ملخص: يرى المقال أن الجدل حول صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام البريطاني لا يُحلّ عبر «توازن مصطنع» بين الأخبار السلبية والإيجابية، بل عبر تقديم الأخبار في سياقها الصحيح؛ فالسلبية الغالبة في التغطية مفهومة في ظل سنوات من العنف والتطرف، لكن الخلل يكمن في التعميم والاختزال لا في نقل الوقائع نفسها. ويؤكد الكاتب أن الإعلام مطالب بتغطية الأحداث السيئة بوصفها جوهر الخبر، شرط ألا يختزل دينًا أو جماعة بشرية كاملة في أفعال أقلية متطرفة، وألا يستعيض عن الدقة بمحاولات تلميع شكلية تُنتج توازنًا زائفًا. كما يلفت إلى أن فهم الجمهور أعقد من مجرد عدّ الإشارات الإيجابية والسلبية، فمعظم القرّاء يدركون أن الإرهابيين لا يمثلون عموم المسلمين متى وُضعت الأخبار في سياقها. ويستشهد بأزمة اللاجئين في أوروبا مثالًا على هذا التعقيد، حيث يكشف انقسام القرّاء وتصاعد بعض خطابات الكراهية عن تحدٍ أخلاقي للإعلام ومنصات التعليق، ليخلص إلى أن المسؤولية الصحفية الحقيقية تكمن في العمق والسياق واحترام الإنسانية، لا في المجاملة أو الحسابات الكمية السطحية.
بقلم: وِل غور - الأحد 20 سبتمبر 2015
عقدت صحيفة The Muslim News الأسبوع الماضي مؤتمرًا بمناسبة مرور 25 عامًا على تأسيسها. وكان من بين الموضوعات المطروحة للنقاش صورة الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام السائدة.
أظهرت الأبحاث المقدَّمة في المؤتمر أن معظم الإشارات إلى الدين الإسلامي وأتباعه في الصحف خلال السنوات الأخيرة يمكن وصفها، على نحوٍ عام، بأنها سلبية. إلا أن ذلك ليس مستغرَبًا إذا أخذنا في الاعتبار السياق الجيوسياسي السائد خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية؛ فواحد من أبرز هموم الإعلام البريطاني – وكذلك الرأي العام البريطاني – كان التهديد الحقيقي الذي يمثّله المتطرفون المدفوعون بدوافع دينية في الداخل والخارج.
يبقى السؤال مهمًّا: هل التفسير الذي يتبنّاه أولئك الساعون إلى إلحاق الأذى بالآخرين هو التفسير نفسه الذي يتعرّف إليه معظم المسلمين؟ لكن، مع ذلك، سيكون من الملتوي تجاهُل الطابع الديني الذي يحرّك هذا التطرّف. فطائفة مسيحية متشددة ومحافظة للغاية تظل مسيحية، حتى لو اختلف فهمها للكتاب المقدس جذريًا عن فهم الكنيسة الإنجليكانية له. وبالمثل، يمكن وصف من يمارسون العنف باسم الله بأنهم مسلمون، مع الإشارة إلى رؤيتهم الدينية التي يتحركون من خلالها.
ومع ذلك، هل ينبغي للصحف أن تتعمد مزج هذه الصور السلبية بصور أخرى أكثر إيجابية؟ لا شك أن مواجهة الرواية السائدة التي لا يعترضها نقد أمر مهم. لكن القيام بذلك عبر مجرّد «موازنة» الأخبار السيئة بأخرى جيدة يُعد تبسيطًا سطحيًا؛ لأنه يقوِّض الهدف الرئيس للإعلام، وهو تقييم الأخبار استنادًا إلى قيمتها الإخبارية. أي نهجٍ خلاف ذلك لا يخلق توازنًا حقيقيًا، بل توازنًا زائفًا يمكن أن يكون – في النهاية – مضللاً بقدر ما يكون تجاهل الطرف الآخر من القصة مضللًا أيضًا، أياً كان هذا «الطرف الآخر».
في التحليل النهائي، السياق هو العنصر الحاسم. تقع على عاتق الإعلام مسؤولية نقل الجوانب السيئة مما يجري في العالم؛ فهذا هو جوهر مفهوم «الخبر» في نهاية المطاف (أما كون الأمور تسير على ما يرام فهو – أو ينبغي أن يكون – الوضع الطبيعي). لكن علينا أن نؤدي هذه المهمة بطريقة تمنح الأحداث معناها الحقيقي، وتجنّبنا اختزال الوقائع والناس، والدين أيضًا، في صور مبسَّطة ومشوَّهة.
ومن المهم كذلك ألا يُدرس أداء الصحف بمعزل عن فهم القرّاء للسياقات التي تُقدَّم فيها الأخبار. فمن السهل جدًا أن نحصي عدد التقارير التي تتناول موضوعًا بعينه، أو أن نقارن بين عدد الإشارات الإيجابية والسلبية. غير أن استخلاص النتائج من هذه الأرقام وحدها يميل إلى التقليل من شأن التفاعل المعقّد بين إنتاج المحتوى الصحفي وبين تلقيه من القرّاء. فمعظم المسلمين يرون الإرهابيين الذين يزعمون أنهم يتصرفون باسم دينهم أشخاصًا مستهجَنين إلى أبعد حد. ومعظم القرّاء يدركون ذلك ضمنًا، وسيستمرون في إدراكه – ما دام الصحفيون يضعون الأخبار في سياقها الصحيح.
أزمة اللاجئين ما تزال تقسّم القرّاء
لا توجد مؤشرات تُذكر على أن استجابة أوروبا لأزمة اللاجئين المتواصلة أصبحت اليوم أكثر تنسيقًا أو اتساقًا مما كانت عليه قبل أسبوعين، حين دعت صحيفة ذا إندبندنت إلى تبنّي مقاربة موحَّدة. بل لعل فرص التوصل إلى سياسة مشتركة تبدو الآن أبعد من أي وقت مضى.
تعليقات القرّاء على موقع الجريدة تُظهر بدورها أنه لا يوجد إجماع في الرأي حول هذه القضية. صحيح أن هناك نقاشًا مشروعًا حول أفضل السبل للتعامل مع الأزمة، لكن بعض ما يُنشر من تعليقات مُفعَم حقًا بالكراهية ومحبط إلى درجة كبيرة. فقد تواصل معنا أحد القرّاء الأسبوع الماضي ليشير إلى أن شخصًا مجهولًا ترك تعليقًا يدعو فيه إلى التعامل مع اللاجئين من خلال إعادة فتح غرف الغاز النازية. ربما كان ذلك التعبير هو الأكثر تطرفًا بين التعليقات، لكنه لم يكن بعيدًا عمّا ذهب إليه آخرون.
حرية التعبير شيء رائع، لكنني أتساءل أحيانًا عمّا إذا كانت ساحات التعليق التي تحتضن مثل هذه الآراء «البدائية» ستصبح أفضل حالاً لو أُغلقت.
الطريق إلى تغطية منصفة:
لماذا لا يحتاج الإعلام إلى “توازن مصطنع” في تناول قضايا الإسلام؟
يبدو أن النقاش حول صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام البريطاني لن يهدأ قريبًا. فقبل أيام، نظّمته صحيفة The Muslim News مؤتمرًا بمناسبة مرور 25 عامًا على تأسيسها، كان أحد محاوره الرئيسة سؤالًا شائكًا: كيف تقدِّم الصحافة السائدة الإسلام والمسلمين؟
الإسلام في الإعلام: مشكلة صورة أم مشكلة سياق؟
الدراسات التي عُرضت في المؤتمر خلصت إلى نتيجة غير مفاجئة: معظم الإشارات إلى الإسلام والمسلمين في الصحف البريطانية خلال السنوات الأخيرة ذات مضمون سلبي.
قد تبدو هذه الخلاصة صادمة للوهلة الأولى، لكنها مفهومة إذا وضعناها في سياق السنوات الأربع عشرة الماضية: حروب، هجمات إرهابية، تهديدات أمنية داخلية وخارجية، وتنظيمات متطرفة ترفع شعارات دينية عالية الصوت. طبيعي أن ينشغل الإعلام – ومعه الرأي العام – بالجانب الأخطر والأكثر ضجيجًا.
تبقى المشكلة في سؤال حساس: هل الصورة التي يقدمها المتطرفون عن الإسلام هي ما يتبنّاه معظم المسلمين؟
طبعًا لا. ورغم ذلك، لا يمكن للإعلام أن يتجاهل أن هؤلاء الفاعلين يتحركون من منطلق ديني معلَن. فكما يمكن وصف طائفة مسيحية متشددة بأنها “مسيحية” رغم اختلافها عن التيار الرئيس في الكنيسة، يمكن أيضًا وصف جماعات تمارس العنف باسم الإسلام بأنها “إسلامية” من حيث الانتماء المرجعي، دون أن يعني ذلك أنها تمثّل عموم المسلمين.
هل نحتاج إلى “تلميع” مقابل “تشويه”؟
من هنا يطرح البعض فكرة تبدو للوهلة الأولى جذابة: ما دام الحديث عن الإسلام يأتي في الغالب بصيغة سلبية، فلماذا لا تتعمد الصحف نشر مواد إيجابية عن المسلمين لـ “تحقيق التوازن”؟
النية جيدة، لكن الوسيلة إشكالية. دور الإعلام في الأصل هو ترتيب الأخبار حسب أهميتها وقيمتها الصحفية، لا توزيعها كحصص تمثيل بين “جيد” و“سيئ”. فإذا قررت الصحف أن تعوِّض كل خبر عن عنف أو تطرف بخبر لطيف عن مبادرة خيرية أو قصة نجاح لمسلم، فهي بذلك لا تصنع توازنًا حقيقيًا، بل توازنًا زائفًا.
هذا النوع من “الكوتا الأخلاقية” قد يربك القارئ أكثر مما ينصف الحقيقة؛ لأنه يخلط بين ما هو خبر، وبين ما هو تصحيح لصورة ذهنية. الإعلام مسؤول عن الصورة، نعم، لكنه مسؤول قبل ذلك عن الدقة والمعنى.
المفتاح: السياق لا المجاملة
الحل إذن ليس في تزويق الصورة بإضافة “قصص جميلة”، بل في شيء أعمق: وضع الخبر في سياقه الصحيح.
الإعلام مطالب بأن يغطي “الأخبار السيئة”؛ لأن ما يخرج عن المألوف هو ما يدخل دائرة الخبر. لكن طريقة التغطية هي ما يصنع الفارق:
- هل يجري تعميم سلوك قلة على ملايين؟
- هل تُقدَّم الجماعات المتطرفة على أنها “وجه الإسلام”؟
- هل يُذكَر بوضوح أن غالبية المسلمين ترفض هذا العنف؟
هنا تظهر أهمية السياق والتحليل العميق، بدل الاكتفاء بعناوين مثيرة وصور صادمة.
وفي المقابل، لا يكفي أن نُحصي عدد المقالات الإيجابية والسلبية عن الإسلام أو المسلمين، ثم نطلق أحكامًا على الإعلام. العلاقة بين ما تُنتجه الصحافة وكيف يفهمه الجمهور أعقد بكثير من جداول إحصائية.
معظم المسلمين يدينون الهجمات الإرهابية ويعتبرون أصحابها منبوذين. ومعظم القرّاء يدركون ذلك دون حاجة إلى تكراره في كل خبر – شريطة أن يحرص الصحفي على عدم اختزال دين بأكمله في تصرفات أقلية متطرفة.
أزمة اللاجئين: انقسام في الرأي… وانحدار في بعض الخطاب
تُظهر أزمة اللاجئين في أوروبا مثالًا آخر على علاقة معقدة بين الإعلام والقرّاء.
فعلى الرغم من الدعوات المتكررة إلى تبنّي سياسة أوروبية موحَّدة وواضحة تجاه الأزمة، ما تزال المواقف الرسمية متضاربة، والسياسات متباعدة، وكأن القارة العجوز عاجزة عن التوافق على الحد الأدنى من المسؤولية المشتركة.
في فضاء التعليقات على المواقع الإخبارية – ومنها موقع ذا إندبندنت – تتجلى هذه الانقسامات بوضوح: نقاشات حادة، مواقف متباينة، وحوارات تجمع بين الحجج الجادة والخطابات المتطرفة.
بعض التعليقات تطرح أسئلة مشروعة حول الطاقة الاستيعابية، والاندماج، وأولويات الإنفاق العام. لكن بعضها الآخر ينزلق إلى خطاب كراهية صريح، يصل إلى حد الدعوة – ولو بشكل ساخر أو صادم – إلى “إعادة فتح غرف الغاز النازية” للتعامل مع اللاجئين.
صحيح أن هذا النوع من التعليقات المتطرفة لا يمثل الغالبية، لكنه يكشف مستوى مقلقًا من التجرد من الإنسانية لدى شريحة من المعلّقين.
حرية التعبير قيمة أساسية لا غنى عنها في المجتمعات الديمقراطية. لكن يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تُثري منصات التعليق الحوار العام عندما تتحول إلى ساحة لخطابات بدائية متوحشة؟
أم أن إغلاقها – أو على الأقل ضبطها بصرامة – قد يكون أحيانًا خطوة في اتجاه نقاش أكثر نضجًا واحترامًا للكرامة البشرية؟
في النهاية، لا يمكن مطالبة الإعلام بأن يكون آلة تبييض للصور النمطية، ولا أن يُعامِل كل القضايا بحسابات “نِسَب” بين الإيجابي والسلبي. لكن يمكن – ويجب – أن نطالبه بأمرين أساسيين:
- الالتزام بالسياق والدقة والعمق عند تناول قضايا حساسة كالدين والهجرة واللاجئين.
- مقاومة الإغراء السهل للعناوين المثيرة والتعميمات الجارحة، لصالح خطاب يحترم عقل القارئ وإنسانيته.
وبينما يستمر المتطرفون في محاولة اختطاف الأديان، ويواصل اللاجئون رحلة البحث عن مأوى، يبقى على الصحافة أن تختار: إما أن تكون جزءًا من تعقيد المشكلة، أو جزءًا من تفكيكها بفهم أعمق ومسؤولية أخلاقية أعلى.
المصدر: The Independent
