مارتن ريفز، وسيمون ليفين، ويوهان د. هارنوس، ودايتشي أويدا
يجد قادة الأعمال أنفسهم بنسبة متزايدة في مناطق غير مألوفة تتسم بمستويات عالية من عدم اليقين وعدم الاستقرار، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وتغير الحقائق السياسية. لقد تضاعف عدم اليقين في السياسات الاقتصادية العالمية ثلاث مرات منذ عام 2000م ولا يزال يتسارع. تشير أبحاثنا إلى أن عدم اليقين المنهجي هذا يتغلغل في عملية اتخاذ القرار داخل الشركات. أصبحت الشركات أكثر عرضة من أي وقت مضى للتأثيرات الاقتصادية والسياسية، وأصبحت تقلبات أدائها تُعزى بشكل متزايد إلى عوامل غير تنافسية. تؤثر هذه الظاهرة في جميع اللاعبين في مختلف الصناعات، وفي الحالات القصوى، قد تهدد بقاءهم ذاته.
خذ صناعة البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة كمثال، على مدى العقود الماضية، نجحت شركات مثل Walmart وThe Gap Inc وغيرهما في لعب لعبة الموازنة العالمية للتكاليف، مستفيدة من فروقات تكاليف العمالة، وانخفاض الحواجز التجارية، وتقدم تكنولوجيا المعلومات (IT). كما نعلم اليوم، فإن مثل هذه الاستراتيجيات في التوريد أطلقت تأثيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية، بلغت ذروتها في ردود فعل سياسية قوية. يواجه تجار التجزئة الآن احتمال فرض ضريبة تعديل حدودية، والتي إذا طُبقت، فقد تمحو نسبة كبيرة من أرباح هذه الصناعة.
الأمثلة كثيرة ولا تقتصر على الولايات المتحدة. تأمّل شركات الخدمات العامة في أوروبا، حيث قللت الشركات من شأن الطلب الاجتماعي والدعم السياسي الناتج للطاقة المتجددة. فقدت أكبر عشر شركات أوروبية للطاقة 40% من قيمتها السوقية منذ ذروتها في عام 2007م، وخسرت أكبر ثلاث شركات ما يصل إلى 75%.
إن القوى السياسية والاقتصادية الكلية تشكل بيئة الأعمال كما لم يحدث من قبل، وتنعكس آثار ذلك على استراتيجيات الشركات وقيادتها انعكاسًا عميقًا.
الحاجة إلى تغيير في المنظور
نعتقد أن قادة الأعمال بحاجة إلى نموذج ذهني جديد لفهم التداخل المعقد بين الشركات والاقتصادات والمجتمعات بشكل أفضل، ولتحقيق ذلك، يجب عليهم تحويل تركيزهم إلى الأنظمة التجارية والاجتماعية الواسعة التي تحتضن شركاتهم؛ هذه الأنظمة هي أنظمة متكيفة معقدة متداخلة: أنظمة متعددة المستويات، ومترابطة، وديناميكية، تستضيف تفاعلات محلية يمكن أن تؤدي إلى تأثيرات عالمية غير متوقعة، والعكس صحيح. إن الاعتراف بعدم القدرة على التنبؤ، وعدم الخطية، ودائرية علاقات السبب والنتيجة ضمن هذه الأنظمة يمثل خروجًا ملحوظًا عن النماذج الخطية البسيطة التي يقوم عليها التفكير الإداري التقليدي الآلي.
كيف يبدو النظام البيئي المتداخل؟ الشركات جزء من صناعات وأسواق —أنظمة بيئية تجارية— متجذرة في اقتصادات محلية ووطنية، والتي بدورها تتداخل مع المجتمعات. التغيرات في المستويات الدنيا (على سبيل المثال، ممارسات التوريد لدى تجار التجزئة الأمريكيين) تؤثر في الأنظمة ذات المستوى الأعلى (مثل القيمة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية لمهارات التصنيع في المجتمع)، والتي تعيد تشكيل السياسات (مثل اقتراحات الضرائب الحدودية)، ومن ثم مصائر الأنظمة الفرعية؛ أي الشركات. سيساعد النموذج الذهني الجديد المستند إلى الأنظمة القيادية الرائدة على فهم تشكيل هذه الديناميكيات المرتدة وتكييفها ضمن حدودها، ونراه شرطًا أساسيًّا للحفاظ على الميزة التنافسية.
نموذج قيادي جديد
يحتاج قادة الأعمال إلى إتقان فن تشكيل الأنظمة، لا مجرد العمل ضمنها. وهذا يعني عدم الاكتفاء بتوسيع نطاق اللعبة الحالية، التي تركز عادة على الشركة والموارد التي تسيطر عليها والمنافسين والموردين والعملاء المباشرين، بل يحتاجون إلى مجموعة جديدة تمامًا من الأولويات والقدرات. يمكن للقادة اتخاذ هذه الخطوات الخمس لتشكيل النظام الموسع الذي يشاركون فيه مشاركة فعالة.
١. الملاحظة والفهم للنظام الأوسع: أولًا، يحتاج القادة إلى وضع أعمالهم ذهنيًّا ضمن سياق نظام أوسع يشمل المستهلكين، والشركاء في النظام البيئي، والمؤسسات الإعلامية، وصانعي السياسات. وهذا يعني فهم اللاعبين الرئيسين ومصالحهم، ورسم العلاقات المهمة بينهم. غالبًا، لا تظهر الفرص والتهديدات أمام الأعمال إلا عند النظر إلى النظام الأوسع خارج حدود الصناعة التقليدية.
تعد صناعة الموسيقا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مثالًا كلاسيكيًّا لما يحدث عندما يفشل قادة الأعمال في رؤية الصورة الشاملة للنظام البيئي. واجهت شركات التسجيلات منافسة رقمية جديدة أدخلتها في دوامة هبوطية، ولم تستطع حشد استجابة منهجية للخروج منها. وفي النهاية، كان على شخصية خارج الصناعة، مؤسس شركة Apple Inc. ستيف جوبز، أن يقود شركات التسجيلات الكبرى جميعها تقريبًا إلى منصة واحدة، ويفتح بذلك طريقًا قابلًا للحياة نحو إيرادات رقمية جديدة.
٢. إتقان فن التدخل في النظام: بعد ذلك، ينبغي للقادة أن يتعلموا كيفية التدخل بفعالية في النظام التكيفي المعقد. من الأخطاء الإدارية الشائعة أن يقتصر المرء على نقاط النفوذ المباشرة فحسب، بل إن النقاط غير المباشرة، التي تبدو أكثر ليونة، غالبًا ما توفر نفوذًا أكبر في الأنظمة المعقدة. مثال على ذلك: حملة “Intel Inside” (إنتل إنسايد). قبل أن تغير شركة Intel Corp. (إنتل كوربوريشن) رسائلها التسويقية في تسعينيات القرن العشرين، كان مصنعو الشرائح يروجون منتجاتهم فقط للمستخدمين المباشرين، أي مهندسي التصميم لدى شركات تصنيع الحواسيب، ولكن مع نضوج السوق، أصبحت الشرائح مهددة بأن تتحول إلى سلعة متداولة بلا تميز. ومن خلال اكتشاف نقطة نفوذ غير مباشرة لكنها أكثر قوة، وهي المستهلك النهائي، استطاعت إنتل تغيير الدور الذي يؤديه مصنعو الشرائح في سلسلة قيمة تقنية المعلومات (IT value chain)، وتبوّأت مكانة قيادية في الصناعة، وفي تلك العملية، نمت قيمة إنتل بأكثر من أربعين ضعفًا.
٣. تنظيم التعاون داخل النظام: القيادة في النظام تتطلب تحقيق التوازن بين الاحتياجات المتعارضة غالبًا بين الشركات وبين النظام الأوسع الذي تشكله هذه الشركات، ولتحقيق ذلك، يجب على القادة تعزيز روح التعاون والثقة المتبادلة بين الشركات. وفي التطبيق العملي، لا يكفي أن يقدم القائد نموذجًا للسلوك الصحيح من خلال خلق قيمة للنظام ككل، بل يجب أيضًا أن يكشف بفاعلية عن مصادر التوتر داخل النظام ويعمل على حلها؛ فالصراعات النشطة، مثل تلك التي تحدث بين المنظمات غير الحكومية والشركات الكبرى التي تخدم شرائح متشابهة من المجتمع، يمكن أن تؤدي إلى تبادل معلومات ونشاطات مثمرة؛ فهذه التفاعلات، رغم ما تسببه من ضغط، تساعد عادة كلا الطرفين على تحسين قيمة ما يقدمونه وتوضيحها، في حين يؤدي التوتر غير المكشوف إلى زيادة خطر حدوث اضطرابات أعمق في المستقبل. فالنظم الصحية تتطلب التعاون، وكذلك بعض الصراعات الصغيرة القابلة للإدارة.
٤. استشراف وإدارة المخاطر على مستوى النظام بأسره: نظرًا لتزايد الترابط والاعتماد المتبادل بين الشركات، فإن كثيرًا من المخاطر المؤسسية تظهر أمام النظام بأسره وليس أمام شركات منفردة. ولإدارة هذه المخاطر الشاملة للنظام، يجب أن يكون القادة قادرين على اكتشاف التهديدات المحتملة لصحة النظام، وأن يتحلوا بالشجاعة لتغيير الممارسات تغييرًا استباقيًّا لتجنب تلك المخاطر. وهذا يعني أنهم بحاجة إلى أداء دور الهوائيات التي تلتقط الإشارات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية المتغيرة، وتوضيح المخاطر التي تجلبها هذه التطورات، وكذلك العمل كمحفزين لدفع الأطراف الأخرى في النظام إلى تبني سلوكات جديدة، حتى إذا لم تكن الفوائد المباشرة لشركاتهم واضحة أو فورية.
خذ على سبيل المثال معاناة صناعة الكتب المدرسية في الولايات المتحدة؛ فبعض مشكلاتها النظامية ناتجة عن الاستبدال التكنولوجي، لكن التحدي الأكثر جوهرية يكمن في أن القطاع بأكمله ظل غير متأثر بإشارات التحذير المستمرة حول افتقاره للانفتاح وممارساته التسعيرية المتقادمة. ونتيجة لذلك، تواجه الصناعة الآن منافسة واستبدالات متعددة، بدءًا من المجلات مفتوحة الوصول إلى الدورات التعليمية المفتوحة عبر الإنترنت (massive open online courses).
٥. القيادة بعقلية جديدة: لا يستطيع القادة الاعتماد فقط على السلطة الرسمية أو التسلسل الإداري عند العمل على نظامهم، بل عليهم أن يستفيدوا من أساليب القيادة غير الرسمية التي يمكن أن تتجاوز الحدود التنظيمية. لقد لاحظنا أن بعض القادة يعتمدون على قدراتهم الاستشرافية الفائقة لممارسة القيادة الفكرية في الصناعة؛ في حين يستفيد آخرون من قدرتهم على الجمع بين الأطراف وبناء علاقات قائمة على الثقة. وفي نهاية المطاف، تعمل هذه الإجراءات على تحويل القيادة من موقع السلطة إلى نشاط يخلق تأثيرًا أوسع. ويتطلب هذا التحول، في جوهره، تغييرًا في العقلية من التفكير في نماذج اختزالية لأداء الشركة نحو نماذج أكثر شمولية لأداء النظام. أولئك الذين ينجحون في تحقيق هذا التحول سيخلقون ميزة لشركاتهم وللنظام البيئي الأوسع الذي ينتمون إليه.
المراجع
1.See, for example, the Global Economic Policy Uncertainty Index at http://policyuncertainty.com.
2.See M. Reeves and J. Harnoss, “The Business of Business Is No Longer Just Business,” June 6, 2017, www.bcg.com.
3.BCG analysis comparing the relative performance effects of noncompetitive factors (political/regulatory exposure) and competitive factors (e.g., profitability, EBIT [earnings before interest and taxes] margin). The importance of noncompetitive factors has increased relative to competitive ones (from 0.4x to 0.6x) and even exceeds competitive factors in financial services (~1.4x).
4.See M. Reeves and J. Rose, “Rethinking Your Supply Chain in an Era of Protectionism,” March 22, 2017, www.hbr.org.
5.BCG analysis based on S&P CapitalIQ.
6.BCG analysis based on S&P CapitalIQ. Intel share price grew from $0.81 to ~$34.20 (end of June 2017).
