القائمة الرئيسية

الحاجة إلى عقلية عالمية للشركات

الحاجة إلى عقلية عالمية للشركات
ملخص المقال

المقال يوضح أن تبني العقلية العالمية في الشركات متعددة الجنسيات يتجاوز الهيكل التنظيمي ويعتمد على قدرة الإدارة على الموازنة بين الاتساق العالمي والاستجابة المحلية، وهو ما يسمى بالذهنية “المحلية العالمية” (glocal mentality). من خلال دراسات لشركات أمريكية، يبيّن المقال أن مشاركة المديرين والموظفين على المستويين العالمي والمحلي عند وضع السياسات—خصوصًا سياسات إدارة القوى العاملة—تعزز قبول السياسات وفعاليتها، بينما غياب المشاركة الدولية يضعف التنفيذ. لتحقيق الذهنية العالمية، تحتاج الشركات إلى أدوات مثل الشبكات المعيارية، مجتمعات الممارسة، الإدارة التوزيعية، ومراكز التميز، مع تعزيز رؤية مؤسسية واضحة وتطبيق العدالة الإجرائية، لضمان توازن بين التوحيد القياسي والتخصيص، والطابع الرسمي والمرونة، والتوجيه المركزي والتفويض المحلي. يُبرز المقال أن هذه العقلية العالمية تساهم في تحسين الأداء المالي، ولاء الموظفين، والقدرة على التكيف، لتصبح ميزة تنافسية أساسية في بيئة الأعمال العالمية.

توماس م. بيغلي وديفيد ب. بويد

حينما سعت إحدى الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية إلى اعتماد سياسةٍ عالميةٍ بشأن تنقُّل الموظفين، نظَّمت ندوة استمرت عامًا كاملًا جمعت ممثلين من وحداتها حول العالم. ومن خلال أسلوبٍ شجَّع على العصف الذهني والنقاش المتعمق، تبلور تدريجيًّا توافقٌ في الآراء مكَّن التنفيذيين من تقليص تصنيفات التنقل من ثمانية إلى اثنين. الفئة الأولى، وهي حزمة المهام للوافدين (expatriate assignment package)، شملت المديرين الذين وافقوا على تولي منصب بطلب من الشركة لمدة سنتين أو أكثر؛ وكانت تضم 23 عنصرًا أساسيًّا موحدًا. أما الفئة الثانية، وهي حزمة المهام الدولية (international assignment package)، فغطَّت الموظفين الذين أُسندت إليهم مهمة تقل عن سنتين أو طلبوا تعيينًا دوليًّا؛ وتضمنت 13 عنصرًا أساسيًّا، في حين بقيت العناصر العشرة الأخرى قابلةً للتكيُّف مع الظروف المحلية. وقد لقيت السياسات نفسها، وكذلك العملية التي أُعدِّت بها، ترحيبًا واسعًا في الخارج.

أما في شركة أمريكية أخرى متعددة الجنسيات، فقد قامت مجموعة عمل من الموظفين الأمريكيين من مستويات ووظائف مختلفة بإعداد مراجعة جوهرية لسياسات القوى العاملة. نوقشت المسودة في عدة منتديات إدارية، واستُخدمت استبانة مفصَّلة لجمع آراء جميع الموظفين الأمريكيين. عدَّ التنفيذيون المنتج النهائي، الذي قلَّص عدد السياسات من 120 إلى 10، نجاحًا بارزًا. لكن العملية لم تتضمن سوى مشاركة ضئيلة من الخارج. وبدلًا من ذلك، عرضت الإدارة المركزية النتائج على جميع الوحدات الجغرافية كأمر واقع، وعلَّق أحد التنفيذيين لاحقًا قائلًا: “كانت المشاركة الدولية فكرة لاحقة”. ولم تلقَ السياسات ولا العملية قبولًا حسنًا في الخارج.

كان للشركتين سمعة تقدمية؛ فلماذا إذن تعاملتا مع المشاركة الدولية بطرائق مختلفة؟ يكمن الفرق الحاسم في العقلية العالمية للشركة: فقد أظهرت الشركة الأولى هذه العقلية، في حين لم تفعل الثانية. نحن نعرِّف العقلية العالمية بأنها القدرة على تطوير وتفسير معايير أداء الأعمال بحيث لا تعتمد على افتراضات بلد أو ثقافة أو سياق واحد، وتطبيق هذه المعايير بشكل مناسب في بلدان وثقافات وسياقات مختلفة. العقلية العالمية عنصر أساسي في العولمة، وكما يُلاحظ كثيرًا، فإن الشركة المعولمة بحق هي عقلية أكثر من كونها هيكلًا تنظيميًّا.

بلوغ العقلية العالمية في الشركات يتطلب من المديرين الأفراد إظهار ذهنية “المحلية العالمية” (glocal mentality)، والتي تتكون من ثلاثة عناصر: أولًا، التفكير عالميًّا؛ أي إدراك متى يكون من المفيد وضع معيار عالمي موحد. ثانيًا، التفكير محليًّا: فعملية أن تصبح الشركة “عالميةً بحق… تعني تعميق فهمها للفروق المحلية والثقافية”. ثالثًا، التفكير عالميًّا ومحليًّا في آنٍ واحد؛ أي إدراك الحالات التي تكون فيها متطلبات العناصر العالمية والمحلية ملحَّة. تكشف أبحاثنا أن النسخة المؤسسية من العقلية العالمية للمدير الفردي تنشأ من تطوير السياسات الذي يقوده فريق أساسي؛ فمجموعة إدارية أساسية ذات ذهنية محلية عالمية تعد عنصرًا جوهريًّا في العقلية العالمية للشركات. ومع ذلك، لن تصبح هذه العقلية متجذرة في المنظمة حتى يُفعِّل التنفيذيون الهياكل والعمليات وأدوات السلطة اللازمة لذلك. حينها، سيسحب المديرون المحليون الجدد أدواتهم لتحويل الموظفين تدريجيًّا عبر الأجزاء الحيوية من الشركة.

في السابق، كان بإمكان شبكة متماسكة من القادة معالجة التوترات التنظيمية من خلال الحوار غير الرسمي، ولكن مع تعقُّد الأعمال وتسارعها وتوزعها، لم يعد بمقدور مجموعة صغيرة القيام بكل شيء، ما استلزم قاعدةً أوسع من المديرين للمشاركة في اتخاذ القرار العالمي. وبغياب الخبرة العالمية الشاملة، غالبًا ما أظهرت أوسع مجموعة رؤيةً ضيقة في الوقت الذي كانت فيه توسعات الشركات العالمية تمزق نسيج الثقافات المؤسسية المرتبطة ببلدان المنشأ. ولهذا فإن العقلية العالمية تمثل تكيفًا تطوريًّا بالغ الأهمية، فهي تساعد الشركات على منح الاعتراف والاحترام والتمثيل لجميع الموظفين مع تعزيز المرونة والتنافسية.

على الطريق نحو العقلية العالمية

لزيادة حضورها العالمي، يجب على الشركة إدارة قوتها العاملة العالمية؛ فالتوزع الجغرافي والتنوع الثقافي يخلقان تحدياتٍ خاصةً بهما. كما أن توحيد الموظفين سعيًا لازدهار الشركة يعد مهمة شاقة. ومع ذلك، فإن النجاح يعتمد على قدرة الشركة على توجيه سلوك الموظفين نحو أهداف جماعية. لذا، يجب على الشركة أن تحقق التوازن الأمثل بين المتطلبات العالمية والفروق المحلية.

لطالما أبرز الأكاديميون الحاجة إلى التوفيق بين الاتساق العالمي والاستجابة المحلية، فالنطاق غير المدروس قد تكون له آثار بعيدة المدى: فالشركات التي تفرِّط في الوصول العالمي تفقد فرص تعزيز الكفاءة وتوحيد التكاليف؛ أما الشركات التي تفرِّط في الاستجابة المحلية فتعرِّض حصتها السوقية للخطر وتنفِّر الموظفين.

على سبيل المثال، ظهرت توترات في شركة Sun Microsystems عندما مُنح المديرون المحليون حريةً واسعة في اعتماد خطط خيارات الأسهم للموظفين (employee stock-option plans). وقد أزعج هذا التقليد التنفيذيين المركزيين في الموارد البشرية والمالية، الذين أرادوا إدارة الحوافز التعويضية كأداة استراتيجية. وعلى النقيض، دفعت شركة Cisco Systems نحو ثقافة عالمية تشجع الموظفين على تجاهل التسلسل الهرمي، ما أثار استياء الموظفين الآسيويين الذين اعتادوا الرجوع إلى المستويات العليا للسلطة.

يمكن أن تساعد الشبكة في توضيح المعايير التنظيمية. (انظر أدناه “شبكة الاتساق العالمي/الاستجابة المحلية” – The Global Consistency/Local Responsiveness Grid). تسعى الشركات التي تركز على الاتساق العالمي إلى تحقيق مزايا التكلفة من خلال تعظيم أنظمة ذات نطاق عالمي. أما تلك التي تعظم الاستجابة المحلية فتعمد إلى التكيف مع الفروق بين البلدان بمنح الاستقلالية للجهات المحلية. أما الشركات التي تجمع بين البعدين فتلجأ إلى ترتيبات شاملة متبادلة. ولا توجد أنواع نقية؛ إذ يجب على جميع المؤسسات أن تحقق التوازن الأمثل بين قوتين متعارضتين بطبيعتهما. فالمتغيرات مثل القطاع الصناعي، واستراتيجية الشركة، والقدرة التنظيمية، كلها عوامل تضغط على الشركات نحو نقاط مختلفة على الشبكة، بل إن الوظائف داخل الشركة الواحدة تحتل مواقع مختلفة على الشبكة؛ فالتسويق، على سبيل المثال، غالبًا ما يكون مضطرًّا إلى الاستجابة للأذواق المحلية، في حين أن تتبع الشؤون المالية نهج موحد عالميًّا. وإلى جانب هذه التعقيدات، يجب أن تأخذ قرارات إدارة القوى العاملة في الحسبان الأبعاد الثقافية والحكومية والاجتماعية التي تؤثر في السلوك البشري وتحدُّ من حرية تصرف الإدارة.

ولتنفيذ نهج إدارة القوى العاملة الأنسب لموقع الشركة على شبكة الاتساق مقابل الاستجابة، يحتاج المديرون إلى أدوات. وغالبًا ما كان أكثر معيارين يُستخدمان لتقييم اتخاذ القرار الإداري هما الفعالية والكفاءة. فتعني الفعالية تحقيق أقصى استفادة من البيئة الخارجية، أما الكفاءة فهي القدرة على ضمان الاستخدام الأمثل للموارد الداخلية. غير أن سياسات إدارة القوى العاملة تؤثر أيضًا بشكل مباشر في رفاهية الموظفين، لذا أكدت الدراسات الحديثة أهمية معيار ثالث هو العدالة. فلو حُكم على السياسات بأنها غير عادلة، فستُواجَه بالمقاومة ولن تكون لا فعالة ولا كفئًا.

وفي بحثنا، سعى التنفيذيون إلى معالجة شواغل إدارة القوى العاملة الثلاث جميعها وسط توترات القوى المتنافسة. فمن أجل الفعالية، صاغوا السياسات لتوجيه سلوك الموظفين نحو النشاط المنتج، متسائلين: إلى أي مدى ينبغي أن توضع السياسات كأنظمة رسمية أو كإرشادات مرنة؟ ومن أجل الكفاءة، بسّطوا عملية تنفيذ السياسات، وصاغوا السؤال الرئيس على النحو التالي: إلى أي مدى ينبغي أن تكون السياسات موحدة عالميًّا أو مخصصة محليًّا؟ وسعوا كذلك إلى تعزيز العدالة من خلال تحديد مستوى السلطة المناسب لتطوير السياسات ضمن التسلسل الهرمي التنظيمي، متسائلين: إلى أي مدى ينبغي أن تكون السياسات مفروضة مركزيًّا أو مفوضة جغرافيًّا؟

وعندما توضع أبعاد كل توتر في شبكة، فإن المستويات الناتجة توضح الخيارات المتاحة لصناع القرار عند صياغة السياسات على مستوى العالم. (انظر أدناه “التوترات الثلاثة في الأعمال العالمية” – The Three Tensions of a Global Business). فصياغة السياسات تتحدى المديرين ليجسدوا ملامح عقلية “المحلية العالمية” (glocal mentality)؛ أي إدراك متى يكون الاتساق العالمي، أو الاستجابة المحلية، أو تحقيق توازن بين التوترات العالمية والمحلية هي الأنسب. ومن خلال معالجة هذه التوترات، تستطيع الشركات أن تضمن أن عقلية “المحلية العالمية” لدى التنفيذيين الأفراد تصبح متجذرة على مستوى المؤسسة ككل.

توتر الهيكل: التنظيم الرسمي العالمي مقابل المرونة المحلية

يتعلق التوتر الهيكلي الأساسي بالمزيج المناسب بين القواعد والإرشادات (ويمكن أن تكون الإرشادات رسمية أو غير رسمية). ومثال على ذلك، تُواصل الشركات الأمريكية مواجهة صعوبات في تطبيق قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة (Foreign Corrupt Practices Act)، الذي يحظر رشوة المسؤولين الأجانب للحصول على أعمال تجارية. ووفقًا لنهج القواعد الرسمية، عرَّفت شركة Intel بشكل صارم الرشوة بأنها “أي شيء ذي قيمة يُعطى لشخص ما بقصد الحصول على معاملة تفضيلية من المتلقي”. وحددت الشركة بشكل خاص حظر دفع مبالغ لتسريع شحنة عبر الجمارك إذا لم تكن هذه المدفوعات “تتبع القواعد والأنظمة المعمول بها، وإذا مَنَح الوكيل المال أو الدفع العيني لمسؤول حكومي لمنفعة شخصية”.

أما شركة Texas Instruments فقد تبنَّت الطريق الوسط، أي نهج الإرشادات الرسمية، فدعت الموظفين إلى “ممارسة الحكم السليم” في الظروف المشكوك فيها “بتجنب الأنشطة التي قد تخلق حتى مجرد انطباع بأن قراراتنا قد تتعرض للخطر”. وألزمت الشركة موظفيها أيضًا بالالتزام بروح ونص مدونة السلوك الخاصة بها فضلًا عن قوانين الدول. أما شركة Analog Devices، فقد اتبعت نهج الإرشادات غير الرسمية، فعينت مديرًا للسياسات مستشارًا للعمليات الخارجية. وكان هذا المدير يساعد المتصلين على التفكير في القضايا ويطلعهم على كيفية تعامل المكتب الرئيس مع مواقف مماثلة، لكنه كان يؤكد أيضًا أن القرار يعود لإدارة الموقع المحلي.

توتر العملية: التوحيد القياسي العالمي مقابل التخصيص المحلي

يتعلق التوتر الأساسي في العمليات بالمزيج المناسب بين التوحيد والتميُّز في العمليات على مستوى العالم، وتتعامل الشركات مع هذا التوتر عند التفكير في تطوير عمليات مراجعة الأداء، على سبيل المثال. فباتباع نهج العمليات الموحدة، حددت شركة EMC خمس عشرة كفاءة مطلوبة من جميع التنفيذيين، وأطلقت الشركة عمليةً لتقييم أداء المديرين وفقًا للكفاءات نفسها على مستوى العالم، باستخدام نموذج موحد ومجموعة مشتركة من الخطوات المحددة. واعتقد التنفيذيون في دراستنا أن ذلك وفَّر أساسًا لتقييم المواهب وتطوير المهارات الإدارية.

سعت شركة IBM إلى تخصيص عمليات تقييم الأداء مع الحفاظ على نواة معيارية موحدة؛ فقد كانت الأبعاد التي تعكس قيمها الأساسية في الفوز والتنفيذ والعمل الجماعي إلزامية. غير أن الشركة سمحت بتخصيص بعض الخطوات في العملية وفقًا للاحتياجات الوطنية أو القطاعية أو الوظيفية. كما اختلف عدد العناصر التي يتم تقييمها وتأثيرها في الأجور حسب كل دولة. وفي الوقت نفسه، اختارت شركة GTE إجراءات مخصصة في وحداتها الدولية وشجعت (من دون أن تلزم) العمليات الخارجية على الاستفادة من خبرة وحدات أخرى ومن المقر الرئيس.

توتر السلطة: الإملاء العالمي مقابل التفويض المحلي

يتمثَّل التوتر الرئيس المتعلق بالعدالة في موضع السلطة عند اتخاذ القرارات على مستوى العالم. تتعامل الشركات مع هذا التوتر في أثناء دراستها لكيفية تصميم وتنفيذ برامج الحوافز والتعويضات. ومؤخرًا، تباينت ردود فعل الشركات إزاء التساؤلات حول من يجب أن يقرر شكل ومقدار تلك الحوافز. وتكتسب هذه التساؤلات أهميةً خاصة فيما يتعلق ببُعد التوجه نحو السلطة.

فقد وضعت شركة SCI Systems، التي فرضت سياساتها الأحادية على مستوى العالم، صيغة المكافآت نفسها للمديرين التنفيذيين في كل واحد من مصانعها الخمسة والثلاثين حول العالم. أما شركة Sun Microsystems فقد اعتمدت نهجًا تشاركيًّا؛ فاستجابة لطلبات وحدات الدول، سعت إلى توسيع نظام توزيع الأرباح ليشمل العالم كله. وقد ضمنت الاتفاقات التي تُفووِض عليها بين وحدات الدول والمقر الرئيس تلبية كلٍّ من المتطلبات المؤسسية والاحتياجات المحلية. وفي شركة Seagate Technology، فُوِّضت السيطرة إلى الوحدات المحلية التي أصبحت مسؤولة عن تكييف برامج الحوافز بحسب احتياجاتها.

تطبيق النموذج

يساعد استخدام شبكة الهيكل والإجراءات والتوجه نحو السلطة على ترسيخ عقلية عالمية في الشركة. ولكن لأن كبار المديرين يتحكمون في الأدوات اللازمة، فلا بد أن يتحلَّوا هم أنفسهم بعقلية تجمع بين المحلية والعالمية (glocal)، وأن تكون لديهم رؤية لقيادة الشركة نحو هذه العقلية. وعندما تبادر مجموعة أساسية بإطلاق عملية لتحديد التكوين الأمثل للعناصر العالمية والمحلية، فإنها تبدأ بترسيخ هذه العقلية داخل الشركة. وفي سياق تطوير السياسات، يتطلب تطبيق العقلية العالمية من التنفيذيين إدراك الخيارات التي تتيحها المواقع المختلفة على الشبكة، ليتمكنوا بعد ذلك من اتخاذ قرارات تعظم ثلاثة أنواع مهمة من الاتساق: الاتساق عبر أبعاد الهيكل والإجراءات والتوجه نحو السلطة داخل كل سياسة؛ والاتساق بين السياسات؛ واتساق السياسات مع القيم التي توجه نهج الشركة في إدارة القوى العاملة العالمية. ولا يكون الاتساق داخل السياسات وبينها فضيلة إلا إذا تحقق التوافق مع القيم. وهكذا يظهر تجذُّر العقلية العالمية للشركة أيضًا في تأكيد القيم التي تحدد توجهها نحو قضايا إدارة القوى العاملة.

الاتساق داخل السياسات

إن الخيارات المتعلقة بمسائل الهيكل والإجراءات والتوجه نحو السلطة مترابطة. ويُعد الاتساق عبر الشبكة أمرًا مرغوبًا فيه؛ إذ إن التناقضات تولد مشكلات. فعلى سبيل المثال، حاول مديرو المزايا في شركة Hewlett-Packard في السابق دمج تغطية التأمين في عدة بلدان للحصول على خصومات الحجم. ووفقًا لثقافة الشركة القائمة على التوافق، شُكِّل فريق عمل عابر للحدود الوطنية والقطاعات والمستويات الإدارية. وبعد عملية مطولة، تفرقت آراء الأعضاء بين عدة خطط بديلة، حاولت كلٌّ منها معالجة هموم جميع الأطراف. ولم يتحقق سوى ميزة طفيفة من حيث التكاليف. لقد أدى تضافر عمليات فريق العمل التكاملي ونهج الشركة التشاركي إلى تقويض القواعد الرسمية اللازمة لتحقيق وفورات التكاليف. أما في الآونة الأخيرة، وفي إطار توجه جديد نحو إبراز أولوية الأداء، فقد قام عدد من التنفيذيين في المقر الرئيس بتركيز معايير اختيار مزودي التأمين مركزيًّا، وحددوا وفورات كبيرة في التكاليف من خلال التجميع العالمي، ثم أبلغوا مديري المزايا في مختلف البلدان بالمزودين المختارين وأسباب الاختيار.

الاتساق بين السياسات

يحدث تحسين السياسات عندما تُظهر السياسة ليس فقط اتساقًا داخليًّا، بل أيضًا توافقًا مع السياسات الأخرى للشركة، ويؤدي هذا التوافق إلى تقليل الاحتكاك ودعم الجهود العالمية. وقد كان أكثر من ثلث الشركات التي شملتها الدراسة تمر بمراحل مختلفة من إعادة صياغة شاملة لسياسات إدارة القوى العاملة. وكان الهدف هو تطهير مجموعة السياسات من التناقضات والرسائل المختلطة. فعلى سبيل المثال، وبعد أن استحوذت شركة Compaq على شركتَي Digital Equipment وTandem في مدة قصيرة، سعت إلى إنشاء سياسات موحدة لإدارة القوى العاملة. وقد كانت المهمة صعبة بشكل خاص بسبب سياسات Digital المفصلة للغاية وبعض سياسات Tandem الفريدة التي تعكس إرثها في وادي السيليكون (Silicon Valley). أما استحواذ Hewlett-Packard الأخير على Compaq فقد أطلق جولة جديدة من توحيد السياسات لدمج ثقافات الشركات المختلفة.

اتساق السياسات مع القيم

يمكن للشركة أن تسعى إلى تغيير سياساتها الخاصة بإدارة القوى العاملة العالمية، لكنها يجب أيضًا أن توائمها مع القيم المؤسسية. وبالمثل، يمكن للسياسات أن تكون ذات قيمة في إعادة صياغة قيم الشركة نفسها.

على سبيل المثال، عندما انتقلت شركة تكساس إنسترومنتس (Texas Instruments) من منافسة متوقعة على العقود المتعلقة بالدفاع إلى أسواق متقلبة لمنتجات التكنولوجيا العالية سريعة التغير، تخلى المديرون التنفيذيون عن دليل السياسات الضخم الخاص بالشركة. وللدلالة على الانتقال من ركن الاتساق العالي في الشبكة إلى موقع أقرب؛ إلى ركن الاتساق العالي/الاستجابة العالية، سعت تكساس إنسترومنتس إلى مشاركة عالمية لتحديد بعض القيم التي تجسد فلسفتها المتطورة. ثم وضعت الشركة إرشادات رسمية لتسهيل تفسير سياساتها العالمية الرئيسة. وبحسب تعبير أحد التنفيذيين، فقد استبدلت الشركة “الوصايا العشر” المحددة بدقة بـ “ست وصايا وأربعة اقتراحات”. وبدعم من كتيب موجز ينقل القيم المعدلة، كان هذا النهج محفزًا قويًّا للتغيير التنظيمي.

اختيار الموقع على شبكة الاتساق/الاستجابة

عند اختيار موقع على الشبكة، ينبغي للشركات أن تأخذ في الحسبان أوضاعها الخاصة. فالحاجة إلى الاتساق العالمي تفضل السياسات التي تبرز الطابع الرسمي، والتوحيد القياسي، والتوجيهات العالمية، في حين أن الحاجة إلى الاستجابة المحلية تفضل المرونة، والتخصيص، والتفويض. تميل الشركات الأمريكية العاملة في الخارج إلى الاتساق العالمي من خلال التركيز الشديد على القواعد الرسمية، والعمليات الموحدة، وسيطرة المقر الرئيس، وهو نهج يثير اتهامات بعدم الحساسية بل وحتى الاستعمار. ومع ذلك، فإن الشركات التي تسمح بالاستقلالية المحلية تتخلى عن فوائد الحجم العالمي والتعلم عبر الدول. وعندما تحتاج الشركات إلى البعدين معًا، فإن السياسات التي تسمح بتحقيق التوازن هي الفُضلى.

وفي الواقع، فإن عددًا قليلًا نسبيًّا من الشركات تمكنت من التحرك في اتجاه الاتساق العالي/الاستجابة العالية، وهو موقع يزداد جاذبية ويمكنه التخفيف من الصعوبات عندما تواجه التوجهات الاستراتيجية قيودًا ثقافية متقاطعة. فعلى سبيل المثال، قد تخلق الحاجة لدى الشركات الأمريكية إلى فرض سلوكات متسقة امتثالًا لقانون الممارسات الأجنبية الفاسدة (Foreign Corrupt Practices Act) تحديًا للشركات التي تفضل السياسات المستجيبة محليًّا. ومع ذلك، فإن المتطلب الألماني لاستشارة ممثلي الموظفين قبل اتخاذ القرارات الكبرى يفرض على الشركات الأمريكية أن تعتدل في تفضيلها للاتساق. وعندما تواجه الشركات كلا النوعين من المطالب، يوفر نمط الاتساق العالي/الاستجابة العالية مرونة في التعامل مع الضغوط.

وقد أكد كثير من التنفيذيين الذين قابلناهم أن قرارات سياسات إدارة القوى العاملة، على وجه الخصوص، تتطلب بشكل متزايد نهج الاتساق العالي/الاستجابة العالية. ويؤكدون أن رؤية الشركة وقيمها يجب أن تُظهرا اتساقًا عالميًّا. ومع ذلك، ينبغي أن تحدد ممارسات مكان العمل في الشركة، التي تترجم إرشادات السياسات إلى إجراءات يومية، محليًّا. والطريقة الوحيدة لدمج الفلسفة مع التطبيق العملي هي من خلال إرشادات السياسات. علاوة على ذلك، في قوة عاملة متعددة الثقافات، لا بد أن تتعارض القيم المؤسسية مع القيم الثقافية المحلية؛ فالحلول التي تتمتع بدرجة عالية من الاتساق والاستجابة تحافظ على التوازن وتتجنب إما فرض القيم المؤسسية على الثقافة المحلية وإما الاستسلام بشكل غير منتج للقيم المحلية.

ورغم إحراز تقدم في وظائف مثل التسويق وتطوير المنتجات الجديدة، تشير أبحاثنا إلى أن الذهنية العالمية المحلية (glocal mentality) لم تترسخ بعدُ لدى التنفيذيين في الموارد البشرية (HR)؛ المسؤولين الرئيسين عن سياسات إدارة القوى العاملة. فبعد أن كانت توصف بأنها أكثر وظائف الشركات محلية، انتقلت الموارد البشرية إلى التركيز على الاتساق في الثقافة المؤسسية العالمية والسياسات والبرامج التي تدعمها. كما يجب على الموارد البشرية أن تولي اهتمامًا بالثقافة الوطنية، وقرارات الحكومة، والأنظمة الاجتماعية الفريدة، غير أنه حتى مع إشادة التنفيذيين في الموارد البشرية على نطاق واسع بالذهنية العالمية المحلية بوصفها كفاءة إدارية أساسية، لا يزال كثيرون غير متأكدين من كيفية دفع مديريهم نحوها.

يمكن للموارد البشرية أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا في قدرة الشركة على ترسيخ الذهنية العالمية المحلية. ونظرًا إلى الأهمية المتزايدة لهذه الذهنية، ما المبادئ التنظيمية التي تُمكِّن التنفيذيين من تشجيعها في قضايا إدارة القوى العاملة؟ لقد بدأ الأكاديميون في مجالات الإدارة الدولية، وتصميم المنظمات، والثقافة المؤسسية في تحديد طرائق لخلق فرص للتفكير العالمي المحلي ووصف أنشطة التنفيذيين الذين حولوا ذهنيتهم إلى عقلية عالمية مؤسسية.

تطوير الذهنية العالمية

يتطلب تطوير الذهنية العالمية التحرك نحو ركن العالمية العالية/المحلية العالية في شبكة الهيكل والعمليات والسلطة. ويشمل ذلك تحقيق التوازن بين الطابع الرسمي والمرونة من خلال الشبكات المعيارية (modular networks) ومجتمعات الممارسة (communities of practice)؛ وتحقيق التوازن بين التوحيد القياسي والتخصيص من خلال الإدارة التوزيعية، ومراكز التميز (centers of excellence)، والرؤية المؤسسية؛ وتحقيق التوازن بين التوجيهات العالمية والتفويض عبر تطبيق العدالة الإجرائية (procedural justice).

تحقيق التوازن بين الطابع الرسمي والمرونة

هناك منهجان يمكن للمديرين استخدامهما لتيسير التوتر الكامن بين الهيكل العالمي والمحلي، وهما الشبكات المعيارية ومجتمعات الممارسة.

الشبكات المعيارية (Modular networks)

بين الاعتماد الذي تفرضه القواعد الرسمية والاستقلالية التي تشجعها الإرشادات غير الرسمية، تنمي منهجية الإرشادات الرسمية حالةً من الاعتماد المتبادل. ينبغي للمديرين التنفيذيين البحث عن سبل الاعتماد والمنفعة المتبادلة، تتجسد حول الشبكات المعيارية. فبدلًا من التركيز على التواصل الرسمي بين المقر الرئيس والوحدات الإقليمية أو الفرعية، تؤكد الشبكات التي تنشأ عبر التفاعل النمطي مرونةً أكبر في الأخذ والعطاء بين الأقسام والوحدات نفسها. ولهذا، وفي مسعى لتعزيز التواصل بين الوحدات، ركزت شركتا GTE وMediaOne على القيام بدور المستشارين للوحدات الجغرافية. وقد طرح التنفيذيون في GTE تحديًا مفاده: “لدينا مواهب عالمية؛ كيف يمكننا استثمارها على مستوى العالم؟” وأحالوا الوحدات القطرية التي تواجه مشكلات إلى وحدات قطرية أخرى لديها حلول. وسرعان ما تواصلت الوحدة البورتوريكية، التي تمتلك خبرة واسعة في مجال النطاق العريض (broadbanding)، مع الوحدة الفنزويلية التي كانت بحاجة إلى المشورة. وأسهمت التعديلات المرنة المقترحة من الوحدة البورتوريكية في تعزيز فرص نجاح تنفيذ النظام في فنزويلا.

ولدمج الشبكة، يتعين على المديرين التنفيذيين تعزيز استخدامها. ومن المتطلبات الأساسية مكافأة المديرين على المشاريع التعاونية بين الوحدات المختلفة. ففي شركة General Electric، حيث التعاون بين الوحدات جزء أصيل من ثقافة الإدارة، يُعترف بالمديرين التنفيذيين الذين يوظفون هذا النهج.

مجتمعات الممارسة (Communities of practice)

هناك أداة تكاملية أخرى تتمثل في مجتمعات الممارسة؛ ففي شركة NCR، تمثل أول هذه المجتمعات في موقع داخلي عالمي على الإنترنت يستخدم تقنية خاصة تُسمى “Round Table”، أتاح لمتخصصي التعويضات في الشركة حل المشكلات وتبادل الأساليب المبتكرة. وقد كُوفِئ المساهمون النشطون في هذا المجتمع.

موازنة التقييس مع التخصيص

يساعد كلٌّ من الإدارة التوزيعية، ومراكز التميز، والرؤية المؤسسية المديرين في معالجة التوترات الناشئة عن العمليات.

الإدارة التوزيعية (Distributive management)

تمنح الإدارة التوزيعية مسؤوليات اتخاذ القرار بدرجةٍ كبيرة للمديرين في المواقع الموزعة، وتوفِّر الموارد اللازمة لتنفيذ تلك القرارات، وتتيح الموارد الموزعة دمج التقييس مع التخصيص. غير أن على المديرين التنفيذيين التأكد من قدرات القوى العاملة في الشركة على الصعيد العالمي؛ فكثير من الشركات التي تمتلك نظام جرد مهارات متطورًا في الولايات المتحدة تفتقر إلى مثل هذه الأنظمة خارجها. ولهذا واجهت إحدى شركات خدمات البرمجيات أخطار التفاوض على عقود عالمية ضخمة. فمن دون جرد عالمي للمهارات، كانت الشركة تعمل في الظلام. وكلما نجحت في الفوز بالعطاءات، اضطرت إلى البحث السريع عن سبل لتقديم الخدمة المطلوبة. ونتيجةً لذلك، كان على الإدارة في بعض الأحيان الانخراط في جهود اللحظة الأخيرة لبناء القدرات في مواقع جديدة، ما صعَّب تقديم خدمة جيدة وعاقَ السيطرة على التكاليف.

مراكز التميز (Centers of excellence)

الخطوة التالية هي تحديد كيفية توزيع المسؤوليات والموارد بين المواقع الجغرافية؛ فمن خلال مراكز التميز المنتشرة حول العالم، يمكن للشركات استثمار القدرات بفعالية من خلال نقل المعرفة الاستراتيجية إلى وحداتٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، تشجع القوانين الصارمة في التوظيف والنقابات القوية في فرنسا على تطوير الخبرة في أنظمة تخطيط القوى العاملة، ويمكن أن تنتقل هذه المعرفة عبر الشركة من خلال مركز تميز. ورغم أن مفهوم المراكز الموزعة أصبح أكثر بروزًا في مجالات مثل التسويق، وأنظمة المعلومات، والبحث والتطوير، فإنه لم يرسخ بعد في إدارة الموارد البشرية.

ومن خلال تعزيز دور المقرات الإقليمية، تستطيع الشركات موازنة هيمنة الهياكل القائمة على الصناعة والوحدات العالمية التي تدفع نحو التقييس، ويمكن أن تصبح المجموعات الإقليمية مراكز تميُّز تطوِّر قدرات تنظيمية مخصصة. ومعظم الشركات لديها بالفعل مقرات إقليمية تمثل، على الأقل في الوظائف الإدارية، أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية. ويعتقد التنفيذيون في شركة SCI Systems أن المصالح داخل الإقليم تتيح عقد اجتماعات بين الوحدات، في حين تشترك الاجتماعات بين الأقاليم في مشكلات أقل. وقد ركزت شركة Oracle خدماتها المشتركة على المستوى الإقليمي لتحقيق فعالية عالية بتكلفة منخفضة، من منطلق أن “من يُجِبْ على الهاتف في ولاية آيوا فلن يكون على دراية كبيرة بما يؤثر في المتصل في أوروبا أو آسيا”. كما تتجه شركة IBM إلى الابتعاد عن السياسات العالمية للتركيز بشكل أكبر على المراكز الإقليمية، إذ ترى أن الانتقال المباشر إلى العمليات العالمية قد يكون قفزة كبيرة جدًّا، وربما غير مرغوب فيها. وتحمل السياسات الإقليمية إمكانات كبيرة نظرًا إلى التشابهات الثقافية داخل مجموعة من البلدان.

الرؤية المؤسسية

تتيح الشبكات المتكاملة للمديرين أيضًا حرية تطوير حلول مخصصة لمواقعهم، استنادًا إلى إدراكهم للبدائل المستخدمة في أجزاء أخرى من المنظمة. والتحدي يكمن في ضمان أن يجري التخصيص ضمن معايير مشتركة؛ وهذا يعني أن الإدارة العليا يجب أن تعزز ذهنية عالمية من خلال الترويج لرؤية مؤسسية تقدِّر التفكير المحلي العالمي (glocal). أما عملية غرس هذه الرؤية الشاملة فتتم عبر التنشئة الاجتماعية (socialization). ينبغي للشركات أن توفر للمديرين فرص التفاعل في المنتديات، ويمكن نقل الرسائل عبر المؤتمرات والاجتماعات العالمية، وتكنولوجيا الاتصالات الإلكترونية، ونماذج الأدوار التنفيذية، وأنظمة القياس والمكافآت، والتكليفات الدورية حول العالم. مثل هذه العمليات التي تُسمَّى “تكنولوجيا اللصق” (glue technology) تعزز الثقة وتوطد الروابط، وتؤدي مراكز التعليم المؤسسي هذا الدور على نحو جيد. كما أن برامج تطوير الإدارة المركَّزة تكون مفيدة إذا رغبت الشركة في الإشارة إلى تغييرات في الرؤية. فعندما أعادت شركة Texas Instruments صياغة قيمها الأساسية، أنشأت برامج لتطوير الإدارة. وقد أكدت الجلسات الحاجة إلى رؤية جديدة، وحددت معايير التغيير المنشود، ورسمت خطوات العمل.

الموازنة بين الإملاءات العالمية والتفويض

يمكن للعدالة الإجرائية أن تساعد المديرين في معالجة التوترات المتعلقة بالسلطة.

غالبًا ما تؤدي الإملاءات العالمية إلى فوائد متفاوتة بشكل كبير حسب الموقع، ما يعوق العدالة في التوزيع. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الانتباه للجوانب النفسية في عملية اتخاذ القرار أمرًا أساسيًّا. لقد ثبت أن اتخاذ القرار التشاركي فعال في تحقيق العدالة الإجرائية؛ فالاتصال ذو الاتجاهين يساعد في تبديد الشعور بعدم المساواة الإدراكية. كما أن إتاحة الفرصة للتغذية الراجعة تسهم في خلق مناخ من التبادل المفتوح. علاوة على ذلك، فإن إشراك الوحدات الخارجية يحقق فوائد؛ إذ إن الموظفين الذين يشاركون في عملية اتخاذ القرار يكونون أكثر استعدادًا لدعم النتائج النهائية وتنفيذها. وعلى العكس من ذلك، فإن الإقصاء عن هذه العملية قد يولِّد مقاومة قوية للتغيير، كما أن المشاركة على مستوى الدولة تفتح المجال أمام حلول أكثر إبداعًا.

لدى شركة 3Com عمليات منظمة لجمع المدخلات من جميع أنحاء العالم فيما يتعلق بالقرارات الخاصة بسياسات القوى العاملة؛ فإذا كان هناك تغيير في سياسة قيد الدراسة، يُبلِغ التنفيذيون في 3Com مديري الموارد البشرية على مستوى العالم. ومع تطور بيان السياسة، يقيِّم المديرون مدى ملاءمته في بلدانهم ويشيرون إلى أي مشكلات محتملة قد تعوق التنفيذ. وقد يُعيَّن شخصان في منطقة ما ليكونا بمنزلة “العينين والأذنين” للوحدة فيما يخص سياسة معينة. وبالنسبة إلى السياسات قيد التطوير، صممت 3Com موقعًا داخليًّا على الإنترنت محميًّا بكلمة مرور لتسهيل الحوار الديناميكي والمستمر. وفي تطوير عملية شاملة، فإن الخطوة المنطقية التالية ستكون إسناد المسؤولية الأساسية لصياغة السياسات العالمية إلى وحدات خارج الولايات المتحدة.

من الواضح أن الذهنية العالمية المؤسسية ليست مجرد مسألة فكرية، بل تتطلب سياسات وممارسات داعمة. ولصياغة سياسات متسقة على نحو ملائم، يجب على التنفيذيين تقييم الهيكل والعمليات وتوترات السلطة ومواءمتها. وعلى الرغم من أن أي نقطة على الشبكة قد تمثل استجابة مفيدة، فإن سياسات إدارة القوى العاملة تبدو بحاجة متزايدة إلى منهج يجمع بين الاتساق والاستجابة الفعالة في آنٍ واحد.

ميزة تنافسية

عدَّ كثير من المشاركين أن الذهنية العالمية حالة مرغوب فيها، معتقدين أن الميزة التنافسية تنجم عن الأفعال المتسقة معها. وتدعم الأدبيات هذا الرأي؛ إذ تشير إلى أن مثل هذه الأفعال يمكن أن تحسن الأداء المالي، وولاء الموظفين، وقابلية التغيير التنظيمي. ومع ذلك، في كل شركة من الشركات التي شملتها دراستنا، كان هذا المنظور الشامل متأخرًا عن التوسع العالمي للشركة.

بدا أن شركة IBM حققت أكبر تقدم نحو الذهنية العالمية؛ ففي ستينيات القرن العشرين، كان تركيزها على الاتساق العالمي صارمًا إلى درجة أن كل موظف كان يتلقى المزايا نفسها بغض النظر عن الحاجة. حتى إن الشركة كانت تمول المزايا الطبية في بلدان تضمن لمواطنيها تغطية صحية شاملة. ثم، وبعد الأزمة التي واجهتها في أوائل التسعينيات، تبنت IBM نهجًا أكثر مرونة، شمل فرق تطوير السياسات العالمية، وشبكات المعرفة حول العالم، ونظام إدارة الأداء الخاص بـIBM. وفي سعيها لتحقيق التوازن بين الاهتمامات العالمية والمحلية وغرس الذهنية العالمية، استخدم التنفيذيون في IBM كثيرًا من الأدوات، إلا أنهم يقرُّون بوجود فجوة ما زال يتعين عليهم سدُّها.

نظرًا إلى أن كثيرًا من التنفيذيين الأمريكيين يعدون العولمة سعيًا نحو منتجات موحدة من خلال اتخاذ القرار المركزي، فإنهم يميلون بطبيعتهم إلى تفضيل الاتساق العالمي على الاستجابة المحلية. ومع ذلك، فإنهم في اندفاعهم المستمر نحو الاتساق لم يضمنوا تعاون الأطراف المحلية. ومن خلال الذهنية العالمية، تصبح عمليات اتخاذ القرار المؤسسي أكثر انفتاحًا على الأفكار والتأثيرات من خارج البلد الأم. وكدليل على الذهنية العالمية، يجب على الإدارة أن تدرك متى يتطلب الأمر استجابة محلية متكيفة، أو استجابة عالمية متسقة، أو استجابة تجمع بين العنصرين معًا. ويشهد الخيار الثالث توسعًا سريعًا في نطاقه. إن الذهنية العالمية المؤسسية ليست مجرد شعار، بل هي ضرورة لتحفيز قوة عاملة متنوعة وواسعة الانتشار. وتَعِدُ الذهنية العالمية بوعد شركة تنبض بالحيوية وتعززها جهود جميع موظفيها.

المراجع

1. See M.L. Maznevski and H.W. Lane, “Shaping the Global Mind-Set: Designing Educational Experiences for Effective Global Thinking and Action” in N. Boyacigiller, R. Goodman and M. Phillips, eds., “Teaching and Experiencing Cross-Cultural Management: Lessons From Master Teachers” (London: Routledge, in press). We have slightly modified Maznevski and Lane’s individual-level definition so that it refers instead to the company level.

2. See C.A. Bartlett and S. Ghoshal, “Managing Across Borders: The Transnational Solution,” 2nd ed. (Boston: Harvard Business School Press, 1998), and “The Myth of the Generic Manager: New Personal Competencies for New Management Roles,” California Management Review 40 (fall 1997): 92–116; V. Govindarajan and A.K. Gupta, “The Quest for Global Dominance: Transforming Global Presence Into Global Competitive Advantage” (San Francisco: Jossey-Bass, 2001); and T.P. Murtha, S.A. Lenway and R.P. Bagozzi, “Global Mind-Sets and Cognitive Shift in a Complex Multinational Corporation,” Strategic Management Journal 19 (February 1998): 97–114.

3. G. Svensson, “ ‘Glocalization’ of Business Activities: A ‘Glocal Strategy’ Approach,” Management Decision 39 (2001): 6–18.

4. R.M. Kanter and T.D. Dretler, “Global Strategy and Its Impact on Local Operations: Lessons from Gillette Singapore,” Academy of Management Executive 12 (November 1998): 60–68.

5. N. Athanassiou and D. Nigh, “The Impact of the Top Management Team’s International Business Experience on the Firm’s Internationalization: Social Networks at Work,” Management International Review 4 (spring 2002): 157–181.

6. For example, Y.L. Doz and C.K. Prahalad, “The Multinational Mission: Balancing Local Demands and Global Vision” (New York: Free Press, 1987); and C.K. Prahalad and K. Lieberthal, “The End of Corporate Imperialism,” Harvard Business Review 76 (July–August 1998): 68–79.

7. In an attempt to limit the variation induced by multiple country and industrial sectors, the research focused on U.S.-based high-technology companies, including most of the major companies in computer hardware, software and services as well as the telecommunications industry. The momentum and magnitude of this sector make it an attractive domain for exploring how companies face the challenge of managing a worldwide work force. Moreover, many of these companies are regarded as management trendsetters.

8. For example, J. Greenberg and R. Cropanzano, eds., “Advances in Organizational Justice” (Stanford, California: Stanford University Press, 2001).

9. T.M. Begley and D.P. Boyd, “Articulating Corporate Values Through Human-Resource Policies,” Business Horizons 43 (July–August 2000): 8–12.

10. E. Yuen and H. Kee, “Headquarters, Host-Culture and Organizational Influences on HRM Policies and Practices,” Management International Review 33 (fall 1993): 361–383; and M.P. Kriger and E.E. Solomon, “Strategic Mind-Sets and Decision-Making Autonomy in U.S. and Japanese MNCs,” Management International Review 32 (fall 1992): 327–343.

11. R.S. Shuler, P.J. Dowling and H. De Cieri, “An Integrative Framework of Strategic International Human-Resource Management,” Journal of Management 19 (summer 1993): 419–460.

12. Bartlett, “Managing Across Borders”; R.E. Miles and C.C. Snow, “Fit, Failure and the Hall of Fame: How Companies Succeed or Fail” (New York: Free Press, 1994); J.C. Collins and J.I. Porras, “Built To Last: Successful Habits of Visionary Companies” (New York: HarperBusiness, 1994); and Greenberg, “Advances in Organizational Justice.”

13. E.C. Wenger and W.M. Snyder, “Communities of Practice: The Organizational Frontier,” Harvard Business Review 78 (January–February 2000): 139–145.

14. K. Moore and J. Birkinshaw, “Managing Knowledge in Global Service Firms: Centers of Excellence,” Academy of Management Executive 12 (November 1998): 81–92.

15. Collins and Porras, “Built To Last.”

16. P.A.L. Evans, “Management Development as Glue Technology,” Human Resource Planning 15 (1992): 85–105.

17. See, for example, W.C. Kim and R.A. Mauborgne, “Making Global Strategies Work,” Sloan Management Review 34 (spring 1993): 11–27.

18. K.L. Newman and S.D. Nollen, “Culture and Congruence: The Fit Between Management Practices and National Culture,” Journal of International Business Studies 27 (fall 1996): 753–779; S. Taylor and S. Beechler, “Human Resource Management System Integration and Adaptation in Multinational Companies,” in S. Prasad and R. Peterson, eds., “Advances in International Comparative Management” (Greenwich, Connecticut: JAI Press, 1993), 155–174; R. Gill and A. Wong, “The Cross-Cultural Transfer of Management Practices: The Case of Japanese Human Resource Management Practices in Singapore,” International Journal of Human Resource Management 9 (February 1998): 116–135; and B.L. Kirkman and D.L. Shapiro, “The Impact of Cultural Values on Employee Resistance to Teams: Toward a Model of Globalized Self-Managing Work Team Effectiveness,” Academy of Management Review 22 (July 1997): 730–757.

مقالات ذات صلة