جيريمي هول وهاري فريدنبورغ
خلال العقد الماضي، أصبحت الشركات أكثر إدراكًا للضغوط الاجتماعية والبيئية التي تواجه عالم الأعمال. وقد جادل العديد من علماء الإدارة والمستشارين بأن هذه المطالب الجديدة تتيح فرصًا رائعة للمؤسسات التقدمية، وأن الابتكار يُعد إحدى الوسائل الأساسية التي يمكن من خلالها للشركات تحقيق نمو مستدام. ويقال إن الشركات التي تتجاهل هذه الضغوط تفعل ذلك على مسؤوليتها الخاصة، غير أن الواقع يُظهر أن المديرين واجهوا صعوبات كبيرة في التعامل مع ضغوط التنمية المستدامة. وعلى وجه الخصوص، غالبًا ما تكون استراتيجياتهم الابتكارية غير كافية لاستيعاب الطبيعة المعقدة وغير المؤكدة لهذه المطالب الجديدة.
هناك حاجة إلى استراتيجية تدمج بين أهداف الابتكار والتنمية المستدامة. وعلى النقيض من الابتكار التقليدي المدفوع بالسوق، يجب أن يراعي الابتكار في التنمية المستدامة (Sustainable Development Innovation – SDI) القيود الإضافية المتعلقة بالضغوط الاجتماعية والبيئية، بالإضافة إلى مراعاة الأجيال القادمة. ومن ثم، غالبًا ما يكون SDI أكثر تعقيدًا (نظرًا لتعدد أصحاب المصلحة) وأكثر غموضًا (إذ إن العديد من الأطراف لديهم مطالب متناقضة). علاوة على ذلك، قد تكون ضغوط التنمية المستدامة مدفوعة بعلم لم يُعتمد بعد اعتمادًا كاملًا من قبل الأوساط العلمية والسياسية والإدارية. وفي ظل هذا القدر من عدم اليقين، يصبح الابتكار من أجل التنمية المستدامة أمرًا صعبًا ومحفوفًا بالمخاطر. ومع ذلك، وبسبب تصاعد الضغوط لأخذ التنمية المستدامة في الحسبان، قامت العديد من المؤسسات بمراجعة نماذج أعمالها، وغالبًا ما يُسلَّط الضوء على هذه التغييرات في تقارير الاستدامة المؤسسية وصفحات الإنترنت الخاصة بها. فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة DuPont (DuPont Co.) على الملأ، أنه بحلول عام 2010م ستخفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة بمقدار الثلثين، مع الحفاظ على استهلاكها السنوي للطاقة عند مستويات عام 1990م.
تحقيق مثل هذه الأهداف يتطلب استثمارات في الابتكار، وقد كان هذا حجة جذابة لتحسين الأداء البيئي والاقتصادي في آن واحد، فيما يُعرف بحالة “الربح المزدوج” (win-win situation). ويؤكد بعض المراقبين أن التنمية المستدامة يمكن أن تولد جولة جديدة مما أطلق عليه الاقتصادي جوزيف شومبيتر “التدمير الخلاق” (creative destruction)، ما يوفر فرصًا للوافدين الجدد، ويشكل تهديدات محتملة للشركات القائمة. وقد دعا آخرون إلى تبني تقنيات جديدة جذرية ومنتجات وعمليات ونماذج أعمال وابتكارات بيئية لتغيير الأنماط الصناعية غير المستدامة الحالية. ووفقًا لهذا الرأي، فإن الابتكار التراكمي الذي يعزز الكفاءة، غير كافٍ لمواجهة ضغوط التنمية المستدامة؛ بل إن الابتكار الجذري الذي يدمر الكفاءات التقليدية هو المطلوب، ومن المرجح أن يخلق قدرات جديدة ستتحدى في نهاية المطاف الممارسات التجارية السائدة.
وبصرف النظر عن هذه الحجج، فإن قلة من الشركات فقط استثمرت بشكل كبير في الابتكار من أجل التنمية المستدامة. تكمن المشكلة في أنه على الرغم من أن التغيير الجذري قد يكون الوسيلة التي تحقق بها الشركات النمو المستدام، فإن تطبيق مثل هذه الاستراتيجية يواجه في الواقع صعوبات وعقبات ومفارقات كبيرة. علاوة على ذلك، فإن الأساليب الحالية لإدارة الابتكار غير كافية للتعامل مع المطالب الإضافية للتنمية المستدامة (انظر الهامش: التأثير المعقد لأصحاب المصلحة الثانويين).
لنتأمل تجربة شركة Monsanto (Monsanto Co.). فمنذ سبعينيات وحتى ثمانينيات القرن العشرين، دخلت Monsanto، التي كانت آنذاك شركة كيميائية، مجال علوم الحياة الناشئ. وقد كانت سباقة في تطوير المحاصيل المعدلة وراثيًّا (Genetically Modified – GM) التي تقلل الحاجة إلى المبيدات الحشرية (نظرًا لمقاومة النباتات الكبرى للحشرات) والمبيدات العشبية. ووفقًا لما ذكره المدير التنفيذي آنذاك روبرت شابيرو، كانت التكنولوجيا “تستبدل المواد بالمعلومات”، وكان شعار الشركة في عام 1997م هو “التنمية المستدامة من أجل مستقبل العالم”.
في البداية، بدا أن Monsanto تسير في الاتجاه الصحيح. فقد نجحت الشركة في الانتقال الصعب والمحاط بالمخاطر من الكيمياء إلى علوم الحياة، مكتسبة كفاءات تقنية من خلال الاستحواذات والبحث والتطوير. كما كانت حكيمة بما يكفي لتجنب تعطيل كفاءات عملائها وشركائها؛ إذ كان بإمكان المزارعين استخدام المهارات والمعدات نفسها، وواصل المبتكرون المكملون مثل منتجي الأغذية أعمالهم، كما كان من قبل؛ لأن خصائص معالجة النباتات المعدلة وراثيًّا كانت مماثلة للمحاصيل التقليدية.
وفي الوقت ذاته، بدأت Monsanto تواجه معارضة شديدة من الجماعات البيئية والمستهلكين الأوروبيين؛ فقد تعرضت مزاعم الشركة حول فوائد الاستدامة، للطعن من قبل المدافعين عن السلامة ونشطاء مناهضي العولمة وجماعات البيئة، وغيرهم. وقد جادلت العديد من هذه المنظمات بشدة ضد تكنولوجيا التعديل الوراثي، وغالبًا من خلال مواقع إلكترونية انتقادية مثل www.frankenfoods.com وwww.monsantosucks.com.
ما الذي حدث خطأً؟ باختصار، رغم نجاح شركة مونسانتو (Monsanto) في الابتكار التكنولوجي، فإنها أخفقت في الابتكار في مجال التنمية المستدامة؛ إذ إن عملاء مونسانتو وشركاءها؛ أي المزارعين ومنتجي الأغذية، لديهم مصالح متقاربة نسبيًّا؛ مثل إنتاج محاصيل آمنة وعالية الإنتاجية وبتكلفة منخفضة. في المقابل، كان أصحاب المصلحة الآخرون (خصوصًا المدافعين عن السلامة والبيئة ومعارضي العولمة) يثيرون المخاوف بشأن انتقال الجينات من المحاصيل المعدلة وراثيًّا، إلى الأنواع البرية من النباتات، وزيادة مقاومة الآفات، وإمكانية اعتماد الاقتصادات النامية بشكل مفرط على شركات البذور. وغالبًا ما تتجاهل الأساليب التقليدية للابتكار مثل أصحاب المصلحة هؤلاء، مع أن كثيرًا منهم يمكن أن يؤدي أدوارًا محورية في مبادرات التنمية المستدامة. وهنا كان خطأ مونسانتو: إذ لم تدرك الأثر المعقد والغامض، وفي نهاية المطاف المزعزع لمثل هؤلاء أصحاب المصلحة الثانويين. فعلى سبيل المثال، أدى الضغط من أجل وضع علامات على المنتجات المعدلة وراثيًّا لاحقًا، إلى اضطراب ممارسات الأعمال لدى منتجي الأغذية وتجار التجزئة، ما جعل أصحاب المصلحة هؤلاء مترددين في التعامل مع المنتجات المعدلة وراثيًّا، وخلق طلب على الأغذية غير المعدلة وراثيًّا في أوروبا.
ومن منظور لاحق، يبدو من السهل إدراك سبب تعثر مونسانتو؛ فبفضل ثقافتها المؤسسية العدوانية والعلمية، لم تكن الشركة مستعدة لتهدئة المخاوف العامة بشأن التعديل الوراثي. وفي عام 2000م، أقر المدير التنفيذي شابيرو بذلك، قائلًا: “لقد تعلمنا أن هناك في كثير من الأحيان خطًّا رفيعًا جدًّا بين الثقة العلمية، من جهة، والغطرسة المؤسسية، من جهة أخرى… كان من الطبيعي بالنسبة لنا أن نرى هذا الأمر كقضية علمية. لم نستمع جيدًا إلى أولئك الذين أصروا على أن هناك قضايا أخلاقية ودينية وثقافية واجتماعية واقتصادية ذات صلة أيضًا”. واليوم، لا تزال مونسانتو تعاني من صورة مشوهة وأداء مالي باهت.
حواف الابتكار المزدوجة
قبل عقود، حين وصف شومبيتر (Schumpeter) الابتكار بأنه “موجات من التدمير الخلاق” —وهي عملية صعبة ومكلفة تقوم على التخلص من القديم لصالح الجديد، عبر تقديم “تغييرات لا تقاوم ولا رجعة فيها”— مكنت مثل هذه الموجات الثورة الصناعية. فقد استُبدلَت قوة البخار بالكهرباء، وهي مصدر طاقة أكثر مرونة، واستبدل الحديد بالفولاذ، وهو مادة أقوى. وفي أربعينيات القرن العشرين، تشكلت موجة أخرى، هيمنت عليها تقنيات الإنتاج الضخم، والمواد الاصطناعية، والنفط، الذي بات هو نفسه اليوم محل تحدٍّ في ظل ازدياد المخاوف بشأن نضوب الموارد، وأمن الطاقة، وتغير المناخ، وغير ذلك من القضايا.
ويُعترف اليوم على نطاق واسع بأن الابتكار هو المحرك الرئيس للنمو الصناعي، وكذلك سبب رئيس للاضطرابات الاجتماعية والبيئية. فمن منظور الشركات، يمكن أن يكون الابتكار مصدرًا أساسيًّا لميزة تنافسية مستدامة، فضلًا عن كونه مصدرًا كبيرًا للمخاطر والاضطرابات التنافسية والفشل. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تكون مشاريع البحث والتطوير (R&D) غير متوقعة، وحتى عند نجاحها، غالبًا ما تحدد العوامل الخارجية غير المتوقعة أو الخارجة عن السيطرة، أكان الابتكار سيحظى بقبول واسع النطاق أم لا.
وفي الواقع، للابتكار آثار واسعة في الأعمال والسياسات العامة، سواء بوصفه فرصة لتحقيق ميزة تنافسية أو كمصدر محتمل للاضطراب وقد ركز التنفيذيون في الأعمال تقليديًّا على الجانب الأيسر من الجدول (المربعان 1 و2)، في حين ركز صانعو السياسات العامة على الجانب الأيمن (المربعان 3 و4). أما الابتكار في التنمية المستدامة (SDI)، فيتطلب إدارة جميع المربعات الأربعة. ومن الواضح أن ذلك ليس بالأمر السهل بسبب عدد القيود والضغوط المعنية، وكثير منها متناقض. ومع ذلك، فإن تراكم المهارات اللازمة لإدارة جميع المربعات الأربعة، قد يصبح هو نفسه مصدرًا للميزة التنافسية يصعب على الشركات الأخرى تقليده.
الابتكار: سلاح ذو حدين
يمكن أن يكون الابتكار فرصة لتحقيق ميزة تنافسية (المربعان 1 و3) وكذلك مصدراً لاضطراب المنافسة (المربعان 2 و4). ويمكن أيضاً أن يتأثر بقوى السوق (المربعان 1 و2) وبالسياسات العامة (المربعان 3 و4).

تحدي التكنولوجيا الجذرية
إن تطوير أي تكنولوجيا جذرية يمكن أن يكون مهمة صعبة للغاية، بغض النظر عن الابتكار في التنمية المستدامة (SDI)، لأنها غالبًا ما تنطوي على الابتعاد عن قاعدة المعرفة الحالية (وبالتالي تدمير الكفاءات القائمة)، وقد تتطلب أيضًا متطلبات تنظيمية وإدارية وبنية تحتية مختلفة تمامًا. وغالبًا ما تفضل الشركات اتباع نهج تدريجي (أو معزز للكفاءات)، لأنه يسمح لها بمواصلة الاستفادة من تقنيتها المثبتة وقاعدة كفاءتها التنظيمية. ومع ذلك، في بعض الحالات، يمكن أن تعيق الكفاءات الحالية للشركة المنظمة عن الابتكار، وتمنعها من استكشاف فرص جديدة. فعلى سبيل المثال، قد يركز مهندسو الميكانيكا العاملون على تحسين الأداء البيئي للسيارات على التحسينات الميكانيكية لمحرك الاحتراق الداخلي، ويفوتون الفرص المحتملة التي تظهر في مجال الهندسة الكيميائية؛ مثل تكنولوجيا خلايا الوقود.
إن التمييز بين تدمير الكفاءات وتعزيزها له آثار؛ ليس فقط في المنظمة المبتكرة، بل أيضًا في الموردين والعملاء والمبتكرين المكمّلين، ويسمى ذلك سلسلة القيمة المضافة للابتكار (innovation value-added chain)، التي نشير إليها هنا بأصحاب المصلحة الرئيسيين. فقد تعوق تبني ابتكار مثل خلايا الوقود في السيارات إذا تطلبت التكنولوجيا من العملاء تعلم مهارات تشغيل مختلفة تمامًا، أو إذا كان المبتكرون المكمّلون؛ مثل موردي الوقود، يفتقرون إلى الكفاءات اللازمة لإنتاج وتوزيع الهيدروجين (مصدر الطاقة لخلايا الوقود) بكفاءة وبتكلفة منخفضة. لكن هذه التحديات في جوهرها تقنية، وهي لا تروي سوى جزء من القصة. فهناك عوامل أخرى غالبًا ما تكون حاسمة، ولكنّ كثيرًا ما يُغفل عنها؛ وهي تعقيد أصحاب المصلحة وغموضهم، بالإضافة إلى الضغوط التي تدفع الابتكار في التنمية المستدامة.
تعقيد أصحاب المصلحة: نظرًا لأن تطوير التكنولوجيا الجذرية يُحتمل أن تكون له آثار اجتماعية واسعة النطاق، فإنه غالبًا ما يكون مثار جدل، كما هو الحال المتكرر مع الابتكار من أجل التنمية المستدامة (SDI)؛ إذ تتطلب التنمية المستدامة الاعتراف بمجموعة واسعة من أصحاب المصلحة؛ بمن فيهم أصحاب المصلحة الثانويون (مثل الجماعات البيئية) الذين لا يشاركون مباشرة في علاقة سوقية، ولكن يمكنهم مع ذلك التأثير بشكل كبير في أعمال الشركة. إن الضغوط التفاعلية الإضافية الناجمة عن القضايا الاجتماعية والبيئية تجعل الابتكار من أجل التنمية المستدامة (SDI) أكثر تعقيدًا من الابتكار التقليدي المدفوع بالسوق. وقد اعترفت البحوث السابقة حول ديناميات الابتكار ضمنًا بأهمية أصحاب المصلحة الأساسيين (مثل الموردين والمبتكرين التكميليين والعملاء)، لكنها لم تُقدّر بالكامل دور أصحاب المصلحة الثانويين الذين كثيرًا ما يكون لهم تأثير بالغ في ابتكار التنمية المستدامة.
غموض أصحاب المصلحة: بما أن أصحاب المصلحة المختلفين غالبًا ما تكون لهم أهداف ومطالب وآراء متباينة، فإنهم قد يفسرون الوضع نفسه بطرائق مختلفة، لا سيما عندما تكون المعلومات اللازمة لاتخاذ قرارات مستنيرة محدودة. ويمكن أن ينشأ الغموض لأسباب عدة؛ عندما يكون تطبيق التكنولوجيا الجذرية مبنيًّا على علم لم يُعتمد بعد اعتمادًا كاملًا (مثل التكنولوجيا الحيوية أو أنظمة الطاقة المعتمدة على الهيدروجين)، أو عندما تستند الضغوط لتغيير التقنيات التقليدية إلى مثل هذا العلم (كما في الدراسات المتعلقة بتغير المناخ). ويمكن لعدم اليقين أن يعيق بسهولة تقبل الابتكار، إذ يدور الجدل حول صحة وسلامة المفاهيم العلمية والتقنية الأساسية. وحتى يتبلور إجماع، فإن كثيرًا من الشركات ستعارض تغيير نماذج أعمالها من أجل علم قد يتبين لاحقًا أنه غير صحيح. علاوة على ذلك، قد يكون لبعض أصحاب المصلحة اختلافات لا يمكن التوفيق بينها استنادًا إلى قضايا أخلاقية أو دينية أو ثقافية أو اجتماعية، أو غيرها. فعلى سبيل المثال، قد لا يتفق مربو الماشية والنباتيون أبدًا حول استهلاك اللحوم.
ضغوط الابتكار من أجل التنمية المستدامة (SDI): تخلق ضغوط التنمية المستدامة احتياجات جديدة، لكن كيف يمكن للشركات أن تجني فوائد الابتكار من أجل التنمية المستدامة؟ إن إشارة شومبيتر إلى الابتكار الذي لا يقاوم ولا رجعة فيه، تحركه السوق في الغالب (المربعان 1 و2) أكثر من السياسات العامة (المربعان 3 و4). فكثير من الشركات لن تطبق تخفيضات في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، دون ضغوط حكومية في صورة تنظيمات مجدولة أو متوقعة؛ مثل تلك الصادرة عن بروتوكول كيوتو لتغير المناخ (Kyoto Protocol on Climate Change). وبدلًا من ذلك، قد تعود الشركات بسهولة إلى المعايير القديمة للانبعاثات بمجرد انتهاء صلاحية بروتوكول كيوتو.
لقد ركزت المناهج التقليدية للابتكار عمومًا على نطاق ضيق من أصحاب المصلحة، بمن فيهم الموردون والمبتكرون التكميليون والعملاء والمستثمرون والجهات التنظيمية. وتدرس مثل هذه التحليلات أثر الابتكار الذي يدمر الكفاءات في كل من تلك الأطراف. فعلى سبيل المثال، الابتكار الذي يعزز كفاءات العميل يحمل وعدًا أكبر من ذلك الذي يدمرها.
وعلى النقيض من ذلك، يأخذ الابتكار من أجل التنمية المستدامة في الحسبان أيضًا، مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة الثانويين، بمن فيهم دعاة السلامة، والمجتمعات المحلية، والنشطاء في قضايا متنوعة (مثل مناهضة العولمة، وحقوق الحيوان، والقضايا البيئية، وغير ذلك). وقد لا يكون تحديد التعامل مع تلك الأطراف أمرًا مباشرًا، وغالبًا ما تتعلق مخاوفهم بتصور أثر التكنولوجيا في المجتمع (المربع 4). ولهذا، قد تُعدّ التقنيات الجذرية محفوفة بالمخاطر، في حين أن التقنيات التدريجية القائمة على علم مفهوم جيدًا أقل احتمالًا لإثارة الجدل.
ومن ثم، يُبنى الابتكار من أجل التنمية المستدامة (SDI) على المناهج التقليدية لإدارة الابتكار، من خلال إدراكه أيضًا لإمكانات أصحاب المصلحة الثانويين في إحداث التغيير. إن تقدير المطالب والمخاوف المعقدة، وغالبًا ما تكون غامضة لتلك الأطراف، يمكّن الشركات من تطوير قدرات أكثر فاعلية في التنمية المستدامة ودمج مطالب تلك المجموعات المختلفة.
مواجهة تغير المناخ
لقد اتبعت شركة “سنكور إنرجي” (Suncor Energy Inc) الكندية؛ وهي منتج رئيس للطاقة في أمريكا الشمالية، وشركة “ترانس ألتـا” (TransAlta Corp)؛ وهي مؤسسة كبرى للمرافق الكهربائية، مناهج بديلة في الابتكار من أجل التنمية المستدامة. فبدلًا من الاعتماد على “الهدم الإبداعي” التكنولوجي على مستوى الصناعة، والذي قد يكون مثار جدل، ركزت الشركتان على تراكم واستغلال؛ ليس فقط التقنيات الجديدة بالنسبة للشركة، بل أيضًا القدرات في التعامل مع أصحاب المصلحة الثانويين. وفي المستقبل، قد تصبح مثل هذه المناهج نموذج الأعمال المطلوب للشركات في هذا القطاع. وقد دُفعت استراتيجيات “سنكور” و”ترانس ألتـا” جزئيًّا بمخاوف تتعلق بأمن الطاقة والاستدامة، وبشكل أكثر تحديدًا، بتغير المناخ؛ وهو مجال يخلق ضغوطًا كبيرة من أجل الابتكار، لا سيما للدول التي صدقت على بروتوكول كيوتو للحد من الغازات الدفيئة.
كندا هي إحدى تلك الدول، وتواجه تحديات بالغة الصعوبة؛ فهي من أكبر مستخدمي ومنتجي الطاقة في العالم، كما أنها من أكبر مولدي الغازات الدفيئة (greenhouse gases). وتعتمد كندا اقتصاديًّا اعتمادًا كبيرًا، على الولايات المتحدة؛ إذ يشكل كل منهما أكبر شريك تجاري للآخر، كما أن كندا تعد من أكبر المصادر الأجنبية للطاقة بالنسبة للولايات المتحدة. ونظرًا لأن الولايات المتحدة لم تصادق على بروتوكول كيوتو (Kyoto Protocol)، فقد تجد الشركات الكندية نفسها في وضع غير مواتٍ ضمن أسواقها الرئيسة. ولهذا، فإن مصالح كندا وقطاع الطاقة فيها على المحك. وتزداد الأمور تعقيدًا بسبب الجدل الكبير الدائر، إذ لا يزال موضوع تغيّر المناخ (climate change) محل نقاش داخل المجتمع العلمي، كما هي الحال مع العديد من قضايا التنمية المستدامة. أما القضايا الاقتصادية، فربما هي أكثر إثارة للجدل، إذ تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الكندي قد ينكمش بنسبة تتراوح بين 0% و3% بحلول عام 2010م.
بالنسبة لشركتي Suncor وTransAlta، فإن المخاوف المتعلقة بتغير المناخ وأمن الطاقة، تمثل موجة محتملة من موجات التدمير الخلّاق على النحو الذي وصفه شومبيتر (Schumpeterian wave of creative destruction). فكلتا الشركتين تعتمد في جوهر أعمالها على أنشطة غير قابلة للاستدامة في نهاية المطاف؛ استخراج النفط من الاحتياطيات الكبيرة المعروفة، وإنتاج الكهرباء من الفحم الرخيص. ومع ذلك، فقد تمكنت كلتا المؤسستين من إيجاد حلول فعّالة لنمو أعمالهما بطريقة مستدامة.
مسار Suncor نحو الاستدامة
في عام 1991م، كانت Suncor شركة كندية تابعة لشركة Sun Oil Co، التي يقع مقرها في فيلادلفيا، وكانت تدير سلسلة من محطات الوقود (Sunoco)، وتنتج نحو 50,000 برميل يوميًّا من خلال الاستكشاف والإنتاج التقليدي في غرب كندا. كما كان لديها نشاط نشأ عن مبادرة حكومية أُطلقت عام 1967م تحت اسم “مشروع الرمال النفطية الكندية الكبرى” (Great Canadian Oil Sands)، لاستغلال الرمال النفطية الواسعة، لكنها منخفضة الجودة في شمال ألبرتا. وكانت الشركة مملوكة بنسبة 75% لشركة Sun Oil Co، و25% لحكومة مقاطعة أونتاريو. أما في نظر الجمهور الكندي، فقد كانت Suncor معروفة بأمرين: سجل بيئي سيئ، وصورة مشروع مشترك نموذجي خاسر بين الحكومة الكندية والقطاع الخاص. ومع بلوغ أسعار النفط 15 دولارًا للبرميل، كانت Suncor تستخدم تقنية ناقل الجرافة الدوارة (bucket-wheel conveyor-belt technology) لإنتاج النفط الصناعي مما كان يُعرف حينها برمال القطران (tar sands) بتكلفة تقارب 20 دولارًا للبرميل. وكانت معنويات الموظفين منخفضة، وكان كلا المالِكَين يتطلع للخروج من هذا القطاع.
أما اليوم، فقد أصبحت Suncor مستقلة عن مالكيها السابقين من الشركات والحكومة، وأضحت إحدى ركائز قطاع الطاقة الكندي. فمنذ عام 1991م، ضاعفت إنتاجها أربع مرات ليصل إلى 225,000 برميل يوميًّا، وبفضل مشروع “الألفية” (Project Millennium) الذي تبلغ قيمته 3.4 مليار دولار مع شركة Syncrude Canada Ltd، أصبحت الرمال النفطية في ألبرتا أكبر مصدر للنفط في أمريكا الشمالية. ومن خلال الابتكار التكنولوجي التدريجي، زادت الشركة من كفاءتها التشغيلية، فخفضت تكلفة الإنتاج من 20 دولارًا إلى نحو 11.50 دولارًا للبرميل (المربع الأول quadrant 1). كما راكمت الشركة خبرات في تصنيع النفط الصناعي، وبخلاف شركات النفط التقليدية، تمتلك Suncor احتياطيات خام تكفيها لخمسين عامًا، ما يجعلها أقرب إلى مصنع منها إلى مستكشف. وفي الواقع، أصبحت كفاءاتها التكنولوجية التقليدية (الاستكشاف والإنتاج في النفط والغاز) شبه متقادمة. وقد انعكس التحول في Suncor بوضوح في سوق الأسهم: إذ ارتفع سعر سهم الشركة بأكثر من 1000% منذ طرحها العام الأولي عام 1992م.
غير أن النجاحات التكنولوجية لـSuncor ليست سوى جزء من القصة؛ فعلى مر السنين، تمكنت الشركة من تطوير كفاءات سياسية من خلال ممارسة ضغط ناجح للحصول على تخفيضات في الإتاوات من الحكومة الكندية. ورغم أن الرمال النفطية لم تكن مجدية اقتصاديًّا في البداية، فإن الحكومة عدَّت تطويرها أمرًا استراتيجيًّا لأمن الطاقة الوطني والنمو الصناعي. ومن خلال تعلم أساليب الضغط واستغلال بعض قضايا السياسات العامة بفاعلية (المربع الثالث quadrant 3)، تمكنت Suncor من تطوير كفاءات مهمة في إدارة أصحاب المصلحة الثانويين.
لكن تطوير تلك القدرات استغرق وقتًا، ولم يخلُ من العقبات؛ فمشاريع الرمال النفطية تُعد أكبر مصدر للطاقة في القارة، ولها تأثير هائل في البيئة بوصفها أكبر منتج للغازات الدفيئة في كندا. وفي منتصف التسعينيات، هدد نشطاء البيئة هذه المشاريع بتأخيرات مكلفة. وكان من بين الجهات الفاعلة في هذا المجال معهد بيمبينا للتنمية الملائمة (Pembina Institute for Appropriate Development)، الذي تأسس عام 1986م في درايتون فالي، في قلب منطقة النفط بألبرتا. وقد توسع نشاط بيمبينا ليشمل جميع أنحاء كندا، ويُعترف به اليوم كواحد من أكثر المجموعات البيئية فاعلية، والمعتمدة على العلم في البلاد. واكتسب سمعة كمنظمة ذات كفاءات تقنية واستعداد لاتخاذ مواقف صارمة تجاه الصناعة، مع استعداد للتعاون البنّاء مع الشركات لتحسين ممارساتها.
إحدى تلك الشركات هي “سانكور” (Suncor). فمنذ سنوات عديدة، خالف ريك جورج، الرئيس التنفيذي لسانكور منذ عام 1991م، توجهات القطاع، وانخرط بنشاط مع دعاة حماية البيئة وغيرهم من أصحاب المصلحة الثانويين. وقد أثمرت تلك الالتزامات، التي انتشرت في جميع أرجاء مؤسسة سانكور وارتبطت بقوة بقيادة جورج، عن نتائج ملموسة. فعلى سبيل المثال، مكّن التعاون مع منظمة “بمبينا” (Pembina) الشركة من اكتساب مهارات في التعامل مع جماعات ناشطة أخرى تتسم بمواقف أكثر تطرفًا؛ إذ تمكنت سانكور، على سبيل المثال، من تقليص معارضة منظمة “غرينبيس إنترناشونال” (Greenpeace International) لمشروع الزيت الصخري في أستراليا، لأنها كانت تحظى بحلفاء من دعاة حماية البيئة الكنديين الموثوقين. إن هذا النهج، الذي يُعرف باسم “الجسر الاستراتيجي” (strategic bridging)، أتاح لسانكور؛ ليس فقط تطوير قدرات لإدارة أصحاب المصلحة الثانويين، بل وأيضًا الوصول إلى شبكة من الحلفاء الموثوقين الذين يمكنهم المساعدة في تقليص الغموض المحيط بمخاوف أصحاب المصلحة.
كان “الجسر الاستراتيجي” مجرد جانب واحد من استراتيجية سانكور؛ ففي مناسبات عديدة أمام تجمعات صناعة الطاقة الكندية، أقر الرئيس التنفيذي جورج بأن السخط الريفي من تدخلات الصناعة في ازدياد، وأن المخاوف بشأن تلوث الهواء مشروعة. كما تعهدت سانكور بأن يكون 12% من قوتها العاملة من السكان الأصليين، نظرًا لأن هذه الفئات السكانية تهيمن على العديد من المناطق التي تعمل فيها الشركة. وناقشت الشركة كذلك مسألة خفض انبعاثات الغازات الدفيئة قبل اتفاقية كيوتو بوقت طويل، وكانت رائدة في توقيع عقد تبادل دولي لانبعاثات الغازات مع شركة “ناياغرا موهاوك باور كورب” (Niagara Mohawk Power Corp)، ومقرها سيراكيوز، نيويورك، عام 1998م. في ذلك الوقت، كانت “ناياغرا موهاوك” تتحول من الفحم إلى الغاز الطبيعي، ما أدى إلى تقليص انبعاثاتها من الغازات الدفيئة. وقد اشترت سانكور أرصدة الانبعاثات الناتجة عن ذلك من الشركة، لتعويض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن توسع أعمالها في الرمال النفطية، ولتحفيز سوق لتلك الأرصدة. وبهذه السبل، نجحت سانكور في معالجة قضايا الاضطرابات الاجتماعية والبيئية (المربع الرابع).
وبعد مدة وجيزة من صفقة تبادل الانبعاثات، أعلنت سانكور عن استثمار بقيمة 100 مليون دولار في مجال الطاقة المتجددة. كما انضمت الشركة إلى “تحالف الطاقة المتجددة للهواء النظيف” (Clean Air Renewable Energy Coalition)، وهو تحالف يضم جماعات بيئية وبلدية وشركات، وقد نجح في الضغط على الحكومة الكندية لمنح حوافز لطاقة الرياح؛ وهو انتصار تحقق، بحسب غوردون لامبرت، نائب رئيس سانكور للتنمية المستدامة، بفضل المهارات السياسية التي اكتسبتها الشركة من إطلاق أعمال الرمال النفطية في كندا. ويقدر التحالف أن مصادر الطاقة المتجددة تنمو بأكثر من 30% سنويًّا، ومن المتوقع أن يقفز قطاع طاقة الرياح من 4 مليارات دولار عام 2000م، إلى 43.5 مليار دولار بحلول عام 2010م.
قد يبدو في البداية أن الكفاءات التقليدية في صناعة النفط والغاز غير متوافقة مع تلك المطلوبة لطاقة الرياح. ولهذا السبب، غالبًا ما تُعد التقنيات البديلة مثل طاقة الرياح مزعزعة للصناعة التقليدية للنفط والغاز (المربع الثاني). غير أن الكفاءات المتراكمة في مجال الضغط السياسي والعلاقات مع أصحاب المصلحة، سهّلت فهمًا أفضل للأبعاد غير التقنية للابتكار، ما مكن سانكور من الانخراط فيما كان يمكن أن يكون بخلاف ذلك تقنية منافسة ومزعزعة. كما استطاعت سانكور أن تدرك أهمية أصحاب المصلحة الثانويين وتلبي مخاوفهم.
مسار “ترانسألتا” نحو الاستدامة
اتبعت “ترانسألتا” (TransAlta)، وهي شركة كهرباء كبرى مدرجة في البورصة، استراتيجية مشابهة لتلك التي انتهجتها سانكور. فمقرها في ألبرتا بكندا، وقد اعتمدت على الفحم منخفض التكلفة المتوافر بكثرة في تلك المنطقة، وهو من الأرخص في أمريكا الشمالية. ولكن في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وتحت قيادة الرئيس التنفيذي آنذاك كين مكريدي، أصبحت ترانسألتا، إلى جانب سانكور، من أولى الشركات في كندا التي تتبنى استراتيجية واضحة للتنمية المستدامة. كان مكريدي مدركًا لتغير المواقف المجتمعية، لا سيما فيما يتعلق بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن احتراق الفحم، رغم أن الفحم منخفض التكلفة كان يمثل ميزة تنافسية تقليدية لترانسألتا. وقد توقع مكريدي بحق أن أي قيد تنظيمي كبير، أو رد فعل اجتماعي ضد الفحم (المربع الرابع) سيكون له أثر مزعزع كبير في عمليات ترانسألتا (المربع الثاني).
وفي منتصف التسعينيات، خلف ستيفن سنايدر مكريدي في منصب الرئيس التنفيذي، وعيَّن بوب بايج، عميد الدراسات البيئية السابق في جامعة كالغاري، نائبًا لرئيس ترانسألتا للتنمية المستدامة. وتحت قيادتهما، شرعت الشركة في تنفيذ عدة مشاريع؛ فقد عملت، على سبيل المثال، على تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة من خلال الاستثمار في تطوير أنواع جديدة من الأعشاب بمزارع الماشية الأوغندية، ومشاريع إعادة التشجير في أمريكا الوسطى. والأهم من ذلك، أنها اشترت مؤخرًا شركة “فيجن كويست ويندإلكتريك” (Vision Quest Windelectric Inc.)، وهي شركة خاصة لتوليد الكهرباء من الرياح مقرها كالغاري. وذكر بايج أن هذه الصفقة تأتي ضمن خطة ترانسألتا لاستثمار من مليار إلى ملياري دولار خلال السنوات العشر المقبلة، بهدف الوفاء بالتزامها برفع قدرتها الإنتاجية من مصادر الطاقة المتجددة المتنوعة إلى 10% بحلول عام 2012م، وهو نهاية الفترة الأولى من التزامات كيوتو.
مثل شركة Suncor، فقد راكمت شركة TransAlta خبرات واسعة في مجال الضغط السياسي وإدارة علاقات أصحاب المصلحة، ما سهّل عليها فهمًا أعمق للأبعاد غير التقنية للابتكار في التنمية المستدامة، ومكّنها من تطوير ما كان ليكون في الأصل تكنولوجيا منافسة ومزعزعة (أي طاقة الرياح). وبفضل هذه القدرات، صرّحت TransAlta بأنها، مع وجود أنظمة تنظيمية مناسبة، تستطيع أن تخفض انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون إلى كمية صافية تساوي الصفر بحلول عام 2024م. وتعتزم الشركة تحقيق ذلك من خلال سلسلة من الإجراءات: تقليل انبعاثاتها باستخدام تكنولوجيا الفحم النظيف (clean-coal technology) وابتكارات أخرى، وزيادة اعتمادها على الطاقة المتجددة، وتعويض بقية انبعاثاتها عبر عقود تجارة الانبعاثات الدولية.
ثلاث حالات للابتكار في التنمية المستدامة
سيعتمد نجاح الشركة في إدخال ابتكار إلى السوق على كيفية تعاملها مع تأثير تلك التكنولوجيا على عملياتها الخاصة وكذلك على عمليات مختلف أصحاب المصلحة لديها.
| شركة مونسانتو | شركة سنكور | شركة ترانس ألترا | |
| الابتكار | المحاصيل المعدلة وراثيًّا | طاقة الرياح | طاقة الرياح |
| طبيعة العلم | جذري | راسخ | راسخ |
| تأثيره على الكفاءات التكنولوجية للشركة | مدمر | مدمر | مدمر |
| تأثيره على الكفاءات غير التكنولوجية للشركة | مدمر | معزز | معزز |
| تأثيره على أصحاب المصلحة الرئيسيين1 | تعزيزي في البداية | لا تأثير/تعزيزي | لا تأثير/تعزيزي |
| تصور التكنولوجيا من قبل أصحاب المصلحة الثانويين2 | الابتكار الجذري | الابتكار التدريجي | الابتكار التدريجي |
| 1. بما في ذلك العملاء، والمبتكرين التكميليين والموردين 2. بما في ذلك دعاة السلامة، والمجتمعات المحلية، والنشطاء من أجل قضايا متنوعة (مناهضة العولمة، حقوق الحيوان، القضايا البيئية وما إلى ذلك) | |||
مناهج مختلفة
لقد استثمرت شركات Monsanto وSuncor وTransAlta جميعها في ابتكارات قد تؤدي إلى تدمير كفاءاتها الأساسية، وكانت متأنية في إدارة الآثار المزعزعة المحتملة على عملياتها، وعلى أصحاب المصلحة الأساسيين لديها. غير أن Suncor وTransAlta استغلتا أيضًا كفاءاتهما غير التقنية، ما أتاح لهما تجنب إحداث اضطرابات لدى أصحاب المصلحة الثانويين، في حين أن Monsanto لم تفعل ذلك (انظر: “ثلاث حالات للابتكار في التنمية المستدامة”). وعلى الرغم من أن المدير التنفيذي لشركة Monsanto، شابيرو، ربما سعى إلى استمالة شخصيات فكرية مؤثرة وذات شهرة؛ مثل أموري لوفينز من معهد روكي ماونتن (Rocky Mountain Institute) وبول هوكن من حركة The Natural Step، فإنه يبدو أنه أهمل المنظمات البيئية وجماعات التنمية المستدامة ذات الجذور الشعبية. ونتيجة لذلك، فقدت Monsanto معلومات سوقية حيوية كان بإمكان تلك الجماعات أن توفرها.
ومن أسباب نجاح Suncor وTransAlta أن كلتيهما اختارت المسار الأقل إثارة للجدل، وذلك باستخدام العلم الراسخ (أي طاقة الرياح). ومن المؤكد أن هذا النهج ربما لم يكن متاحًا لـMonsanto، لكن الرسالة الأساسية هي: إن أي منظمة تعتمد على علم قد يكون مثيرًا للجدل يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع طيف واسع من القضايا غير التقنية، وكثير منها متناقض بطبيعته؛ وهي قضايا ملازمة للابتكار في التنمية المستدامة.
بالارد: حالة تتكشف
ولإعطاء مثال معاصر على تعدد القضايا، يمكن النظر في تكنولوجيا خلايا الوقود الحديثة؛ وهي أجهزة كيميائية كهربائية تنتج الكهرباء من خلال تفاعلات كيميائية نظيفة قائمة على الهيدروجين، بدلًا من العمليات المضرة بالبيئة مثل الاحتراق الناتج عن الوقود الكربوني. ففي ثمانينيات القرن العشرين، حققت شركة Ballard Power Systems Inc في فانكوفر بكندا، إنجازًا كبيرًا ضاعف القدرة الكهربائية لتكنولوجيا خلايا الوقود السابقة أربع مرات. وفي عام 1986م، صرّح بايرون مكورميك، رئيس قسم خلايا الوقود في مختبر لوس ألاموس الوطني (Los Alamos National Laboratory): “… لقد جعلوا السيارة الكهربائية ممكنة. هذا هو أعظم تقدم شهدته في مجال خلايا الوقود على الإطلاق”.
وتعتقد Ballard أن تقنيتها قد تحل في نهاية المطاف محل محرك المكبس الغازي في المركبات، ما يؤدي إلى تحول واسع النطاق نحو اقتصاد الهيدروجين (hydrogen economy)، بدلًا من الاقتصاد القائم على الكربون، وهو ما من شأنه أن يخفف من المخاوف المتزايدة بشأن انبعاثات الغازات الدفيئة وتغير المناخ. وقد أقامت Ballard بالفعل تحالفات مع العديد من كبار مصنعي السيارات، وحظيت خلايا الوقود باهتمام واسع النطاق من أطياف متعددة؛ من مؤيدي المركبات عديمة الانبعاثات إلى الرئيس جورج دبليو بوش.
ومع ذلك، هناك عقبات محتملة. فمن المنظور التقني، يجب على Ballard تقليل الاضطرابات التي قد تصيب كفاءات أصحاب المصلحة الأساسيين. فعلى سبيل المثال، من المرجح أن يتبنى صانعو السيارات تصميمًا معياريًّا (modular design) يستبدل ببساطة محرك المكبس الغازي، دون الحاجة إلى تعديلات كبيرة في المركبة. كما ستكون هناك حاجة إلى استثمارات ضخمة في منشآت إنتاج الهيدروجين وصيانته وتوزيعه على نطاق واسع. وقد تواجه الصناعات القائمة هذا التغيير بابتكارات متسارعة (hyperinnovation)، ما يجعل المبادرات الأولى في خلايا الوقود أقل ربحية. (يجدر التأمل في أنه ردًّا على ظهور السفن الفولاذية التي تعمل بالفحم، شهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، طفرة من الابتكارات في القوارب الخشبية والشراعية، فاقت ما حدث في الخمسمئة سنة السابقة). ومن المنظور الاستراتيجي، قد تكون لتكنولوجيا خلايا الوقود لدى Ballard، آثار أكثر خطورة على شركات مثل Honda Motor Co. Ltd، التي تملك كفاءات أساسية في تصنيع المحركات، مقارنة بمنتجين آخرين يوكلون صناعة محركاتهم للغير.
كما أن هناك عددًا من القضايا الإدراكية التي قد تشكل عوائق. أولًا، يتوقع المستهلكون ميزات وقوة أكبر مما هو ضروري فعلًا. فمثلًا، غالبًا ما تكون لدى السيارات الصغيرة أكثر من 120 حصانًا، وهو أكثر بكثير مما يلزم للقيادة العادية. لذا قد يظن البعض خطأً أن سيارة بخلايا الوقود بقوة 80 حصانًا، مثلًا، غير كافية لاحتياجاتهم. وربما كان ذلك أحد أسباب بقاء سيارة تويوتا بريوس (Toyota Prius) ذات السبعين حصانًا مركبة موجهة لفئة بيئية محددة. ثانيًا، بعض المستهلكين ينجذب إلى صوت المحرك القوي، أو ما يسمى “نغمة العادم” (exhaust notes) في السيارات الرياضية؛ في حين خلايا الوقود لا تصدر ضجيجًا. ثالثًا، يرتبط الهيدروجين في أذهان كثيرين بكارثة هيندينبيرغ (Hindenburg disaster) والقنبلة الهيدروجينية، وهذان أمران لا علاقة لهما علميًّا بسلامة خلايا الوقود، لكن التصورات كثيرًا ما تطغى على الواقع. وأخيرًا، قد يتساءل نشطاء البيئة عن الأثر البيئي لإنتاج الهيدروجين، وزيادة الازدحام المروري، والاستمرار في استغلال الموارد الأخرى اللازمة لتصنيع سيارات خلايا الوقود.
إن العقبات التقنية الهائلة اللازمة لتطوير خلايا الوقود، ليست سوى مجموعة واحدة من التحديات. في الواقع، قد يكون التصدي لمخاوف الجمهور وتصوراته؛ أي إدارة غموض أصحاب المصلحة (stakeholder ambiguity)، هو المفتاح الحقيقي لنجاح هذه التقنية. ولا ريب أن الابتكار عملية معقدة وفوضوية، كما أن القيود الإضافية التي يفرضها مفهوم التنمية المستدامة تزيدها تعقيدًا. أما المؤسسات التي تعجز عن إدراك ذلك، فقد تجد نفسها ترتكب أخطاء باهظة التكلفة عند إدخال التقنيات الجديدة إلى السوق.
المراجع
1. S. Hart, “A Natural-Resource-Based View of the Firm,” Academy of Management Review 20, no. 4 (1995): 986–1014; M.E. Porter and C. Van Der Linde, “Green and Competitive: Ending the Stalemate,” Harvard Business Review 73 (September–October 1995): 120–134; H. Vredenburg and F. Westley, “Innovation and Sustainability in Natural Resource Industries,” Optimum: the Journal of Public Sector Management 27, no. 2 (1997): 32–49; S.L. Hart and M.B. Milstein, “Global Sustainability and the Creative Destruction of Industries,” Sloan Management Review 41 (fall 1999): 23–34; and P.M. Senge and G. Carstedt, “Innovating Our Way to the Next Industrial Revolution,” MIT Sloan Management Review 42 (Winter 2001): 24–38.
2. The World Commission on Environment and Development, “Our Common Future” (New York: Oxford University Press, 1987).
3. K. Funk, “Sustainability and Performance,” MIT Sloan Management Review 44 (winter 2003): 65–70; S. Sharma and H. Vredenburg, “Proactive Corporate Environmental Strategy and the Development of Competitively Valuable Organizational Capabilities,” Strategic Management Journal 19, no. 8 (1998): 729–753; A. Pablo, S. Sharma and H. Vredenburg, “Corporate Environmental Responsiveness Strategies: The Importance of Issue Interpretation and Organizational Context,” Journal of Applied Behavioral Science 35, no. 1 (1999): 87–108; and H. Vredenburg and F. Westley, “Sustainable Development Leadership in Three Contexts: Managing for Global Competitiveness,” Journal of Business Administration (special issue 2002): 239–259.
4. For an overview of Monsanto’s history, see www.monsanto.com.
5. S.L. Hart, “Beyond Greening: Strategies for a Sustainable World,” Harvard Business Review 75 (January–February 1997): 66–76.
6. R.B. Shapiro and J. Magretta, “Growth Through Global Sustainability: An Interview With Monsanto’s CEO, Robert B. Shapiro,” Harvard Business Review 75 (January–February 1997): 78–88.
7. D. Charles, “Lords of the Harvest: Biotech, Big Money and the Future of Food” (Cambridge, Massachusetts: Perseus Books, 2001); and W. Leiss, “In the Chamber of Risks: Understanding Risk Controversies” (Montreal: McGill-Queen’s University Press, 2001).
8. P. Lucas, “Meet the Kinder, Gentler Monsanto,” Journal of Business Strategy 22, no. 5 (2001): 26–27.
9. R.B. Shapiro, “The Welcome Tension of Technology: The Need for Dialogue About Agricultural Biotechnology,” Business Leaders: Thought and Action CEO Series, no. 37, Center for the Study of American Business, Washington University in St. Louis (February 2000): 1–6.
10. J.A. Schumpeter, “The Theory of Economic Development: An Inquiry Into Profits, Capital, Credit, Interest and the Business Cycle” (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 1934); and J.A. Schumpeter, “Capitalism, Socialism and Democracy” (New York: Harper & Row, 1942).
11. C. Freeman and L. Soete, “The Economics of Industrial Innovation” (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 1997).
12. D.J. Teece, G. Pisano and A. Shuen, “Dynamic Capabilities and Strategic Management,” Strategic Management Journal 18, no. 7 (1997): 509–533.
13. W. Arthur, “Competing Technologies: An Overview,” in “Technical Change and Economic Theory,” eds. G. Dosi, C. Freeman, R. Nelson, G. Silverberg and L. Soete (London: Pinter Publishing, 1988); M. Katz and C. Shapiro, “Network Externalities, Competition and Compatibility,” American Economic Review 75, no. 3 (1985): 424–440; E. Rogers, “Diffusion of Innovations,” 3rd ed. (New York: Free Press, 1983); J.J. Marshall and H. Vredenburg, “An Empirical Study of Factors Influencing Innovation Implementation in Industrial Sales Organizations,” Journal of the Academy of Marketing Science 20, no. 3 (1992): 205–215; and J.M. Utterback, “Mastering the Dynamics of Innovation: How Companies Can Seize Opportunities in the Face of Technological Change” (Boston: Harvard Business School Press, 1994).
14. P. Anderson and M.L. Tushman, “Technological Discontinuities and Dominant Designs: A Cyclical Model of Technological Change,” Administrative Science Quarterly 35, no. 4 (1990): 604–633.
15. C.M. Christensen, “The Innovator’s Dilemma: When New Technologies Cause Great Firms To Fail” (Boston: Harvard Business School Press, 1997); R.N. Foster, “Innovation: The Attacker’s Advantage” (New York: Summit Books, 1986); and D. Leonard-Barton, “Core Competencies and Core Rigidities: A Paradox in Managing New Product Development,” Strategic Management Journal 13 (summer special issue 1992): 111–125.
16. R.R. Nelson and S.G. Winter, “An Evolutionary Theory of Economic Change” (Cambridge, Massachusetts: Belknap Press of Harvard University Press, 1982).
17. A. Afuah, “Innovation Management Strategies, Implementation and Profits” (New York: Oxford University Press, 1998).
18. Freeman, “The Economics of Industrial Innovation”; and R. Greenwood and C. Hinings, “Understanding Radical Organizational Change: Bringing Together the Old and the New Institutionalism,” Academy of Management Review 21, no. 4, (1996): 1022–1054.
19. R.E. Freeman, “Strategic Management: A Stakeholder Approach” (Boston: Pitman Publishing, 1984); and M.B.E. Clarkson, “A Stakeholder Framework for Analyzing and Evaluating Corporate Social Performance,” Academy of Management Review 20, no. 1 (1995): 92–117.
20. According to Herbert A. Simon, complexity occurs when there are many interacting variables; uncertainty occurs when all the variables might be known, but the outcomes are not. Because of complexity and uncertainty, companies have imperfect information, which in turn hinders effective decision making. See H. Simon, “The Sciences of the Artificial” (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 1969). For a discussion of complexity and innovation, see also H. Gatignon, M.L. Tushman, W. Smith and P. Anderson, “A Structural Approach To Assessing Innovation: Construct Development of Innovation Locus, Type and Characteristics,” Management Science 48, no. 9 (2002): 1103–1122.
21. T.S. Kuhn, “The Structure of Scientific Revolutions,” 2nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1970). The application of a Kuhnian paradigm to technology is discussed in Dosi, “Technical Change and Economic Theory” and Utterback, “Mastering the Dynamics of Innovation.”
22. P. Christmann, “Effects of ‘Best Practices’ of Environmental Management on Cost Advantage: The Role of Complementary Assets,” Academy of Management Journal 43, no. 4 (2000): 663–680.
23. For a more complete conceptual and empirical treatment of the development of organizational capabilities in collaboration between business and secondary stakeholders in the sustainable development domain, see F. Westley and H. Vredenburg, “Strategic Bridging: The Collaboration Between Environmentalists and Business in the Marketing of Green Products,” Journal of Applied Behavioral Science 27, no. 1 (1991): 65–90; S. Sharma, H. Vredenburg and F. Westley, “Strategic Bridging: A Role for the Multinational Corporation in Third World Development,” Journal of Applied Behavioral Science 30, no. 4 (1994): 458–476; and F. Westley and H. Vredenburg, “Interorganizational Collaboration and the Preservation of Global Biodiversity,” Organization Science 8, no. 4 (1997): 381–403.
24. Analysis and Modelling Group, “An Assessment of the Economic and Environmental Implications for Canada of the Kyoto Protocol,” released November 2000, http://nccp.ca/NCCP/pdf/AMG_finalreport_eng.pdf
25. Suncor’s Australian venture is described in D. Allwright and H. Vredenburg, “A Hill To Die On: Suncor Energy’s Stuart Project (Australia)” (Calgary, Canada: TCPL International Institute for Resource Industries and Sustainability Studies Case Series, Haskayne School of Business, University of Calgary, 2002).
26. Suncor is shifting from oil-sands bitumen extraction to wind-energy production; TransAlta is shifting from coal-burning electricity production to wind; Monsanto has shifted from industrial chemistry to industrial biology.
27. The authors would like to acknowledge an anonymous reviewer for helping them to elaborate this point.
28. D. Zittel, “Hydrogen Safety” at http://www.fuelcellstore.com/information/hydrogen_safety.html
29. T. Koppel, “Powering the Future: The Ballard Fuel Cell and the Race To Change the World” (Toronto: John Wiley & Sons, 1999), 94.
30. R. Henderson and K. Clark, “Architectural Innovation: The Reconfiguration of Existing Product Technologies and the Failure of Established Firms,” Administrative Science Quarterly 35 (March 1990): 9–30.
31. J. Hall and R. Kerr, “Innovation Dynamics and Environmental Technologies: The Emergence of Fuel Cell Technology,” Journal of Cleaner Production 11, no. 4 (2003): 459–471.
