القائمة الرئيسية

الآثار المتناقضة للتنوع

الآثار المتناقضة للتنوع
ملخص المقال

المقال يوضح أن أثر التنوع على أداء الأعمال ليس مطلقًا بل يعتمد على السياق، فدراسات واسعة أجرتها شبكة بحوث التنوع أظهرت أن التنوع العرقي أو النوعي قد يكون مفيدًا أو ضارًا حسب الثقافة التنظيمية، واستراتيجية العمل، وممارسات الموارد البشرية، ونهج الفرق في التعامل مع التنوع. فعلى سبيل المثال، عزز التنوع الأداء في المجموعات التي تبنت منظور “التكامل والتعلم” وركزت على الإنجاز الجماعي، بينما كان له أثر سلبي في المجموعات التنافسية أو التي تتجاهل دمج اختلافات الأعضاء. كما تبين أن قيادة الفرق وعوامل التدريب تلعب دورًا حاسمًا، وأن مجرد مطابقة تنوع القوى العاملة مع سوق الشركة لا يضمن نجاحًا تلقائيًا. لذلك، توصي الدراسة بضرورة تبني مقاربة أكثر دقة وتحليلية للتنوع، عبر التجريب الداخلي والتقييم، وربط برامج التنوع مباشرة بأداء الأعمال لتحقيق أقصى استفادة وتقليل الآثار السلبية.

ماري كواك

هل التنوع مفيد لأداء الأعمال؟ الجواب: الأمر يعتمد على الظروف.

هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه “شبكة بحوث التنوع” (Diversity Research Network)، وهي مجموعة من العلماء من ست جامعات، أتموا مؤخرًا أكبر دراسة ميدانية حول هذا الموضوع حتى الآن، وقد نُشر تقريرهم المعنون “آثار التنوع على أداء الأعمال: تقرير شبكة بحوث التنوع” في عدد ربيع 2003م من مجلة إدارة الموارد البشرية (Human Resource Management). وبعد دراسة متعمقة لأربع شركات من شركات فورتشن 500 (Fortune 500)، وجد الباحثون أن مجموعة من العوامل السياقية، من بينها ثقافة المنظمة واستراتيجيتها وممارساتها في إدارة الموارد البشرية، تساهم في تحديد ما إذا كان التنوع يعزز الأداء أم يضعفه.

وفي أول دراسة حالة، التي شملت شركة لمعالجة المعلومات يعمل فيها أكثر من ستة وعشرين ألف موظف، وجدت الأستاذة كارين جيهن (Karen Jehn) والمحاضرة كاترينا بيزروكوفا (Katerina Bezrukova) من كلية وارتون (Wharton School) في جامعة بنسلفانيا، أن التنوع العرقي كان مرتبطًا بالأداء الضعيف في الوحدات التجارية التي اشتركت في ثلاث سمات: ثقافة تنظيمية تنافسية، واستراتيجية عمل تركز على النمو، وممارسات للموارد البشرية تركز على صقل المهارات المتعلقة بالوظيفة، غير أن هذه العلاقة اختفت عندما شجعت المجموعات على الإنجاز الجماعي، وأولت الاستقرار أو العلاقات مع العملاء أهمية أكبر من النمو، واستخدمت فرص التدريب لغرس القيم المتعلقة بالتنوع بين الموظفين.

وبالمثل، أشارت دراسة أجراها الأستاذ المشارك روبين إيلي (Robin Ely) والأستاذ ديفيد توماس (David Thomas)، وكلاهما من كلية هارفارد للأعمال (Harvard Business School)، إلى أن كيفية تعامل المجموعات مع التنوع لا تقل أهمية عن درجة التنوع نفسها. واستنادًا إلى استطلاعات الموظفين وبيانات المبيعات ورضا العملاء التي جُمعت من 480 فرعًا للبيع بالتجزئة للشركة، خلص إيلي وتوماس إلى أن التنوع العرقي عزز الأداء في الوحدات التي تعاملت مع التنوع، كونه موردًا للابتكار والتعلم. أما في المجموعات التي لم تظهر أي دليل على ما أطلق عليه إيلي وتوماس “منظور التكامل والتعلم” (integration-and-learning perspective)، فعادة ما كان للتنوع أثر سلبي.

وقد كانت هذه الآثار ملموسة، فعندما ركز إيلي وتوماس على الفروع التي كان فيها عدد الموظفين البيض وغير البيض متساويًا، وجدا أن المجموعات التي تبنت نهج التكامل والتعلم تفوقت، في المتوسط، على الوحدات التي تفتقر إلى هذا المنظور بنسبة 37%. علاوة على ذلك، فقد تفوقت هذه المجموعات ذات الأداء العالي على الفروع المتجانسة عرقيًّا بفارق يقارب 30%. (وفي جميع الحالات، قِيسَ الأداء بناءً على أهداف محددة لكل فرع، مما أتاح للباحثين التحكم في العوامل المحلية التي قد تؤثر في المبيعات ورضا العملاء، مثل ثراء المجتمع المحيط).

أما الدراسة الثالثة، التي أجرتها سوزان جاكسون (Susan Jackson)، أستاذة إدارة الموارد البشرية في جامعة روتجرز (Rutgers University)، وأبارنا جوشي (Aparna Joshi)، الأستاذة المساعدة في معهد علاقات العمل والصناعة بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين (University of Illinois at Urbana-Champaign)، فقد حددت قادة الفرق كعامل إضافي يؤثر في العلاقة بين التنوع والأداء. وبعد تحليل فرق المبيعات في شركة كبيرة أخرى لمعالجة المعلومات، تبين أن التنوع العرقي كان مرتبطًا بالأداء المتفوق، عندما كان يقود الفرق أفراد من الأقليات، لا عندما كان المديرون من البيض. غير أن النمط المعاكس ظهر عندما عُرّف التنوع من حيث النوع الاجتماعي لا العرق أو الإثنية؛ فزيادة التنوع، التي تعني هنا نسبة أعلى من الموظفات، ارتبطت بالأداء الضعيف للفرق التي تقودها نساء، وليس للفرق التي يقودها رجال.

وقد وجدت الدراستان الأوليان أيضًا أن للتنوع في النوع الاجتماعي والعرق تأثيرات مختلفة. فعلى سبيل المثال، أفادت جيهن وبيزروكوفا أن التنوع في النوع الاجتماعي كان له أثر إيجابي على عمليات المجموعات ومن ثم على الأداء، في حين كان للتنوع العرقي آثار سلبية، إلا إذا رافقه تدريب مكثف في تطوير المسار المهني وإدارة التنوع.

ويقول توماس كوشان (Thomas Kochan) من كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT’s Sloan School of Management)، منسق المشروع متعدد السنوات، إن هذه النتائج مجتمعة تؤكد أهمية تطوير فهم أكثر دقة لكيفية تأثير أشكال التنوع المختلفة على طريقة عمل الناس. كما تشير إلى ضرورة تجاوز الرؤية المبسطة لـ”مبرر الأعمال” (business case) للتنوع، فأنصار هذا الرأي، الذي اكتسب شهرة في تسعينيات القرن العشرين، يرون أن التنوع يفيد الشركات من خلال تعزيز أداء الفرق، وزيادة قدرتها على خدمة قاعدة متنوعة من العملاء. لكن كما تظهر هذه التحليلات، فإن تأثير التنوع على إنتاجية الفرق قد يكون إيجابيًّا أو سلبيًّا. بل إن الدراسة الرابعة وهي الأخيرة للمشروع، تشير إلى أن مجرد مطابقة القوى العاملة في الشركة مع سوقها، لا تزيد بالضرورة من فرص النجاح، فبعد تحليل بيانات من سلسلة تجزئة وطنية، لم يجد ديفيد ليفين (David Levine) وجوناثان ليونارد (Jonathan Leonard) -كلاهما أستاذ في كلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي (Haas School of Business, University of California, Berkeley)، وأبارنا جوشي- أي دليل على أن معظم العملاء يهتمون بما إذا كان من يخدمهم من الجنس أو العرق نفسه.

وعليه، خلص أعضاء شبكة بحوث التنوع، إلى أنه قد آن الأوان لإعادة صياغة شروط النقاش حول التنوع. فلا جدوى من الاستمرار في التساؤل عما إذا كان أثر التنوع بطبيعته إيجابيًّا أم سلبيًّا. وبدلًا من ذلك، ينبغي على المديرين والباحثين على حدٍّ سواء أن يدركوا أن التنوع قد أصبح حقيقة اجتماعية لا مفر منها، وأن يسعوا إلى تحقيق أقصى استفادة منه مع الحد من آثاره السلبية. ويمكن للشركات أن تعمل لتحقيق هذا الهدف، من خلال دعم التجريب الداخلي والتقييم، في حين ينبغي لمديري الموارد البشرية أن يركزوا على تطوير أدوات تحليلية، تحدد الروابط بين البرامج المحددة وأداء الأعمال التجارية.

ويشير كوتشان (Kochan) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، إلى أن قلة من المؤسسات في الوقت الراهن قادرة على مواجهة هذا التحدي، رغم أن مجموعة صغيرة من الشركات التي تلتزم بعمق بقضية التنوع (ومن بينها الجهات الأربع التي تناولتها الدراسة)، قد تكون متقدمة على غيرها. ويشرح قائلًا: “إن المديرين عمومًا لا يفكرون في التنوع بالأسلوب التحليلي نفسه الذي يتبعونه عند التفكير في الاستثمارات المالية، أو المنتجات الجديدة، أو التقنيات، أو حتى رأس المال البشري على نحو متزايد”، ونتيجة لذلك، كثيرًا ما تهدر الشركات الأموال على مبادرات غير مدروسة لا طائل منها، أو قد تكون مضرة. ويلاحظ كوتشان: “إن نواياهم تسير في الاتجاه الصحيح، لكنهم لم يتخذوا الخطوة التالية المتمثلة في تخصيص مواردهم بالطريقة التي تحقق أقصى عائد ممكن”، ويضيف: “إنهم لا يعلمون حتى ما إذا كانوا يخصصون مواردهم بشكل فعال، لذا؛ فإن الطريق لا يزال طويلًا جدًّا أمامهم”.

مقالات ذات صلة