القائمة الرئيسية

خلق قيمة للأعمال من خلال التحليلات

خلق قيمة للأعمال من خلال التحليلات
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على التحول الهائل في حجم البيانات العالمية، من الزيتابايت إلى اليوتتابايت وما بعدها، وما يترتب على ذلك من تحديات للمؤسسات في إدارة واستخدام هذه البيانات. يؤكد على أن النجاح في خلق ميزة تنافسية عبر التحليلات لا يعتمد فقط على الأدوات أو الخبرة التقنية، بل على ثقافة مؤسسية قوية موجهة بالبيانات، وإدارة متقنة للمعلومات، وخبرة تحليلية عميقة. ويبين المقال وجود نهجين رئيسيين للمؤسسات المتقدمة: المؤسسات التعاونية التي تركز على دمج المعلومات عبر المؤسسة، والمؤسسات المتخصصة التي تعمّق التحليلات داخل أقسام معينة. أمثلة مثل كارماكس وBT توضح كيف يمكن للتحليلات تحسين العمليات اليومية والاستراتيجية، بينما يشدد المقال على أهمية تقييم المؤسسات لنقاط قوتها وضعفها واختيار النهج المناسب لزيادة القيمة من التحليلات، مع الانتباه للتحديات المستقبلية في عصر البيانات الضخمة.

ديفيد كيرون وريبيكا شوكلي

توقعت عدة شركات تكنولوجية بارزة مؤخرًا أن زيتابايت zettabyte من البيانات ستتدفق قريبًا عبر الإنترنت.

يثير هذا عدة أسئلة مهمة، منها: ما الزيتابايت؟ الجواب: كمية هائلة من البيانات، تعادل تقريبًا المعلومات الموجودة في 100 مليون مكتبة كونغرس.

مقياس البيانات الكبير التالي بعد الزيتابايت هو اليوتتابايت yottabyte. لم يُسمَّ على اسم شخصية من حرب النجوم. وصف حجم اليوتتابايت يجعلك تبدو كطفل في الخامسة من عمره: “تعرف، إنه ألف تريليون مليار بايت…”. سيستغرق تحميل ملف بحجم يوتتابايت مليارات السنين بسرعات الإنترنت ذات النطاق العريض الحالية.

إذا استمر نمو حركة الإنترنت بالمعدلات الحالية، فمن المحتمل أن نقترب من علامة اليوتتابايت قبل نهاية هذا القرن. في تلك اللحظة أو، على الأرجح، قبل ذلك بكثير، سيتعين علينا اختراع كلمات جديدة لما سيأتي بعد ذلك. المؤسسة الدولية للتوحيد القياسي واللجنة الكهروتقنية الدولية —الجهتان الرسميتان لتسمية هذا النوع من الأمور— ليست لديهما كلمات لأجزاء بيانات بهذا الحجم.

ليست مشكلة صغيرة حين تعجز الكلمات عن التعبير عن ضخامة العالم، فعندما تعجز المفاهيم القديمة عن مواكبة التغير، تصبح التقاليد والتجارب السابقة غير كافية لإرشادنا لما يجب فعله بعد ذلك، وعندما تتفكك الروابط المعتادة بين المعرفة والحكمة العملية، تظهر فجوة وتتغير طرق الوصول إلى الحكمة.

بالنسبة للمديرين، تزداد الضغوط لإيجاد طرائق جديدة للتعامل مع جزئهم من الزيتابايت؛ لتطوير أنظمة إدارة قائمة على البيانات تُمكّنهم من فهم الكم الهائل من البيانات التي تُنتجها مؤسساتهم. الاتجاه المتزايد نحو استخدام التحليلات في الأعمال مدفوع بالحاجة —والقدرة— على استخدام البيانات لخلق؛ ليس فقط قيمة للأعمال، بل أيضًا ميزة تنافسية.

أحد مؤشرات هذا الاتجاه؛ هذا العام، قال 58% من أكثر من 4,500 مشارك في استبانة أجرتها مجلة إم آي تي سلون مانجمنت ريفيو MIT SMRبالشراكة مع معهد IBM لقيمة الأعمال، إن شركاتهم تحقق قيمة تنافسية من التحليلات — ارتفاعًا من 37% فقط قالوا ذلك العام الماضي. (انظر قسم “حول البحث” و”التحليلات كمصدر للميزة التنافسية”.) مع ذلك، يأتي هذا التقدم بالكامل من الشركات التي تستخدم تحليلات البيانات بالفعل لأكثر من التنبؤ المالي، وإعداد الميزانيات، وإدارة سلسلة التوريد؛ وهي الاستخدامات الأساسية للتحليلات في مؤسسات اليوم. أما الشركات التي لا تزال تركز فقط على الاستخدامات الأساسية للتحليلات، فهي تتخلف عن الركب.

حول البحث

لتعميق فهمنا للتحديات والفرص المرتبطة باستخدام تحليلات الأعمال، أجرت مجلة إم آي تي سلون مانجمنت ريفيو MIT SMR، بالشراكة مع معهد IBM لقيمة الأعمال، للسنة الثانية على التوالي، استبانة شارك فيها أكثر من 4,500 من التنفيذيين والمديرين والمحللين من مؤسسات حول العالم. شهدت استبانة هذا العام زيادة بنسبة 50% في عدد المشاركين، ما وسع تحليلنا ليشمل أفرادًا من 122 دولة وأكثر من 30 صناعة. كما تراوحت أحجام المؤسسات المشاركة على نطاق واسع. شمل المشاركون خريجي معهد إم آي تي، ومشتركي إم آي تي سلون مانجمنت ريفيو، وعملاء IBM وأطرافًا مهتمة أخرى.

بالإضافة إلى نتائج الاستبانة هذه، أجرينا مقابلات مع خبراء أكاديميين ومتخصصين في عدد من الصناعات والتخصصات، لفهم القضايا العملية التي تواجهها المؤسسات اليوم في استخدامها للتحليلات. أسهمت رؤى من أجرينا معهم المقابلات في فهم أعمق للبيانات وتطوير توصيات تستجيب للأسئلة الاستراتيجية والتكتيكية التي يتعامل معها التنفيذيون في أثناء تنفيذ التحليلات في مؤسساتهم. كما اعتمدنا على عدد من دراسات الحالة لتوضيح كيف تستخدم المؤسسات تحليلات الأعمال كأصل تنافسي.

في هذا المقال، يشير مصطلح “التحليلات” إلى استخدام البيانات والرؤى التجارية ذات الصلة التي تُطوَّر من خلال التخصصات التحليلية التطبيقية (مثل النماذج الإحصائية، والسياقية، والكمية، والتنبؤية، والمعرفية وغيرها)، لدعم التخطيط، واتخاذ القرار، والتنفيذ، والإدارة، والقياس، والتعلم القائم على الحقائق. باستخدام الفئات التي طورناها في السنة الأولى من دراستنا الاستقصائية، صنّفنا مؤسسات المشاركين في استبانة هذا العام إلى ثلاثة مستويات من الكفاءة التحليلية المبلغ عنها: الطموحون، وذوو الخبرة، والمتحولون. الشركات الطموحة هي مستخدمون أساسيون للتحليلات؛ فهي غالبًا ما تعتمد على التحليلات في الإدارة المالية وإدارة سلسلة التوريد، وتستخدم بشكل أساسي جداول البيانات والبيانات المنظمة والمعزولة التي تدعم الأنشطة المستهدفة. بالإضافة إلى هذه الاستخدامات الأساسية، تعتمد الشركات ذات الخبرة على التحليلات لتوجيه الاستراتيجية، وكذلك الأنشطة اليومية في التسويق والعمليات. هذه المجموعة لديها أيضًا خبرة في أدوات التحليل؛ مثل تصور البيانات وتقنيات النمذجة المتقدمة، وفي بعض المؤسسات، تجري جهود دمج البيانات. أما الشركات المتحولة فهي مستخدمون أقوياء ومتقدمون للتحليلات، فهي تعتمد على التحليلات في معظم الأنشطة لتوجيه كل من العمليات اليومية والاستراتيجية، وتوفر بيانات المؤسسة رؤية متكاملة للأعمال، وتشمل تركيزًا متزايدًا على البيانات غير المهيكلة. عادةً ما تستخدم الشركات المتحولة مجموعة شاملة من الأدوات لدعم النمذجة التحليلية المتقدمة.

في استبانة عام 2011م، ارتفعت نسبة المؤسسات ذات الخبرة والمتحولة التي أبلغت عن تحقيق ميزة تنافسية من خلال التحليلات بشكل كبير، في حين تراجعت نسبة الطموحين بنسبة 5%. (انظر: “من يحقق ميزة تنافسية من التحليلات”). وجود فجوة متزايدة ليس سوى جزء من قصة هذا العام. لقد ألقينا أيضًا نظرة دقيقة على كيفية استخدام الشركات ذات الخبرة للتحليلات لخلق ميزة تنافسية، واكتشفنا في هذه العملية نهجين مختلفين للغاية للتحليلات. يحتاج المديرون إلى فهم هذه الاختلافات لتحديد نوع مستخدم التحليلات الذي تنتمي إليه مؤسستهم، وما يمكنهم فعله لتحسين جهودهم التحليلية.

أهمية العوامل المؤسسية

هل المؤسسات التي تخصص موارد وقدرات أكثر لتحليل احتياطيات بياناتها تحقق وضعًا أفضل، مع تساوي العوامل الأخرى؟

يقول المنطق السليم: “بالتأكيد!”، لكن ما الذي يجعل هذه الموارد والقدرات الموجهة نحو التحليلات تخلق قيمة؟ وماذا يمكن أن تفعل الشركات التي لا تمتلك بالفعل هذه الموارد والقدرات لجني فوائد التحليلات؟ كلا السؤالين له إجابات مفاجئة.

أولًا، الأمر ليس كله متعلقًا بالأدوات أو بوجود الأشخاص المناسبين لتحليل البيانات. في الواقع، تشير أبحاثنا إلى أن العوامل المؤسسية هي مؤشرات مهمة على ما إذا كانت المؤسسة ستتمكن من خلق ميزة تنافسية باستخدام التحليلات. وفقًا لاستبانتنا، غالبًا ما يصف المديرون الذين يقولون إن مؤسساتهم هي الأكثر نجاحًا في التحليلات، شركاتهم بأنها تحظى بدعم إداري للتحليلات في جميع أنحاء المؤسسة، بما في ذلك تفويضات من الأعلى إلى الأسفل، ورعاة ومناصرون؛ وأنها منفتحة على التغيير والأفكار الجديدة؛ ولديها تركيز موحد على العميل مدفوع بالتحليلات؛ وتستخدم التحليلات لتحديد التهديدات الاستراتيجية للمؤسسة والتعامل معها.

في الواقع، عادةً ما يتمتع أكثر مستخدمي التحليلات تقدمًا بثقافة قوية موجهة نحو البيانات تدعم وتوجه استخدام التحليلات. إن امتلاك المزيج الصحيح من الأدوات والبيانات والأشخاص، رغم ضرورته، غالبًا ما لا يكون كافيًا حسب بياناتنا، فمن دون التزامات ثقافية قوية، يمكن بسهولة تقويض أو إفشال نجاح برنامج التحليلات.

لكن هذا النوع من الثقافة لا يأتي بسهولة. إن تغيير طريقة تفكير الناس وتفاعلهم بعضهم مع بعض وأدائهم لوظائفهم، أمر صعب، وأصعب بكثير من تطوير الخبرة التقنية وراء تعقيد التحليلات. كان المستجيبون أكثر من ضعفي المرجح أن يعدوا التحديات المؤسسية صعبة الحل (44%) بدلًا من سهلة (21%). وقد وجدت المؤسسات المتحولة طرائق للتعامل مع هذه القضايا المؤسسية. أقل من ثلث المستجيبين من المؤسسات المتحولة (30%) يعدون القضايا المؤسسية صعبة الحل، مقارنة بثلاثة من كل خمسة مستجيبين من المؤسسات الطموح (60%).

التحليلات التنافسية

تستخدم المؤسسات التي تجاوزت التحليلات الأساسية —أي المستخدمون المتحولون وذوو الخبرة— التحليلات استخدامًا غير متناسب للتركيز على المستقبل، وعلى العميل، وعلى زيادة الكفاءة بعمق ونطاق أكبر من الطموحين.

تميل الشركات المتحولة إلى امتلاك ثقافة موجهة نحو البيانات، بالإضافة إلى الكفاءة في مجالين: إدارة المعلومات والخبرة التحليلية. كلا هذين المجالين يتطلب قدرات وموارد تتجاوز ما يُستَثمَر عادةً في التحليلات الأساسية. معًا، تعزز الثقافة الموجهة نحو البيانات، وإدارة المعلومات، والخبرة التحليلية ما نسميه التحليلات التنافسية؛ وهي التحليلات التي تحقق ميزة في السوق. الغالبية العظمى من المؤسسات المتحولة تظهر مستوى من الإتقان في كل من هذه المجالات. كيف يبدو التحليل التنافسي في الممارسة العملية؟ لنأخذ حالة شركة كارماكس كمثال. بإيرادات بلغت 9 مليارات دولار في عام 2011م، تُعد كارماكس أكبر بائع تجزئة متخصص في السيارات المستعملة في الولايات المتحدة، وكانت في وقت من الأوقات أسرع شركة تجزئة في تاريخ الولايات المتحدة تصل إلى مليار دولار من الإيرادات. كيف حدث ذلك؟ على الرغم من أن هناك عدة عوامل أدت دورًا، بما في ذلك عرض العملاء الجذاب –أسعار ثابتة من دون مساومة وضمانات جودة مدعومة بفحص من 125 نقطة أصبحتا معيارين في الصناعة– وذراع تمويل مربحة، فإن نموذج أعمال كارماكس يعتمد على نظام معلومات خاص يقوم بجمع وتحليل وتفسير ونشر البيانات المتعلقة بالسيارات التي تبيعها وتشتريها كارماكس.

تساعد تحليلات بيانات كارماكس في تتبع “كل عملية شراء، وعدد اختبارات القيادة، وطلبات الائتمان لكل سيارة، وتفضيلات الألوان في كل فئة سكانية ومنطقة”، كما تقول كاثرين دبليو. كيني، نائبة رئيس علاقات المستثمرين في كارماكس. خلف الكواليس، يوفر نظام المتاجر الخاص بكارماكس للإدارة معلومات فورية عن كل جانب من جوانب عمليات المتجر؛ مثل إدارة المخزون، والتسعير، ونقل المركبات، والمزادات بالجملة وإنتاجية مستشاري المبيعات. يوفر هذا النظام المتقدم لإدارة المخزون للشركة، القدرة على توقع احتياجات المخزون المستقبلية وإدارة التسعير. وتواصل كارماكس تحسين وتطوير أنظمة المعلومات الخاصة بها، والتي تعتقد أنها ميزة تنافسية أساسية.

ثلاثة عناصر لثقافة موجهة بالبيانات

وفقًا لأبحاثنا، فإن الثقافة الموجهة بالبيانات على مستوى المؤسسة لها ثلاث خصائص رئيسة:

  1. يُستخدم التحليل كأصل استراتيجي.
  2. تدعم الإدارة التحليلات في جميع أنحاء المؤسسة.
  3. تتوفر الرؤى على نطاق واسع لمن يحتاجون إليها. (انظر “العناصر الرئيسة لثقافة موجهة بالبيانات” لنسبة المؤسسات المتحولة التي تمتلك هذه الخصائص).

نعني بالثقافة نمطًا من الممارسات والسلوكات والمعايير المنتظمة حول مجموعة من الأهداف والمعتقدات المشتركة. الثقافة الموجهة بالبيانات هي نمط من السلوكات والممارسات لمجموعة من الأشخاص (في قسم أو خط أعمال أو مؤسسة) يشتركون في الاعتقاد بأن امتلاك وفهم واستخدام أنواع معينة من البيانات يؤدي دورًا حاسمًا في نجاح أعمالهم. تتم مواءمة قواعد السلوك الصريحة والمعايير ومبادئ الاستخدام والحوافز لدعم هذه الأنماط.

قد يختلف دور الثقافة الموجهة بالبيانات؛ فقد تكون البيانات والتحليلات في صميم العمليات اليومية للمؤسسة (كما هي الحال مع كارماكس). أو قد تكون على قدم المساواة مع ثقافات أخرى تسود في المؤسسة، متعايشة بشكل مريح أو غير مريح مع غيرها. منذ بداياتها، استخدمت صحيفة هافينغتون بوست الإلكترونية، التي شاركت في تأسيسها أريانا هافينغتون في عام 2005م، وبيعت لشركة AOL مقابل 315 مليون دولار في عام 2011م، التحليلات لتتبع شعبية قصصها ومدوناتها ومحتواها الآخر؛ حيث تقوم بنقل أو تعديل أو إزالة المحتوى في الوقت الفعلي، حسبما يلقى صدى أكبر لدى القراء. قبل اندماجها مع AOL، بدأت هافينغتون بوست بتوظيف صحفيين من صحف تقليدية لم تكن تستخدم مثل هذه الأدوات، ولكي تنجح، كان على الصحيفة الإلكترونية إدارة صدام محتمل بين ثقافتها الموجهة بالبيانات، وثقافة موظفيها الجدد.

قد تختلف الطريق إلى الثقافة الموجهة بالبيانات؛ ففي بعض الحالات، قد توجد هذه الثقافة منذ بدايات المؤسسة؛ لكن في الغالب، تتطور الثقافة الموجهة بالبيانات مع مرور الوقت. هكذا وصف أحد التنفيذيين كيف أصبحت ثقافة مؤسسته أكثر توجهًا نحو البيانات:

“ما أراه، من منظور مؤسسي، هو تركيز أكبر على فهم ما تخبرنا به البيانات من أجل استخدام الموارد بأكثر الطرق كفاءة وفاعلية ممكنة. كانت لدى الناس فرضيات أو استراتيجيات يرغبون في اتباعها من خلال الأرقام، كانوا يحللونها كميًّا، ولكن في الغالب، ما لم يكن هناك اختلاف صارخ بين الفرضية والتحليلات، كان الناس يتبعون استراتيجياتهم ما دامت متوافقة مع متطلباتنا القانونية والمؤسسية. هذا الأمر بدأ يختفي، لأننا وصلنا إلى نقطة لا يمكننا فيها تجاهل أي بيانات تخبرنا عن فاعلية استراتيجيات أعمالنا”.

أسس الكفاءة التحليلية

بالإضافة إلى إنشاء ثقافة موجهة بالبيانات، يجب على المؤسسات التي تتفوق في استخدام التحليلات لتحقيق ميزة تنافسية، أن تتقن كفاءتين أخريين: إدارة المعلومات والخبرة التحليلية. من دون إتقان قويٍّ في كل منهما، ستفتقر أي ثقافة موجهة بالبيانات إلى الدعامات الأساسية، وستكون عرضة للتغيرات المؤسسية والاقتصادية. الثقافة، وإدارة المعلومات، والخبرة التحليلية، يعزز بعضها بعضًا تعزيزًا متبادلًا.

يتطلب بناء هذه الكفاءات وقتًا، ولكل منها تحدياته الخاصة. تُبنَى الخبرة التحليلية من خلال المواهب والأدوات والتكنولوجيا، في حين تُبنى أجندة إدارة المعلومات القوية من خلال حوكمة بيانات قوية، وممارسات إدارة بيانات، والقدرة على إيصال المعلومات الصحيحة إلى الأشخاص المناسبين في الوقت المناسب.

أظهر تحليلنا لردود المؤسسات المتحولة، التي تشكل 24% من جميع المشاركين، أن غالبية هذه المؤسسات قوية في كلتا الكفاءتين.

سؤال طبيعي قد يطرح نفسه: أي كفاءة يجب أن يبدأ المدير بمعالجتها أولًا؟ للإجابة عن هذا السؤال، درسنا أنماط الاستجابة من عينة ممثلة تضم 1200 مستخدم ذي خبرة، باستخدام مجموعة من الأسئلة الرئيسة ضمن الاستبانة، ووجدنا أنه لا يوجد تطور “نموذجي” متسلسل للكفاءات والثقافة.

ومن المثير للاهتمام أن هذا الفحص المتعمق كشف عن أنماط تظهر أن معظم المؤسسات ذات الخبرة تتبع أحد نهجين مميزين في التحليلات. أقل من نصف هذه المؤسسات يتبع نهجًا يركز على تطوير كفاءتها في إدارة المعلومات، مع تركيز الانتباه على إنشاء منصة معلوماتية على مستوى المؤسسة، لدعم الاستخدام الواسع والمتسق للتحليلات؛ نطلق على هذه المؤسسات اسم المؤسسات التعاونية. من ناحية أخرى، يركز أكثر قليلًا من النصف على بناء خبرتهم التحليلية. من خلال هذا النهج المتخصص الذي يركز على خط أعمال أو وظيفة معينة في التحليلات، يعمل القادة على تعميق المهارات التحليلية داخل أقسام العمليات والمالية والتسويق لتحسين وتوقع عمليات الأعمال المحددة. نطلق على هذه المؤسسات اسم المؤسسات المتخصصة.

المؤسسات التعاونية تركز على إدارة المعلومات

اتبعت المؤسسات التعاونية والمتخصصة نهجًا مختلفًا في إنشاء كفاءة إدارة المعلومات، والتي تتضمن عادة منصة تحليلية متكاملة واحدة تشارك البيانات عبر خطوط الإنتاج والقنوات الوظيفية. طورت العديد من المؤسسات التعاونية قدرات تُمكّن من إنشاء البيانات، ومشاركتها عبر الأقسام وكسر الحواجز بينها. وتبلغ نسبة المؤسسات التعاونية، التي تركز على المؤسسة ككل والتي أبلغت عن ممارسات ومهارات قوية في تكامل البيانات، ضعف نسبة المستخدمين المتخصصين.

يمكن أن تكون لهذا التكامل فوائد مهمة. فعلى سبيل المثال، قبل عدة سنوات، عندما كانت شركة BT البريطانية (المعروفة سابقًا باسم بريتيش تيليكوم) تتحول من شركة هاتفية إلى شركة اتصالات عريضة النطاق في القرن الحادي والعشرين، كانت لديها أنظمة بيانات متطورة، ولكن ضعيفة التكامل بين الوظائف. كانت خدمة العملاء لديهم سيئة السمعة، حيث كان يُنظر إلى سرعة إتمام مكالمات خدمة العملاء، على أنها أكثر أهمية في بعض الأقسام من حل مشكلة العميل. من خلال ربط قواعد بياناتها المنفصلة، وإنشاء حوافز إدارية متعلقة بالاتصالات عريضة النطاق، وتنمية ثقافة جديدة من التعاون بين الوظائف، تمكنت الشركة من تحسين خدمة العملاء بشكل كبير. وفي أقل من عامين، نما عدد عملاء خدمات الإنترنت عريضة النطاق لدى BT من مليون إلى خمسة ملايين عميل.

المؤسسات التعاونية أكثر احتمالًا بثلاث مرات لاستخدام التحليلات لتوجيه الاستراتيجيات المستقبلية مقارنة بالمؤسسات المتخصصة، كما أنها تتحول للاعتماد على التحليلات في العمليات اليومية بمعدل ضعف المؤسسات المتخصصة. كما أن المؤسسات التعاونية أكثر من ضعف احتمال إيصال الرؤى إلى الموظفين الذين يتعاملون مع العملاء مباشرة لتعزيز المبيعات والإنتاجية، وضعف احتمال تزويد أي شخص في المؤسسة بالرؤى التي يحتاج إليها.

المؤسسات المتخصصة تركز على خبرة التحليلات

من ناحية أخرى، قامت العديد من المؤسسات التي تتبع نهجًا متخصصًا، بتعميق مهاراتها التحليلية إلى ما هو أبعد من الجداول الحسابية الأساسية والتصورات البصرية؛ فهي تطبق تقنيات النمذجة المتقدمة على البيانات لإنشاء محاكاة ونماذج أولية، وسيناريوهات لفهم أفضل لكيفية تأثير التغيرات —سواء من الاستثمارات الداخلية أو القوى الخارجية— على العمليات ونمو الإيرادات وتكاليف التشغيل. تساعد هذه التقنيات التحليلية التنبؤية المديرين في فهم ما هو محتمل حدوثه بدلًا من الاكتفاء بمعرفة ما هو ممكن فقط.

روبرت جوبى، نائب رئيس إعادة تصميم العمليات في شركة مكيسون، موزع الأدوية في أمريكا الشمالية، يطور نظام بيانات يتعقب كل عنصر في سلسلة توريد توزيع الأدوية:

إنه يمنحنا نموذجًا للعملية بأكملها. معظم النماذج هي تبسيط للعالم المادي، عليك أن تأمل في أن تكون الافتراضات صحيحة. ما يجعل هذا النموذج مختلفًا أنه ليس تبسيطًا، إنه يحتوي على جميع التعقيدات وجميع بيانات واقعنا، وما يفعله هو أنه يسمح لنا بإعادة صياغة التاريخ. إذا أردنا إجراء سيناريوهات حول تغييرات في سياساتنا أو هيكلنا أو أي سيناريوهات لدينا، يمكننا تشغيل تلك السيناريوهات ونعيد تصور كيف كان يمكن أن يبدو العام الماضي في ظل ذلك السيناريو التشغيلي المختلف. هذا يسمح لنا بأن نرى، على الأقل في إعادة صياغة التاريخ، ما الذي كان يمكن أن يكون ذا قيمة لنا لو فعلنا ذلك في الماضي. إنه يسمح لنا بقياس تأثير إجراء تغييرات جوهرية في عملياتنا بتفصيل دقيق للغاية.

كذلك، بدأت غالبية المؤسسات المتخصصة التي ركزت على بناء أساسها الوظيفي في أتمتة المهام باستخدام خوارزميات معقدة تتراوح من تطوير التقارير الروتينية إلى التحليل البياني المعقد. ويستفيد ما يقرب من نصف هذه المجموعة من الخوارزميات لتحسين أنشطة مثل تفاعلات مراكز الاتصال وأنظمة المخزون. بالنسبة لبعض الشركات، يمكن أن يؤدي بناء خبرة في التحليلات إلى نتائج كبيرة. تستخدم مكيسون البيانات والتحليلات لدفع الكفاءة في كل جزء من سلسلة القيمة الخاصة بها، من تقديم الطلبات إلى التنفيذ والشحن والتسليم؛ حيث تعدّ التحليلات جزءًا أساسيًّا من الأنشطة اليومية، حسب جوبى، إذا سألت الناس بشكل عام عن مدى جودة الجودة، فسيقولون إن 99% جيدة. ولكن عندما تكون لديك 110 مليارات دولار، فإن 1% من 110 مليارات دولار تعادل 1.1 مليار دولار؛ إذن 99% ليست جيدة بما فيه الكفاية. أما 99.9% فهي تعادل 100 مليون دولار. وما زالت ليست جيدة بما فيه الكفاية. عندما تتحدث عن هذا المستوى من الدقة الذي تحتاج إلى تحقيقه، عليك الاعتماد على البيانات والتحليلات. نحن نحمل، في أي وقت، مخزونًا بقيمة تقارب 8 مليارات دولار. لذا، خلال عام واحد، ستكون هناك شطوبات في المخزون يمكن عدّها بالملايين، وليس بمئات الملايين.

لذا، فإن الكفاءة التي تتعامل معها أولًا تعتمد على نوع الشركة التي تديرها، ونوع الصناعة التي تعمل بها، ونوع الشركة التي ترغب في أن تصبح عليها.

ماذا يعني ذلك لشركتك؟

ماذا يعني كل هذا لمؤسستك؟ إذا كنت جديدًا نسبيًّا في مجال التحليلات التنافسية، فإن اختيار المسار الذي يجب اتخاذه يعتمد إلى حد كبير على ثقافة اتخاذ القرار في مؤسستك. المديرون والتنفيذيون المتوسطون الذين يواجهون غالبًا مقاومة من التنفيذيين الكبار تجاه الأفكار الجديدة أو التغييرات في الوضع الراهن قد يخلقون زخمًا أكبر من خلال اتباع نهج متخصص، وتوسيع استخدام التحليلات ضمن أقسامهم أو وظائفهم —سواء لمعالجة قضايا أعمال جديدة، أو باستخدام أدوات أكثر تقدمًا— وذلك لخلق إثبات للقيمة لجذب انتباه الإدارة العليا. لكنّ المديرين والتنفيذيين المتوسطين الذين يستجيب مديروهم الكبار بشكل جيد للمبادرة والابتكار والإبداع، يمكنهم قيادة التوجه نحو نهج تعاوني على مستوى المؤسسة.

مسألة القيمة

يجب أن يُقارَن أي ادعاء بأن كل دولار يُنفق على التحليلات، سيحقق قيمة معينة مع الاستخدامات البديلة لهذا الدولار. هل سيحقق هذا الدولار نفسه إذا استُثمر في مكان آخر قيمة أكبر أم أقل؟ وعلى مدى أي إطار زمني؟ بشكل أعم، هل لدى الشركة أو خط الأعمال، الموارد والإمكانات للاستفادة من الاستثمار المالي في التحليلات؟

لقد أجرينا مقابلة مع قائد مجموعة دعم تحليلات مركزية في شركة تصنيع بريطانية تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات. بعد أن استعرض الفوائد القيمة التي قدمتها مجموعته لمؤسسته، سألناه لماذا لم تكن مجموعته المكونة من تسعة أعضاء أكبر. كان جوابه محبطًا: “إنه أمر محبط للغاية، ولكن هذا هو الواقع الذي نعيشه”. إثبات القيمة لا يعني بالضرورة أن التحليلات ستصبح أولوية إذا كانت هناك أولويات أخرى أكثر قيمة.

ففي ظل أي ظروف تضع الشركات قيمة عالية على القيمة التجارية للتحليلات؟ على مستوى المؤسسة، يمكن أن تساعد التحليلات في تقليل التكاليف، وتحسين الجودة، أو كليهما، لكن هل كانت الشركة تنظر إلى البيانات والتحليلات وتستثمر فيهما كأصول استراتيجية تساعدها في تحقيق هذه الأهداف، يعتمد على الأسئلة التي يطرحها القادة والإمكانات التي يسعون إلى تطويرها. ووفقًا للدكتور ديفيد كروتر، نائب رئيس العمليات التجارية في الولايات المتحدة لدى شركة فايزر:

أنا في الواقع أعتقد أن مسألة الإنفاق في غير محلها. السؤال ليس كم من المال ننفق على البيانات والتحليلات؛ السؤال هو كم القيمة التي نحصل عليها من البيانات والتحليلات؟ إذا كانت القيمة الفعلية التي تحصل عليها تتجاوز التكلفة، فإن النظرية المالية تقول: “نعم، افعل ذلك، واصل القيام بذلك”. إذا لم يكن الأمر كذلك، فليس بالضرورة أن يكون السؤال هل نقطعها. السؤال هو: ماذا يمكننا أن نفعل للحصول على قيمة أكبر منها؟ لكن الواقع أن هناك تركيزًا مكثفًا في الوقت الحالي على التكلفة. إثبات قيمة التحليلات بشكل مستمر هو جزء من بناء الدعم المؤسسي. أعتقد أن هناك مدرستين فكريتين حول هذا الموضوع؛ إحداهما من الأعلى إلى الأسفل، والأخرى من الأسفل إلى الأعلى، أظن أنه كليهما صالح، لكنني أظن فقط أنهما يتطلبان نهجين مختلفين.

إذا كنت جزءًا من مؤسسة ذات خبرة تشارك بالفعل في التحليلات التنافسية، فإن تحديد المسار الذي تسلكه يتطلب تقييمًا صادقًا لنقاط القوة والضعف في مؤسستك فيما يتعلق بثقافة التوجه نحو البيانات، وإدارة المعلومات، وخبرة التحليلات. قد يكون تحقيق ثقافة قوية موجهة نحو البيانات، أكثر صعوبة بالنسبة للمؤسسات المتخصصة مقارنة بالمؤسسات التعاونية. لماذا؟ لأن المؤسسات التعاونية قد تعاملت بالفعل مع العقبات المؤسسية الصعبة التي غالبًا ما تحدث عند بناء منصة تحليلات على مستوى المؤسسة، وتميل العقبات المؤسسية إلى أن تكون أكثر صعوبة من التحديات التكنولوجية التي تواجه المؤسسات التعاونية.

أما المؤسسات المتحولة فيجب أن تكون على وعي عميق بالتحديات الصناعية الناشئة عن البيئة الرقمية المتواصلة دائمًا. يجب أن تفهم كيف تؤثر البيئة الرقمية الحالية في موظفيها وعملائها وشركائها، الآن وفي المستقبل. ويتطلب ذلك اليقظة في رصد التحديات وتوقعات العملاء التي بدأت تظهر، أو لم يُتَعامَل معها بالكامل من قبل. يجب فهم واستكشاف أشكال جديدة من التعاون مع العملاء والشركاء. ومع اقترابنا من عصر الزيتابايت، حتى تلك الشركات التي تمتلك أكثر القدرات التحليلية تقدمًا، لا يمكنها تحمل التراخي.

سيُضمَّن مزيد من النتائج، بالإضافة إلى توصيات أكثر تفصيلًا لمساعدة المؤسسات في تحقيق أكبر قيمة من التحليلات التنافسية، في التقرير المشترك لمجلة MIT Sloan Management Review، ومعهد IBM، لقيمة الأعمال الذي استُخلصت منه هذه النتائج. سيكون التقرير متاحًا عبر الإنترنت في أكتوبر.

حول المؤلفين

ديفيد كيرون هو المحرر التنفيذي لمراكز الابتكار في مجلة MIT Sloan Management Review. ريبيكا شوكلي هي القائدة العالمية لتحليلات الأعمال في معهد IBM لقيمة الأعمال.

المراجع

1. أعلنت دراسة بحثية أُجريت في عام 2011م من قبل شركة الأبحاث IDC (برعاية EMC)، أننا قد تجاوزنا بالفعل عتبة الزيتابايت. وتتوقع IDC أن أحجام البيانات العالمية ستزداد بمقدار 29 مرة خلال السنوات العشر المقبلة. وقدمت شركة سيسكو رقمًا أكثر تحفظًا بشأن النمو، حيث تتوقع أننا سنصل إلى زيتابايت واحدة من حركة مرور الإنترنت بحلول عام 2015م. راجع:

“The 2011 IDC Digital Universe Study,” June 2011, www.emc.com.

3. S. LaValle, E. Lesser, R. Shockley, M.S. Hopkins and N. Kruschwitz, “Big Data, Analytics and the Path from Insights to Value,” MIT Sloan Management Review 52, no. 2 (winter 2011): 21-32.

4. R. Lal and D. Kiron, “Carmax,” Harvard Business School case studies, prod. no. 505080 (Boston: Harvard Business Publishing, 2005).

5. J. Schafer, “SEO Speedwagon: The Rapid Rise and Sale of Arianna Huffington’s Post,” Feb. 7, 2011, www.slate.com.

6. M. Tushman, D. Kiron and A. Kleinbaum, “BT Plc: The Broadband Revolution (A)” Harvard Business School case studies, prod. no. 407001 (Boston: Harvard Business Publishing, 2006).

7. M. Tushman, D. Kiron and A. Kleinbaum, “BT Plc: The Broadband Revolution (A) and (B),” Harvard Business School case studies, prod. no. 407002 (Boston: Harvard Business Publishing, 2006).

مقالات ذات صلة