القائمة الرئيسية

تطور الاستدامة

تطور الاستدامة
ملخص المقال

المقال يوضح أن الاستدامة يمكن أن تصبح ميزة تنافسية للشركات إذا تم التعامل معها من منظور شامل يتجاوز المبادرات الجزئية، من خلال ست زوايا متكاملة: الامتثال التنظيمي لضمان التوافق مع اللوائح المستقبلية، التخفيف التدريجي لتقليل الأثر البيئي وخفض التكاليف، توافق القيم لتعزيز مشاركة الموظفين وإبداعهم، تصميم النظام الشامل لإعادة هندسة المنتجات والعمليات بطريقة مستدامة وفعّالة، ابتكار نماذج الأعمال لإعادة تعريف نطاق العمل وتحقيق منافع اقتصادية وبيئية، وأخيرًا تحول الرسالة الذي يدفع الشركات للتفكير في دورها الحقيقي في رفاهية الإنسان والاستدامة طويلة الأمد. ويؤكد المقال أن الشركات التي تعتمد هذه الرؤية المتكاملة ستتمكن من تعزيز قدراتها التجارية، الابتكار، والقدرة على المنافسة في بيئة الأعمال المستقبلية.

ألكس ماركيفيتش

إن الحركة المتنامية نحو الاستدامة في مجال الأعمال تمنح الشركات أداة قوية لصنع ميزة تنافسية، ويكمن مفتاح تطبيق هذه الأداة بنجاح في اتخاذ إجراءات شاملة تغطي التحديات والفرص جميعها التي تطرحها الاستدامة، لا الاقتصار على النطاق الضيق الذي يوجه معظم المبادرات الحالية في الشركات لتحقيق الاستدامة. ولإدراك هذا النطاق الكامل، ينبغي النظر إلى الاستدامة من ستّ زوايا مختلفة على الأقل. إن دمج الرؤى المستخلصة من هذه الزوايا الست يمكن أن يعزز العديد من قدرات الشركة التجارية، وليس فقط تلك المرتبطة مباشرة بالتقدم نحو الاستدامة.

ستّ زوايا للاستدامة

١. الامتثال التنظيمي: لقد أتقنت معظم الشركات بالفعل هذه الزاوية من الاستدامة ضمن عملياتها، والقضية الرئيسة المتبقية هي إلى أي مدى سترفع اللوائح الحكومية مستوى الامتثال في المستقبل. إن تجاوز هذا المنظور المحدود يمكّن الشركة من الاستعداد مسبقًا لمتطلبات التنظيم المستقبلية، ما يقلل من خطر اضطراب العمليات بسبب اللوائح التنظيمية.

٢. التخفيف التدريجي: هنا يتركز غالبية الاهتمام في عالم الأعمال اليوم على: قياس الأثر والمؤشرات، والحد من الانبعاثات والنفايات، وبرامج إعادة التدوير، والحفاظ على الموارد النادرة والطاقة، والمصادر البديلة والأكثر أمانًا للإمداد، والمنتجات الاستهلاكية الصديقة للبيئة، والتسويق والعلاقات العامة المرتبطة بصورة الشركة الخضراء. كل ذلك يمثل بداية جيدة ويمكن أن يؤدي إلى تقليل كبير في التكاليف، وتخفيف المخاطر، وخلق مصادر دخل جديدة. لكن هذه الجهود غالبًا ما تكون إضافات على عمليات تجارية تبقى في جوهرها غير مستدامة.

٣. توافق القيم: إن الاستدامة كمبدأ تحظى بوعي ودعم متزايدين لدى الجمهور؛ ونتيجة لذلك، تتيح للشركات إمكانية زيادة التوافق بين قيم المؤسسة والقيم الشخصية للموظفين. ولتحويل اهتمام الموظفين بالاستدامة إلى ميزة تنافسية، يجب توفير فرص حقيقية لهم لتوظيف إبداعهم ومبادرتهم في التقدم نحو الاستدامة. وكلما تجاوزت هذه الجهود الحدود التقليدية للمؤسسة، زادت قدرتها على الإسهام في تطوير منظمة أكثر انفتاحًا ومرونة وإنتاجية، ما يعزز من أدائها في بيئة الأعمال الديناميكية وغير المؤكدة في المستقبل.

٤. تصميم النظام الشامل: إلى حد كبير، صُمِّمت البنية التحتية المادية للمجتمع الحديث دون اعتبار كافٍ للاستدامة البيئية. وبدلًا من ذلك، انصب التركيز على قضايا مثل التكاليف قصيرة الأجل والكفاءات الضيقة والواضحة على الفور والعائد على رأس المال المالي، وكانت النتيجة نموًّا اقتصاديًّا هائلًا، لكننا نواجه الآن تهديدًا بكارثة بيئية مماثلة في الضخامة. إن مجرد استبدال التقنيات الأكثر أمانًا بيئيًّا في كل خطوة منفصلة من عملية التصميم التقليدية لا يكفي لاحتواء الضرر البيئي أو عكسه. بل نحن بحاجة إلى منهج جديد في التصميم التقني، يحقق تحسينًا شاملًا للنظم من حيث الكفاءة والاستدامة معًا.

وعلى الرغم من أن تصميم النظام الشامل موضوع تقني إلى حد ما، فإن أفضل المباني الخضراء تقدم مثالًا واضحًا على بعض جوانب هذا المنهج؛ فالمصممون البيئيون اليوم يستغلون ضوء الشمس والحرارة والظل والتهوية المتوفرة طبيعيًّا في موقع البناء لتقليل استهلاك المبنى للموارد غير المتجددة، كما يصممون كل جزء من المبنى ليؤدي وظائف متعددة؛ فالجدار، على سبيل المثال، قد يوفر الدعم الهيكلي، ويعمل كمخزن للطاقة الشمسية، ويوجه التهوية الطبيعية، ويعكس ضوء النهار إلى حيث الحاجة. ويتطلب مثل هذا التصميم حلولًا مبتكرة لمشكلات مألوفة، لكنه يبدو صعبًا فقط لأنه لا يزال غير مألوف. إن مصممي المباني الخضراء بدؤوا للتو باستغلال قوة تصميم النظام الشامل، ومع ذلك فإنهم يحققون حصة متزايدة في سوق البناء التجاري والسكني.

يمكن تطبيق تصميم النظام الشامل على معظم التحديات التقنية في مجال التصميم، سواء كان ذلك في تطوير منتج، أو عملية صناعية، أو حتى نظام صناعي متكامل. ويمكن أن تكون وفورات التكاليف التشغيلية كبيرة؛ إذ تتراوح عادةً نسبة خفض استهلاك الطاقة بين 50% و80% في التصاميم الجديدة، وبين 10% و30% في عمليات التحديث (retrofits). أما تكاليف رأس المال فعادةً ما تكون مماثلة لتكاليف التصاميم التقليدية. غير أن تصميم النظام الشامل، بطبيعته، يتجاوز الحدود التنظيمية التقليدية؛ لذا فإن اتباع هذا النهج في التصميم يكون أكثر نجاحًا إذا تزامن مع دمج الاستدامة كقيمة مؤسسية حقيقية. فتبني هذه القيمة ضروري لإيجاد المرونة والمتابعة التنظيمية اللازمة للاستفادة الكبيرة من هذا النهج في التصميم.

٥. ابتكار نماذج الأعمال: ينطوي هذا الابتكار على إعادة تعريف نطاق الأعمال، وإعادة تصميم العمليات الداخلية، وتعديل العمليات ذات الصلة بالعملاء والموردين، وذلك بهدف تحقيق منافع اقتصادية وبيئية لأصحاب المصلحة. وغالبًا ما يكون تنفيذ ذلك أسهل بالنسبة للشركات الناشئة، إذ إن بعضها يتجاوز حاليًّا الابتكار التكنولوجي ليطور نماذج أعمال جديدة ومبتكرة تخدم قطاع الاستدامة المتنامي. ومع ذلك، سيتعين على الشركات القائمة في نهاية المطاف مواجهة هذا التحدي أيضًا، إذ إن ابتكار نماذج الأعمال المستدامة سيغير تدريجيًّا مشهد المنافسة.

ومن سبل الابتكار تحويل بيع المنتجات المادية إلى تقديم الخدمات؛ إذ يخلق نموذج الأعمال الخدمي حوافز للمصنّع لإعادة تصميم كل منتج بهدف تقليل استهلاك الموارد طوال دورة حياته، كما يشجع العملاء على شراء مقدار الاستخدام الذي يحتاجون إليه فعليًّا فقط. فعلى سبيل المثال، يمكن لمصنّع المواد الكيميائية أن يؤجر المواد الكيميائية السامة بدلًا من بيعها، ويقدم خدمات استرجاع المواد الكيميائية، وبذلك يحول دون وصولها إلى مجاري النفايات ويقلل من تكاليف الإنتاج. ونظرًا لأنّ نموذج الخدمة يتيح أيضًا إمكانات جديدة ومبتكرة لتلبية احتياجات العملاء التي تتجاوز ما توفره المنتجات مباشرة، فإن النتيجة النهائية قد تكون توسيع القيمة المضافة المقدمة للعملاء.

٦. تحول الرسالة: يدعو هذا المنظور الشركة إلى النظر بجدية في سؤالين بالغَي التحدي: أتخدم منتجاتها وخدماتها حقًّا تطوير رفاهية الإنسان العميقة وكرامته وأصالته، أم إنها تكتفي بالإسهام في توسيع نظام اقتصادي يعد الاستهلاك المادي الهدف الأسمى لوجود الإنسان؟ وهل يمكن أن تقود جهودها للحد من عدم الاستدامة في عملياتها في نهاية المطاف إلى تحقيق الاستدامة الحقيقية بالمعنى الشامل للنظم الطبيعية، أي الاستدامة القادرة على الاستمرار إلى ما لا نهاية دون الإضرار بالنظام البيئي؟

وهذا المنظور هو بلا شك الأكثر تحديًا من بين المنظورات الستة؛ إذ يتجاوز التساؤل عن كيفية عمل الشركة ليواجه مباشرة سبب وجودها ونوعية المجتمع الذي تنتمي إليه. ومعظم الشركات ليست مستعدة بعد لمواجهة هذه القضايا مباشرة، وكذلك معظم أفراد المجتمع الحديث. ومع ذلك، ستصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا تدريجيًّا مع مواجهة المجتمع، والشركات التي تخدمه، للتناقضات الكامنة في النظرة التقليدية التي تعد التنمية الاقتصادية هدفًا في حد ذاتها. وستكون الأفضلية التنافسية من نصيب أولئك الذين يدركون الإمكانات الكامنة في تحول الرسالة ويبدؤون بالتعلم النشط لكيفية التعامل معها.

مقالات ذات صلة