القائمة الرئيسية

تطوير القيادة متعددة الجوانب

تطوير القيادة متعددة الجوانب
ملخص المقال

يرى المقال أن الخلل الأساسي في فهم القيادة لا يكمن في نقص المهارات فقط، بل في الإفراط في استخدام نقاط القوة حتى تتحول إلى نقاط ضعف، ويؤكد أن الفعالية القيادية الحقيقية تقوم على التوازن والمرونة لا على الانحياز لأسلوب واحد. ويطرح نموذجًا ثنائيًا للقيادة يقوم على زوجين متكاملين: الحزم مقابل التمكين (كيف يقود القائد)، والاستراتيجية مقابل التشغيل (ما الذي يقوده)، موضحًا أن القادة غالبًا ما يميلون إلى أحد الطرفين على حساب الآخر بسبب خبراتهم السابقة، أو قناعات ذهنية مشوهة، أو مخاوف داخلية من الضعف أو عدم الكفاءة. ويبيّن أن القائد الفعّال هو القادر على الانتقال الواعي بين هذه الأساليب المتعارضة بحسب الموقف، مستخدمًا كلًّا منها بالقدر المناسب، وأن هذا “التعدد القيادي” يرتبط بقوة بتقييمات الفعالية العامة وفق دراسات ميدانية وأدوات تقييم بزاوية 360 درجة قادرة على قياس الإفراط لا مجرد النقص. ويخلص المقال إلى أن تطوير القيادة يتطلب وعيًا ذاتيًا عميقًا، وتصحيح التحيزات والمخاوف الكامنة، وبناء نماذج قياس وتنمية تعترف بأن الفضيلة القيادية، كما قال أرسطو، هي نقطة الوسط بين الإفراط والتفريط.

روبرت إي. كابلان وروبرت بي. كايزر

تعاني المفاهيم الحديثة للقيادة من قصور خطير، فعلى الرغم من الاعتراف عمومًا بأن القادة الفعّالين يجب أن يمتلكوا عددًا من الصفات ومجموعات المهارات المتناقضة أحيانًا، إلا أن فكرة أن القوة إذا أُخذت إلى أقصى حد يمكن أن تتحول إلى ضعف، لم تُسجّل بالكامل في ممارسة الإدارة. إن الفكرة القائلة بأن الأداء غير الكافي ينتج عن التقصير في أي من المهارات المطلوبة -مثل التفويض، وتقديم التوجيه، والتواصل، والتعاون مع الزملاء، وما إلى ذلك- راسخة جيدًا، وتنعكس في معظم الأنظمة الرسمية المصممة لتقييم المدراء للاختيار أو التطوير. ومع ذلك، فإن فكرة أن مشاكل الأداء يمكن أن تنشأ بالسهولة نفسها من الإفراط في سلوك معين، قد حظيت باهتمام أقل بكثير.

ربما لم يكن التركيز على الإفراط واضحًا بالقدر نفسه؛ لأن جوانبه الإشكالية ليست ظاهرة على الفور؛ فالقادة غالبًا ما يضطرون إلى الذهاب إلى أقصى الحدود لمواجهة التحديات الصعبة. ومع ذلك، من الصعب رسم الخط الفاصل بين بذل الجهد الجاد اللازم لإنجاز الأمور، والمبالغة في ذلك. على سبيل المثال، من المشاكل الشائعة التي تُلاحظ لدى المدراء التنفيذيين الذين تمت ترقيتهم مؤخرًا، هي صعوبة تعديل مجموعات مهاراتهم لتلبية متطلبات وظائفهم الأعلى مستوى. فما كان، في مناصبهم السابقة، يبدو ميولًا غير ضار، بل ومفيدًا أحيانًا، للانخراط بشكل مكثف في التفاصيل التشغيلية، يمكن أن يتحول إلى عبء كبير في أدوارهم الجديدة، مما يؤدي إلى سوء تخصيص الوقت والانتباه بعيدًا عن الاعتبارات الاستراتيجية، أو التدخل في قدرة المرؤوسين المباشرين على أداء وظائفهم. ومع ذلك، حتى في المناصب التنفيذية، هناك مواقف تتطلب من الفرد الانخراط العميق. لذا، فإن فعالية المدراء التنفيذيين تعتمد على قدرتهم على مواءمة صفاتهم ومهاراتهم القيادية بشكل مناسب مع الظروف القائمة.

إن فقدان التوازن في القيادة، المرتبط بفكرة الإفراط والمعروف جيدًا لدى المدراء الأفراد، لم يُسجل بالكامل أيضًا في ممارسة الإدارة، فعند مواجهة نهجين متعارضين، يميل الناس عمومًا إلى الاستقطاب، ويعطون قيمة عالية للنهج الذي يثقون به ويبرعون فيه، بينما يتجاهلون أو يقللون من قيمة النهج الآخر. وعلى الرغم من ذكائهم الواضح، فإن المدراء التنفيذيين ليسوا استثناءً، فقد يكونون موجهين جدًّا نحو المهام، وليسوا موجهين بما فيه الكفاية نحو الأشخاص، أو صارمين جدًّا وغير متجاوبين بما يكفي مع احتياجات الآخرين، أو يركزون كثيرًا على الصورة الكلية، دون إيلاء اهتمام كافٍ للتخطيط والمتابعة. فعلى سبيل المثال، وَصَفَ أحد الأفراد الموهوبين استراتيجيًّا العمليةَ لتنفيذ الخطط بأنها “عمل شاق تشغيلي”. وتحدّث مدير تنفيذي كبير بنى مسيرته المهنية على إصلاح العمليات المتعثرة عن اجتماعات الاستراتيجية، بأنها “إضاعة للوقت”. وأعرب قائد قوي بطبيعته عن تحفظات شديدة تجاه الأشخاص الذين يتبعون نهج “التوافق والمسايرة”. وكان آخر متعلقًا جدًّا بفكرة أن يكون “لطيفًا” مع فريقه، ويحمل ضغينة تجاه المدراء الذين يقودون بقوة شخصية واضحة.

لقد لاحظنا مثل هذه الاختلالات بشكل شائع عند تقييم المدراء التنفيذيين في عملنا الاستشاري حول القيادة. ولمعالجة هذه الاختلالات، وجدنا أنه من المفيد تعريف المهارات والصفات القيادية من حيث النهجان المزدوجان اللذان قد يبدوان متعارضين، لكنهما معًا يشكلان كلًّا متوازنًا. تؤدي هذه النظرة إلى فكرة أن فعالية القيادة هي القدرة على الاستفادة بحرية من الجانبين المتعارضين حسب ما تقتضيه الحالة، دون تحيز أو تفضيل لأي منهما، بعبارة أخرى، القدرة على أن تكون متعدد الجوانب. وقد اتضح لنا في عملنا أن هناك توازنين رئيسيين يجب تحقيقهما في هذا الصدد: التوازن بين القيادة الحازمة والقيادة التمكينية (وهو أول توازن يظهر وهو الأكثر دراسة لدينا)، والتوازن بين القيادة الاستراتيجية والقيادة التشغيلية. وهذا لا يعني ألَّا توجد تمييزات رئيسية أخرى -مثل التمييز بين مهارات الإدارة العامة والخبرة التقنية/الوظيفية، على سبيل المثال- لكنّ التوازنين المذكورين هنا يفوقان غيرهما أهمية.

وبالاستعانة بالأدبيات وبالاعتماد على خبرتنا المباشرة مع القادة التنفيذيين، نعرّف القيادة الحازمة بأنها القيادة القائمة على ذكاء القائد وطاقته في تولي زمام الأمور، واتخاذ المواقف، وامتلاك حضور قيادي، واتخاذ القرارات الحاسمة، وضع توقعات عالية للآخرين، وتحميلهم المسؤولية، واتخاذ قرارات صعبة، وطرح أسئلة عميقة، وما إلى ذلك. ونعرّف القيادة التمكينية بأنها خلق الظروف التي تسمح للآخرين بأن يكونوا قوى فاعلة بحد ذاتهم، وتمكينهم، والاستماع إلى وجهات نظرهم، والاستجابة لاحتياجاتهم، والتفهم عند عدم إنجازهم، ومشاركة الأضواء، وما إلى ذلك. نعرّف القيادة الاستراتيجية بأنها تحديد الاتجاه طويل الأمد، والتفكير بشكل واسع حول المنظمة، والبحث عن طرق لتنمية الأعمال، ومواءمة الأشخاص مع الرؤية والاستراتيجية، وما شابه ذلك. ونعرّف القيادة التشغيلية بأنها التركيز على النتائج قصيرة الأجل، والانخراط في التفاصيل التشغيلية، والتأصل في واقع تنفيذ الاستراتيجية، واستخدام العمليات لضمان التزام الأشخاص بالمسار الصحيح، وما إلى ذلك.

يبدو أن هذين التوازنَين يكملان بعضهما بعضًا: فالثنائية الاستراتيجية-التشغيلية تصف “ما” يعمل عليه المدراء، أما الثنائية الحازمة-التمكينية، فتصِف “كيف” يقومون بذلك.

هاتان الثنائيتان الأساسيتان مفهومتان ضمنيًّا، حتى وإن لم تتم صياغتهما بالكامل، من قبل معظم المدراء. في الواقع، لطالما ميّز خبراء القيادة تمييزات مماثلة في الأدبيات. فمصطلحات “الحازمة” و”التمكينية” على سبيل المثال، هي مصطلحاتنا (في الواقع، هي اللغة التي يستخدمها المدراء) لتمييزٍ كُرِّرَ مرارًا خلال الخمسين عامًا الماضية، مثل القيادة الاستبدادية والمشاركة، وبناء الهيكل والاعتبار، و”الأمر والسيطرة” مقابل التركيز على الموظف. ومع ذلك، فإن النماذج المستخدمة عادة اليوم -التي تُسمى نماذج الكفاءة- غالبًا ما تتكون من قوائم طويلة وغير قابلة للتذكر من المهارات والصفات الشخصية التي لا تُجمع عادةً بشكل ثنائي. لذلك، تفوت هذه النماذج فرصة تحديد عدم التوازن، الذي نراه أكثر العوائق شيوعًا أمام تطوير القيادة الفعالة. ويستند موقفنا إلى الطبيعة الثنائية الجوهرية للقيادة: فلكل حقيقة هناك حقيقة معاكسة متساوية، وتكون نماذج القيادة أكثر فائدة عندما تحترم هذه الحقيقة.

عن البحث

أُجْرِيَ البحث المبلغ عنه هنا على مرحلتين؛ كانت المرحلة الأولى بحثًا عمليًّا: أجرينا تقييمات شاملة لقيادة مدراء كبار أفرادًا من خلال مقابلة العديد من الزملاء، السابقين والحاليين، وإجراء مجموعة من الاختبارات النفسية. قمنا بتحليل البيانات بدقة، وناقشناها مع كل مدير تنفيذي. وظهرت أنماطٌ –تدريجيًّا- الحزم المفرط، والقيادة التمكينية مكمّلًا للقيادة الحازمة، وميل المدراء التنفيذيين إلى أن يكونوا غير متوازنين في هذا الاتجاه أو ذاك، وهكذا. ثم طور روبرت كابلان استبيانًا بزاوية 360 درجة لقياس التعددية القيادية، أو نقصها، في القيادة الحازمة والتمكينية. ولاحقًا ظهرت ثنائية رئيسية ثانية -القيادة الاستراتيجية والتشغيلية- من خلال بحثنا العملي المستمر، وأضفناها إلى الاستبيان. وقبل كل شيء، كان يجب أن يتضمن الاستبيان طريقة لقياس الإفراط، وهو أمر جوهري في عدم التوازن. النسخة الحالية من هذا المقياس هي:

في البحث الذي أجريناه حتى الآن، باستخدام ثلاث عينات من المدراء التنفيذيين الأمريكيين وأجيال متطورة من استبيان 360 درجة، الذي يُسمى الآن “مؤشر التعددية القيادية”، أثبتت طريقة التقييم القائمة على الثنائيات هذه موثوقيتها وصحتها. إن أزواج عناصر الاستبيان الحالية التي تقيس التعددية القيادية على كل من الثنائيتين، تتمتع بموثوقية داخلية جيدة، إذ تبلغ في التسعينيات للتعددية على ثنائية الحزم/التمكين، وفي الثمانينيات المنخفضة للتعددية على ثنائية الاستراتيجية/ التشغيلية. إضافة إلى ذلك، تتقارب تقييمات الرؤساء والزملاء والمرؤوسين المباشرين بدرجة عالية. كما أن مؤشرات موثوقية واتفاقية التقييم بين المقيمين، تتجاوز بسهولة الحد الأدنى المعياري البالغ 0.70، وغالبًا ما تصل إلى نهاية الثمانينيات العليا ضمن كل مجموعة تقييم.

اختبرنا فرضيتنا التي تقول: إن التعددية (القدرة على التكيّف) هي العنصر الأساسي في الفعالية، من خلال الربط بين الدرجات على مؤشر التعددية وتقييمات الفعالية العامة. مقياس الفعالية هو عنصر واحد يتم تقييمه من قبل الزملاء على مقياس من 10 نقاط، حيث تمثل الدرجة 10 أداءً متميزًا و5 أداءً مقبولًا، وتشير تحليلاتنا إلى أن هذا المقياس يتمتع بدرجة معقولة من الموثوقية والصحة. للوصول إلى مؤشر التعددية، نستخدم نظرية فيثاغورس لتقليص الدرجات على الجانبين المتقابلين إلى رقم واحد لكل من الثنائيتين: القوة/ التمكين، والاستراتيجية/ العمليات.

في كل واحدة من الدراسات الثلاث التي أجريناها -تناولت اثنتان فقط القيادة القائمة على القوة/ التمكين، وتناولت واحدة كلتا الثنائيتين- كان هناك ارتباط كبير بين مؤشر التعددية والفعالية العامة، بمتوسط في النطاق الأعلى من 0.50. كان هذا صحيحًا بالنسبة لتقييمات جميع الزملاء مجتمعين، ولكل مجموعة (الرؤساء، والأقران، والتقارير المباشرة) بشكل منفصل. كما كانت الارتباطات ذات دلالة إحصائية عندما تم تقييم التعددية والفعالية من قبل مجموعات مختلفة. علاوة على ذلك، في الدراسة التي تناولت كلتا الثنائيتين، كان الارتباط بين التعددية والفعالية حوالي 0.60 في كل حالة، وكل منهما ساهم بشكل مستقل في التنبؤ بالفعالية، حيث فسرا معًا أكثر من نصف التباين. وبعبارة أخرى، فإن التعددية من حيث هاتان الثنائيتان، شكلت الجزء الأكبر مما يعنيه أن تكون مديرًا فعالًا.

تحديد القيادة غير المتوازنة

لكي تتمكّن أداة التقييم من تشخيص عدم التوازن أو الانحراف، يجب أن تكون قادرة على قياس الإفراط، وهو أمر لا تقوم به عادة مقاييس تقييم الأداء الشائعة. بل على العكس، تعزز وجهة النظر القائلة بأن “المزيد أفضل” من خلال محاولة قياس إما عدد المرات التي ينخرط فيها المدير في السلوك (على سبيل المثال، مقياس من خمس نقاط يتراوح من “أبدًا” إلى “إلى حدٍّ كبير جدًّا”)، أو مدى جودة أداء المدير لمهمة أو سلوك معين (على سبيل المثال، على مقياس من خمس نقاط يتراوح من “غير فعال” إلى “ممتاز”). وبما أنه يُفترض أن الدرجات الأعلى على هذه المقاييس تشير إلى الكفاءة أو الإتقان، فلا يوجد تمييز بين درجة “متكرر كثيرًا ” ودرجة “متكرر أكثر من اللازم”، ولا أي اعتراف بإمكانية أن يمتلك المدير قدرًا زائدًا من الصفة المرغوبة.

ما هو مطلوب إذًا، هو طريقة لقياس القيادة تأخذ في الاعتبار إمكانية، بل وحقيقة، أن الأداء الإداري الضعيف قد ينتج ليس فقط عن نقص في بعض المهارات والسلوكيات، بل أيضًا عن الإفراط فيها. لقد جعل أرسطو هذه الحقيقة البسيطة جوهرًا في “الأخلاق”؛ فقد عدَّ الفضيلة أو الفعالية نقطة الوسط بين الإفراط والنقص. ولقياس الأداء وفقًا لهذه الفكرة القديمة والجديرة بالاحترام، نحتاج فقط إلى استخدام مقياس يسمح للمقيّمين بالتمييز بين القليل جدًّا، والقدر المناسب، والكثير جدًّا.

أدرجنا مثل هذا المقياس في مؤشر تعددية القيادة لدينا، وهو استبيان بزاوية 360 درجة استخدمناه مدّةَ عشر سنوات. بالإضافة إلى تحديد النقص والكفاية، فإن أداة التقييم تلتقط أيضًا ميل المدير إلى المبالغة في سلوكيات معينة. قدرة مقياس التقييم على رصد الإفراط في بعد واحد مثل القيادة القوية، يمكن أن يساعد بدوره في تحديد عدم التوازن في ثنائية مثل القوة/ التمكين.

وباستخدام نسخة مبكرة من مؤشر تعددية القيادة، أنشأنا مقياسين موثوقين إحصائيًّا، أحدهما لقياس القيادة القوية، والآخر لقياس القيادة المُمكِّنة (على سبيل المثال: “يتخذ قرارات صعبة” مقابل “يتسم بالتعاطف”، “يتخذ الأحكام” مقابل “يُظهر التقدير”، “يفرض القضايا” مقابل “يعزز الانسجام”). وعندما درسنا عينة من 107 مدراء تنفيذيين أمريكيين من خلال جمع تقييمات منهم ومن 1036 من زملائهم —رؤساء، وأقران، وتقارير مباشرة— وجدنا، كما هو متوقع، علاقة عكسية قوية بين المقياسين؛ أي أنه كلما كان المدير أكثر قوة، كان أقل تمكينًا، والعكس صحيح. ومن ثَمَّ، فإن العديد من المدراء لا ينتقلون بحرية بين الأنماط المتقابلة، بل يظهرون انحيازًا نحو أحد الأنماط، وتحاملًا ضد نمطه المكمل.

القائد غير المتوازن

واحدة من أكثر الأنماط شيوعًا في القيادة، هي الميل المفرط نحو القوة والابتعاد عن التمكين. هناك العديد من التنويعات على هذا النمط. بعض الأفراد عدوانيون إلى درجة يصبحون فظِّين أو مسيئين. آخرون يتحملون مسؤولية كبيرة لدرجة أنهم يهمشون موظفيهم. وهناك من يركزون بشدة على جعل وحدتهم، التي يرونها امتدادًا لأنفسهم، تحقق أداءً استثنائيًّا بحيث لا يتعاونون مع الأقران، بل وقد تكون علاقتهم بهم متوترة. وعلى الرغم من أن ذلك أقل شيوعًا، إلا أن النمط العكسي يحدث أيضًا بانتظام؛ أي الإفراط في الاعتماد على سلوكيات التمكين، وقلة الاعتماد على السلوكيات القوية. بعض المدراء مستمعون جيدون جدًّا وميسرون وبناة توافق، لدرجة أن موظفيهم لا يعرفون ما هي مواقفهم. ومديرون آخرون يحترمون الآخرين إلى حدٍّ كبير ويخشون فرض أفكارهم عليهم، لدرجة أنهم يفشلون في فرض أنفسهم. وهناك من يثقون كثيرًا في الناس وفي قدرتهم على التطور، لدرجة أنهم يتباطؤون بشكلٍ مؤلم في معالجة مشكلات الأداء.

القائد متعدِّدُ الجوانب

التعددية —التي تعني غياب الاختلال— تُعرَّف أيضًا بشكل أكثر فائدة من خلال أزواج من الصفات والمهارات المتضادة. القادة متعددو المهارات قادرون على تعديل سلوكهم باستمرار، وتطبيق النهج الصحيح، بالدرجة المناسبة، حسب الظروف القائمة. هؤلاء هم الأشخاص الذين يمكنهم الانتقال بسهولة من مواجهة قضية صعبة إلى تعزيز الانسجام، ومن عقد جلسة تفكير حر إلى التعمق في حل مشكلة فورية. وبهذه الطريقة، يتم تعظيم فضائل كل نهج وتجنب عيوبه المحتملة. (انظر: “فضائل ورذائل أساليب القيادة”). قد يكون من المفيد أن تكون توجيهيًّا أو صارمًا بشكل استثنائي، على سبيل المثال، في حالة التحول أو الأزمة. لكن النهج نفسه قد يكون غير مثمر في المراحل المبكرة من التفاوض على تحالف استراتيجي. ولسوء الحظ، فإن التعددية نادرة الوجود؛ فقد كشفت أبحاثنا أن أقل من واحد من كل خمسة قادة، يمكن عَدّه متعدد المهارات.

ونظرًا لأن مجموعتي المهارات القيادية في الثنائية تتكونان من نهجين متضادين، فقد يشعر المدراء بتوتر بينهما، أو يرونهما متناقضين أو غير متوافقين. التحدي أمام القائد متعدد المهارات هو إذن أن يواجه ما أطلق عليه ف. سكوت فيتزجيرالد “اختبار الذكاء من الدرجة الأولى”: أن يحتفظ بفكرتين متعارضتين في ذهنه في الوقت نفسه، مع الحفاظ على القدرة على الأداء. ويزداد هذا التحدي صعوبة نظرًا لأن معظم القادة سيتعين عليهم التغلب على تحيزهم لصالح إحدى الفكرتين وضد الأخرى. ولا ينبغي الخلط بين مفهوم التعددية هذا والاعتدال في كل الأمور؛ فهو ببساطة يدل على نطاق واسع ومرن من السلوكيات، التي قد تشمل بالفعل سلوكًا غير معتدل عندما تتطلب الظروف القصوى ذلك.

التعددية تؤتي ثمارها؛ فقد وجدت أبحاثنا ارتباطًا وثيقًا بين التعددية، كما قِيسَتْ من خلال استبياننا الشامل بزاوية 360 درجة، والفعالية العامة. ففي كل عينة من المدراء التنفيذيين الذين درسناهم، وجدنا ارتباطات كبيرة بين تقييمات الفعالية والتعددية، في كل من ثنائيات القيادة الحازمة-التمكينية، والاستراتيجية-العملياتية. وتعكس هذه العلاقات الإحصائية القوية حقيقة أن المدراء متعددي المهارات يُنظر إليهم باستمرار على أنهم الأكثر فعالية في منظماتهم.

كما كشفت بياناتنا أنه بالإضافة إلى النمطين القياديين، متعدد المهارات وغير المتوازن، هناك نمط ثالث أقل شيوعًا: ما يمكن تسميته “القائد المنفصل”، وهو الذي يقصر في كلا جانبي الثنائية. ويرتبط هذا النمط من القيادة بأدنى تقييمات الفعالية.

الأسباب الجذرية للاختلال

إن حقيقة أن العديد من المدراء غير متوازنين في إحدى الثنائيات أو أكثر، تثير التساؤل: ما الذي يسبب هذا الاختلال في سلوكهم؟

تطور المهارات غير المتوازن

قد يكون الاختلال نتيجة لتطوير جانب واحد بشكل مفرط (تضخم)، وإهمال تطوير الجانب الآخر (ضمور). على سبيل المثال، عندما يُكلَّف المدير مرارًا بنوع المهمة نفسه بسبب قوته الواضحة في ذلك المجال، فقد يُحرم من فرصة توسيع مجموعة مهاراته. كما أن المهارات الأكثر أهمية للنجاح في المستويات الدنيا من المنظمة —القيادة الحازمة والعملياتية— غالبًا ما تكون متطورة جيدًا لدى المدراء، ومن ثَمَّ يُفرطُ في استخدامها مع تقدمهم إلى مستويات أعلى. وبالمثل، فإن المهارات الاستراتيجية والتمكينية التي قد تكون حاسمة في الإدارة العليا، غالبًا ما تكون غير متطورة لدى المدراء التنفيذيين الجدد.

النماذج الذهنية المنحرفة

يعمل جميع المدراء بناءً على افتراضات ومعتقدات وقيم ومواقف، وعندما تكون هذه الأفكار غير مستنيرة أو غير صحيحة أو مشوهة بطريقة ما، فإنها تشوه سلوك القائد. وأقل الحالات إشكالية تحدث عندما يفشل المسؤول التنفيذي في إدراك أن المهارات التي أهلته لمنصبه التنفيذي، ليست هي نفسها المطلوبة في ذلك المنصب؛ أي أنه لم يعد مسؤولًا عن القيام فعليًّا بالبحث والتطوير أو التسويق، بل عن تنسيق جهود من يقومون بذلك.

كما أن التعميمات المفرطة تميل بالقادة نحو الاختلال. فعلى سبيل المثال، المدير الذي يفسر حاجة موظفيه للاستقلالية على أنها تفويض بأن يكون بعيدًا تمامًا، غالبًا ما يمنح فريقه حرية كبيرة في أداء وظائفهم، لكنه لا يجعل نفسه متاحًا بما فيه الكفاية لتقديم الدعم الفني أو العاطفي. والمسؤول التنفيذي الذي يؤمن إيمانًا عميقًا بـ”تقديم الآخرين على النفس”، قد يستمع جيدًا بشكل استثنائي، لكنه يجد صعوبة في التعبير عن آرائه الشخصية بالقوة التي يبحث عنها فريقه. والمدير الذي لديه خوف مبالغ فيه من تجاوز حدوده، قد يكون متعاونًا مع أقرانه، لكنه يشعر بالتردد في الدفاع عن الموارد التي يحتاجها قسمه.

القيم أحادية الجانب

يميل التنفيذي إلى التقليل من أهمية بعض المهارات والأساليب التي لا يعدُّها مهمة أو جزءًا من عمله. لقد رأينا العديد من التنفيذيين يتجاهلون الجوانب التشغيلية في وظائفهم؛ لأنهم يصفون هذا الاهتمام بالتفاصيل بأنه “انشغال بالتفاصيل”، بينما يتصورون أن مهمتهم الأساسية هي التعامل مع الاعتبارات الاستراتيجية. يعتقدون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى المتابعة أو التنفيذ، ولم يدركوا بعد أن هذه الوظائف تأخذ طابعًا مختلفًا في المناصب العليا.

كما يميل التنفيذيون إلى الإفراط في الأمور التي يضعون عليها أهمية كبيرة؛ فالذين يركزون على الأهداف ويركزون بشدة على تحقيقها، يرون بوضوح مدى أهمية إنجاز الأمور، لكنهم قد يغفلون السؤال الاستراتيجي عما إذا كانت الأمور “الصحيحة” هي التي تُنجز. من الصعب عليهم أن يروا كيف يمكن للمبالغة في شيء يؤمنون به بعمق أن يكون ضارًّا، ولا يبدأ إدراك المشكلة إلا عندما يُطلب منهم التفكير في الأهداف والوظائف التي تُهْمَلُ بسبب سلوكياتهم المتطرفة.

الخوف من عدم الكفاءة

تنبع الكثير من أنماط القيادة غير المتوازنة من الخوف من عدم الكفاءة أو العجز، رغم أن تجربتنا تشير إلى أن معظم التنفيذيين يميلون إلى التقليل من قدراتهم الحقيقية. يتجنب المدراء الأشياء التي يعتقدون أنهم ليسوا جيدين فيها، مثل التحدث أمام الجمهور أو التعامل مع القضايا التقنية، مثل أنظمة المعلومات أو حتى البريد الإلكتروني. لقد رأينا تنفيذيين يعزلون أنفسهم لأنهم غير واثقين من قدرتهم على التواصل مع الآخرين، أو يبتعدون عن الاستراتيجية خوفًا من أنهم غير أكْفَاء فكريًّا. بالتأكيد، هذا يؤدي إلى نبوءة تحقق ذاتها: فالمدراء الذين يتجنبون أساليب معينة بسبب شعورهم بالنقص، يحرمون أنفسهم من فرصة التحسن.

ومن المفارقات أن التقليل من تقدير الذات يمكن أن يؤدي أيضًا إلى الإفراط في بعض السلوكيات. على سبيل المثال، المدراء الذين يقللون من كفاءتهم الخاصة، قد يضغطون على أنفسهم لإثبات قيمتهم في كل فرصة؛ ما يحرم موظفيهم من فرصة الإجابة عن أسئلتهم أو حل مشاكلهم بأنفسهم. آخرون يعتقدون أنهم غير محبوبين، فيتجاهلون مشكلات أداء المرؤوسين. في الواقع، العديد من الإفراطات في سلوكيات الإدارة، هي تعويضية.

يميل الإفراط في العمل غالبًا إلى الارتباط بالقلق من التقصير؛ فالأشخاص الطموحون، على سبيل المثال، يفتقرون إلى الموضوعية بشأن ما هو معقول توقعه من أنفسهم ومن الآخرين. الأدبيات حول الكمالية مليئة بالرؤى حول هذه الظاهرة. المدراء الذين يتحملون مسؤولية زائدة، يخشون في قرارة أنفسهم ألا يتحملوا ما يكفي من المسؤولية. أولئك الذين يمارسون سلطة مفرطة، قد يحملون تصورًا خاطئًا عن أنفسهم بأنهم بلا قوة نسبيًّا. الأفراد الذين يرهبون الآخرين فكريًّا يُفاجؤون عندما يسمعون ذلك عن أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة يشعرون بعدم كفايتهم فكريًّا. أما المدراء التنفيذيون الكبار الذين ينسبون الفضل لأنفسهم أو يتسمون بالغرور، فهم في الواقع من أقل الناس ثقة بأنفسهم.

ميل نحو الاستقطاب

يميل البشر بطبيعتهم إلى رؤية الخيارات على أنها إما/ أو، وهذا يغذي نفسية الإفراط أو التقصير. عند مواجهة فضيلتين متعارضتين، يميل معظم الناس إلى اختيار واحدة على حساب الأخرى، رغم أنهم قد لا يدركون حتى أنهم يتخذون خيارًا. ولأي سبب شخصي أو تاريخي أو تنظيمي، يتبنون مبدأ أو حقيقة عن القيادة، دون أن يدركوا أنهم يتخلون عن الحقيقة المكملة لها.

خذ على سبيل المثال تنفيذية تتقن التعامل الجيد مع الناس، وتستمع بانتباه، وتخلق جوًّا يشعر فيه الآخرون بالراحة للتحدث في الاجتماعات، وتمكّن الآخرين وتدعمهم عند الحاجة. هي هادئة وغير مهددة. تؤمن بهذا الأسلوب في القيادة وتتعرف عليه بقوة. المشكلة أنها تدير ظهرها للقوة وإثبات الذات، ولإخبار الناس بما قد لا يرغبون في سماعه، على سبيل المثال: أنها غير راضية عن أدائهم، أو غير سعيدة بتأخرهم عن موعد التسليم. هذا مثال شبه نقي على الاستقطاب. لقد ارتبطت الفردة بشكل أعمى بجانب التمكين في القيادة؛ لأنها لا تجد فيه عيبًا تقريبًا، ولديها شكوك تجاه الجانب الحازم؛ لأنها تركز فقط على جوانبه وسلبياته المفرطة. أما الجانب الذي تدير له ظهرها، فيصبح نقطة عمياء، ويؤثر سلبًا على أدائها.

كيف يمكن للمدراء تحسين أنفسهم

يعتمد أسلوب القيادة غير المتوازن تقريبًا دائمًا على أساس هش من الأفكار المشوهة حول القيادة، بالإضافة إلى المخاوف المرتبطة بها. يُعد النموذج المزدوج التوجه للقيادة مفيدًا؛ لأنه يلفت الانتباه بشكل طبيعي إلى الأفكار والمشاعر التي تكمن وراء نهج المدير. (انظر: “نماذج القيادة وقياسها كتدخل تنظيمي”). إن الوعي الذاتي الناتج يضع المدراء في موقع أقوى لزيادة مرونتهم، ومن ثَمَّ تعزيز فعاليتهم.

نماذج القيادة وقياسها كتدخل تنظيمي. تعتمد المؤسسات بانتظام نماذج القيادة لتعزيز أو تغيير ثقافة القيادة لديها، وإذا كان الهدف من مثل هذا النموذج هو إيصال رسالة، فيجب أن يكون موجزًا وواضحًا، وهو ما لا تحققه القوائم الطويلة من الكفاءات المستخدمة كثيرًا، مهما كانت جديرة بالاهتمام. يجب أن تكون القائمة قصيرة بما يكفي لتَذَكُّرِهَا، ويجب أن تكون الصفات القيادية المطلوبة ذات أهمية كافية لتترك انطباعًا لدى المدراء. كما أنه من المفيد أن تكون القائمة متكاملة. والمبدأ الموحد الذي نفضله هو المرونة، أي القدرة على تحقيق التوازن بين أنواع القيادة المتضادة. ولهذا ميزة إضافية، تتمثل في عكس التوترات الحقيقية والمقايضات التي تجعل من عمل الإدارة عملية توازن. فما من مؤسسة، على سبيل المثال، لا تحتاج إلى تحقيق توازن بين القيادة الاستراتيجية والقيادة التشغيلية؛ أي بين وضع المؤسسة في موقع جيد للمستقبل، وتنفيذ أهدافها قصيرة المدى. وكم من المؤسسات تحاول أن تكون أكثر توجهًا نحو العملاء، وأقل تركيزًا على الداخل.

في أي من هذه الأهداف المزدوجة أو ما شابهها، يكون الاختلال، بحكم التعريف، هو الإفراط في أحد الجانبين. نماذج الكفاءات، التي تقوم على فكرة تعزيز نقاط القوة، ولكنها لا تملك وسيلة لتقييم الإفراط في التعزيز، لا يمكنها ببساطة اكتشاف متى يتم إفساد قوة قيادية من خلال التطبيق العشوائي. ومع ذلك، غالبًا ما تقع المؤسسات والأفراد ضحية لهذه المشكلة. ولتحديد مدى توازن (أو اختلال توازن) المدراء الأفراد، أو فريق الإدارة في المؤسسة، يتطلب الأمر مقياسًا يمكنه التقاط الإفراط في الأداء والتعبير عنه.

وقد اعتمدت شركة موتورولا مثل هذا النموذج والمقياس، الذي ساعدْنا في تطويره. يتكون النموذج من خمسة متطلبات قيادية: الاستشراف، والتحفيز، والحسم، والتنفيذ، والأخلاق والشخصية. المتطلبات الأربعة الأولى، التي لم يكن لنا دور في اختيارها، تمثل الثنائيات المهيمنة التي حددناها في أبحاثنا. “الاستشراف” و”التنفيذ” مترادفان مع القيادة الاستراتيجية والقيادة التشغيلية على التوالي. “الحسم” يعادل القيادة الحازمة، و”التحفيز” يحمل خصائص القيادة التمكينية. أما المطلب الخامس، الأخلاق والشخصية، فيشير إلى القيم الأساسية للفرد، وهو الأساس الذي تستند إليه المتطلبات الأربعة الأخرى. ويستخدم مقياس الأداء الذي طورناه لموتورولا مقياسَي تصنيف، صُمِّمَا لاكتشاف الاختلال. باستخدام هذين المقياسين، يقوم المرؤوسون والرؤساء بتقييم المدير المستهدف على 33 سلوكًا محددًا. في المقياس الأول، يُطلب من المقيمين تقييم فعالية المدير في كل سلوك من 1 (غير فعال) إلى 5 (فعال للغاية). أما في المقياس الثاني، فيقيّمون كيف ينبغي للمدير تغيير سلوكه ليصبح أكثر فاعلية، أي من “يقلل كثيرًا” (تقييم -3) إلى “يزيد كثيرًا” (تقييم +3).

إن نموذج القيادة من هذا النوع، المنظم حول الثنائيات الأساسية ذات الصلة بالمؤسسة، يزود تلك المؤسسة بأدوات أفضل لتحليل متطلبات الوظيفة، وتقييم الأفراد، واتخاذ قرارات التوظيف، ووضع خطط التطوير، ومكافأة الأشخاص، بمعنى آخر، يساعد في تشكيل أساس لنظام إدارة المواهب المصمم لبناء ثقافة القيادة المطلوبة.

***

الخطوة الأولى نحو تصحيح الاختلال هي أن يراه المرء في نفسه. تظهر بياناتنا أن التنفيذيين يواجهون صعوبة في ذلك: فقد كان تقييمهم لمدى مرونتهم أو افتقارهم إليها غالبًا غير دقيق. كانت التقييمات الذاتية بالكاد مرتبطة بتقييمات الزملاء؛ سواء في المرونة أو الفعالية أو العلاقة بين الاثنين. ومع ذلك، أظهرت تقييمات الرؤساء والزملاء والمرؤوسين تقاربًا كبيرًا بعضها مع بعض. والأكثر من ذلك، أن التقييمات الذاتية للمرونة لم تكن لها علاقة تقريبًا بالتقييمات الذاتية للفعالية العامة. يبدو أن الجميع يرون اختلالات القيادة وعلاقتها بعدم الفعالية، باستثناء الشخص المعني نفسه.

سواء أفرط المدير أو قصر في شيء ما، فإنه يميل إلى عدّه الاستجابة الصحيحة للمهمة المطروحة؛ لأنه يفرط فيما يجيده، فإنه يقدره كثيرًا ويجد صعوبة في رؤية كيف يمكن الإفراط في الشيء الجيد. ولأنه يقصر في ما لا يقدره، يجد صعوبة في رؤية المشكلة في إهمال السلوك الذي يعدّه بلا قيمة. فلا عجب أن مشاكل الأداء لا تُصحح بسهولة.

تعزيز الجانب الضعيف

إذا لم ينتبهوا، يمكن للمدراء أن يخدعوا أنفسهم بالاعتقاد أن تعويض نقص المرونة، هو مجرد مسألة اكتساب مهارة. لكن تصحيح الاختلال يتطلب عملًا داخليًّا: مواجهة سوء فهم، أو تحيز، أو موقف مسبق، أو خوف. أسهل تغيير داخلي، هو ببساطة التعرف على ما تتطلبه الوظيفة. من السهل نسبيًّا إجراء هذا التعديل الفكري، لكن التعديلات العاطفية والسلوكية ليست مباشرة إلى هذا الحد.

يمكن أن يكون من الصعب بالقدر نفسه وضع أسلوب العمل الشخصي للغاية في منظوره الصحيح. على سبيل المثال، يجب على المدير الذي يقدر استقلاليته واعتماده على نفسه ويعمل بشكل أفضل بهذه الطريقة، أن يدرك مع ذلك أن احتياجات موظفيه قد تكون مختلفة تمامًا، وأن عليه تعديل أسلوبه ليتناسب مع تلك الاحتياجات. لا يزال الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للمدير عندما يتعلق الأمر بتجاوز الكبت، أو الخوف مما قد يصبح عليه إذا قام بتقوية جانبه المهمل. فالمدراء الحازمون، على سبيل المثال، يقلقون من أنهم سيصبحون ضعفاء. أما المدراء الذين يبالغون في التمكين، فيخشون أن يصبحوا قساة أو فظين أو متسلطين. وعند النظر عبر الخط الفاصل، لا يرون فضائل الجانب الآخر بل أسوأ تجاوزاته، فيرتدُّون إلى الوراء. هذه المخاوف تمس جوهر إحساس المدراء بهويتهم، وكلما كان المدير أكثر اختلالًا في التوازن، زادت استقطابية طريقة تفكيره، وصعب عليه التحدي العاطفي.

ولتعقيد المهمة، يجد المدراء الموضوعيون صعوبة في تقدير مقدار السلوك الجديد الذي يظهرونه، وخوفًا من المبالغة في إظهاره، فإنهم غالبًا ما يبالغون في تقديره. كما قال أحد الأشخاص الأذكياء: “أنا أتعلم أنه عندما أظن أنني أتصرف بقوة مفرطة، لا داعي للقلق بشأن ذلك؛ لأن حواسي ضعيفة وبياناتي غير موثوقة.” وبمعرفته ذلك، أصبح يطلب من الآخرين تقييمهم له.

تعديل الجانب المفرط في الاستخدام

للتوقف عن الإفراط في الأمر، يحتاج المدراء أيضًا إلى القيام ببعض العمل الداخلي، وإن كان من نوع مختلف قليلًا، فبدلًا من تقوية العضلات التي سمحوا لها بالضمور، عليهم أن يقللوا من تدريب العضلات التي تطورت إلى حد التضخم. هذا النوع من العمل يتطلب تعلم تقليل قيمة أو الارتباط بمهارة معينة، أو صفة شخصية مثل الكفاءة التشغيلية أو الصرامة الذهنية. وتحت هذه القيم المبالغ فيها أو المعتقدات المشوهة، غالبًا ما تكمن احتياجات أو مخاوف غير معترف بها. المدراء الذين يقودهم الخوف من عدم تحمل المسؤولية بما يكفي إلى شعور مرهق بالمسؤولية، أو الذين يدفعهم القلق بشأن عدم إضافة قيمة كافية إلى محاولة إثبات أنفسهم في كل فرصة، غالبًا لا يستطيعون تهدئة مثل هذه المخاوف بمفردهم. ومع ذلك، يمكن أن يساعدهم كثيرًا الحصول على تغذية راجعة إيجابية حول كفاءتهم بشكل عام أو في الجانب الذي يقلقهم، إذا تمكنوا من استيعاب تلك التغذية الراجعة.

يكمن مفتاح تعديل نقاط القوة التي جرى الإفراط في استخدامها، في أن يتعلم المدراء أن يكونوا أكثر دقة في تطبيقها؛ فعندما يفكر المدراء في التخفيف من حدة تصرفاتهم، يميلون إلى القلق من أنهم سيفقدون كل القدرة التي يعتمدون عليها بشكل كبير. وبشكل غير واعٍ، يتعاملون مع أي تعديل وكأنه ثنائي (إما / أو). يحتاجون إلى رؤية آلية التحكم ليس مفتاحَ تشغيل/ إيقاف، بل مؤشرٌ يمكنهم ببساطة خفضه درجة أو اثنتين. ليس عليهم التخلي عن موهبتهم؛ بل يمكنهم بدلًا من ذلك استخدامها بشكل أكثر تمييزًا، ومن ثَمَّ بشكل أكثر فعالية.

عن المؤلفين

روبرت إي. كابلان وروبرت ب. كايزر هما مستشاران في شركة كابلان ديفريز في غرينزبورو، نورث كارولينا. (كابلان يقيم في مدينة نيويورك). يمكن التواصل معهما عبر البريد الإلكتروني: bkaplan@kaplandevries.com و rkaiser@kaplandevries.com.

المراجع

1. إن مفهوم أن نقاط القوة المفرطة يمكن أن تصبح نقاط ضعف، ليس غائبًا تمامًا عن مجال تقييم القيادة، رغم أنه نادرًا ما ينعكس في تصميم الأدوات القياسية. وعندما يُتَناوَلُ، غالبًا ما يُعامل أمرًا ثانويًّا وليس جزءًا أساسيًّا من تصميم الأداة. فعلى سبيل المثال، توفر بعض الأدوات وصفات لتطوير القيادة من خلال مقارنة تقييمات “عدد مرات” قيام المدير بأمر معين مع “الكمية المثالية”، التي تُقَدَّرُ باستخدام صيغة إحصائية. وباستخدام أدوات أخرى، يقيّم المشاركون عدد مرات قيام المدير بعدد من السلوكيات المحددة، مع الإشارة إلى ما إذا كان ينبغي على المدير القيام بالمزيد أو الأقل أو المقدار نفسه من كل مجموعة من السلوكيات، وليس كل سلوك محدد. انظر، على سبيل المثال:

 J.B. Leslie and J.W. Fleenor, “Feedback to Managers: A Review and Comparison of Multi-Rater Instruments for Management Development” (Greensboro, North Carolina: Center for Creative Leadership, 1998).

2. أظهرت الأبحاث حول الانحراف المهني، أن نقاط القوة التي تدفع المدراء إلى صعود السلم الوظيفي، يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف. انظر:

W.M. McCall and M.M. Lombardo, “Off the Track: Why and How Successful Executives Get Derailed” (Greensboro, North Carolina: Center for Creative Leadership, 1983); و M.M. Lombardo and C. McCauley, “The Dynamics of Management Derailment” (Greensboro, North Carolina: Center for Creative Leadership, 1988).

3. لقد لوحظ الازدواجية المتأصلة في الحياة والقيادة منذ زمن بعيد؛ ففي القرن السادس قبل الميلاد، جمع فيثاغورس جدولًا كثير الدراسة للأضداد. انظر، على سبيل المثال:

K.S. Guthrie, ed., “The Pythagorean Sourcebook and Library,” Grand Rapids, Michigan: Phanes Press, 1987.

وقد شهد مجال القيادة المعاصر العديد من النماذج ذات الجانبين. انظر، على سبيل المثال: “شبكة الإدارة” لبليك وموتون بمحوريها، أي الاهتمام بالإنتاج والاهتمام بالأشخاص؛

 R.R. Blake و J.S. Mouton, “The Managerial Grid” (San Francisco: Gulf Professional Publishing Co., 1994).

أو نظرية X ونظرية Y لدوجلاس ماكغريغور؛

D. McGregor and W.G. Bennis, “The Human Side of Enterprise: 25th Anniversary Printing” (New York: McGraw-Hill/Irwin, 1985).

أو القيم الإدارية المتنافسة لروبرت كوين: النتائج والعلاقات، الاستقرار والتغيير؛

R.E. Quinn, “Beyond Rational Management: Mastering the Paradoxes and Competing Demands of High Performance” (San Francisco: Jossey-Bass, 1991).

4. لمراجعة شاملة للعديد من التنويعات حول هذا الموضوع، انظر:

B.M. Bass, “Bass and Stogdill’s Handbook of Leadership: Theory, Research, and Managerial Applications,” 3rd ed. (New York: Free Press, 1990), 415–543.

5. Leslie and Fleenor, “Feedback to Managers.”

6. F. Shipper, “Mastery and Frequency of Managerial Behaviors Relative to Sub-Unit Effectiveness,” Human Relations 44, no. 4 (1991): 371–388; and F. Shipper and C.S. White, “Mastery, Frequency and Interaction of Managerial Behaviors Relative to Subunit Effectiveness,” Human Relations 52, no. 1 (1999): 49–66.

7. Aristotle, “Vol. XIX. Nicomachean Ethics,” translated by H. Rackham (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 1926).

8. البيانات الموجزة هنا معروضة بتفصيل أكبر في:

R.E. Kaplan and R.B. Kaiser, “Rethinking a Classic Distinction in Leadership: Implications for the Assessment and Development of Executives,” Consulting Psychology Journal: Research and Practice 55, no. 1 (2003): 15–25; and R.B. Kaiser and R.E. Kaplan, “Leadership Versatility Index: User’s Guide” (Greensboro, North Carolina: Kaplan DeVries Inc., 2002).

9. أظهرت الدراسات السابقة لهذا التمييز الأساسي، مهما اختلفت تسميته، إما ارتباطًا ضئيلًا، أو غالبًا ارتباطًا إيجابيًّا كبيرًا بين الجانب الحازم الموجه نحو المهمة، والجانب التشاركي الموجه نحو الأشخاص في القيادة. ونشتبه أن السبب في ذلك، هو أن الباحثين حتى الآن لم يقيسوا الإفراط بشكل مباشر. انظر:

Bass, “Handbook of Leadership” (chap. 24), for a narrative review. For a quantitative review of more than 200 primary studies that examined the correlations between these two dimensions of leader behavior, refer to R.F. Piccolo, T.A. Judge and R. Ilies, “The Ohio State Studies: Consideration and Initiating Structure Revisited” (presentation at the 17th Annual Conference of the Society for Industrial and Organizational Psychology, Orlando, Florida, April 11–13, 2003).

وقد خلصت كلتا المراجعتين إلى وجود علاقة قوية وإيجابية بين الاثنين، وكلتاهما تقر بأن هذا لا يتسق مع كيفية تصور البعدين.

10. نحن ندرك تمامًا أن ما يُسمى “نظريات الطوارئ” قد تناولت فكرة التعددية منذ ستينيات القرن الماضي، وقد جادل هؤلاء المنظرون بأن السلوك القيادي الأكثر فعالية يعتمد على العوامل الظرفية، وكانت “نظرية القيادة الموقفية” الأكثر شعبية من بين هذه النماذج، وقد وردت مؤخرًا في:

P. Hersey, K.H. Blanchard and D.E. Johnson, “Management of Organizational Behavior,” 8th ed. (Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice Hall, 2000).

وخلال المدة نفسها، قدم فيكتور فروم شجرة اتخاذ القرار لمساعدة المدراء في تحديد مدى إشراك الآخرين في القرار، بناءً على عوامل ظرفية مثل: أهمية جودة القرار، والقبول، والسرعة، وغيرها. انظر:

V.H. Vroom and P.W. Yetton, “Leadership and Decision-Making” (New York: John Wiley & Sons, 1973).

ولم تُطرح بعد نظرية طوارئ تتعلق بالتمييز بين الاستراتيجي/التشغيلي، مما يشير إلى أن علماء الاجتماع مهتمون أكثر بكيفية القيادة، وليس بماذا تكون القيادة.

11. تتطابق الأنماط الثلاثة غير المتعددة —المائلة نحو القوة، والمائلة نحو التمكين، والمنسحبة— مع الأساليب القيادية الثلاثة الأساسية، التي حددها كورت لوين في بحثه الرائد في ثلاثينيات القرن الماضي —السلطوي، والديمقراطي، ودع الأمور تسير (اللامبالي)؛ انظر:

K. Lewin, R. Lippitt and R.K. White, “Patterns of Aggressive Behavior in Experimentally Created Social Climates,” Journal of Social Psychology 10 (1939): 271–301.

 وتتطابق هذه الأنماط مع التوجهات الشخصية الثلاثة غير المنتجة التي صاغتها كارين هورني، عالمة التحليل النفسي. ما أسمته “التحرك ضد الآخرين” يتوافق تقريبًا مع القوة، و”التحرك نحو الآخرين” مع التمكين، و”التحرك بعيدًا عن الآخرين” مع الانسحاب؛ انظر:

K. Horney, “Our Inner Conflicts: A Constructive Theory of Neurosis” (New York: W.W. Norton, 2003).

12. لوصف حديث للتغيرات في المنظور والقيم المطلوبة عند التقدم في التسلسل الإداري، انظر:

R. Charan, S. Drotter and J. Noel, “The Leadership Pipeline: How To Build the Leadership-Powered Company” (San Francisco: Jossey-Bass, 2000).

13. R.E. Kaplan and R.B. Kaiser, “The Turbulence Within: How Sensitivities Throw Off Performance in Executives,” in “Leading in Turbulent Times,” eds. R.J. Burke and C.L. Cooper (Oxford: Blackwell, in press).

14. تفسر الرؤى المفرطة في البساطة للعالم أيضًا القيادة غير المتوازنة. نظرية X ونظرية Y لدوجلاس ماكغريغور، على سبيل المثال، ذات صلة بعدم التوازن في ثنائية القوة/التمكين. المدراء من نظرية X، الذين يعتقدون أن الناس مدفوعون للقيام بالحد الأدنى وأنهم كسالى بطبيعتهم، يميلون لأن يكونوا أكثر قوة، ولا يمكّنون بما فيه الكفاية. أما المدراء من نظرية Y، الذين يعتقدون أن الناس مدفوعون أساسًا للعمل الجاد، وسيفعلون ذلك إذا توفرت الظروف المناسبة، فيميلون لأن يكونوا مُمَكِّنين أكثر وغير حازمين بما يكفي. ونشتبه أن القادة المتعددين يرون جانبًا من الحقيقة في كلا الموقفين. انظر: McGregor and Bennis, “The Human Side of Enterprise.”

15. R.E. Kaplan, “Internalizing Strengths: An Overlooked Way of Overcoming Weaknesses in Managers” (Greensboro, North Carolina: Center for Creative Leadership, 1999); and R.E. Kaplan, “Know Your Strengths,” Harvard Business Review 80 (March 2002): 20–21.

16. S.J. Blatt, “The Destructiveness of Perfectionism: Implications for the Treatment of Depression,” American Psychologist 50, no. 12 (1995): 1003–1020.

17. Kaplan and Kaiser, “Rethinking a Classic Distinction in Leadership.”

18. Kaplan, “Know Your Strengths,” and Kaplan, “Internalizing Strengths.”

مقالات ذات صلة