باربرا إتش. ويكسوم وجين دبليو. روس
إنّ امتلاك كَمٍّ وافرٍ من البيانات لم يعد أمرًا فريدًا في عالم اليوم، بل إنّ البيانات نفسها أضحت سلعةً متداولة. غير أنّ القدرة على تحقيق الربح من البيانات بفاعلية لا مجرد تكديسها قد تكون مصدرًا للتفوق التنافسي في الاقتصاد الرقمي.
تستطيع الشركات أن تسلك ثلاثة مسالك لتحقيق الربح من بياناتها: (١) تحسين العمليات الداخلية واتخاذ القرارات، (٢) إحاطة المنتجات والخدمات الأساسية بالمعلومات، و(٣) بيع العروض المعلوماتية للأسواق الجديدة والقائمة. وهذه المسالك تختلف اختلافًا بيّنًا في نوعية القدرات والالتزامات التي تتطلبها، بيد أنّ كلًّا منها يمثل فرصة مهمّة للشركة كي تبرز في سوقها.
نظريًّا، يمكن للشركات أن تتبع أكثر من مسلك واحد لتحقيق الربح من البيانات في آن معًا. أمّا عمليًّا، فإنّ اعتماد كل مسلك يتطلب التزامًا إداريًّا بإحداث تغييرات تنظيمية محددة، وترقية مُوجَّهة في تقنيات الإدارة والبيانات. ومن ثمّ، فإنّ الأفضل تحديد الفرصة الأكثر وعدًا، والبدء منها. وبذلك، ستعزز بياناتك على نحو يسرّع الجهود اللاحقة المتعلقة بالمسالك الأخرى. والأهم من ذلك، ستبني قدرة شركتك على تحقيق الربح من بياناتها.
تحسين العمليات الداخلية
إنّ استخدام البيانات لتحسين العمليات التشغيلية وجودة اتخاذ القرار قد لا يكون المسار الأكثر جذبًا لتحقيق الربح من البيانات، لكنه الأكثر إلحاحًا وأثرًا. فكثيرًا ما يستهين المديرون بالعوائد المالية التي يمكن جنيها عبر استخدام البيانات لإيجاد كفاءات تشغيلية. وتظهر النتائج الإيجابية حينما توضع البيانات والتحليلات بين يدي الموظفين المخولين باتخاذ القرارات، كمن يتعامل مع العملاء، أو يشرف على تطوير المنتجات، أو يدير العمليات الإنتاجية؛ فبفضل الرؤى المستندة إلى البيانات وقواعد القرار الواضحة، يستطيع الأفراد تقديم خدمات أكثر جدوى، وتقييم وتلبية متطلبات العملاء بشكل أفضل، وتحسين الإنتاج.
حين تولّى ساتيا ناديلا منصب الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت في شهر شباط سنة ٢٠١٤م، حثّ الموظفين على ابتكار سبل لتحسين عمليات الشركة عبر البيانات. وفي قسم المبيعات، اعتقد القادة أنّه، مع الأدوات والأنظمة المناسبة، يمكنهم رفع إنتاجية مندوبي المبيعات بنسبة ٣٠٪. ولتحقيق ذلك، سعى قادة المبيعات إلى نشر أدوات تعين مندوبيهم على قضاء مزيد من وقتهم في التواصل مع العملاء وبطرق أكثر فاعلية من خلال تزويدهم برؤى محسوبة رئيسة، مثل احتمالية إغلاق الصفقة وتوقيتها.
ولتحقيق رؤى قابلة للتنفيذ، كان على مديري المبيعات أولًا أن يحددوا مفاهيم مشتركة (مثلًا: ما المقصود بـ”العميل المحتمل”). ثم كان عليهم تحديد مصادر البيانات التي يمكن استخدامها لحساب الأداء. وسرعان ما أدركوا أنّ بيانات المبيعات متفرقة في أنظمة شتى، ما يصعب تكوين صورة شاملة عن أعمال مندوب المبيعات. وخلال عام، أنشؤوا نظامًا جديدًا متكاملًا للعملاء يتيح رؤية شاملة (٣٦٠ درجة) لعلاقات مايكروسوفت مع عملائها من الشركات، ويشمل ما اشتروه، وما واجهوه من مشكلات، وكيفية تفاعل الشركة معهم.
وقد وفر النظام الجديد بين عشر إلى خمس عشرة دقيقة في كل فرصة مبيعات، إذ لم يعد مندوبو مايكروسوفت بحاجة للبحث اليدوي عن البيانات وتحضيرها، كما أعان النظام مديري المبيعات على إدارة قنواتهم بدقة أكبر؛ إذ استخدم التحليلات التنبُّئِية وتعلم الآلة لحساب احتمالية نجاح الصفقة بناءً على بيانات يقدمها المندوب عن الفرصة. فمثلًا، شراء البرمجيات المؤسسية ونشرها أمر معقد وغالبًا ما يتطلب شريكًا، لذا قد يحتسب النظام احتمالية نجاح أعلى حين يكون العميل قد أشرك شريكًا بالفعل. وقد أعانت هذه المعلومات، إلى جانب الاقتراحات حول كيفية دفع الصفقة عبر القناة، مندوبي المبيعات على ترتيب أولويات العملاء المحتملين والتصرف بما يعزز فرص تحقيق أهدافهم. ومع مرور الوقت، تعلَّم مندوبو مايكروسوفت التنبؤ بدقة أكبر (فقد ارتفعت دقة التنبؤ بالحسابات العالمية من ٥٥٪ إلى ٧٠٪)، ما أدى إلى بيانات أفضل لقنوات البيع، وبالتالي إدارة أفضل لها.
إحاطة المنتجات بالمعلومات
لدى معظم الشركات فرص قد تكون كبيرة أحيانًا لإثراء منتجاتها وخدماتها وتجارب عملائها بالبيانات والتحليلات، وهو ما نطلق عليه “الإحاطة”؛ فالشركات تحيط عروضها بالمعلومات لتفادي التحول إلى سلع، وإرضاء العملاء المتطلبين على نحو متزايد، سعيًا لزيادة المبيعات، ورفع الأسعار، وتعميق ولاء العملاء. وقد كانت شركة فيديكس مثالًا مبكرًا على الإحاطة حين قدمت خدمة تتبع الطرود عبر الإنترنت مجانًا في تسعينيات القرن الماضي. واليوم، تتكاثر الأمثلة مع قيام الشركات بدمج التقارير والتنبيهات والمعلومات الأخرى لإضفاء قيمة على منتجات تتراوح من بطاقات الائتمان إلى أجهزة مراقبة الصحة.
إن تقديم خدمات مكمّلة (Wrapping) هو تمرين إبداعي تسعى فيه الشركات إلى تحديد المشكلات التي يعاني منها عملاؤها، ثم تبحث عن سبل لحل تلك المشكلات من خلال البيانات والتحليلات. فعلى سبيل المثال، أدركت شركة “كابيتال ون فاينانشال كورب”، وهي بنك متنوع مقره ماكلين بولاية فرجينيا، أن كثيرًا من حاملي بطاقاتها الائتمانية يساورهم القلق من المعاملات الاحتيالية، إلا أنهم يجدون فحص كل عملية شراء أمرًا مرهقًا. لذا عمدت الشركة إلى تسهيل مهمة كشف الاحتيال على العملاء، فعرضت شعارات التجار وخرائط مواقعهم مع كل معاملة في كشوف الحساب الإلكترونية، فصارت هذه الإشارات البصرية تثير ذاكرة حاملي البطاقات حول ما إذا كانوا قد أجروا عملية الشراء أم لا. ونتيجة لذلك، ازداد رضا العملاء عن البطاقة الائتمانية، وأصبحوا أكثر إقبالًا على استخدامها.
وقد أدركت شركة “جونسون آند جونسون” قيمة تزويد مستخدمي منتجاتها الصحية، ومنهم مرضى السكري، بأدوات التعرف إلى الأنماط. فهي تقدم لعملاء جهاز “ون تاتش فيريو سينك ميتر” تقارير تاريخية عن مستويات الجلوكوز في الدم، مع أدوات تساعدهم على فهم أنماط التغيرات. والغرض من هذه التقارير أن تعين العملاء على تحديد الأسباب المحتملة لتقلب مستويات الجلوكوز، ومن ثم التعرف إلى التغييرات السلوكية التي تفضي إلى حياة أكثر صحة.
ويحسن النظر إلى أنشطة تقديم خدمات مكمّلة باعتبارها امتدادًا لعمليات إدارة المنتجات في الشركة، أي أن تقدم البيانات والتحليلات للعملاء بجودة تماثل جودة المنتج الأساسي، ويتطلب ذلك مستويات مماثلة من التدقيق والسيطرة. وأكثر الشركات لا تدير ولا تستطيع تقديم البيانات والتحليلات بهذه الكيفية، بل إن كشف البيانات للعملاء قد يفضي إلى إبراز مشكلات في الجودة وقصور في التحليل. لذا، غالبًا ما يتعين على الشركات أن “ترتقي بقدراتها المعلوماتية” حتى لا يضر تقديم خدمات مكمّلة بسمعتها أو يقوض عرضها للقيمة. وقد يستلزم ذلك استثمارًا كبيرًا في برامج جودة البيانات، أو منصات الحوسبة المتقدمة (مثل هادوب)، أو استقطاب المواهب في علم البيانات.
بيع البيانات
كثير من التنفيذيين يتوقون إلى بيع بيانات شركاتهم، مقتنعين بأن لها قيمة ذاتية، ويمكن أن تدر إيرادات جديدة مهمة. غير أننا نحذر من أن البيع هو أصعب سبل تحقيق الدخل من البيانات، إذ يتطلب نموذج عمل فريدًا لا تتوافر له الجاهزية في معظم الشركات. ومع ذلك، فقد يتحقق منه نفع كبير في الظروف المناسبة.
فشركة “ستيت ستريت كورب”، ومقرها بوسطن في ولاية ماساتشوستس، هي شركة خدمات مالية بلغت إيراداتها في عام 2015م عشرة مليارات وأربعمئة مليون دولار. وهي تقدم منتجات وخدمات للمستثمرين المؤسسيين مثل صناديق الاستثمار وخطط التقاعد للشركات والقطاع العام وشركات التأمين. وفي عام 2013م، أعلنت “ستيت ستريت” عن إنشاء قسم جديد للأعمال المعلوماتية باسم “ستيت ستريت جلوبال إكستشينج”، يجمع بين قدراتها القائمة في البيانات والتحليلات وبين بحوث جديدة لتطوير حلول معلوماتية يرغب العملاء في شرائها بمعزل عن الخدمات الأساسية للشركة. وقد أنشأت الشركة هذا القسم الجديد إدراكًا منها لاحتياجات نموذج العمل الفريد، وهو أمر لم تفعله منذ ثلاثين عامًا.
ورغم أن القسم بدأ كوحدة منفصلة، فقد ركز “ستيت ستريت جلوبال إكستشينج” على تطوير منتجات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأعمال الشركة الأساسية. فمثلًا، تعد “ستيت ستريت” من أكبر مديري أصول الأسهم الخاصة، ما يعني أنها تجمع بيانات عن رؤوس الأموال المالية غير المدرجة في الأسواق العامة، وهذه البيانات ذات قيمة عالية للأسواق التي تتطلب تصويرًا دقيقًا لصناعة الأسهم الخاصة. وقد أدركت “ستيت ستريت جلوبال إكستشينج” أن البيانات لا تدر الدخل تلقائيًّا. فاستأذن التنفيذيون ثلاثة آلاف عميل من عملاء الأسهم الخاصة في تجميع تلك البيانات وإخفاء هويتها، ثم أنشؤوا مؤشرًا يعكس الأداء المالي لصناعة الأسهم الخاصة.
وأدرك قادة “ستيت ستريت” أنهم بحاجة إلى نموذج تشغيلي جديد كليًّا لدعم الأعمال المعلوماتية؛ فمسارات البيع، على سبيل المثال، كان لا بد أن تتغير، إذ كثيرًا ما كان مشتري منتجات “جلوبال إكستشينج” شخصًا أو مركز تكلفة مختلفًا عن مشتري المنتجات التقليدية للشركة. كما أن العمل المعلوماتي تطلب مندوبي مبيعات ذوي خبرة ومهارات مختلفة في بيع المنتجات المستقلة المعتمدة على البيانات والتحليلات.
وقد فهمت “ستيت ستريت” أن إنشاء عمل معلوماتي أمر عسير ويحتاج إلى وقت، وكان على “ستيت ستريت جلوبال إكستشينج” أن تتعلم تحقيق التوازن بين الحفاظ على الروابط الرئيسية مع الشركة الأم (للاستفادة من كونها جزءًا من كيان أكبر) والاستجابة السريعة للأسواق والاحتياجات الجديدة، ويعتقد التنفيذيون أن “ستيت ستريت جلوبال إكستشينج” تحقق تقدمًا ملحوظًا مع عملائها، وأن التزامهم سيؤتي ثماره، ولكننا نحذر من أن مثل هذا النموذج ليس من السهل تكراره، وينبغي للشركات الأخرى أن تتدبر مليًّا القدرات التشغيلية والاستثمار والالتزام اللازم لنجاح بيع البيانات.
أهمية المساءلة
من المرجح أن ثمة عائقين رئيسيين أمام تحقيق الدخل من بياناتك: أولهما سهولة الوصول إلى بياناتك وجودتها. فقد أظهرت أبحاثنا أن نحو ربع الشركات فقط تتيح للموظفين والعملاء سهولة الوصول إلى البيانات الأكثر احتياجًا إليها، ولا يمكن تحقيق الدخل من بيانات لا يستطيع أحد استخدامها.
العقبة الثانية هي غياب المساءلة: فجميع المناهج الثلاثة لتحقيق الربح من البيانات تتطلب قادة ملتزمين قادرين على توجيه سلوك الموظفين نحو تقديم قيمة جديدة مهمة.
وقد يميل المرء إلى معالجة مشكلة جودة البيانات أولًا عبر استثمارات ضخمة في بنية تحتية جديدة، غير أننا نقترح أن معالجة مسألة المساءلة ستخلق شعورًا بالإلحاح والالتزام بمعالجة قضايا جودة البيانات، ولهذا نوصي بالبدء من هناك.
إن تحقيق الربح من البيانات عبر تحسين العمليات يتطلب قادة أقوياء في إدارة العمليات. فهؤلاء القادة يستخدمون البيانات منهجيًّا لتحليل نتائج العمليات القائمة واختبار الفرضيات حول التحسينات المقترحة. فعلى سبيل المثال، في شركة مايكروسوفت، عهد مديرو المبيعات إلى أشخاص بعينهم بإعادة تشكيل وتثبيت أساليب جديدة للبيع. وهؤلاء القادة مسؤولون في نهاية المطاف عن تصميم أفضل الممارسات، وجمع البيانات الصحيحة، وتوفير الأدوات، وتدريب جميع الموظفين على كيفية استخدام البيانات في أداء مهمّاتهم.
أما تحقيق الربح من البيانات عبر تغليف المنتجات، فيتطلب قادة أقوياء في إدارة المنتجات؛ فهؤلاء القادة يتعاملون مع البيانات المصاحبة للمنتج أو الخدمة الأساسية كما يتعاملون مع أي ابتكار آخر في المنتج، فيخضعونها لمعايير الجودة نفسها. ففي شركة كابيتال ون، يدرك قادة المنتجات قيمة إضافة خاصية بيانات أو تحليلات إلى بطاقة الائتمان، إذ يتنبؤون ثم يتتبعون الزيادة في الإيرادات الناتجة عن تلك المعلومات، فضلًا على تكلفة تقديمها، ويجمع قادة المنتجات فرقًا لتصميم التجارب والمنهجيات التي تساعد على تحليل آثار ميزات المعلومات وإجراء التعديلات المناسبة.
أما تحقيق الربح من البيانات عبر بيعها، فيتطلب قائدًا قويًّا لوحدة الأعمال، وهذا القائد يجب عليه أن يجمع فريقًا قادرًا على إطلاق وتنمية خط عمل جديد بالنسبة لمعظم الشركات، ويبدأ رئيس هذا العمل بضمان قيمة البيانات والخدمات المرتبطة بها للعملاء المحتملين، غير أن رئيس العمل وفريقه يجب عليهم أيضًا تصميم البيانات والتحليلات ولوحات المتابعة لمراقبة الأعمال وتمكين الاستجابة السريعة للفرص التجارية الجديدة.
وكل من استراتيجيات تحقيق الربح من البيانات تتطلب عمليات ومهارات وثقافات جديدة لتحقيق أقصى العوائد، وقد تعلمت الشركات ذات الخبرة في تحقيق الربح من البيانات أن مجرد وضع البيانات والأدوات في أيدي الموظفين ليس كافيًا؛ فقد قامت مايكروسوفت بتنقيح الأهداف، وتنظيف البيانات، وتحسين التقارير والخوارزميات، وتنمية المواهب، وتغيير العادات. وأعادت كابيتال ون وجونسون آند جونسون تشكيل المواهب والمنصات والقدرات في إدارة المنتجات. وأعادت ستيت ستريت تصميم منظمتها وابتكرت صيغة ربح جديدة تحقق إيرادات مستقلة من المعلومات.
إن النتائج المبهرة لتحقيق الربح من البيانات لا تنشأ من لحظات إدراك مفاجئة، بل هي ثمرة استراتيجية واضحة لتحقيق الربح من البيانات، مقرونة بالاستثمار والالتزام.
