بول ميشلمان
نحن نتجه نحو عصر المؤسسات الشبكية؛ حيث ستُستبدل الهياكل الهرمية التقليدية للشركات بأنظمة ذاتية التنظيم تتعاون عبر المنصات الرقمية.
سيكون ذلك عصر ريادة الأعمال، والقيادة الموزعة، وإعادة تنظيم مستمرة للأفراد والموارد، وسيكون زمنًا لتقليل الوسطاء (disintermediation) داخل المنظمات وفيما بينها على حد سواء، ستتلاشى طبقات الإدارة؛ وستتبدد -إن لم تختفِ- الحاجة إلى الأنظمة المركزية والوسطاء الموثوقين.
هكذا يتنبأ كثير من الخبراء.
أما أنا؟ فنعم، أؤمن أن هذا هو المستقبل الذي نسير نحوه ببطء، قد لا نشهد نحن الذين قطعنا شوطًا في حياتنا المهنية تحقق ذلك بالكامل خلال سنواتنا في المؤسسات، لكن الاتجاهات حقيقية، وهي ظاهرة بالفعل لمن أراد أن يراها.
وهذا ما يدفعني للقلق على أصدقائي العاملين في مجال الثقافة المؤسسية؛ إذ لست واثقًا أن للثقافة ذات الأهمية في المستقبل، على الأقل ليس بالصورة التي نتصورها اليوم.
في مقال نُشر عام 1996م في “مجلة كلية سلون للإدارة” (Sloan Management Review)، وصف الأستاذ الفخري إدغار هـ. شاين (Edgar H. Schein) من كلية سلون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Sloan) الثقافة بأنها “مجموعة من الافتراضات الضمنية الأساسية حول طبيعة العالم وكيف ينبغي أن يكون، يشترك فيها مجموعة من الناس وتحدد تصوراتهم وأفكارهم ومشاعرهم، وسلوكهم الظاهر إلى حد ما “.
أما جون كاتزنباخ (Jon Katzenbach)، أحد أبرز المفكرين في هذا المجال، فيعرّف الثقافة التنظيمية بأنها “النمط الذاتي الاستدامة للسلوك الذي يحدد كيفية إنجاز الأمور”. وهي “تتكون من عادات متكررة وغريزية واستجابات عاطفية”.
وكما توحي هذه التعريفات، فالثقافة تهدف إلى إرساء شعور راسخ بالغاية داخل المنظمة، يتجلى في مجموعة معروفة من السلوكات والمعتقدات المشتركة. إنها توجّه الجميع -وتحافظ عليهم- نحو المسار ذاته، لذا، فإن إنشاء الثقافة والحفاظ عليها عمل دقيق وشاق. يتطلب التركيز والالتزام على مستوى المنظمة بأسرها. خلال مسيرتي المهنية، رفعتني ثقافات مؤسسية قوية، وكدت أغرق في ثقافات ضعيفة، لا أشك أبدًا في قوة الثقافة على توحيد المنظمة وتحفيز العاملين فيها، لكن هذا حديث الماضي، فعندما ننظر إلى الحياة في مصفوفة العصر الرقمي، نجد سببًا للتساؤل عن دور الثقافة، فعلاقتنا بالمؤسسات ستصبح أكثر ارتباطًا بالنشاط الذي ننخرط فيه في كل لحظة. سنرى أنفسنا “منتسبين” (affiliates) أكثر من “موظفين”، على الأقل كما نفهم هذا المصطلح اليوم. سنصادف شركاء وزملاء جددًا باستمرار، وسندخل في علاقات عمل ونخرج منها، ونعمل بالتبادل مع من ينتمون إلى المنظمة نفسها ومع من لا ينتمون إليها.
في هذا العالم، لن نُعلي من شأن التوافق (alignment)؛ بل سنثمّن إعادة التوافق (realignment).
مثل هذا المناخ يستفيد من قواعد واضحة وعامة للتعامل، ولا يستفيد من عادات تميز جماعة بعينها، وهو جوهر الثقافة التنظيمية.
في كتابه “إرادة الإدارة” (The Will to Manage) الصادر عام 1966م، وصف المستشار الإداري الشهير مارفن باور (Marvin Bower) فلسفة الشركة بأنها “الطريقة التي نقوم بها بالأشياء هنا”، وقد ساعدت هذه الكلمات في ترسيخ دور الثقافة المؤسسية وتثبيت غايتها على مدى الخمسين عامًا التالية، لكننا على أعتاب زمن سيُعاد فيه اختراع “طريقة إنجاز الأمور” مع كل تعاون جديد. وفي مثل هذه الأجواء، تتحول أداة صُممت لترسيخ الاتساق السلوكي عبر فترات طويلة من الزمن من محرك إلى مرساة تثقل الحركة.
