذاتية القيادة الناشئ. لقد قرأ المنافسون الراسخون أعمال كريستنسن، وأفضلهم يبذلون كل ما في وسعهم لتجنب أخطاء الماضي المترهلة.

بشكل عام، عند مواجهة الاضطراب، يبدو أن الشركات الراسخة تنقسم إلى ثلاث فئات: الأولى هي تلك التي تقع في فخ كريستنسن الكلاسيكي وتتجاهل التغيير المحتمل تمامًا. والثانية هي التي تلاحظ الاضطراب وتبالغ في رد الفعل، فتنفق مبالغ هائلة من المال والوقت في محاولات للدخول الفوري إلى السوق المزعجة الجديدة. أما ما ألاحظه فهو أن شركات مثل كلوكنر، التي تبدأ باستثمارات متواضعة في الاضطرابات المحتملة، تخلق تدريجيًّا القدرات اللازمة للانتقال إلى المرحلة التالية من دون انهيار أو تحول مفرط. فعلى سبيل المثال، أنشأت تويوتا (Toyota) سوقًا جماهيرية للسيارات الكهربائية الهجينة دون التخلي عن أعمالها الأساسية في محركات الاحتراق الداخلي، وهي واحدة من المنافسين القلائل المربحين في مجال السيارات الكهربائية.

الطريق أمام الشركات الراسخة

ينبغي لكل شركة تقليدية أن تدرك أن مفهوم الابتكار المستدام نفسه معرض للخطر عندما يكون الهجوم الرقمي على الأعمال الأساسية سهلًا وسريعًا وميسور التكلفة كما هو الحال اليوم؛ فالرقمنة تضاعف شعار الاضطراب “أسرع وأرخص وكافٍ” إلى أقصى حد. النماذج التجارية التي تتيحها الرقمنة تخلق نقاط تحول محتملة لكل شركة تقليدية، ويجب على القادة الكبار وأعضاء مجالس الإدارة أن يقبلوا بأنه لا توجد رهانات آمنة.

ومع ذلك، كثيرًا ما ينفق قادة الشركات الراسخة أموالًا طائلة على جهود التحول الرقمي التي تفشل في أخذ الاقتصاديات الجديدة ونماذج الأعمال الخاصة بالمزعجين الرقميين في الحسبان؛ فمجرد أتمتة النماذج التجارية القديمة لا يفيد الشركة في الاستفادة من نسب السعر/الأداء المزعزعة التي يمكن للأدوات الرقمية تحقيقها.

لا يزال هناك كثير مما يجب تعلمه عن كيفية المنافسة في عالم يتحرك بسرعة الرقمنة. وهذا يضع قيمة كبيرة على القدرة على التعلم السريع والتجريب ثم التحول بِناءً على الرؤى المستخلصة. يجب على الشركات الراسخة أن تتوقف عن إنفاق الأموال في محاولة أن تكون نسخة أفضل من ذاتها التناظرية، وأن تبدأ بالتعامل مع الاستراتيجية الرقمية بعين الاكتشاف والبحث.

المراجع

1. C.M. Christensen, “The Innovator’s Dilemma: When New Technologies Cause Great Firms to Fail” (Boston: Harvard Business School Press, 1997).

2. M.E. Porter, “Competitive Strategy: Techniques for Analyzing Industries and Competitors” (New York: The Free Press, 1980).

3. C.M. Christensen, M.E. Raynor, and R. McDonald, “What Is Disruptive Innovation?” Harvard Business Review 93, no. 12 (December 2015): 44-53.

4. W.A. Sahlman and H.H. Stevenson, “Capital Market Myopia,” Journal of Business Venturing 1, no. 1 (winter 1985): 7-30.

5. C.M. Christensen, T. Hall, K. Dillon, et al., “Competing Against Luck: The Story of Innovation and Customer Choice” (New York: HarperBusiness, 2016).

6. C.M. Christensen and D.C.M. van Bever, “The Capitalist’s Dilemma,” Harvard Business Review 92, no. 6 (June 2014): 60-68.

7. W. Lazonick, “The Curse of Stock Buybacks,” The American Prospect, summer 2018, 34-38.

8. Christensen et al., “What Is Disruptive Innovation?”

9. T. McEnery, “Like a Body on Life Support Fluttering Its Eyelids, General Electric Releases Quarterly Results,” DealBreaker, July 31, 2019, https://dealbreaker.com.

مقالات ذات صلة