تيبو فيلين
السؤال الأكثر تكرارًا الذي يُطرح عليّ من قبل التنفيذيين هو: “ما الذي ينبغي أن تكون عليه استراتيجيتنا؟”، وغالبًا ما أجيب السائلين -على غير توقعهم- بأنهم لا ينبغي أن يوجّهوا هذا السؤال لي. وبصراحة، لا ينبغي لهم أيضًا أن يعتمدوا على إجابات من أي شخص خارج مؤسستهم.
لا شك أن هناك وفرة من المستشارين ذوي الأجور العالية المستعدين للإجابة عن الأسئلة الكبرى في مجال الاستراتيجية. كما يمكن العثور على نصائح حول “أفضل” الاستراتيجيات في عدد لا يُحصى من كتب الإدارة.
لكن ينبغي للمديرين أن يكونوا مستهلكين متشككين للنصائح الاستراتيجية الخارجية؛ فالنصائح الاستراتيجية الخارجية قد تكون مكلفة، وخاطئة في أحيان كثيرة. وفي أسوأ الأحوال، قد لا تتجاوز هذه النصائح عبارات عامة مبتذلة حول “استثمار الكفاءات الأساسية” أو “التآزر” (synergies).
ومع مرور الوقت، باتت أفضل مصادر الرؤى حول الاستراتيجية -وخاصة الاستراتيجية الخاصة بشركتك- كامنة داخل الشركة نفسها، بين موظفيها. ومن المفارقات أن الشركات كثيرًا ما تنفق موارد كبيرة على الاستشارات الخارجية بينما يُتجاهل الموظفون الذين يحملون أفضل الأفكار الاستراتيجية، فيغادرون الشركة.
تأمل شركة والت ديزني (The Walt Disney Co) في أوائل ثمانينيات القرن الماضي؛ ففي تلك الفترة، كان جون لاسيتير (John Lasseter) -وهو رسام رسوم متحركة شاب يعمل لدى ديزني- يدعو بإلحاح الشركة إلى أخذ الرسوم المتحركة بالحاسوب (computer animation) على محمل الجد. تاريخيًّا، كان تفوق ديزني يكمن في إنتاج أفلام الرسوم المتحركة والشخصيات الكرتونية، والتي كانت تستثمرها لاحقًا في حدائقها الترفيهية وترخيص المنتجات. شعر لاسيتير بأن تكنولوجيا الرسوم المتحركة الجديدة بالحاسوب ستكون محورية في مستقبل ديزني. لكن محاولات لاسيتير لإقناع الإدارة العليا بأهمية الرسوم المتحركة بالحاسوب لم تلقَ آذانًا صاغية، بل إنه في الواقع تم فصله من العمل.
غادر لاسيتير الشركة وانضم إلى مجموعة الرسوم الحاسوبية في لوكاس فيلم (Lucasfilm)؛ الشركة التي أصبحت لاحقًا بيكسار (Pixar). وبينما أوجد مايكل آيزنر (Michael Eisner) قيمة هائلة لشركة ديزني كرئيس تنفيذي على مدى عقدين من منتصف الثمانينيات حتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح من الواضح سريعًا أن الرسوم المتحركة بالحاسوب التي كان لاسيتير يدعو إليها كانت في الواقع محورية لمستقبل ديزني. حتى إن ديزني حاولت إغراء لاسيتير للعودة، لكن الأوان كان قد فات؛ فقد أصبحت بيكسار سريعًا قوة رائدة في مجال الرسوم المتحركة، تمامًا كما كانت ديزني سابقًا، وكان ينبغي أن تعود كذلك. وفي عام 2006م، أي بعد نحو عقدين، اشترت ديزني شركة بيكسار مقابل 7.4 مليار دولار، وأصبح لاسيتير الآن المدير الإبداعي الأول لكل من استوديوهات والت ديزني وبيكسار للرسوم المتحركة.
يمكن العثور على نمط مماثل -حيث “تغادر الاستراتيجية التالية الشركة”- في سياقات أخرى؛ فصناعة محركات الأقراص الصلبة (disk drive industry) -وهي السياق الذي اشتهر بفضل أعمال كلايتون إم. كريستنسن (Clayton M. Christensen) حول الابتكار التخريبي (disruptive innovation)- توضح هذه النقطة. ففي منتصف الثمانينيات، كانت شركة سيغيت تكنولوجي (Seagate Technology Inc.) من أكبر الشركات في هذا القطاع. بدأ الشريك المؤسس فينيس كونر (Finis Conner) يدعو سيغيت إلى التحول نحو إنتاج محركات أقراص أصغر حجمًا بدلًا من محاولة إرضاء العملاء الحاليين من خلال زيادة سعة التخزين في محركات الأقراص الأكبر. وبالتأكيد لم تكن الاستراتيجيتان متعارضتين بالضرورة، لكن سيغيت فضلت التركيز على محركات الأقراص الأكبر حجمًا.
غادر كونر الشركة وأسس شركة كونر بيريفيرالز (Conner Peripherals Inc.) في عام 1985م. وقد حققت كونر بيريفيرالز، التي ركزت على إنتاج المحركات الأصغر، نجاحًا شبه فوري، وكانت في ذلك الوقت أسرع شركة ناشئة في التصنيع تصل إلى أكثر من مليار دولار في المبيعات بنمو عضوي. وفي عام 1996م، استحوذت سيغيت على كونر بيريفيرالز مقابل نحو مليار دولار.
كما توضح هذه الأمثلة، فإن تنقل الموظفين -سواء تم فصلهم أو غادروا بمحض إرادتهم- يمكن عدّه مؤشرًا رئيسًا على آفاق الشركة المستقبلية. فإذا لم يشعر الموظفون بأنهم يُستمع إليهم في القرارات الاستراتيجية، فقد يغادرون ويأخذون استراتيجياتهم معهم. وفي حالتي ديزني وسيغيت، اضطرت الشركتان لاحقًا إلى اللجوء إلى عمليات استحواذ مكلفة من أجل، عمليًّا، “شراء” الاستراتيجيات التي حققها موظفوهم السابقون في أماكن أخرى.
إن فكرة أن الموظفين يجسدون الاستراتيجيات وقد يغادرون ببساطة ليست فكرة بعيدة المنال ولا جديدة كليًّا. فقد وضع الاقتصادي الراحل ألبرت أو. هيرشمان (Albert O. Hirschman) إطارًا بسيطًا لكنه قوي بعنوان “الخروج، والصوت، والولاء” (exit, voice, and loyalty) ليبرز فكرة أن أحد ردود الفعل على تدهور المنظمات هو خروج الموظفين منها. ويمكن توسيع حدس هيرشمان هذا وقلبه رأسًا على عقب، ليس فقط لفهم تراجع المؤسسات، بل أيضًا لاستيعاب استراتيجياتها ونموها. فمؤشر قوي على آفاق الشركة المستقبلية واستراتيجيتها وأدائها هو من ينضم إليها ومن يغادرها، ولماذا؛ لذا ينبغي ربط وظيفة الموارد البشرية (HR) بشكل وثيق باستراتيجية الشركة لضمان الاستماع إلى الموظفين.
دعِ الموظفين يصوتوا بأقدامهم
عندما يغادر الموظفون منظمة ما، فإنهم في جوهر الأمر يعلنون عن آرائهم من خلال “التصويت بأقدامهم”. ويمكن للشركات الذكية أن توظف المبدأ نفسه من خلال ابتكار آليات تتيح للموظفين التصويت بأقدامهم داخليًّا، دون الحاجة لمغادرة الشركة.
هذا ما تفعله شركة فالف كورب (Valve Corp.)، التي تتخذ من بلفيو بولاية واشنطن مقرًّا لها. فالشركة مسؤولة عن سلسلة من ألعاب الفيديو الناجحة (مثل “هاف-لايف” (Half-Life) و”بورتال” (Portal))، وفي الآونة الأخيرة عن منصة ستيم (Steam) الشهيرة للألعاب وتوزيعها رقميًّا. وقد تأسست فالف في عام 1996م على يد موظفين سابقين في شركة مايكروسوفت (Microsoft Corp.).
قرر مؤسسو شركة Valve منذ البداية أن تكون Valve من ذلك النوع من الشركات التي تعزز أصوات الموظفين بدلًا من كبتها. فقد وضعوا ممارسات تستثمر صراحة في قوة الموظفين حين يعبّرون عن آرائهم من خلال اختياراتهم العملية. تتيح Valve للموظفين إنشاء المشاريع أو الانضمام إليها بأنفسهم، بحيث يختارون المبادرات والفرص التي يرون -هم الموظفون لا المديرون- أنها الأكثر وعدًا. وفي دليل الموظفين الجدد، تطرح Valve سؤالًا على موظفيها للتأمل: “هل ثمة أمر ينبغي على Valve القيام به ولا تفعله؟”، وتخبر الشركة موظفيها: “الشركة بين أيديكم لتوجهوها”.
ولتشجيع الموظفين على استكشاف اتجاهات جديدة، اعتمدت Valve ممارسة بسيطة تُعرف بـ”قاعدة الثلاثة” (rule of three). فجوهر هذه القاعدة أنه إذا رأى ثلاثة من موظفي Valve أن مبادرة أو مشروعًا أو استراتيجية ما تستحق الجهد، فإن لهم الصلاحية لمتابعتها. ويضمن اشتراط أن يجذب صاحب الفكرة اثنين آخرين إلى المشروع أن تستفيد الشركة -ولو على نطاق ضيق- من ما يُعرف بـ”حكمة الجماهير.” وبوجه عام، حين ينظر موظفو Valve في ما إذا كان المشروع الجديد جديرًا بالاهتمام إلى حد قد يستدعي التخلي عن أنشطة أو مشاريع أخرى، فإنهم يصدرون أحكامًا مهمة قد تعود بالنفع على الشركة وأدائها.
وليست كل الشركات قادرة على منح موظفيها هذا القدر من الحرية في توجيه المسار الاستراتيجي كما تفعل Valve. كما أنه ليست كل الاستراتيجيات يمكن تنفيذها في الوقت ذاته. ومع ذلك، فإن منهج Valve يمكن أن يُستفاد منه بقوة في الشركات الأخرى، ولو بأشكال معدلة أو على نطاق أصغر.
ومهما يكن الأسلوب المتبع، فإن من الأهمية البالغة -من منظور استراتيجي- أن يُستمع إلى الموظفين. فغالبًا ما تنبع الاستراتيجية من الخطوط الأمامية حيث يتعامل الموظفون مع التقنيات والعملاء، وقد يكون كبار المديرين بعيدين عن هذه التفاعلات ـ وإن تجاهلوا رؤى الموظفين الاستراتيجية فإنهم يفعلون ذلك على مسؤولية المنظمة نفسها.
