القائمة الرئيسية

تحدي توسيع نطاق المهارات الناعمة

تحدي توسيع نطاق المهارات الناعمة
ملخص المقال

يطرح المقال فكرة أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيستبدلان أو يعززان جزءًا كبيرًا من المهام الوظيفية الحالية، ما سيجعل “المهارات اللينة” البشرية مثل التعاطف، وفهم السياق، والتعاون، والإبداع أكثر قيمة من أي وقت مضى، نظرًا لضعف الآلات في هذه الجوانب. غير أن تطوير هذه المهارات يواجه ثلاثة عوائق رئيسة: أنظمة تعليم صُممت تاريخيًا لإنتاج الامتثال والحفظ أكثر من الرحمة والابتكار، وبيئات منزلية مشبعة بالتكنولوجيا تقلل من التفاعل الإنساني المباشر الضروري لتنمية المهارات الاجتماعية، وأماكن عمل عالية الضغط تُضعف القدرة على التعاطف والإبداع. ويقارن المقال هذا التحول بما حدث خلال الثورة الصناعية وما رافقه من اضطراب اجتماعي، محذرًا من تكرار السيناريو ذاته إذا لم نتحرك سريعًا. ويخلص إلى ضرورة إعادة توجيه التعليم نحو التعاطف والتعاون، واستثمار الشركات في تقنيات تدريب تدعم المهارات اللينة، وتصميم بيئات عمل تقلل التوتر، بوصف ذلك شرطًا أساسيًا للحفاظ على إنسانيتنا في عصر الآلات.

ليندا غراتون

يتضح بشكل مزداد أنّ نسبة من المهام الوظيفية التي يؤديها معظم الناس العاملين حاليًّا، ستُستبدل كليًّا بالآلات (الذكاء الاصطناعي AI إذا كانت المهام معرفية، والروبوتات إذا كانت يدوية)، أو ستُعزَّز من خلال واجهة تفاعل بين الإنسان والآلة.

ورغم غياب الوضوح حول أنواع المهام التي ستظل ضمن نطاق الإنسان، يمكننا تقديم بعض التنبؤات. نحن نعلم الآن، وفي المستقبل المنظور، أنّ الآلات عمومًا ضعيفة في فهم مزاج الإنسان، وفي استشعار الظروف المحيطة به، وفي بناء علاقات قائمة على الثقة. ولهذا، كما أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) حول مهارات المستقبل، فإنّ “المهارات اللينة” البشرية ستزداد قيمتها؛ مثل التعاطف، واستشعار السياق، والتعاون، والتفكير الإبداعي.

وهذا يعني أنّ ملايين الناس حول العالم سيضطرون إلى الانتقال نحو اكتساب إتقان أكبر بكثير في هذه المهارات اللينة.

لكن ذلك بعيد عن السهولة. فالمفارقة أنّنا، رغم معرفتنا الواسعة بكيفية تطوير “المهارات الصلبة”؛ كالتحليل، واتخاذ القرار، والحكم التحليلي، نعرف أقل بكثير عن نشأة المهارات اللينة. ولعل الأهم من ذلك، أنّ كثيرًا من السياقات التي يتعلم فيها الناس ويؤدون أعمالهم حاليًّا تميل بشدة نحو المهارات الصلبة. إن فهم العقبات التي تعترض تطوير المهارات اللينة ثم معالجتها، أمر بالغ الأهمية لمدارسنا، وبيوتنا، وأماكن عملنا.

ثلاثة حواجز أمام تطوير المهارات اللينة

يبدو لي أنّ هناك ثلاثة حواجز رئيسة أمام توسيع نطاق تطوير المهارات اللينة.

  1. المدارس تشبه المصانع إلى حد كبير: فقد وُضعت الأسس الأساسية لمعظم أنظمة التعليم بعد الثورة الصناعية. وكان الهدف بحلول أوائل القرن العشرين واضحًا: تحويل السكان الذين كانوا يعملون أساسًا في الحِرَف أو الزراعة، إلى الاستعداد للعمل في المصانع، ومؤخرًا في المكاتب. ورغم أنّ بعض المدارس قد نقلت المناهج نحو المهارات اللينة والإبداع، فإنّ هذه التقاليد لا تزال راسخة في كثير من المدارس. فالأطفال يُدرَّبون على الجلوس ساكنين ساعات طويلة (كما في خط الإنتاج في المصانع)، وعلى الحفظ الآلي، والامتثال واتباع القواعد. وما يدعو إلى الأسف أنّ هذه المهارات هي بالذات ما تتقنه الآلات بدرجة عالية. والأهم أنّ هذه الظروف لا تُنمّي في الأطفال مهارات الرحمة، والابتكار، والقدرة على تفسير الناس بشكل صحيح.
  2. البيت مشبع بالتكنولوجيا: هناك أدلة متزايدة على أنّ استخدام التكنولوجيا يؤثر في تطور المهارات اللينة البشرية. فعندما يقضي الأطفال والكبار جزءًا كبيرًا من وقتهم في الألعاب الافتراضية عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، هناك بعض الأدلة على أنّ مهاراتهم الاجتماعية وجهًا لوجه تبدأ بالضمور؛ فالتفاعلات الاجتماعية القصيرة لا تدعم تنمية المهارات الاجتماعية. وهذا أمر مهم، لأنّ الفوائد التطورية التي اكتسبها الإنسان في مجالي التعاطف والتعاون، تحتاج إلى تعزيز من خلال التعلم الفردي الدقيق. قارن، مثلًا، بين محادثات الطفل مع المساعد الافتراضي أمازون أليكسا (Amazon Alexa)، ومع شخص بالغ حقيقي. فعند التفاعل مع أليكسا، قد يميل الطفل إلى إصدار أوامر وربما يكون فظًّا مع الجهاز. أما أليكسا فترد بشكل ثابت ومحترم. ولو قلد الطفل مثل هذا السلوك مع بالغ، لتمّ تنبيهه على سلوكه غير المهذب.

ولا يعني هذا إغفال حقيقة أنّ التكنولوجيا يمكن أن تؤدي دورًا مفيدًا بدرجة كبيرة في تطوير المهارات اللينة. ففي العقد الأخير، حدثت تطورات كبرى في التعلم المعتمد على التكنولوجيا، بما في ذلك البرامج الإلكترونية التي يمكن أن يشارك فيها عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد ركزت الغالبية العظمى من هذه البرامج على مساعدة الناس في تطوير المهارات الصلبة. وهذه البرامج بارعة جدًّا في تعليم المحتوى، ومحاكاة اتخاذ القرار، واختبار المعرفة. غير أنّ هذه التقنيات التعليمية لم تتمكن بعد على نطاق واسع، من دعم تطوير المهارات اللينة لدى آلاف أو ملايين الناس. وغالبًا ما تكون المبادرات التي تُدرّس هذه المهارات صغيرة النطاق، وتستلزم تواصلًا مباشرًا وإرشادًا شخصيًّا.

  • العمل المجهد يقلّل من التعاطف: أخيرًا، هناك تحدي سياق العمل ذاته؛ فهناك أدلة واضحة على أنّ معظم البالغين يتعلمون كثيرًا في مواقع العمل، لذا يمكننا أن نتخيل أنّ البالغين قد يكتسبون المهارات اللينة في أماكن العمل. لكن يتبين أنّ تطوير واستخدام المهارات اللينة؛ مثل التعاطف والإبداع، شديدا الحساسية لحالة الإنسان النفسية؛ فالدراسات تظهر أنّ الأشخاص عندما يشعرون بالضغط، أو بأنهم يُعاملون بغير عدل، أو عندما يكونون تحت التوتر، فإنّ الحُصين (hippocampus)؛ وهو جزء من الجهاز الحوفي في الدماغ المرتبط بالعواطف، يكون أقل قدرة بكثير على الاستماع المتعاطف أو تقدير سياق الموقف. فالدماغ، بمعنى ما، يغلق أبوابه أمام تعلم أو ممارسة المهارات اللينة.

والتحدي أنّ العديد من أماكن العمل يتبع ممارسات وإجراءات تؤدي، غالبًا دون قصد، إلى مستويات عالية من التوتر. وعلاوة على ذلك، فإن العلاجات مثل ظروف العمل الأكثر مرونة، والثقافات التعاونية، وإرساء عمليات عادلة، لا تُعتمد بسرعة.

سبيل إلى المضي قُدُمًا

تُبيّن السجلات التاريخية لتأثير الثورة الصناعية أنّ إدخال التقنيات الجديدة في تلك الحقبة، قد ألقى بحياة كثير من الناس في أتون الاضطراب، إذ كافحوا لإعادة اكتساب المهارات اللازمة لمواكبة احتياجات الآلات الجديدة. وقد أُطلق على هذه الفترة في بريطانيا اسم “توقف إنجلز” (Engels’ Pause)، وأسفرت عن تعاسة عميقة وتراجع في الإنتاجية، قبل أن يكتسب الناس المهارات المطلوبة، ويعاد تشكيل المجتمع.

ومن الواضح أنه لا يوجد حل سهل لهذا التحدي. غير أن الحاجة ملحّة، وسرعة التنفيذ أمر بالغ الأهمية. وعند التأمل في الواقع، نجد بعض المشاريع والمبادرات المثيرة للاهتمام، ولكن لإحداث فارق حقيقي، ينبغي تعميم هذه المبادرات على نطاق أوسع. ولتفادي الاضطراب ذاته الذي شهدته الثورة الصناعية، ينبغي أن نبادر الآن. أولًا، من الضروري أن تبتعد المدارس عن الكتب الدراسية والتعلم القائم على الحفظ، وتركز بدلًا من ذلك على التعاطف والتعاون، كما فعلت مدرسة “هاي تك هاي” (High Tech High) في سان دييغو، كاليفورنيا.

ثانيًا، هناك حاجة إلى أن تركز الشركات على الابتكار التكنولوجي لتعزيز تطوير المهارات الناعمة لدى الموظفين. وهناك بالفعل بعض المبادرات الواعدة التي قد تشكل نماذج جديرة بأن تعمم على أعداد أكبر من الناس: تستخدم سلسلة “كنتاكي فرايد تشيكن” (KFC) برنامج تدريب يركز على التفاعل مع العملاء، وتقوم شركة “فيدليتي إنفستمنتس” (Fidelity Investments) بتجربة استخدام الواقع الافتراضي (virtual reality) لتطوير مهارات موظفي مراكز الاتصال في مجال التعاطف وفهم العملاء.

ثالثًا، في بيئة العمل، يمكن للابتكارات التكنولوجية أن تسهم في تقليل التوتر. ففي الوقت الراهن، تتيح الأجهزة القابلة للارتداء (wearables) التي تقيس معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجلد وموجات الدماغ، تحديد مصادر التوتر بدقة أكبر، ومن ثم مساعدة الأفراد على مراقبة “الدماغ المستريح” الأكثر قدرة على التعاطف. وسيشمل تصميم بيئة العمل بما يحقق إشراك الدماغ المستريح، تقليل مصادر التشتيت التكنولوجي وخلق فترات هدوء في أثناء اليوم.

إن بعض هذه الحلول قابلة للتوسعة حقًّا، لا سيما تلك التي تعتمد تقنيات فعالة من حيث التكلفة. لكن لا يمكننا أن نقف موقف المتفرج في انتظار “توقف إنجلز” (Engels’ Pause). يجب أن نغتنم هذه الأفكار ونبتكر غيرها. وإذا أردنا أن نحافظ على إنسانيتنا في عصر الآلات، فعلينا أن نُبرز جوهر ما يعنيه أن نكون بشرًا.

مقالات ذات صلة