ديفيد جيه. كابوس
إن عالمنا اليوم يواجه تحديات أعقد وأشد تجريدًا مما عرفه في أي عصر مضى، ومع تفاقم هذه التحديات وتشابكها، تسعى الحكومات والمؤسسات إلى ابتكار حلول تقنية جديدة.
ولكن، الإبداع ليس رهين الإرادة فحسب، ولا يكفي مجرد الحاجة إلى الحلول لتحقيقها. وإن الابتكار يتطلب ظروفًا ملائمة توازُنًا بين المرونة والثبات، وبين العفوية والتدبير، وبين المخاطرة والعائد. وهذه الظروف باتت مهددة على نحو متزايد من قِبَل المؤسسات نفسها التي تعتمد أشد الاعتماد على ما تنتجه من تقنيات. وإن نظام البراءات ونظام المعايير وهما ركيزتان أساسيتان في نمو الاقتصاد الأمريكي وازدهار المستهلك، واللتان أشعلتا معًا شرارة جيل من التقدم التقني غير المسبوق قد صارا هدفًا خاطئًا للمنظمين والأكاديميين وأصحاب المصالح الخاصة؛ إذ يعدُّونها عوائق في وجه التقدم المستقبلي.
وقد نشأت في الولايات المتحدة وغيرها حركة ترمي إلى تقليص مزايا حماية البراءات، وتقييد العوائد المالية المتاحة للمخترعين الذين يساهمون بابتكاراتهم في معايير الصناعة، وقد اكتسبت هذه الحركة زخمًا في المحاكم والجامعات وغرف الإدارة، استنادًا إلى الاعتقاد الخاطئ بأن حماية المخترعين ترفع من كلفة التقنيات الاستهلاكية المبنية على المعايير، والحق أن العكس هو الصحيح، وإن السياسات العامة الساعية إلى إضعاف نظام البراءات والمعايير تُعرِّض وتيرة التقدم التقني للتباطؤ.
وليس مضمونًا أن يستمر التقدم التقني على وتيرته الراهنة؛ فالعقبات الاجتماعية والتنظيمية والمالية التي يواجهها المخترعون تزداد شدَّة عامًا بعد عام، وإذا غابت الشروط القانونية والاقتصادية اللازمة لرعاية الابتكار الدائم، فلا سبب يدعونا للاعتقاد بأن التقدم التقني سيستمر بوتيرة معينة، بل ثمة ما يدعو للقلق من أن وعود الثورة الصناعية الرابعة قد تظل غير محققة.
تأمل في الإمكانات العظيمة لأنظمة الجيل الخامس اللاسلكية، التي تنتقل بثبات من وعد “الجيل القادم” المجرد إلى واقع ملموس واسع الانتشار، فتربط السائقين بالطرق والمركبات من حولهم، وتصل المرضى بالممارسين الطبيين، وتُرقمن الصناعات على امتداد طيف واسع من الأنشطة التجارية. إن المعايير الصناعية المشتركة ضرورية لجعل هذه الاتصالات فورية وموثوقًا فيها وآمنة، غير أن مستقبلها مهدد بنظام اقتصادي وتنظيمي يزداد ميلًا لمصلحة منفِّذي التقنية على حساب مبدعيها، وشركات مثل إريكسون ونوكيا، وهما من رواد الابتكار في تقنية الجيل الخامس، شهدت انخفاضًا كبيرًا في عائدات الترخيص والأرباح في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى عدم سداد المنفذين المستحقات، وإلى إجراءات حكومية متعددة. وإن مستقبل الابتكار أي مستقبل المنتجات الذكية والمتوافقة والمتصلة يقتضي نظامًا استثماريًّا مستدامًا، وهذا بدوره يتطلب وسطاء موثوقًا فيهم لرأس المال. وإن البراءات والمعايير هما مسرِّعان مجرَّبان للصناعة، ومع ذلك فكل منهما يواجه ضغوطًا متزايدة من قبل المنظمين ومنفذي التقنية. فإن أراد المجتمع أن يجني ثمار مستقبل من النمو الاقتصادي المدفوع بالابتكار التقني، وجب عليه أن يولي عناية دقيقة للمفصل الدقيق بين نظام البراءات والمعايير. ولا غنى عن موازنة موضوعية مستنيرة بين التكاليف الحقيقية وحوافز الابتكار، مقرونة بتقدير للفرص الاستثنائية للتعاون والنمو التي تتيحها البراءات والمعايير، لضمان أن يحوز المخترعون الذين نعتمد عليهم الموارد اللازمة للاستمرار في تحقيق إمكاناتهم.
وعلى الرغم من المصلحة المجتمعية العميقة في صون الحوافز للاستثمار التقني، فإن النقاش الدائر حول حقوق البراءة والمعايير محدود، ويعود ذلك إلى أن المستهلكين غالبًا ما يجهلون عملية خلق القيمة في الصناعات التقنية المتقدمة؛ فمصانع الأجهزة تتعامل مباشرة مع الزبائن، لذا يسهل إدراك إسهاماتها، أما المخترعون الذين يمكِّنون الابتكار على مستوى الأجهزة من خلال إسهاماتهم في التقنيات الأساسية فيبقون بعيدين عن الأنظار، ويظل عطاؤهم غير مقدَّر، بل كثيرًا ما يُنسب الفضل في الإنجازات التقنية للأجهزة الحديثة إلى صانعي الأجهزة، في حين أن الفضل الأكبر ينبغي أن يعود إلى المخترعين الذين أبدعوا التقنيات الأساسية التي بُنيت عليها تلك الأجهزة.
تأمل الهاتف الذكي الحديث: إن الشاشة الباهرة، والكاميرا عالية الدقة، وإمكانات الفيديو الكامل الحركة، كلها تعود لا إلى مصنِّعي الأجهزة، بل إلى مورديهم في المراحل الأولى، وهذه الميزات الملموسة نفسها لا قيمة لها لولا الابتكارات العميقة في الاتصالات الخلوية والمعالجات اللازمة لتشغيلها، وهي ابتكارات أبدعها مخترعون سابقون.
يظهر التقليل من شأن الابتكار في المراحل الأولى جليًّا حينما يُقدَّم الابتكار إلى السوق من خلال المعايير الصناعية، فإذا طُرِحت المنتجات التي تُجسِّد معيارًا معينًا في الأسواق، لم يبقَ أمام المخترعين سبيلٌ لنيل التعويض عن استخدام اختراعاتهم المُدرجة ضمن ذلك المعيار، وبالتالي لم يبقَ لهم طريقٌ لاسترداد ما أنفقوه من وقتٍ ومالٍ عظيمين إلا عبر تحصيل عوائد الإتاوات، فحين يسهم المبتكرون بتقنياتهم في معيارٍ ما، ويتخلون بذلك عن حصرية براءات اختراعهم، فإنهم يتنازلون عن كل فرصةٍ أخرى لجني الإيرادات. وعلى خلاف الشركات التي تنافس في منتجات غير معيارية، لا يستطيع المبتكرون في الصناعات القائمة على المعايير أن يسترجعوا نفقات البحث والتطوير برفع أسعار المنتجات النهائية التي يبيعونها فحسب؛ إذ إن هؤلاء المبتكرين، كـ “إنتر ديجيتال” و”إل جي”، يبيعون في سوقٍ تنافسية مع مصنِّعين يطبقون المعايير، مثل “آبل” و”سامسونج”، ممن يغامرون بموارد أقل بكثير في سبيل ابتكار المعايير التي تعتمدها منتجاتهم، فهؤلاء المنافسون لديهم تكلفة أساس أدنى بكثير، ولا يحتاجون لتعويض ما أنفقوه من وقتٍ ومالٍ في الابتكار، ومع ذلك، فإنهم ينعمون ويستغلون التحسينات الجوهرية في المنتجات، التي نتجت عن جهود المخترعين الذين ابتكروا وأسهموا بالتقنيات المعيارية.
ويزداد تعقيد المشكلة التي يواجهها المخترعون في استرداد تكاليف استثماراتهم، بأن إدراج التقنيات ضمن معيارٍ ما يقتضي أولًا أن يفصح المخترعون عن تقنياتهم لمجموعات الصناعة، وأن يتعهدوا بترخيصها بشروطٍ عادلة وغير تمييزية لكل من يصنِّع أجهزة تعتمد المعيار الجديد، وهذه الإفصاحات والتعهدات تحدث بالضرورة قبل سنواتٍ من وصول أي منتجٍ يجسِّد المعيار الجديد إلى السوق، مما يعني أن التقنيات الجديدة تكون متاحةً للمُطبِّقين قبل أن يبدؤوا بدفع الإتاوات عنها بوقتٍ طويل. وخلال هذه الفترة، ينسى المصنعون والمستهلكون أهمية التقنيات المعيارية ورغبة المستخدمين فيها، ويقللون من شأن البراءات والتعويضات المرتبطة بها، فيما تُجبر الضغوط الاقتصادية والقضائية والإدارية والاجتماعية والتنافسية المخترعين على القبول بمعدلات إتاوة مجحفة. وهكذا، فإن نموذج التعويض الحالي يقوم على معادلة هشة: “أعطِ الآن، وتلقَّ تعويضًا أقل بكثير، وبعد زمن طويل” فيما يخص الملكية الفكرية. ولما كانت الإتاوات هي السبيل الوحيدة لتعويض المخترعين، فقد يؤدي هذا الوضع إلى عجزهم عن الوصول إلى رأس المال اللازم لمواصلة الابتكار، فيتوقف بذلك دوران عجلة التجديد.
الريادة في الابتكار تقتضي تحفيز المعايير القائمة على الابتكار
إن “المعايير القائمة على الابتكار”، كـ”الواي فاي” و”البلوتوث” و”4G LTE”، هي معايير تضم تقدُّمات تقنية حقيقية مبتكرة، تُمكِّن المُطبِّقين من بناء منتجاتٍ تتجاوز حدود التقليد، وتمثل هذه المعايير تقنياتٍ تفوق بلا ريب ما كان متاحًا من قبل، إلا أن رغبة مصنعي الأجهزة الطبيعية في اقتناء هذه التقنيات بأقل تكلفة ممكنة تتعارض مع السياسة العامة الرشيدة، التي تقتضي تحفيز الاستثمار في الابتكار والإسهام به في المعايير. فهي تضع مناورة قصيرة الأمد من قِبل مُطبِّقي التقنيات المعيارية للدفع بأقل من القيمة التي يحصلون عليها في مواجهة العاقبة الحتمية على المدى البعيد، وهي اختفاء مخترعي التقنيات المعيارية أمام ضعف العائد على استثماراتهم الكبيرة في الابتكار.
أما المُطبِّقون الذين يسعون لتقييد قدرة المبتكرين في الصناعات المعتمدة على المعايير على تحصيل إتاوات عادلة، فهم يبنون أعمالًا رابحة على أساسٍ تقني لم يُسهموا فيه بشيء، فمثلًا، تشير أفضل الدراسات التجريبية حتى اليوم إلى أن الإتاوات على مبيعات معظم الهواتف المحمولة في السوق لا تتجاوز ٣٪ أو ٤٪، أي قروش قليلة من كل دولار تُنفق في البحث والتطوير، وما يبدو أن بعض المُطبِّقين يسعون إليه هو تراخيص مجانية بالكامل من الإتاوات. فهم، في الحقيقة، يقفون على أكتاف العمالقة، ثم يضربونهم في الركب. وإن مثل هذه السيناريوهات “ربح عاجل وخسارة آجلة” نادرًا ما تصنع سياسة عامة صالحة.
إن الشركات التي تستثمر استثمارات ضخمة في البحث والتطوير لإبداع عجائب العالم الرقمي المعاصر، ثم تشارك نجاحاتها التي جنتها بعناء عبر المعايير لفائدة جميع المشاركين في الصناعة والمستهلكين، تقدم أعظم قيمة في أرقى صور النشاط التجاري البشري وأكثرها نفعًا ودقة، ويجب أن يُحتفى بهؤلاء المبتكرين ويُشجَّعوا ويُجازَوا، ولا يُنتظر منهم أن يضحوا بابتكاراتهم في مقابل فرص اقتصادية متلاشية، فالريادة الحازمة في نصرة المعايير القائمة على الابتكار تقتضي صياغة الحوافز بعناية، والوفاء بها، بما يعترف بالدور الجوهري، والموقف الخطر، للمبتكرين، والريادة في هذا السياق تعني مقاومة مساعي مصنعي المنتجات المعيارية في الأخذ دون دفع، ودعم السياسات التي تُمكِّن المبتكرين من نيل تعويض عادل عن إسهاماتهم، وربط عواقب جسيمة بمن يمتنع عن دفع مقابل الابتكار المعياري الذي ينتفع به.
مع المعايير القائمة على الابتكار التي تجلب قيمة غير مسبوقة لاقتصادنا، يجب على واضعي السياسات في الولايات المتحدة أن يدركوا ما الذي يجعل هذه المعايير ذات قيمة عظيمة: وهو الإسهامات الطوعية بالتقنية من قبل المبتكرين الذين بذلوا الكثير في ابتكار تلك التقنية، وإن السعي إلى سياسات ترمي إلى مكافأة هؤلاء المبتكرين وتشجيعهم إنما هو إضافة دافعة لأسمى مراتب السعي الإنساني.
المراجع
1.See generally, M.K. Ohlhausen, “Patent rights in a climate of intellectual property rights skepticism,” Harvard Journal of Law & Technology 30, no. 1 (Fall 2016), 1-51; A.F. Abbott, “Key patent reforms needed to spur U.S. Innovation,” Heritage Foundation (2017), www.heritage.org; A.F. Abbott, “US government antitrust intervention in standard-setting activities and the competitive process,” Vanderbilt Journal of Entertainment & Technology Law 18, no. 2 (Winter 2016), 225-246, www.jetlaw.org; J. Farrell, J. Hayes, C. Shapiro, and T. Sullivan, “Standard setting, patents and hold-up”, Antitrust Law Journal 74, no. 3 (2007), 603-670; and A. Armstrong, J. Mueller, and T. Syrett,” The smartphone royalty stack: surveying royalty demands for the components within modern smartphones” [Working Paper] (2014), https://ssrn.com/abstract=2443848.
2.See, e.g., E. Elhauge, “Do patent holdup and royalty stacking lead to systematically excessive royalties?,” Journal of Competition Law & Economics 4, no. 3 (September 2008), 535-570; D. F. Spulber, “Standard setting organizations and standard essential patents: Voting and markets,” Northwestern Law & Economics Research Paper No. 16-21 (2016); J.M. Barnett, “Has the academy led patent law astray?,” University of Southern California Legal Studies Research Papers Series No. 17-4 (2017); A. Galetovic, S.H. Haber, and L. Zaretzki, “Is there an anti-commons tragedy in the smartphone industry?,” Hoover Institute Working Paper Series No. 17005 (2017); K. Mallinson, “Don’t fix what isn’t broken: The extraordinary record of innovation and success in the cellular industry under existing licensing practices,” George Mason Law Review 23 no. 4 (2016), 967-1006.
3.See, e.g., U.S. Chamber of Commerce, “International Competition Policy Expert Group report and recommendations 31,” ICPEG Report (2017), www.uschamber.com; and M.K. Ohlhausen, “Remarks before the American Bar Association’s 32nd Annual Intellectual Property Law Conference, Arlington, Virginia (2017),” available at www.ftc.gov.
4.Identification of specific company examples throughout is not meant as criticism of the companies identified, or of their business strategies, nor is it meant to suggest any absolutes.
5.See J. Ellis, “Top licensors Ericsson, Microsoft, and Nokia all see drop in year-on-year patent revenues,” Feb. 9, 2017, www.iam-market.com; “Fourth Quarter and Full-Year Report 2016,” Jan. 26, 2017, www.ericsson.com; and “Nokia Corp. Report for Q4 2016 and Full Year 2016,” Feb. 2, 2017, https://www.nokia.com.
6.A. Galetovic, S.H. Haber, and L. Zaretzki, “A New Dataset on Mobile Phone Patent License Royalties,” Hoover Institute Working Paper Series No. 16011 (2016); and J.G. Sidak, “What Aggregate Royalty Do Manufacturers of Mobile Phones Pay to License Standard-Essential Patents?” 1 Criterion Journal on Innovation 701 (2016).
