القائمة الرئيسية

امتلك كلماتك لتكتسب السلطة

امتلك كلماتك لتكتسب السلطة
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على ظاهرة "التلاعب الإداري" في بيئة العمل، حيث يتحدث المديرون نيابة عن الآخرين لنقل مطالب أو آراء القيادات العليا أو فرق أخرى، وهو سلوك شائع لكنه قد يضر بمصداقية المديرين إذا استُخدم بشكل مفرط. يشير المقال إلى أن الإفراط في نقل كلام الآخرين يعكس ضعف سلطة المدير أو قلة استقلاليته، ويساهم في خلق ثقافة مؤسسية تمرر المسؤولية إلى أطراف غائبة، ما قد يضعف اتخاذ القرار. بالمقابل، يمكن للمديرين تعزيز مصداقيتهم وفاعليتهم من خلال الانتباه لكيفية صياغة كلامهم، استخدام ضمائر مثل "نحن" بحذر، والتمييز بين نقل التوجيهات العالمية وبين التعبير عن قراراتهم الذاتية، بحيث يوازنوا بين متطلبات القيادة العليا واحتياجات فرقهم. ومن خلال هذا التوازن الذكي، يحافظ المدير على مكانته، ويدافع عن فرقته، ويخلق ثقافة عمل صحية تحترم المسؤوليات وتقدر الاستقلالية.

ترجمة: رانيا الحربي

ديفيد هوليس وأليكس رايت.

كم مرة وجدت نفسك تعبر عن أفكار أو مطالب شخص آخر في بيئة العمل؟ سواء أكنت تنقل رغبات المدير التنفيذي إلى أحد الزملاء، أو توضح لفريقك أن قسم المبيعات بحاجة إلى تحديث، فإن التعبير باسم الآخرين -وهو ما يُعرف في الأبحاث بـ “التلاعب الإداري”- تُعد ممارسة شائعة في المؤسسات.

 قد تكون هذه الممارسة ذات قيمة كبيرة، بل وقد تكون ضرورية في أداء دور المدير.

ومع ذلك، إذا تم ذلك بشكل غير صحيح، فإنها قد تضر بمصداقية المديرين، وتؤثر سلبًا على ثقافة الشركة، وتؤذي سمعة المؤسسات وأرباحها.

تعدّ ممارسة استدعاء مصالح بعيدة من خلال عبارات مثل “الرئيس التنفيذي يحتاج هذا قبل نهاية الدوام” أو “مجلس الإدارة يحتاج إلى إجابات فورية” أمرًا شائعًا وطبيعيًّا.

ولكن عندما يفرط المديرون في استخدام هذه الطريقة، فإن ذلك عادةً ما يشير إلى واحدة من مشكلتين في المنظمة: إما أن المديرين لا يملكون استقلالية كافية ويُجبرون على التعبير عن آراء الآخرين (عادةً قادة المنظمة)، أو كما هو الحال في معظم المؤسسات، أصبحت عادة التلاعب الإداري متجذرة لدرجة أن المديرين يتصرفون كناطقين باسم الآخرين دون التفكير في ذلك. وبالتالي، من خلال قول “الرئيس التنفيذي يحتاج إلى…” بشكل متكرر، يمكن للمدير أن يخلق انطباعًا، في ذهنه وذهن زملائه، بأنه يفتقر إلى السلطة.

على مر الزمن، يؤدي الحديث باسم الآخرين بهذه الطريقة إلى تشكيل ثقافة إدارية تُمرر فيها المسؤولية باستمرار إلى شخص آخر، دون أن يكون هناك من يرغب في تحمل المسؤولية عن اتخاذ القرارات.

الأمر الجيد هو أن الانتباه لهذه السلوكيات وتعديلها يمكن أن يؤدي إلى نتائج كبيرة.

وإن تحديد متى ولماذا يتولى المديرون دور المراسل بشكل غير ضروري يساعدهم على إدراك أنهم غالبًا ما يمتلكون مزيدًا من الاستقلالية مما افترضوه هم وزملاؤهم.

تتيح التعديلات البسيطة في اختيار الكلمات للمديرين إظهار استقلاليتهم، واستحقاقهم لمزيد منها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تقليل عدد المرات التي يتحدثون فيها بالنيابة عن الآخرين والتركيز على ما يقولونه في هذا الدور يعزز مصداقيتهم وفاعليتهم، ويسهم في خلق ثقافة مؤسسية صحية حيث تُحدد المسؤوليات بوضوح ويُعترف بها.

تستند هذه الملاحظات إلى أبحاثنا التي تتضمن أربع دراسات إثنوجرافية في شركات مدرجة ضمن قائمة “فاينانشال تايمز” العالمية 500 ومنظمات القطاع العام.

لقد شاركنا في الأنشطة اليومية لتلك المنظمات، وسجلنا وترجمنا المحادثات والعروض التي قدمها القادة والمديرون في سياقات عمل متنوعة، بهدف تحديد ودراسة ظاهرة “التلاعب الإداري” أثناء وقوعها.

 كما استفدنا من خبراتنا في الاستشارات والأكاديميات لمساعدة المديرين والطلاب على تطوير سيناريوهات بديلة لهذه الظاهرة واختبارها وتطبيقها في أماكن العمل.

دعونا نتعمق في كيفية توظيف المديرين لأنفسهم وللآخرين من خلال حديثهم، ونتعرف إلى الأسباب وراء ذلك، وما التأثيرات التي تنجم عنه عليهم وعلى الآخرين.

التلاعب الإداري في العمل

عَدّوا هذه العبارة التي أدلت بها لوسي، المديرة التنفيذية في المملكة المتحدة لشركة تجزئة عالمية، أثناء حديثها مع فريق من مديري المبيعات في اجتماع الشركة، حيث أشارت إلى ميريل، المؤسسة والمديرة التنفيذية العالمية المقيمة في الولايات المتحدة: “لقد أجريت للتو مكالمة مع نيويورك لبدء المبادرات المالية الجديدة”. وتقول ميريل: “أريد أن نحقق أهدافًا أكبر وأفضل وبعددٍ أقل”.

قد تبدو عبارة لوسي عادية؛ مجرد حالة بسيطة لقائد ينقل المعلومات.

لكن من الواضح أنها تنقل رسالة إضافية.

فهي ليست من تحدد ما ستكون عليه مبادرة مبيعات الشركة، بل تنقل ما “تقوله ميريل”، ما يضع المديرة التنفيذية العالمية كمتحدثة بالفعل.

تشير “نيويورك” أيضًا إلى القوة والحنكة التجارية، ما يضيف للعبارة سُلطة خارجيّة.

توجد لدى القادة والمديرين دوافع عديدة للتواصل بهذه الطريقة. لوسي، المديرة التنفيذية في المملكة المتحدة، شرحت لنا أن الإشارة إلى الرئيس التنفيذي العالمي عززت من مصداقيتها، وأكدت: “يصبح فريق العمل أكثر ثقة بك قليلًا عندما تتحدث مباشرة مع مبتكر العلامة التجارية”.

لكن هذا أيضًا يُحمّل ميريل مسؤولية القرار سواء أنجحت أم فشلت مبادرة الاستراتيجية “الأكبر، والأفضل، وبعددٍ أقل”.

فقد أوضحت لوسي لفريقها بطريقة تجعل مسؤولية القرار تُعد متعلقة بميريل بشكل واضح. 

تحويل المسؤولية بهذه الطريقة قد يؤدي إلى إضعاف سلطة المدير، وهو ما تم تأكيده خلال مقابلاتنا مع أشخاص آخرين في المنظمة ومع الشركاء الخارجيين.

كيف كان بإمكان لوسي أن تتحدث مع فريقها حول مناقشتها مع ميريل بشكل يحافظ على مصداقيتها وسلطتها؟

كان بالإمكان أن تقول: “ميريل قالت، “أريد أن نحقق أهدافًا أكبر وأفضل وبعددٍ أقل”، لكنكم أخبرتموني عن الضغوط التي تواجهها فرقكم، لذا قررت أننا سنركز على القيام بعدد أقل من المبادرات أولًا”.

عبارة “لقد قررت” تعكس تأكيد لوسي لصوتها الإداري أمام فريقها.

وهي تفعل ذلك بعد أن تحدثت نيابة عن ميريل وفرق المملكة المتحدة، الذين وضحوا المبادرات العالمية للشركة والضغوط الوطنية الحالية.

تولي هذا الدور مفيد في هذه الحالة؛ لأنه يمكّن لوسي من تحقيق توازن بين مجموعتين من أصحاب المصلحة: فهي تنقل توجيهات مكتب الرئيس لكنها تعدلها لتتناسب مع سياق الفريق وتحدياته.

ومع ذلك، توجد أوقات لدى المديرين يكون فيها القليل أو عدم القدرة على التأثير في صنع القرارات التنظيمية؛ في مثل هذه الحالات، ينبغي عليهم أن يكونوا واضحين قدر الإمكان بشأن مواقفهم.

على سبيل المثال، كان بالإمكان أن تقول لوسي: “ميريل تقول، “أريد أن نحقق أهدافًا أكبر وأفضل وبعددٍ أقل”. أفهم الضغوط التي نواجهها، لكنني أريدكم أن تعرفوا أن هذه مبادرات عالمية يجب علينا جميعًا العمل من أجلها”.

من خلال عبارة “أفهم الضغوط التي نتعرض لها”، تعبر لوسي عن إدراكها أنها مضطرة لنقل رسالة رئيستها.

 نحن جميعًا نتولى مثل هذه الأدوار في بعض الأحيان، والاعتراف بذلك يمكن أن يكسب للمدير احترام زملائه بسبب صدقه وانفتاحه، واختيار لوسي للكلمات يحمل أيضًا دلالة أقل وضوحًا؛ فاستعمالها لكلمة “نحن” يوحي للفريق بأن لوسي جزء من الفريق وليست مجرد مُبلغة.

ومع ذلك، يجب على المديرين استخدام الضمير “نحن” بحذر، إذ إن من يُوجه إليهم هذا الضمير غالبًا ما يفسرونه كتحويل للمدير لمسؤوليات اتخاذ القرارات إلى طرف غائب وغير محدد، بدلًا من كونه تعبيرًا عن رأي جماعي متفق عليه، كما في عبارة “لا يمكننا دفع المكافآت هذا العام”. يمكن أن يساعد التحدث نيابةً عن الآخرين، المديرين في الدفاع عن فرقهم أمام القادة.

على سبيل المثال، قد يقول مدير المبيعات في اجتماع مع المديرين التنفيذيين: “من الواضح أنني أقدر رسائل الاستراتيجية المتعلقة بزيادة المبيعات، لكن الفريق يخبرني بعدم كفاية المخزون للبيع”. في هذه الحالة، يعترف المدير بسلطة قسم الاستراتيجية، ولكنه يوازن ذلك مع خبرة فريقه في الميدان، وبهذا، يقوم المدير الكبير بالدفاع عن فريقه بمهارة، مع الحرص على عدم التقليل من شأن قسم الاستراتيجية.

غالبًا ما يعتمد البائعون الجيدون على هذه الأساليب، خذ دانيال كمثال؛ فهو بائع يخاطب عميله قائلًا: “تصر إدارة الاتصال المؤسسي أن يحصل دائماً العملاء الحاليون على عرض توضيحي قياسي، لكنني أعلم بأنك عميل قديم، لذا سأقدم لك عرضًا خاصًّا”.

يبدو أنه يستند إلى سلطة أعلى تتمثل في الاتصال المؤسسي، لكن قوله “أعلم أنك” يخلق انطباعًا بأنه يمتلك معلومات خاصة، ما يعزز موقع سلطته ويؤكد للعميل أنه يستحق معاملة مميزة.

مقالات ذات صلة