ملخص: يرسم المقال، استنادًا إلى تقرير «الباحث المستقبلي – ثقة البحث»، صورة لتحول عميق في المشهد البحثي العالمي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة بل شريكًا يوميًا في العمل العلمي، يُسهم في تسريع البحث وتنظيم المعرفة، مع قلق متزايد حول ضعف التدريب وغياب الحوكمة الواضحة. وفي ظل ضغوط متصاعدة تتعلق بالتمويل، والأعباء الإدارية، وأنظمة التقييم القائمة على الكم، يواصل الباحثون التمسك بالنزاهة العلمية والسعي لحماية جودة المعرفة. كما يشير التقرير إلى تصاعد التعاون الدولي ومتعدد التخصصات، مقابل هجرة علمية انتقائية تبحث عن بيئات أكثر دعمًا وتوازنًا. ويبرز تحول واضح نحو التركيز على الأثر المجتمعي للبحث، حيث يرى الباحثون أن دورهم يتجاوز النشر الأكاديمي إلى التواصل مع المجتمع وصنّاع القرار. ويخلص المقال إلى أن «باحث المستقبل» سيكون تعاونيًا، مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، مرتبطًا بقضايا المجتمع، لكنه يحتاج إلى دعم مؤسسي حقيقي في التدريب، والحوكمة، والتمويل، وحماية النزاهة، حتى لا يصبح عالقًا بين ضغط الخوارزميات ومتطلبات الضمير العلمي.
مقدمة
في عالم يواجه تحديات معقدة تتراوح بين تغير المناخ إلى مقاومة المضادات الحيوية، يجد الباحثون أنفسهم في مفترق طرق حاسم.
وفقاً لتقرير "الباحث المستقبلي - تقرير ثقة البحث" الصادر عن إلسفير وبناءً على استبيان شمل 3,234 باحثاً نشطاً من 113 دولة خلال أغسطس-سبتمبر 2025، فإن المشهد البحثي العالمي يخضع لتحولات عميقة تؤثر على طريقة إجراء البحث ونشره وقياسه.
الذكاء الاصطناعي: من أداة مساعدة إلى شريك إبداعي
ارتفعت نسبة الباحثين الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل من 37% في 2024 إلى 58% في 2025
يستخدم 61% الذكاء الاصطناعي للبحث وملخص الدراسات، و51% لمراجعات الأدبيات
61% يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيكون القوة الإبداعية الدافعة للمعرفة الجديدة خلال العامين-الثلاثة القادمة Rبين بشكل كافٍ على استخدام
45% يشعرون بأنهم غير مدر لذكاء الاصطناعي، وفقط 32% يتفقون على أن حوكمة الذكاء الاصطناعي في مؤسساتهم جيد
لعل أبرز ما يكشفه التقرير هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد أداة هامشية في حياة الباحث، بل أصبح شريكًا يوميًّا في العمل العلمي. نسبة كبيرة من الباحثين تستخدم بالفعل أدوات الذكاء الاصطناعي في تلخيص الأبحاث، والبحث عن المراجع، وتنظيم الأدبيات العلمية. بالنسبة لكثير منهم، هذه الأدوات وفّرت وقتًا كان يُستنزَف في مهام روتينية، وفتحت المجال للتفرغ للتفكير والتحليل.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. نسبة معتبرة من الباحثين تعترف بأنهم غير مدرَّبين بما يكفي على هذه الأدوات، وأن مؤسساتهم لم تضع بعد قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي: ما المسموح؟ ما الممنوع؟ كيف نضمن نزاهة النتائج؟ من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ؟
هذا التردد مفهوم؛ فحين يقول أكثر من نصف المشاركين إن الذكاء الاصطناعي سيصبح خلال سنوات قليلة القوة الإبداعية الرئيسة في اكتشاف المعرفة الجديدة، فنحن أمام تحوّل فلسفي في معنى "الإبداع العلمي" نفسه: أين ينتهي جهد الإنسان ويبدأ دور الآلة؟
الرسالة هنا واضحة: لن ينجو من المستقبل الباحث الذي يرفض التعامل مع الذكاء الاصطناعي، كما لن ينجو من يعتمد عليه بلا وعي أو ضوابط. باحث المستقبل هو من يتعلّم كيف "يستخدم" الذكاء الاصطناعي، لا أن يُستَخدَم من خلاله.
ضغوط متزايدة مع التزام راسخ بالنزاهة
يكشف التقرير كذلك عن وجه آخر للحياة البحثية: الضغط المتزايد.
عدد كبير من الباحثين يقولون إن لديهم وقتًا أقل للبحث الحقيقي، وإن الأعباء الإدارية والنفسية في ازدياد. في المقابل، هناك تشاؤم حول مستقبل التمويل، خصوصًا في بعض المناطق التي تواجه أزمات اقتصادية وسياسية.
مؤشرات الترقية والتمويل أصبحت مرتبطة بعدد الأوراق العلمية، وتأثيرها (واقتباساتها)، أحيانًا على حساب عمق السؤال العلمي وجدوى البحث للمجتمع.
لكن رغم الضغوط، ما يزال الضمير العلمي حاضرًا. أغلبية الباحثين تؤكد أهمية مراجعة الأبحاث، والتصحيح، وحتى سحب الأوراق المعيبة من النشر حفاظًا على سجل المعرفة. كما يرون أن للناشرين والجامعات دورًا حاسمًا في حماية النزاهة، ووضع سياسات تمنع التلاعب بالبيانات أو "تجميل" النتائج.
هنا يظهر التحدّي الأكبر: كيف يمكن أن نصمّم أنظمة تقييم تدعم الجودة والأثر بدلًا من مطاردة الأرقام والعناوين البراقة؟
تعاون بلا حدود… وهجرة علمية انتقائية
63% من الباحثين يتفقون على وجود مزيد من التعاون في مجال بحثهم مقارنة بالسابق .
ومن بين هؤلاء، 68% يتعاونون أكثر مع باحثين من تخصصات أخرى، و53% مع مؤسسات في دول أخرى .
يفكر 29% من الباحثين في الانتقال إلى دولة أخرى لتعزيز مسيرتهم البحثية خلال العامين القادمين .
وتختلف هذه النسبة حسب المنطقة، حيث يبلغ المعدل 51% في الشرق الأوسط وأفريقيا و43% في أمريكا الجنوبية، بينما ينخفض إلى 21% في آسيا والمحيط الهادئ.
الدوافع الرئيسية للانتقال تشمل تحسين التوازن بين العمل والحياة (51%)، وزيادة التمويل البحثي (49%)، وحرية أكبر في متابعة الاهتمامات البحثية (49%).
من ملامح "باحث المستقبل" أيضًا أنه أكثر عالميةً من أي وقت مضى. التقرير يشير إلى زيادة ملحوظة في التعاون بين الباحثين من دول وتخصصات مختلفة، سواء في مشاريع مشتركة أو نشر مشترك. فالقضايا الكبرى اليوم – من تغيّر المناخ إلى الأوبئة والذكاء الاصطناعي نفسه – لا تعترف بحدود جغرافية، ولا تنتمي إلى تخصص واحد.
في المقابل، هناك حركة هجرة علمية انتقائية؛ نسبة من الباحثين، خاصة في البدايات المهنية، تفكّر بجدية في الانتقال إلى دول أو مؤسسات تمنحهم:
بيئة عمل أقل ضغطًا
فرص تمويل أوسع
توازنًا أفضل بين الحياة الشخصية والبحث.
هذا يعني أن الدول التي تهمل بيئة البحث العلمي قد تفقد خلال سنوات قليلة أهم رأسمال تملكه: العقول.
التركيز المتزايد على التأثير المجتمعي: من الورقة العلمية إلى الأثر المجتمعي
يُظهر التقرير تحولاً واضحاً نحو البحث القائم على المهام والمشكلات، حيث يتفق 67% من الباحثين على وجود تركيز أكبر على هذا النوع من البحث مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عامين-ثلاثة أعوام.
يؤكد 50% من الباحثين أن البحث يجب أن يحقق دائماً منفعة في العالم الحقيقي، بزيادة 7 نقاط مئوية عن عام 2022.
ويعتقد 78% منهم أن بحثهم سيؤدي إلى زيادة المعرفة العلمية في مجال تخصصهم.
من النقاط اللافتة في نتائج التقرير أن نسبة كبيرة من الباحثين باتت ترى أن دورهم لا يتوقف عند نشر البحث في مجلة محكَّمة، بل يتعدى ذلك إلى تحقيق أثر حقيقي في حياة الناس.
الكثير منهم أصبح يشارك في:
كتابة مقالات مبسّطة للجمهور،
لقاءات إعلامية،
محاضرات في المدارس،
أو حوارات مع صانعي السياسات.
هذه "النقلة" من المعمل إلى الشارع ليست ترفًا؛ فالعلم، إن بقي حبيس المجلات المتخصصة، سيترك المجال واسعًا للمعلومات المضللة والخرافة لتملأ الفضاء العام.
لذلك يطرح التقرير صورة لباحث المستقبل بوصفه: عالِمًا ومفسِّرًا ومشاركًا في الحوار المجتمعي في آنٍ واحد.
رؤية للباحث المستقبلي
يصف التقرير الباحث المستقبلي بأنه سيكون تعاونياً، مدعوماً بالذكاء الاصطناعي، متعدد التخصصات، ومرتبطاً باحتياجات المجتمع، مع الحفاظ على القيم الأساسية للاستقصاء العلمي.
يؤكد التقرير أن الدعم المؤسسي سيكون عاملاً حاسماً، حيث يشير الباحثون إلى الحاجة إلى:
تسهيل الوصول إلى فرص التمويل
توفير التدريب والتوجيه في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
تعزيز التعاون والتنقل الدولي
تطبيق حوكمة قوية لضمان نزاهة البحث
تشجيع التواصل المجتمعي مع دعم الباحثين في هذه الجهود
ماذا نحتاج في #عالمنا_العربي؟
حين نقرأ هذه النتائج بعين عربية، تبدو الأسئلة أكثر إلحاحًا:
هل جامعاتنا تهيّئ باحثيها للتعامل النقدي والفعّال مع أدوات الذكاء الاصطناعي، أم تتركهم بين الخوف المبالغ فيه والاستخدام العشوائي؟
هل سياسات الترقية والتمويل لدينا تشجّع على بحث عميق ذي أثر، أم تكرّس سباق الأعداد؟
هل نمتلك مراكز أبحاث مستقلة وبيئات عمل تحترم وقت الباحث وكرامته؟
وهل نساعد الباحث العربي على أن يكون جزءًا من الحوار المجتمعي، لا سجينًا خلف أبواب المكاتب المغلقة؟
الاستثمار في "باحث المستقبل" ليس رفاهية.
كل خطوة تتخذها مؤسسة تعليمية أو جهة ممولة أو صانع قرار لدعم بيئة بحثية صحية، وتدريب جاد على أدوات الذكاء الاصطناعي، وتشجيع على النزاهة والانفتاح على المجتمع، هي خطوة في اتجاه مستقبل أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.
خاتمة: الباحث بين مطرقة الخوارزميات وسندان الضمير
في الخلاصة، يرسم التقرير صورة مركّبة:
باحث يستخدم الذكاء الاصطناعي كل يوم
يعيش تحت ضغط الوقت والتمويل
يتعاون مع زملاء من قارات مختلفة
ويحاول في الوقت نفسه أن يحافظ على نزاهته العلمية، وأن يجعل عمله مفيدًا للمجتمع لا مجرد أرقامٍ في سيرة ذاتية.
هذا الباحث بحاجة إلى مؤسسات تحميه من الاستنزاف، وتزوّده بالأدوات والمهارات، وتمنحه مساحة للبحث الحقيقي بعيدًا عن ضجيج السباق.
إذا نجحنا في بناء هذه البيئة، فإن "باحث المستقبل" لن يكون مجرد عنوان في تقرير، بل محرّكًا أساسيًا لنهضة علمية وتنموية نستحقها.
في ظل هذه التحولات، يظل التزام الباحثين بتعزيز التقدم البشري ثابتاً، حتى في ظل الضغوط المتزايدة. والفرصة الآن أمام المؤسسات الأكاديمية وصانعي السياسات هي دعم هذه الجهود لضمان أن البحث العلمي يواصل لعب دوره الحيوي في معالجة تحديات عالمنا المتغيرة.
المصدر: "Researcher of the Future — a Confidence in Research report"من إلسفير، أغسطس-سبتمبر 2025.
تم إعداد هذا الملخص بالاستعانة بمنصة @NobleMindCo وكيل ذكاء اصطناعي محلي للأبحاث العلمية
