القائمة الرئيسية

الانتهازية في سلاسل الإمداد

الانتهازية في سلاسل الإمداد
ملخص المقال

يحلّل المقال الجانب المظلم للسعي المحموم إلى الكفاءة وخفض التكاليف في عصر العولمة، موضحًا كيف أدّى التخصص وإسناد الأنشطة إلى الخارج إلى نشوء سلاسل إمداد شديدة التعقيد، أكثر عرضة للسلوك الانتهازي والإخفاقات الجسيمة. ومن خلال دراسة معمقة لثماني أزمات كبرى منذ عام 2007، يبيّن الكاتبان أن المشكلة لا تكمن في فساد أفراد بعينهم، بل في طبيعة السلوك البشري داخل أنظمة تنافسية معقدة تقلّ فيها القدرة على الرقابة ويصعب فيها اكتشاف الخلل عند منبعه. ويؤكد المقال أن التعقيد والترابط يضخّمان آثار الأخطاء الصغيرة، بحيث يمكن لقرار محلي محدود أن يتحول إلى أزمة عالمية مكلفة، كما يوضح أن كثيرًا من شروط الفشل ما زالت قائمة في سلاسل إمداد معاصرة. ويختتم بتوجيه المديرين إلى خمسة مجالات حاسمة للوقاية، تشمل إدراك مخاطر الانتهازية، ورصد مواطن الضعف، وإعادة تقييم أسواق المدخلات، والحذر من تطبيع الانحراف، وفهم الدور الإيجابي للتنظيم، ليخلص إلى أن ما تحققه الكفاءة من وفورات قد يضيع أضعافه إن أُهملت الأخطار الكامنة فيما لا نراه.

مارك فان دينبوش وستيفن ساب

إن قوى العولمة مجتمعة مع التطورات في تقنيات المعلومات قد غيّرت منذ زمن بعيد المشهد التنافسي في كثير من الصناعات. ولكي تنافس الشركات وتزدهر في تلك الصناعات، وجب عليها أن تستجيب لمطالب الزبائن الذين يتّسمون بحساسية عالية للأسعار. وكانت النتيجة سعيًا لا يهدأ نحو الكفاءة وخفض التكاليف.

واستجابةً لذلك، لجأت الشركات إلى التخصص وأسندت الأنشطة غير الجوهرية إلى جهات خارجية. وغالبًا ما يكون جوهر قرار إسناد المهام الاقتصادية إلى الخارج بدلًا من تنفيذها داخليًّا عائدًا إلى الكلفة. وهذا الأمر صادق سواء كنت تنتج الهواتف المحمولة أو تكتتب في الرهون العقارية. وهكذا يؤدي السعي للكفاءة، مع مرور الزمن، إلى نشوء سلاسل إمداد معقدة يصبح المشاركون فيها على مسافة متزايدة من الصفقة النهائية مع الزبون.

وقد تعود هذه الكفاءة بالنفع على المستهلكين، لكنها تحمل وجهًا مظلمًا كذلك؛ فالسلاسل المعقدة ذات الأطراف الكثيرة أشد تعرضًا للمشكلات، وأحيانًا للانهيار المدوي. ومن الأمثلة على ذلك في السنوات الأخيرة: أزمة الرهون العقارية عالية الأخطار، وانهيار شركة الفول السوداني الأمريكية، وفضيحة أغذية الحيوانات الأليفة عام ٢٠٠٧م، وطلاء الرصاص على ألعاب الأطفال في العام نفسه، ومنتجات الألبان الصينية الملوثة بالميلامين، والملوثات في دواء الهيبارين، ولحم البقر الأيرلندي الملوث بالديوكسين. وقد تكون العواقب وخيمة؛ فقد تسببت شركة الفول السوداني الأمريكية (التي يقع مقرها في لينشبرغ بولاية فيرجينيا وتقدر مبيعاتها بخمسة وعشرين مليون دولار)، في استدعاء منتجات بقيمة مليار دولار حين تسرب منتجها الملوث إلى نحو ألفي منتج آخر. وتضررت سمعة شركة ماتيل للألعاب (ومقرها إل سيغوندو بولاية كاليفورنيا)، ضررًا بالغًا عام ٢٠٠٧م حين استخدم أحد الموردين لمورد ماتيل مكونات قائمة على الرصاص، خارجًا بذلك عن مواصفات الشركة.

إن هذه الأزمات والاستدعاءات مجتمعة يجب أن تثير قلق المسؤولين في الصناعات شتى؛ فرغم اختلاف هذه المشكلات ظاهرًا، وتشكّلها بظروفها الفريدة، فإننا نرى أن السبب الرئيس واحد في جوهره: وهو عجز آلية السوق عن اجتثاث الانتهازية في مختلف مستويات السوق أو سلسلة الإمداد. وقد تتجلى هذه الانتهازية في صورة تقصير في ضمان معايير السلامة أو الجودة، أو حتى في بعض الحالات في سلوك إجرامي.

ويأتي بحثنا ضمن سلسلة من الدراسات البينية التخصصات التي تهدف إلى فهم أسباب فشل الأنظمة التجارية وما يمكن أن يتعلمه القادة من تلك الإخفاقات. وفي هذه المرحلة أجرينا تحليلات معمقة لثمانية إخفاقات بارزة منذ عام ٢٠٠٧م، تراوحت بين مشكلات شركات منفردة وأزمات اجتاحت صناعات بأكملها. وشمل البحث أكثر من خمسين مقابلة مع مشاركين رئيسين في الصناعة وجِهات تنظيمية، فضلًا عن مراجعات دقيقة للإعلام والوثائق القضائية ومحاضر الجلسات العامة. وقورنت البيانات المستخلصة من هذه المصادر بالمعارف الاقتصادية والإدارية المعروفة أو المقبولة عمومًا، للإجابة عن سؤال: أينبغي إعادة تدريس الدروس القديمة أم ابتكار نظريات جديدة؟

وخلاصتنا؟ إن المشكلة ليست في جشع المصرفيين أو فساد ممارسات الأعمال الصينية، بل في السلوك البشري وأثره في القرارات التجارية. فمن خلال دراستنا لقطاعات وجغرافيات متنوعة، وجدنا أن البيئة التنافسية الشديدة في عصرنا حدّت من قدرة الشركات على ضمان الامتثال في جميع مستويات سلسلة الإمداد. وخاصة، أن التعقيد يمكّن السلوك الانتهازي، لا سيما حين لا يُكتشف الخلل إلا بعيدًا عن مصدره الأصلي.

وفوق ذلك، فإن التعقيد يجلب معه الترابط، بحيث يمكن لفعل شركة واحدة أن يُحدث تأثيرًا واسع النطاق. فعلى سبيل المثال، بدأ مصنع أعلاف صغير في أيرلندا باستخدام نوع من الزيوت غير المصرح بها في مجفف طعام صناعي. فتسللت الديوكسينات من أبخرة الزيت إلى العلف، ثم إلى الخنازير التي تناولته. وفي ديسمبر ٢٠٠٨م، كشفت الفحوصات الدورية عن مستويات مرتفعة من الديوكسين في لحم البقر الأيرلندي، ما دفع المتاجر في خمس وعشرين دولة إلى إخلاء رفوفها من هذا اللحم. وكانت الكلفة الإجمالية نحو مئتي مليون يورو.

إن تحليل أسباب الفشل بعد وقوعه أمر يسير، أما التنبؤ به أو تشخيصه في أثناء وقوعه فأصعب بكثير. وما يثير القلق في نظرنا عند تأمل أوجه التشابه بين إخفاقات الأنظمة، هو إدراك أن الشروط التي كانت قائمة في الأنظمة الفاشلة حاضرة بوضوح في سلاسل إمداد عديدة تعمل اليوم. فهل يعني هذا أن هناك إخفاقات أخرى تنتظر الوقوع؟ نعتقد أن الأمر كذلك. ورغم أن الإخفاقات قد لا تكون جميعها واسعة النطاق كما في أمثلتنا، فإنها تبقى مكلفة لأصحاب المصلحة المعنيين. وقد وجدت جمعية المستهلكين أن المدة ما بين ٢٠٠٦م و٢٠٠٨م شهدت أرقامًا قياسية في استدعاء المنتجات.

فما العمل إذن أمام المديرين؟ وكيف يمكنهم اختبار نزاهة واستقرار أوضاعهم؟ وإن لم تكن هناك حلول سحرية، فإننا نقدم قائمة بخمسة عوامل ينبغي للمديرين أخذها بالحسبان:

إدراك خطر الانتهازية: فبطبيعة الحال، كلما طالت سلسلة الإمداد، زاد خطر الانتهازية. إذ يعمل المشاركون البعيدون عن المستهلك النهائي على تحسين وضعهم المحلي لا النظام بأسره، ما يتيح لذهنية التعاملات الجزئية أن تسود. فلا بد من مراقبة دائمة وتحديث مستمر للفرضيات والإجراءات، ليتمكن المديرون من فهم ديناميات الأخطار التي يواجهونها.

معالجة مواطن الضعف في نظام الإمداد: ينبغي للمديرين أن يتقصَّوا مواطن الضعف الكامنة في نظام الإمداد بروح استباقية، إذ قد يكون لتلك المواطن أثر في إثارة المشكلات. وأشهر هذه المواطن ما يُعرف غالبًا بالخطر الأخلاقي، وهو انعدام الحافز لاتقاء الأخطار حين يكون المرء محصنًا منها. فعلى سبيل المثال، كان المقرضون العقاريون والسماسرة العقاريون يعملون وسطاء، فإذا ما بيع الرهن العقاري لأغراض التوريق، قلَّت مسؤوليتهم أو انعدمت في ضمان سداد المدفوعات. ونتيجة لذلك، صار اتخاذهم للقرارات يدور حول اتباع القواعد الموضوعة لهم، لا حول محاولة استكشاف الأخطار غير المصرح بها بين المقترضين أو العقارات.

إعادة تقييم الأسواق الخاصة بالمدخلات: ينبغي أن يكون من مجالات تركيز المديرين أيضًا الأسواق الكامنة في أعماق سلسلة الإمداد؛ فهذه الأسواق تتسم بخصائص تجعلها عرضة للانتهازية؛ إذ إن الأسواق بطبيعتها قائمة على المعاملات ومخصصة للسلع المحددة. وتُهمَّش الروابط الشخصية والفهم السياقي اللذان يؤديان إلى بناء الثقة، إذ يُقلَّص عدد معايير التقييم وتُؤتمت، ليُسمح بزيادة حجم المعاملات وتقليل كلفة كل معاملة.

والأسواق كذلك تتكرر فيها المعاملات، ما يتيح للفاعلين الانتهازيين اختبار النظام واستكشافه. فما مدى احتمال اكتشاف السلوك الانتهازي؟ وما كلفة هذا السلوك مقارنة بمنافعه؟ فإذا كانت المعاملات محض تبادلية، فإن المورد يُجري حسابًا يقارن فيه قيمة الاستراتيجية الانتهازية بكلفة اكتشاف أمره أو معاقبته. ومن أمثلة ذلك أن يستبدل المصنعون التعاقديون المكونات، أو أن يعمد المصنعون إلى تنظيف مصانعهم فقط لاجتياز التفتيش الغذائي.

التحقق من “تطبيع الانحراف”: إن الموازنة بين قيمة الأسواق الخاصة بالمدخلات وأخطارها الجوهرية أمر عسير، وإن الحد الأدنى هو اختبار متواصل لسلامة قواعد التقييم، غير أن ما يدعو إلى القلق الأكبر هو “تطبيع الانحراف”. وقد صاغت ديان فون في كتابها “قرار إطلاق تشالنجر” هذا المصطلح حين أعادت تحليل كارثة مكوك الفضاء تشالنجر، إذ ركزت في بحثها على فشل الحلقة المطاطية (O-ring) الذي تسبب في الكارثة، ووجدت أنه كلما حدثت مخالفات في الحلقة، كان المهندسون يبررونها، حتى صار تلف الحلقة أمرًا معتادًا لا إشارة خطر. وفي أزمة الرهن العقاري عالية الأخطار، اختبر السماسرة المستقلون لدى المقرضين العقاريين مجموعات متنوعة (ومتطرفة) من المقترضين والعقارات، فكان المقرضون الذين يوافقون على “الحالات الخاصة” يكتشفون لاحقًا أن نسبة متزايدة من الرهون التي أبرموها تحمل خصائص مماثلة، ما أدى عمليًّا إلى خلق معيار جديد. وفي أسواق المدخلات، فإن قبول الانحرافات عن معايير التقييم، ولو كانت يسيرة وتحت أي ظرف، قد يؤدي مع مرور الزمن إلى عملية تطبيع مماثلة، حيث تتباين معايير التقييم المفروضة عن التصميم الأصلي وتتكاثر المشكلات في المراحل العليا من السلسلة. وعليه، فإذا كانت كلفة الفشل مرتفعة، فلا بد من إجراء تدقيقات دورية.

فهم دور التنظيم: إن أي نقاش في الأخطار الخفية وإخفاقات النظام يفضي لا محالة إلى دور التنظيم. وهنا يشعر معظم المديرين بالقلق؛ إذ إن التنظيم يكلف المال ويتعارض مع هدف تحقيق الكفاءة المتزايدة. غير أن هذا التحليل يقوم على حساب خطأ، فصحيح أن كلفة الوحدة ترتفع مع زيادة التنظيم، لكن إذا كان هذا التنظيم يخفف أو يقلل بدرجة كبيرة من أخطار الفشل الجسيم، فإن القيمة الحالية الصافية للتنظيم قد تكون إيجابية للغاية. والمهم هو ملاءمة المنظمين والتنظيمات مع الأخطار الكامنة في النظام. وقد يؤدي هذا التوفيق إلى وجود منظمين بأشكال شتى، من الجهات الحكومية إلى الهيئات المنشأة لتحقيق التنظيم الذاتي الفعال للصناعة، كالمعهد المعني بتشغيل الطاقة النووية في أتلانتا، جورجيا.

وكما تدل الأمثلة الحديثة، فإن كلفة السلوك الانتهازي في سلاسل الإمداد المعقدة اليوم قد تكون باهظة. لذا، فإنه من المتحتم على الشركات أن تغوص في تفاصيل أنظمتها الإمدادية لتفهم الأخطار وتعمل استباقيًّا على درء المشكلات. فحقًّا، في طريق السعي إلى الكفاءة، ما تجهله قد يضرك.

مقالات ذات صلة