جون همفريز
على مدى سنوات عديدة، اتخذت المؤسسات منهجًا هرميًّا من الأعلى إلى الأسفل في تحديد الأهداف، وكان ذلك منطقيًّا؛ إذ إن تحديد الأهداف يتطلب معلومات لا تتوفر إلا لدى المديرين في المستويات العليا، وكان من مسؤوليتهم اتخاذ القرارات وإبلاغها إلى المستويات الأدنى في الشركة، غير أن هذا المنهج غالبًا ما أغفل مساهمة العديد من أصحاب المصلحة الأساسيين، كما أن المديرين الكبار كانوا في كثير من الأحيان بعيدين عن المستويات الدنيا في المؤسسة؛ إذ لا يدركون تمامًا كيف يحقق الموظفون في الصفوف الأمامية رضا العملاء وقيمة الخدمة المقدمة.
ولتجاوز هذا القصور، دعت أصوات التفكير الإداري الاستراتيجي إلى اعتماد منهج تصاعدي من الأسفل إلى الأعلى؛ إذ تقوم الأقسام الوظيفية في الشركة بوضع أهدافها، فتكون أساسًا للأهداف على مستوى الأعمال، التي تُجمع لاحقًا لتشكيل أهداف الشركة على المستوى الكلي. وهذا أيضًا يبدو منطقيًّا intuitively: فالموظفون العاملون هم الأكثر فهمًا لرغبات العملاء وتوقعاتهم، وينبغي أن تكون هذه المعرفة أساسًا لأهداف أداء الوحدات، وفي نهاية المطاف، لرسالة المنظمة ورؤيتها. إلا أن تجربتي مع مؤسسات متعددة، أظهرت أن ما يبدو منطقيًّا، ليس دائمًا ما ينجح عمليًّا، فقد حاولت العديد من الشركات التقليدية التي كانت تعتمد المنهج الهرمي التحول إلى المنهج التصاعدي؛ فخلقت كيانات مشوهة تجمع أسوأ خصائص كلا المنهجين. وفي كثير من الشركات، يقتنع فريق القيادة الاستراتيجية بفكرة المنهج التصاعدي، إلى درجة أنهم يتخلون عن مسؤوليتهم في قيادة العملية.
لنفترض على سبيل المثال أن المديرين الكبار في إحدى الشركات، بعد تحليل قدرات الشركة وحالة السوق الراهنة، قرروا أن المؤسسة بحاجة إلى تحقيق نمو في المبيعات بنسبة 10% خلال العام القادم. هل يبلغون هذا الرقم إلى المديرين الإقليميين؟ بالتأكيد لا! فهم يعتقدون أنهم تجاوزوا مرحلة إملاء الأرقام. وبدلًا من ذلك، يرسلون طلبًا للأهداف على مستوى الأقسام الوظيفية. ويُطلب من موظفي المبيعات، الذين هم الأقرب إلى العملاء، تحديد أهدافهم الفردية للنمو، ثم يجمع المديرون الإقليميون هذه الأهداف لتشكيل الأهداف الإقليمية، التي تُجمع لاحقًا لتصبح أهداف الشركة الكلية. ولكن، ماذا لو أن الأهداف التصاعدية التي جُمِعت لا تحقق سوى نمو بنسبة 2% في المبيعات، وهو أمر غير مقبول بالتأكيد؟ هل يبلِّغُ المديرون الكبار المديرين الإقليميين أن الهدف المنشود هو 10%؟ بالتأكيد لا! فذلك سيكون نهجًا هرميًّا بغيضًا. وبدلًا من ذلك، يطلبون من الموظفين الإقليميين والعمليين إعادة المحاولة. وتستمر هذه المداولات السرية مرارًا وتكرارًا، حتى تتطابق الأرقام الصادرة من المستويات الدنيا مع التوقعات الكامنة للشركة، التي يُفترض أنها غير موجودة.
ما العبرة من هذه القصة؟ إن اعتماد منهج تصاعدي في تحديد الأهداف، لا يعني أن المديرين التنفيذيين الكبار لا ينبغي لهم أن يسهموا في العملية، بل على العكس، يجب عليهم ذلك. فلا ينجح المنهج التصاعدي إلا إذا كان التواصل الحيوي بين مستويات المنظمة؛ فالموظفون الميدانيون لم يُدعوا للجلوس على طاولة مجلس الإدارة، وغالبًا لا يطلعون على النقاشات الاستراتيجية. لذا، يتحتم على القادة التأكد من أن الموظفين العاملين ليسوا على قدر من الجهل يمنعهم من المشاركة الفاعلة في العملية. ويتطلب التواصل الفعّال قدرًا من الأخذ والعطاء، والتفاوض بين مستويات المنظمة؛ فإذا تجنب المديرون التنفيذيون هذا التفاوض، فإنهم يفوّتون فرصة الاستفادة من المعرفة الراهنة الواسعة للخبراء الوظيفيين، وفرصة إعادة دمجها في العملية الاستراتيجية.
ويُستخدم المنهج التصاعدي أيضًا بشكل غير ملائم، عندما لا يأخذ المديرون الكبار مساهمة الموظفين على محمل الجد. فبينما قد لا يُنظر إلى إملاء الأهداف على العاملين في المستويات التشغيلية على أنه محفز، فإن طلب آرائهم ثم تجاهلها يُعد أكثر إحباطًا، وهذا لا يفوت فقط فرصة الاستفادة من الحوافز الكامنة في تمكين الموظفين عبر المنهج التصاعدي، بل قد يؤدي إلى تدهور كبير في الروح المعنوية؛ فالخبراء الوظيفيون لا يرغبون في إضاعة وقتهم في اجتماعات تحديد الأهداف إذا اعتقدوا أن القرارات قد اتُّخذت مسبقًا.
ولكي تبقى الشركات قادرة على المنافسة اليوم، فهي بحاجة إلى الخبرة القيّمة والالتزام الحماسي من الموظفين في جميع المستويات. وإذا أُديرت العملية بشكل سليم، فإن تحديد الأهداف الفعّال سيتيح للمؤسسة الاستفادة من كلا الأمرين.
