القائمة الرئيسية

الميزانية العمومية للعالم

الميزانية العمومية للعالم
ملخص المقال

لو كان العالم شركة كيف ستكون ميزانيته و قوائمه المالية؟

ملخص: يطرح المقال مقاربة تحليلية شاملة لتصوّر ميزانية العالم بوصفها ميزانية عمومية موحّدة، مستندًا إلى تجميع وترجمة أبحاث دولية، خصوصًا تقارير معهد مكنزي العالمي، لفهم تطور الثروة العالمية وأصولها وخصومها خلال العقدين الماضيين. ويبيّن أن صافي الثروة العالمية تضاعف أكثر من ثلاث مرات منذ عام 2000، لا بفعل نمو الإنتاجية أو الاستثمار الحقيقي، بل نتيجة ارتفاع تقييمات الأصول، وعلى رأسها العقارات والأسهم، مدفوعة بانخفاض أسعار الفائدة وتوسع الديون، ما فكّ الارتباط التاريخي بين نمو الناتج المحلي الإجمالي ونمو الثروة. ويوضح أن العقارات تمثل نحو ثلثي صافي الثروة العالمية، في حين لا تتجاوز حصة الأصول المنتجة وغير الملموسة – رغم أهميتها المتزايدة – نسبة محدودة، ما يثير تساؤلات جوهرية حول استدامة هذا النموذج ومخاطر اختلال التوازن وارتفاع المديونية. ويناقش المقال تباينات الثروة بين الدول والأسر، وتزايد تركّزها، وتأثير الجائحة في تفاقم الديون العالمية، ليخلص إلى أن التحدي المركزي أمام صناع السياسات وقادة الأعمال يتمثل في إعادة توجيه رأس المال نحو استثمارات إنتاجية ومستدامة تعزز النمو الحقيقي، وتعيد التوازن بين الثروة والاقتصاد، بدل الاعتماد على تضخم أسعار الأصول كمحرّك رئيس للثراء العالمي.

عدت الى مصادر مختلفة لتصور ميزانية العالم كما نعرفه اليوم هذه المقاربة ليست دقيقة ولا يمكن ان تكون كذلك لأن مجرد تخيل ميزانية العالم هو ضرب من التوقعات و الفرضيات التي لن تصمد امام أول اختبار، لكن ذلك لم يمنعني من المحاولة و استعنت بمصادر منها على سبيل المثال بحوث و مقالات سألت نفس السؤال مما سهل مهمتي و وضع دوري في نطاق المترجم الذي يجمع البيانات والمعلومات ويعيد صياغتها ومن تلك المصادر مقاربات عمل عليها فريق الطاولة المستديرة للمشورة الفنية حول حلول الاستشراف الاقتصادي في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي شاركت في مداولاته ممثلاً لمركز التنمية الدولية في جامعة هارفارد قبل نحو ثلاث او اربع سنوات ثم ضمن فريق استشراف حلول التضخم في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انتظم قبل شهرين في دافوس و مقاربات أخرى لم أكن جزءاً منها مهدت لوضع أرضية ملائمة تنطلق منها هذه المقاربة لتصور ميزانية العالم و قوائمه المالية، وراجعت في هذا الصدد بحوثاً و اراق عمل مماثلة اجتهد خلالها اقتصاديون و مستشارون ذوو قيمة و مرجعية فنية عملوا على تطوير فهم مشترك لتصور ميزانية العالم بشقيها من الاصول والخصوم
و قبل الخوض في هذه المقاربة لابد من تأكيد الجانب القيمي لصنع الثروة باعتبارها اداة و ليست غاية في سياق توخي الحوكمة والنزاهة والقيم في جمع الثروة انطلاقاً من قيمنا الدينية، قال تعالى" وأحل الله البيع وحرم الربا" وقال عز و جل " يمحق الله الربا ويُربي الصدقات" .

و ما أود تأكيده ان هذه المقاربة التي بين ايديكم هي نتاج ترجمات لعدة مصادر جمعتها خلال الاشهر الماضية و راجعتها مراجعة أولية مع زملاء في فريق الطاولة المستديرة من الزملاء في مجلس التنمية الدولية المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي ثم صغتها بهذا التدرج و المنهجية التي حاولت جهدي ان تكون سلسة ومناسبة للقارئ غير المتخصص مثلي وخرجت بالصيغة التي هي بين ايديكم فجر هذا اليوم الجمعة الرابع عشر من محرم 1444 في المدينة المنورة، ولا يخرج الجهد الفني الذي قمت به عن اطار نقل تلك المقاربات و ترجمتها و اعادة صياغتها و بذلك يمكنني تأكيد ان لاقيمة فكرية أضفتها بنفسي لأنني في الاساس لست اقتصادياً ولا متخصصاً لكن شدني هذا الموضوع و مضيت قدماً بدافع المحاولة و الفضول لاستكشافه و محاولة وضعه أمام انظار قراء العربية - "ضمن مشروعي الشخصي لترجمة مليون كلمة نافعة حتى نهاية عام ۲۰۲٥ م - و لتسهل مقارنة الاقتصادات في ضوء فهم عام الميزانية العالم وفق الارقام التي تقترحها هذه المقاربات، أود أن أشير الى ان أكثر التقارير جرأة و وضوحاً كان تقرير معهد مكنزي العالمي الذي نشر الخريف الماضي و اعتمدت عليه بشكل كبير في تطوير هذه المقارية الأولية، لاسيما في جانب المقارنات المعيارية وتتبع دفتي الميزانية المفترضة: الاصول و الخصوم ، وقد اعتمدت على هذا التقرير واستخدمت الرسوم التوضيحية لايصال الافكار بصورة أكثر اتساقاً و وضوحاً.

تطلبت هذه المقاربات فهماً للقوة الكامنة في الاقتصاد العالمي عندما بدأ في التعافي من جائحة كورونا و البناء على المعرفة المتراكمة عن حجم الاصول في الاقتصادات التي توفرها البيانات في المقارنات المرجعية في المنظمات الدولية مثل مجموعة البنك الدولي و صندوق النقد الدولي والمؤسسات المماثلة والمراكز الاقتصادية المتخصصة والبحوث التي تنشرها الشركات الاستشارية و ادارات البحوث في البنوك الاستثمارية، وهي بمجملها مرتكزة على مبادئ الميزانية العمومية النموذجية القائمة على الناتج المحلي الإجمالي ومستويات الاستثمار الرأسمالي و بنود المصروفات في الميزانيات العامة ومقاييس أخرى للتدفقات الاقتصادية تعكس التغيرات في القيمة الاقتصادية.

تجيب هذه المقاربة التي قمت بتجميعها في اطار نظري شمولي اعتماداً على تلك المصادر على أسئلة حول الثروة العالمية المنتجة التي تمثل في الغالب جانب الاصول من الميزانية العمومية العالمية، وأحد الأسئلة المحورية التي أبدأ بها هذه المقاربة تتعلق بمدى إنتاجية ثروتنا في هذا الوقت لذلك من المفيد التأمل بتأثر الاقتصاد العالمي بعقدين من الاضطرابات المالية وأكثر من عشر سنوات من تدخل البنوك المركزية المكثف و تحت وطأة جائحة صحية لم يشهد التاريخ الاقتصادي الحديث لها مثيلاً اعقبها خلل مفاجئ في سلاسل الامداد ثم ارتفاع للمواد الاساسية ثم ركود تضخمي و حرب مستعرة في شرق اوربا.

درس تقرير مكنزي المشار اليه آنفاً عشرة بلدان تمثل حوالي 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و هي أستراليا وكندا والصين وفرنسا وألمانيا واليابان والمكسيك والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، الرابط التاريخي بين نمو صافي الثروة والنمو من الناتج المحلي الإجمالي لم يعد قائماً، وفي حين كان النمو الاقتصادي فاتراً على مدى العقدين الماضيين في الاقتصادات المتقدمة فقد تضاعف حجم الميزانيات العمومية وصافي الثروة التي تتبعها لفترة طويلة ثلاث مرات. ظهر هذا الاختلاف مع ارتفاع أسعار الأصول - ولكن ليس نتيجة لاتجاهات القرن الحادي والعشرين مثل الرقمنة المتزايدة للاقتصاد.

بدلاً من ذلك وفي اقتصاد مدفوع بشكل متزايد بالأصول غير الملموسة مثل البرمجيات والملكية الفكرية الأخرى، كافحت وفرة المدخرات لإيجاد استثمارات تقدم عوائد اقتصادية كافية وقيمة دائمة للمستثمرين. وبدلاً من ذلك، وجدت هذه المدخرات طريقها إلى العقارات - صندوق الثروة

فقد شكلت العقارات في عام 2020 ثلثي صافي الثروة وشكلت

الأصول الثابتة الأخرى التي يمكن أن تدفع النمو الاقتصادي حوالي 20 في المائة فقط من الإجمالي. علاوة على ذلك أصبحت قيم الأصول الآن أعلى بنسبة 50 في المائة تقريبا من متوسط المدى الطويل بالنسبة إلى الدخل ومقابل كل دولار واحد في صافي الاستثمار الجديد على مدار العشرين عاما الماضية، نمت الخصوم الإجمالية بما يقرب من 4 دولارات نصفها اي نحو 2 دولاران تقريبا عبارة عن دين

تثير هذه النتائج أسئلة مهمة لصانعي السياسات وقادة الأعمال.

وفي مقدمتها: هل يمر الاقتصاد العالمي بنقلة نوعية في الوقت الذي يجد فيه العالم مصادر جديدة للثروة؟

في أي قطاع يمكن أن تكون بعض هذه الثروات الجديدة ذات القيمة ؟
هل نحن معرضون لخطر العودة إلى الظروف التاريخية التي قد تؤدي آثارها إلى انخفاض صافي الثروة؟
و أسئلة أخرى من نوع ما الذي يتطلبه الأمر لإعادة التوازن إلى الاقتصاد العالمي ؟

و على المستوى المحلي ربما تضع هذه الأسئلة التي يقودها فضول الباحث الى فهم أدق لرحلة تعظيم اصول و استثمارات صندوق الاستثمارات العامة التي تضاعفت اكثر من ثلاث مرات خلال نحو خمس سنوات ثم ارتفعت بعد نقل 8% من اسهم أرامكو إلى شركات يملكها الصندوق إلى نحو 950 مليار دولار ( 3.5 تريليونات ريال).

و في الاطار ذاته كيف يمكننا النظر لثرواتنا الوطنية المتمثلة بالموارد الهيدروكربونية والفرص التي تتيحها لزيادة الثروة وتعميق الاقتصاد و تعقیده و تنويعه و هو أمر انبرى له العديد من برامج و مبادرات رؤية المملكة 2030 وعلى الأخص مركز تعزيز استدامة الطلب على البترول و الموارد الهيدروكربونية في وزارة الطاقة ناهيك عن فرص تطوير البنى الاساسية والتحتية الصلبة والناعمة لتعزيز الانتاجية المنخفضة للموارد البشرية و الاقتصاد غير النفطي بمجمله، وكيف لنا ان نتصور الثروة التي تتيحها سياسات راشدة و مستدامة لتعزيز انتاجية الاصول ؟ وكيف لنا ان نضع جوهرة تاج اصولنا الانتاجية المتمثلة في ارامكو و التي تربعت على عرش أكبر الشركات قيمة في الاسواق العالمية والناشئة على حد سواء بنحو تريليوني دولار والتي تزيد قيمتها عن ضعف الناتج المحلي الاجمالي للمملكة، والبرامج النوعية في نيوم و انتاج الوقود الهيدروجيني و برامج البنى التحتية والاستحواذات الاستراتيجية التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة.

وبالعودة الى ميزانية العالم فقد تضاعفت القيمة السوقية للميزانية العمومية العالمية ثلاث مرات في العقدين الأولين من هذا القرن، وتشكل العقارات ثلثي الأصول العقارية العالمية أو صافي الثروة، وقد أصبحت قيم الأصول الآن أعلى بنسبة 50 في المائة تقريبًا من متوسط المدى الطويل بالنسبة للدخل، كما نمت الأصول والخصوم المالية بشكل أسرع من الناتج المحلي الإجمالي متجاوزة إلى حد كبير صافي الاستثمار، ولا تزال هناك عدة سيناريوهات ممكنة، مع ضرورة موضعة الثروة بشكل أكثر إنتاجية لتلبية احتياجات الاستثمار الحرجة

و بشكل عام لإنشاء ميزانية عمومية عالمية، نضيف جميع الأصول الحقيقية في الاقتصاد وكذلك جميع الأصول المالية في جميع القطاعات بما في ذلك وعلى وجه الخصوص القطاع المالي، على غرار الطريقة التي تبني بها الشركة ميزانيتها العمومية. وعلى المستوى الوظيفي تحتوي الميزانية العمومية العالمية على ثلاثة مكونات متداخلة الميزانية العمومية للاقتصاد الحقيقي والميزانية العمومية المالية، والميزانية العمومية للقطاع المالي. تبلغ قيمة كل منها حوالي 500 تريليون دولار، أو ما يعادل ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي

 

تحتوي الميزانية العمومية للاقتصاد الحقيقي على 520 تريليون دولار من الأصول الحقيقية، مثل الآلات والمعدات والبنية التحتية والمباني والموارد الطبيعية والملكية الفكرية أو الملكية الفكرية. وتنعكس هذه على جانب الخصوم كقيمة صافية.

و صافي القيمة هو ما تبقى بعد صافي الأصول والخصوم المالية. كما يوضحها الشكل 1 أعلاه المجتزأ من تقرير ماكينزي الميزانية المالية للأفراد و للأسر والشركات والحكومات لديها 510 تريليون دولار من الأصول المالية مثل الأسهم والسندات وصناديق المعاشات التقاعدية والنقدية والودائع التي تسهل الملكية وتحويل مخاطر الأصول الحقيقية بالإضافة إلى تمكين المدخرات والاستهلاك تنعكس هذه الأصول المالية على جانب الخصوم في الميزانية العمومية لأنها تمثل مطالبات نهائية ضد تلك القطاعات نفسها.

أخيراً تقوم المؤسسات المالية بإنشاء وتوسط تلك الأصول والخصوم المالية - في عملية تحويل مخاطرها ونضجها وحجمها -وتحتفظ بأصول مالية بقيمة 510 تريليون دولار ومستوى مماثل من الالتزامات. في حين أن كل من هذه الميزانيات العمومية الثلاثة تتساوى مع نفسها على مستوى الاقتصاد المغلق، في التحليل الذي أشرت اليه في مقدمة هذه المقاربة و الذي طوره معهد مكينزي العالمي لعشرة بلدان هناك مركز مالي صاف سلبي صغير مما يعني أن هذه البلدان تقترض بشكل جماعي من بقية العالم وبالتالي الأصول والخصوم لا تتطابق بدقة.

على المستوى العالمي، تشكل الأصول الحقيقية صافي القيمة بينما صافي الأصول والخصوم المالية الإجمالية يصل إلى الصفر و في حين ان القيمة الصافية هي مخزن القيمة الذي يحدد الثروة ويساعد في دعم توليد الدخل في المستقبل، قام الباحثون في تقرير ماكينزي بتقييم الأصول والخصوم الإجمالي والصافي، من الأسفل إلى الأعلى عبر القطاعات والبلدان، وأخيراً من منظور عالمي تجميعي. أما بالنسبة للأفراد و للأسر فتشمل القيمة الصافية كلاً من الأصول الحقيقية مثل الممتلكات والأصول المالية مثل الأسهم والسندات.

ومع ذلك، على مستوى الاقتصاد العالمي أو المغلق ، تتم مطابقة جميع الأصول المالية مع الخصوم المقابلة والأسهم التي تمثل ما يقرب من نصف ثروة قطاع الأسر في العالم هي التزامات للشركات المصدرة لتلك الاسهم. وبالمثل فإن الرهن العقاري هو التزام على الأسرة ولكنه أصل لمؤسسة مالية. في حين أن الحجم الإجمالي للأصول المالية ضخم جداً، بعد طرح الخصوم المالية المقابلة فإن صافي القيمة الإجمالية هو صفر.

وصافي القيمة هو ما يتبقى بعد صافي جميع الأصول والخصوم المالية وبالتالي يعادل قيمة الأصول الحقيقية وغير المالية. وبهذه الطريقة تمثل الأصول المالية ثروة للقطاعات والمؤسسات و الأفراد والأسر والبلدان، ولكن في الميزانية العمومية العالمية الموحدة لا تضاف إلى صافي الثروة ولا الخصوم المالية بل تطرحمنها. ولا تخطئ العين حقيقة ان العالم لم يكن أكثر ثراء من قبل - مع وجود اختلافات كبيرة عبر البلدان والأسر.

تضاعفت الميزانية العمومية العالمية وصافي الثروة بأكثر من ثلاثة أضعاف بين عامي 2000 و 2020 م. اذ نمت الأصول من 440 تريليون دولار، أو حوالي 13.2 ضعف الناتج المحلي الإجمالي، في عام 2000 إلى 1540 تريليون دولار في عام 2020 ، بينما نما صافي الثروة من 160 تريليون دولار إلى 510 تريليون دولار بلغ متوسط نصيب الفرد من صافي الثروة 66 ألف دولار ولكن توجد اختلافات كبيرة عبر الاقتصادات، وأكثر من ذلك بين الأسر داخل الاقتصاد نفسه و تراوح نصيب الفرد من الثروة الصافية في البلدان المشمولة في العينة من 46 ألف دولار في المكسيك إلى 351 ألف دولار في أستراليا. وتراوحت القيمة الصافية من 4.3 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة إلى 8.2 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في الصين (الشكل 2).

هناك عدة عوامل تحدد مستوى صافي الثروة بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي عبر البلدان. وهي تشمل ثروات الموارد والموازين التجارية ومعدلات الاستثمار وكذلك مستويات أسعار الأصول بالمقارنة مع سلال المستهلكين. على سبيل المثال، تمتلك أستراليا وكندا والمكسيك موارد طبيعية كبيرة، بينما تمتلك البلدان المصدرة للصناعات التحويلية ألمانيا واليابان صافي أصول مالية كبيرة. وتمتلك الصين واليابان بعضًا من أعلى نسب صافي الثروة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

وكما أشرت آنفاً في العينة التي درسها معهد مكينزي ان متوسط نصيب الفرد من صافي الثروة 66 ألف دولار في الدول العشر المشمولة بالبحث مع وجود اختلافات متفاوتة بين البلدان والأسر و المستثمرين الافراد.

و قد استحوذت الصين على 50 في المائة من النمو في صافي الثروة من عام 2000 إلى عام 2020، تليها الولايات المتحدة بنسبة 22 في المائة. وانخفضت حصة اليابان التي كانت تمتلك 31 في المائة من ثروات الاقتصادات العشرة في عام 2000 إلى 11 في المائة فقط في عام 2020.
ضمن قطاعات الأسر في الصين والولايات المتحدة تمتلك العشرة في المائة الأعلى من الأسر ثلثي الثروة. ففي الولايات المتحدة نما مقدار ثروة البلاد التي تحتفظ بها أكبر 10 في المائة من الأسر من 67 في المائة في عام 2000 إلى 71 في المائة في عام 2019، في حين انخفض نصيب الخمسين في المائة الأدنى من حصة مالكي الثروات من 1.8 في المائة في عام 2000 إلى 1.5 في المائة في عام 2019. و في الصين كان أعلى 10 في المائة من الأسر تمتلك 48 في المائة من ثروة البلاد في عام 2000 وبحلول عام 2015 كانت تلك الأسر تمتلك 67 في المائة. وامتلك 50 في المائة من الأسر الصينية الأدنى 14 في المائة من الثروة في عام 2000 و 6 في المائة في عام 2015.

و لا بد من الاشارة الى ان ملامح الأصول والخصوم وصافي الثروة عبر القطاعات الاقتصادية تختلف اختلافاً نسبياً، حيث تمتلك الأسر حوالي 95 في المائة من الثروة

تمتلك الشركات غير المالية صانعة الثروة أصولاً منتجة مثل الآلات والمصانع والأصول غير الملموسة بما يعادل 0.8 ضعف الناتج المحلي الإجمالي، وتمتلك المخزونات التي تصل إلى حوالي 0.4 ضعف الناتج المحلي الإجمالي. ولدى الشركات المالية أيضًا ممتلكات عقارية كبيرة، مثل الفنادق والمطاعم ومباني المكاتب. إنهم ينقلون هذه الثروة بشكل فعال إلى الأسر عن طريق الديون وحقوق الملكية الخاصة وأدوات الاستثمار المبتكرة. وتتراوحالأصول الحقيقية في قطاع الشركات من 1.3 مرة فقط من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة إلى 3.8 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في الصين.

تعكس الشركات المالية ووسطاء الثروة بشكل مباشر الأصول والخصوم في القطاعات الأخرى. لديهم أصول مالية مثل الرهون العقارية والسندات العامة وسندات الشركات والأسهم. و في الوقت نفسه فهم يدينون بالودائع والسندات وأصول المعاشات التقاعدية المعدة للاستثمار لملاكها الحقيقيين، ومعظم ما تملكه الشركات المالية او تدير اصوله يعود بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الى ملكية الأسر. ويشمل القطاع المالي البنوك المركزية وميزانياتها العمومية المتوسعة.

بلغت قيمة العقارات السكنية بما في ذلك الأراضي 46 في المائة من صافي الثروة العالمية في عام 2020 ، وشكلت مباني الشركات والمباني الحكومية والأراضي المرتبطة بها 23 في المائة إضافية. و من المفيد الاشارة هنا الى ان معظم هذه الاصول العقارية أصبحت منتجة ومستدامة وذات قيمة حقيقية مضافة للاقتصادات عندما تحررت نسبياً من معضلة الاقطاع والمنحالانتقائي والاحتكار و اكتناز الاراضي و الاصول العقارية غير المنتجة والمضاربة بها وهي معضلة حقيقية تعاني منها اقتصادات كثيرة متقدمة و نامية، ويعاني منها اقتصادنا الوطني أيضاً في جانبي الانتاجية والعدالة الاجتماعية، حيث ضاعف اكتناز الاراضي و الامتيازات والاصول العقارية الثروة في أيدي قلة من الأسر في حين ساهمت في جعل الحصول على منزل لذوي الطبقة المتوسطة والاقل دخلاً حلماً بعيد المنال. تقوم حكومتنا الرشيدة في سياق اهداف رؤيتنا المباركة ۲۰۳۰ بجهود حثيثة للانفكاك من هذا الاكتناز و الاحتكار الضار للاقتصاد من خلال رسوم الاراضي والحلول الاخرى لكن الأمر ربما يتطلب اصلاحاً جذرياً للاراضي يحقق القيمة المستهدفة للملاك و الاقتصاد الوطني.

اما الأصول الثابتة الأخرى مثل البنية التحتية والمرافق الصناعية و الزراعية واللوجستية والآلات والمعدات والأصول غير الملموسة والاحتياطيات المعدنية - أنواع الأصول التي تدفع النمو الاقتصادي عادة - فتشكل فقط خمس الأصول الحقيقية أو صافي الثروة وتتراوح من 15 في المائة في المملكة المتحدة وفرنسا 39 في المائة في اليابان (الشكل 3).

تشير الأصول غير الملموسة إلى الملكية الفكرية مثل البحث والتطوير والبرمجيات وتلعب دورًا متزايد الأهمية في اقتصاد اليوم.

ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2015 أن الأصول غير الملموسة والقائمة على الملكية الفكرية كانت تتوقع عوائد بنسبة 24 في المائة وهو أعلى معدل بين فئات الأصول المنتجة. ومع ذلك فإن الأصول غير الملموسة تمثل 4 في المائة فقط من إجمالي صافي الثروة، وبالتالي لم تكن بمثابة مخزن كبير للقيمة - على الأقل ليس بموجب المعايير المحاسبية الحالية لكني أميل الى ان هذه النسبة سوف تتضاعف خلال السنوات القادمة بسبب التقدم التقني والرقمي المذهل، و من حسن الطالع ان المملكة طورت و بوتيرة متسارعة تنظيماتها المولدة للقيمة والمرتكزة على الابتكار والملكية الفكرية و المتمثلة في تعزيز الارضية الصلبة للبحث والابتكار وحماية الملكية الفكرية والمضي قدماً في تطوير الحلول القائمة على الابتكار، ومن الأمثلة الجديرة بالذكر احد الحلول الابداعية لتوظيف القيمة الفكرية لما اسمته الهيئة السعودية للملكية الفكرية بمبادرة المؤشرات الجغرافية وهو احد الانماط المستحدثة لتعظيم القيمة الفكرية للاماكن و و ما يرتبط بها من الارث الثقافي والتاريخي والقيمي وما يرتبط بها من العناصر ذات القيمة المضافة والمنتجات والاصول مثل عجوة المدينة المنورة وحلوة الجوف وحائل و خلاص الأحساء، وقد سعدت بلقاء اخي سعادة الدكتور عبد العزيز السويلم رئيس الهيئة و استعرض فريقه آفاقاً طموحة لتحقيق وتعظيم القيمة لاصولنا ذات الارتباط بالملكية الفكرية و هذا نهج سيساهم بحول الله مساهمة عظيمة لمضاعفة القيمة لتلك الاصول في قوائمنا المالية و أصولنا الوطنية.

أشارت استنتاجات البنك الدولي الى تحد فني يواجه الاصول ذات القيمة المرتكزة على الملكية الفكرية ويكمن هذا التحدي في ان قيمة الأصول غير الملموسة بالنسبة لأصحابها في الغالب من المفترض أن تنخفض بسرعة بسبب التقادم والمنافسة على الرغم من أن قيمتها للمجتمع قد يكون لها عمر أطول بكثير.

و من الاستنتاجات في اقتصادات البلدان العشرة التي درسها تقرير مكينزي، بدا أن الشركات والأسواق في كندا والولايات المتحدة تقدر الأصول غير الملموسة بشكل أفضل من تلك الموجودة في البلدان الأخرى. مع ارتفاع نسب السوق إلى القيمة الدفترية، حيث تجاوزت قيمة حقوق ملكية الشركات في الولايات المتحدة قيمة صافي الأصول الأساسية بمقدار ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 على سبيل المثال. وقد يعكس هذا قيمة أعلى للأصول غير الملموسة مثل البرمجيات والملكية الفكرية، ولكنه قد يرتبط أيضًا بالسوق والبيئة التنافسية.

كان نمو صافي الثروة قبل عام 2000 يتتبع إلى حد كبير نمو الناتج المحلي الإجمالي على المستوى العالمي مع وجود اختلافات عرضية بين البلدان عن هذا النمط كما هو الحال في الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات في الفترة التي سبقت أزمة المدخرات والقروض و في اليابان خلال فقاعة الأصول التي أعقبتها أزمة مصرفية في أوائل التسعينيات (الشكل 4).

و بدأ صافي القيمة بالقيمة السوقية ينمو بشكل أسرع من الناتج المحلي الإجمالي في معظم البلدان العشرة منذ عام 2000 و مع استمرار الاستثمار الحقيقي في التحرك جنبا إلى جنب مع الناتج المحلي الإجمالي تزامن ذلك مع فترة تراجعت خلالها أسعار الفائدة ومعدلات العائد على العقارات إلى أدنى مستوياتها التاريخية. فبين عامي 2000 و 2020 كانت القيمة الصافية للثروة الصافية مقارنة بالناتج المحلي أعلى بمقدار 104 نقاط مئوية في المتوسط مقارنة بالفترة ما بين 1970 و 1999. وكانت أكبر زيادة في صافي الثروة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في الفترة من 2000 إلى 2020 في فرنسا حيث ارتفعت بنسبة 371 نقطة مئوية.

ارتفعت أسعار العقارات لا سيما في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وشكلت أسعار الأصول المرتفعة حوالي ثلاثة أرباع النمو في صافي الثروة بين عامي 2000 و 2020 ، في حين شكل الادخار والاستثمار 28 في المائة فقط.

و للبحث عن أسباب النمو السريع في صافي الثروة في ظل ان القيمة الصافية هي مطالبة بالدخل المستقبلي، عكس نموهاً تاريخيا وإلى حد كبير استثمارات من النوع الذي يدفع الإنتاجية والنمو بالإضافة إلى التضخم العام. ومع ذلك فقد كان صافي الاستثمار كحصة من الناتج المحلي الإجمالي منخفضًا ومتراجعاً وعلى مدى العقدين الماضيين لا سيما في الاقتصادات المتقدمة، حيث ساهم بنسبة 28 في المائة فقط في توسع صافي الثروة وشكلت الزيادات في أسعار الأصول 77 في المائة من نمو صافي الثروة وكان أكثر من نصف تلك الآثار السعرية زائدة عن التضخم العام (تعكس نسبة 4 في المائة التي تزيد عن 100 في المائة صافي الأصول المالية السلبية على المستوى العالمي).

زادت تقييمات الأصول الحقيقية على مدى العقدين الماضيين مع انخفاض أسعار الفائدة وانخفاض عوائد التشغيل الأصول الحقيقية ضرورية للاقتصاد العالمي، وتمثل العوائد على تلك الأصول حوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي مباشرة، في حين ان النمو في الأصول الحقيقية يكمل أيضا العمل في دفع الإنتاجية والتي بدورها تدفع النمو الاقتصادي.

ومع ارتفاع تقييمات الأصول تجاوزت مكاسب التقييم بالإضافة إلى التضخم العوائد التشغيلية في العديد من الاقتصادات على مدار العقد الماضي. وقد خلق هذا سببًا منطقيًا للمستثمرين لإعطاء الأولوية للزيادات المحتملة في أسعار الأصول على الاستثمار الاقتصادي الحقيقي في الأصول التشغيلية وتحسينها، ويتضحذلك في الزيادات الكبيرة في تقييمات الشركات الريادية لاسيما في قطاعات الاقتصاد الجديد والتقنية و نماذج الابتكار التي مثلت نسبة كبيرة من تلك الشركات مثل جوجل و ابل و امازون و تسلا و میكروسوفت وغيرها

و على الصعيد المحلي اشارت تقارير متتابعة الى نمو الاستثمار في الشركات الريادية القائمة على الابتكار واشار تقرير اصدره الصندوق الاستثماري اس تي في التابع لشركة الاتصالات السعودية الاسبوع الماضي الى تضاعف الاستثمارات في الشركات الريادية خلال خمس سنوات من أقل 50 مليون دولار الى نحو 548 مليون دولار حسب تقرير اس تي في و لا غرابة في ان هذا التقرير يفتتح صفحته الاولى بهدف طموح لإنشاء 45 شركة ريادية مليارية "يونيكورن" حتى عام 2030 وهو امر ممكن بالنظر الى الاداء الرائع لاقتصادنا الوطني الذي ساهم في تطوير شركات مليارية مثل جاهز و کریم و ساهم في تطوير سلسلة قيمة قادرة على توليد هذه الشركات المليارية الشكل (5).

تختلف عوائد التشغيل على الأصول المنتجة اختلافا كبيرًا عبر الدول العشر التي تتبعها تقرير ماكينزي، حيث تتراوح من 3 إلى 4 في المائة في الاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية و 6 إلى 8 في المائة في أستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ، و 11 في المائة في المكسيك . و تشرح محافظ الأصول ومزيج القطاعات هذه الاختلافات جزئيًا فقط، فبالنسبة لأستراليا والمملكة المتحدة قد يؤدي ارتفاع أسعار الأراضي إلى تحريف بعض النتائج، اما في كندا والولايات المتحدة تستمر العوائد المرتفعة حتى بعد تعديل ذلك.

كان انخفاض أسعار الفائدة وسهولة الوصول للتمويل بتكلفة زهيدة، عاملاً أساسياً في زيادة قيم الأصول، فقد ارتفع صافي الثروة منذ عام 2000 مع انخفاض أسعار الفائدة و وحدت علاقة عكسية قوية بين المتوسطات المتجددة لخمس سنوات لصافي الثروة ومعدلات الفائدة الاسمية بعد عام 2000. في اليابان والولايات المتحدة لم تثبت هذه العلاقة، ربما لأن كلا البلدين عمل على إصلاح ميزانيتهما العمومية في أعقاب الأزمات المالية. و شهدت اليابان والصين أدنى متوسط انخفاض سنوي في أسعار الفائدة طويلة الأجل.

تضاعفت أسعار المساكن ثلاث مرات تقريبا بين عامي 2000 و 2020 في الدول العشر تلك التي تتبعها تقرير ماكينزي.

يوضح العقار أساس مكاسب التقييم وارتباطها بأسعار الفائدة أو الخصم. ونظرا لارتفاع أسعار المساكن التي تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا في المتوسط عبر بلدان العينة العشرة من عام 2000 إلى عام 2020م فإن تأثير دخل الإيجارات المرتفع، بما في ذلك الإيجارات المحسوبة على العقارات المملوكة بالكامل، قد تفوق عليه الانخفاض الحاد في عائدات الإيجارات. عادة ما تنخفض عائدات الإيجارات مع انخفاض أسعار الفائدة مع انخفاض تكاليف التمويل. وبالتالي فقد لعب انخفاض أسعار الفائدة دورا حاسما في ارتفاع أسعار العقارات. و لعب العرض غير المرن للأراضي دورًا أيضًا وإلا فقد يتوقع المرء أن تنخفض الإيجارات مع انخفاض أسعار الفائدة بدلاً من ارتفاع أسعار العقارات. وسجلت أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة أعلى معدل نمو في قيمة العقارات المنزلية بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ومن صافي مكاسب الثروة المرتبطة بالعقارات على المستوى العالمي جاء حوالي 55 في المائة من ارتفاع أسعار الأراضي، بينما يُعزى 24 في المائة إلى ارتفاع تكاليف البناء. أما نسبة 21 في المائة المتبقية فكانت نتيجة لصافي الاستثمار - أي بناء منازل جديدة أو إدخال تحسينات على المنازل.

يبدو أن أسعار العقارات مرتفعة من منظور تاريخي طويل المدى و - وفقًا لبيانات من الاقتصادي روبرت شيلر الحائز على جائزة نوبل - فإن أسعار المساكن المعدلة حسب التضخم في الولايات المتحدة على مدى الـ 130 عاما الماضية قد تحركت في الغالب بما يتماشى مع تضخم أسعار السلع. ومع ذلك، كان هناك استثناءان لذلك بداية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرة وبداية في أواخر التسعينيات واستمرارها حتى عام 2006. ثم انخفضت أسعار المساكن بشكل حاد أثناء وبعد الأزمة المالية لعام 2008 ولكنها عادت إلى مستويات ما قبل الأزمة.

تركز النظرة الأطول أجلاً لأسعار المنازل على قناة هيرينجراخت في أمستردام التي يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة قرون حتى عام 1650. هناك أيضاً تحركت أسعار المساكن إلى حد كبير بما يتماشى مع التضخم بمرور الوقت، وتحركت أسعار الإيجارات إلى حد كبير على نفس المنوال وتيرة أسعار المساكن تظهر بيانات أمستردام أيضًا زيادة ملحوظة في أسعار المساكن الحقيقية بدءًا من التسعينيات وحتى عام 2005 عندما تنتهي البيانات. كانت الأسعار الحقيقية في عام 2005 قريبة من ذروتها في أواخر القرن الثامن عشر.

حدث كل نمو صافي الثروة تقريباً من عام 2000 إلى عام 2020 في قطاع الأسرة نتيجة لتزايد قيم الأسهم والعقارات، فقد نمت القيمة الصافية في القطاع المنزلي من 4.2 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000 إلى 5.8 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 متجاوزة نمو صافي الثروة بشكل عام. وجاء نصف النمو الصافي لثروة الأسر من ارتفاع تقييمات الأسهم، لا سيما في الصين والسويد والولايات المتحدة، مع 40 في المائة أخرى من ارتفاع تقييمات المساكن. نمت قيم الإسكان في أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة بأكثر من مضاعف إجمالي للناتج المحلي الإجمالي، كما نما صافي ثروة الأسر نتيجة لارتفاع الودائع التي تسربت إليها على خلفية إجراءات التحفيز، لكن الدين في قطاع الأسرة ظل ثابتًا نسبيًا بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

نمت الأصول المالية مثل الأسهم والسندات والمشتقات من عام 2000 إلى عام 2020 من 8.5 إلى 12 ضعف الناتج المحلي الإجمالي. ومع ارتفاع أسعار الأصول تم إنشاء ما يقرب من 2 دولار من الديون وحوالي 4 دولارات من إجمالي المطلوبات بما في ذلك الديون مقابل كل دولار واحد في صافي الاستثمار الجديد و كانت الاختلافات بين البلدان واسعة النطاق، حيث تراوح مقدار الدين الذي تم إنشاؤه لكل دولار واحد في صافي الاستثمار الجديد من دولار واحد في الصين إلى ما يقرب من 5 دولارات في المملكة المتحدة.

مقابل كل دولار واحد في صافي الاستثمار الجديد، تم إنشاء ما يقرب من 2 دولار من الديون وحوالي 4 دولارات من إجمالي الالتزامات بما في ذلك الديون بين عامي 2000 و 2020.

و في القطاع المالي نمت الأصول المالية من 4.4 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000 إلى 6.0 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 ، وشهدت التزامات العملة والودائع على وجه الخصوص نموا كبيرًا بلغ 96 نقطة مئوية. وتوسعت الميزانيات العمومية للبنك المركزي، التي يتم تضمينها في القطاع المالي وتعكس العديد من التزامات العملة هذه بشكل جماعي من 0.1 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000 إلى 0.5 مرة في عام 2020. وقد حدث أكثر من 40 في المائة من الزيادة العالمية في الفترة من 2019 إلى 2020 خلال تفشي فيروس كورونا.

و لالقاء نظرة على ما حدث خارج القطاع المالي فقد نمت الأصول المالية من 4.2 ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000 إلى 6.0 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 ، و نمت نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي خارج القطاع المالي بنسبة 79 نقطة مئوية، مع تباين كبير عبر البلدان العشرة في الاقتصاد الكلي زادت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 77 نقطة مئوية خلال هذه الفترة.

و على عكس الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان هذا التوسع السريع يتماشى بشكل عام مع النمو السريع لقيم الأصول وأسعارها، وتجاوز الاستثمار الجديد بشكل كبير، كما نمت الأصول والخصوم المالية بين الأسر والحكومات والشركات غير المالية بمتوسط 3.9 أضعاف صافي الاستثمار التراكمي في الأصول الحقيقية في جميع الاقتصادات العشرة، ونمت الديون بمتوسط ضعف صافي الاستثمار التراكمي. بمعنى آخر تم إنشاء 4 دولارات من المطلوبات المالية لكل دولار واحد في صافي الاستثمار الجديد (الشكل 6) في الصفحة التالية

نسب الدين إلى إجمالي الناتج المحلي هي المقياس المستخدم تقليديًا لتقييم القدرة على تحمل الديون، وبينما تتشابه هذه النسبة في الصين وفرنسا والمملكة المتحدة، تختلف نسب القرض إلى القيمة بشكل ملحوظ من 57% في الصين إلى 98% في فرنسا إلى 138 في المئة في المملكة المتحدة. وتعتبر نسب القرض إلى القيمة التي تقارن مستويات الدين بقيمة الأصول المنتجة مرتفعة بشكل خاص في القطاعات الحكومية في البلدان العشرة، حيث يكون الدين في كثير من الأحيان أعلى بعدة عوامل من الأصول العامة الأساسية. بينما ارتفع الدين، انخفضت تكلفته بشكل حاد مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي بفضل انخفاض أسعار الفائدة.

هناك طرق مختلفة لتفسير توسع الميزانيات العمومية وصافي الثروة بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. يمكن أن يمثل تحولا في النموذج الاقتصادي، أو قد يسبق العودة إلى الوسط التاريخي و قد يكون السعي إلى إعادة التوازن من خلال نمو أسرع للناتج المحلي الإجمالي هو الخيار الأكثر أمانًا والأكثر استحسانًا، ولتحقيق ذلك يبدو أن إعادة توجيه رأس المال إلى استخدامات أكثر إنتاجية واستدامة هو الحتمية الاقتصادية في عصرنا، ليس فقط لدعم النمو والبيئة ولكن أيضًا لحماية ثرواتنا وأنظمتنا المالية.

من وجهة النظر الأولى حدث تحول في النموذج الاقتصادي جعل مجتمعاتنا أكثر ثراء مما كانت عليه في الماضي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. و من وجهة النظر هذه فإن الاتجاهات العالمية بما في ذلك شيخوخة السكان، والميل الكبير للادخار بين أولئك الذين هم في الطرف الأعلى من طيف الدخل، والتحول إلى زيادة الاستثمار في الأصول غير الملموسة التي تفقد قيمتها الخاصة بسرعة هي عوامل تغيير محتملة للعبة تؤثر على المدخرات والاستثمارات. ويمكن أن تؤدي هذه معًا إلى انخفاض أسعار الفائدة بشكل مستدام وتوقعات مستقرة للمستقبل، وبالتالي دعم تقييمات أعلى للأصول مما كانت عليه في الماضي.

من وجهة النظر المعارضة لهذا التوجه، قد تنتهي هذه الفترة الطويلة من الاختلاف وقد تعود أسعار الأصول المرتفعة في النهاية إلى علاقتها طويلة الأجل بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي كما حدث في الماضي. وقد تؤدي زيادة الاستثمار في التعافي بعد جائحة كورونا أو في القوة الكامنة في الاقتصاد الرقمي أو في برامج و استثمارات الاستدامة وتحول الطاقة، قد تؤدي إلى تغيير ديناميكية المدخرات والاستثمار وتضغط على معدلات الفائدة وهذا من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض جوهري في قيمة العقارات التي عززت النمو في صافي الثروة العالمية على مدى العقدين الماضيين.

ليس فقط استدامة الميزانية العمومية الموسعة موضع تساؤل و لكنه أمر محبذ أيضًا ومرغوب فيه، ونظرا لبعض الدوافع والعواقب المحتملة للتوسع - على سبيل المثال - هل من الجيد للاقتصاد أن تكون أسعار المنازل المرتفعة بدلاً من الاستثمار في الأصول الإنتاجية هي المحرك للنمو، وأن هذه الثروة تبنى في الغالب من ارتفاع الأسعار على الثروة الموجودة ؟

إذن، قد تكون أذكى طريقة للمضي قدمًا هو أن يعمل صانعو القرار على تحقيق الاستقرار وخفض الميزانية العمومية بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من خلال نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وللقيام بذلك سوف يحتاجون إلى إعادة توجيه رأس المال نحو الاستثمار الإنتاجي الجديد في الأصول الحقيقية والابتكارات التي تسرع النمو الاقتصادي.

بالنسبة لقادة الأعمال قد يعني هذا تحديد فرص نمو جديدة وطرق رفع إنتاجية القوى العاملة باستثمارات رأسمالية، ولدى العديد من الشركات اليوم سيولة زائدة يمكن استخدامها لتحقيق ذلك. ويمكن أن تتحول استثمارات الاستدامة - على سبيل المثال من تكلفة إلى فرصة نمو إذا تم وضع شروط إطار عمل مثل تسعير الكربون الأعلى والتي تتطلب استثمارات أعلى مع الحفاظ على تكافؤ الفرص بين المنافسين.

هل يمكن للتغييرات في الطريقة التي يتم بها حساب الأصول غير الملموسة في الميزانيات العمومية للشركات أن تؤدي إلى زيادة الاستثمار؟ وكيف يجب أن يفكر قادة الأعمال والقادة الحكوميون وصناع السياسات الاقتصادية في توفير وسائل جديدة ذات قيمة، وتطوير تقييمات الأسهم بربطها بالقيمة الكلية التي تتيحها منظومات سلاسل القيمة في الاقتصادات الوطنية، وكيف يمكن تعزيز هذا التوجه لبناء وتعظيم ثروة الأسرة ؟

يمكن لقادة المؤسسات المالية أن يسعوا إلى تطوير آليات تمويل تهدف إلى توظيف رأس المال في فرص النمو الجديدة مع الحد من إنشاء الديون لمعاملات الأصول بأسعار متزايدة الارتفاع بحيث تنعكس الميزانية العمومية العالمية بشكل مباشر على ميزانياتها العمومية

و ربما وردت تساؤلات أخرى بعيدًا عن تقييمات المخاطر من قبيل ماذا تعني اتجاهات العشرين عاما الماضية والسيناريوهات المقبلة لميزانياتها العمومية ونمو إيراداتها ؟ كيف يمكنهم المساهمة في تطور الميزانية العمومية العالمية، وماذا يعني ذلك بالنسبة للخدمات المصرفية المسؤولة ؟

بالنسبة لواضعي السياسات، تتطلب إعادة التوازن إزالة الحواجز أمام الاستثمار في الفجوات في الاقتصاد، مثل الاستدامة والإسكان الميسور التكلفة الأدوات موجودة بالفعل لتحقيق ذلك مثل إصلاح الاراضي ( أشرت الى ذلك اعلاه و على الاخص لحاجة اقتصادنا السعودي الى خطوة جذرية لإصلاح الاراضي تتزامن مع جهود الحكومة الرشيدة لفرض رسوم على الاراضي المكتنزة و

من ذلك تعزيز السياسات لمكافحة المضاربة بالاراضي و سياسات تقسيم المناطق التي تجعل العقارات نادرة، والروافع الضريبية التي تغير الضرائب على مكاسب رأس المال والممتلكات المتعلقة بالدخل، وأن تصبح أكثر جدية بشأن تسعير الكربون وتنظيمه مع مواءمة مصالح منتجي المواد الهيدروكربونية و المستهلكين لاسيما الحكومات التي تفرض رسوماً كبيرة على المشتقات النفطية في الدول المتقدمة.

تقدم هذه المقاربة طريقة جديدة لتقييم سياق الاقتصاد الكلي الذي تعمل فيه الشركات والحكومات والأسر والمؤسسات المالية وتعيش فيها كما يوفر منصة لتطوير سيناريوهات للمستقبل وإيجاد طرق للتحوط ضد المخاطر والاستفادة من الروافع الاقتصادية والسياسات المبتكرة في حالة إعادة توازن الميزانيات العمومية وتغير البيئة الاقتصادية نتيجة لذلك. أتوقع معالجة بعض هذه الأسئلة في مزيد من البحث حول تصور شكل ميزانية العالم ربما انطلاقاً من ميزانيتنا الوطنية التي اضحت أكثر شفافية وعمقاً بدعم من الجهود المبذولة من وزارة المالية ووزارة الاقتصاد والتخطيط و برنامج تطوير القطاع المالي، كما اتوقع ان تقوم ممكنات الاقتصاد الرقمي الوطني لاسيما مراكز الاستشراف و تحليل البيانات في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي والمؤسسات المماثلة ومؤسسات الاقتصاد الجديد القائم على الابتكار والمؤسسات الريادية بتطوير رؤاها الخاصة لفهم آفاق اقتصاد العالم من منظور توليد الثروة المستدامة التي يمكن عكسها في تصور ميزانية العالم كما لو كان شركة.

وختاماً أود ان أؤكد ان الجهد الذهني الذي بذلته في تطوير هذه المقاربة لفهم ميزانية العالم هو في حقيقة الأمر محدود جداً و لا أدعي المعرفة فلست مختصاً بهذا العلم لكني طالب علم اجتهد للبحث عن اجابة عن الاسئلة و معظم ما ورد في هذه المقاربة هو اعادة تطوير وتوحيد لرؤى مختلفة عمل عليها آخرون وكان دوري مقتصراً على تصيدها و تجميعها و ترجمتها واعادة صياغتها بغرض شحذ الهمم لاثراء هذا الجانب التخيلي عن ميزانية العالم و تحفيز التعلم واثراء الرؤى.

تقرير الدين العالمي: مقاربة لمعدل الدين الى الناتج المحلي الاجمالي

منذ أن بدأ انتشار جائحة كورونا في بواكير ربيع عام 2020 خضع الاقتصاد العالمي للاختبار مع اضطرابات سلسلة التوريد ، وتقلب أسعار السلع ، والتحديات في سوق العمل ، وانخفاض الدخل من السياحة. وقد قدر البنك الدولي أن ما يقرب من 97 مليون شخص قد دفعوا إلى براثن الفقر المدقع نتيجة الجائحة.

من أجل المساعدة في هذا الوضع الصعب ، كان على الحكومات العالمية زيادة نفقاتها للتعامل مع ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والبطالة وانعدام الأمن الغذائي ومساعدة الشركات على البقاء.

أخذت البلدان على عاتقها ديون جديدة لتقديم الدعم المالي لهذه الإجراءات ، مما أدى إلى تسجيل أعلى مستويات الديون العالمية في نصف قرن.

لتحليل حجم الدين العالمي ، قمنا بتجميع بيانات الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي حسب البلد من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي.

نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي حسب الدولة: الدول العشر الأكثر مديونية

نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي هي مقياس بسيط يقارن الدين العام لبلد ما بإنتاجه الاقتصادي من خلال مقارنة المبلغ

المستحق لبلد ما ومقدار ما ينتج فى السنة ، يمكن للاقتصاديين قياس القدرة النظرية لبلد ما على سداد دیونه ترتيب أكبر 10 دول من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي:

تأتي اليابان والسودان واليونان على رأس القائمة حيث تجاوزت نسب الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي 200% ، تليها إريتريا (175%) والرأس الأخضر (160%) وإيطاليا( 154%).

مستوى ديون اليابان لن يكون مفاجأة لمعظم الناس في عام 2010 ، أصبحت أول دولة تصل إلى نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 200% ، وهي الآن تبلغ 257%.

و من أجل تمويل الديون الجديدة ، تصدر الحكومة اليابانية السندات التي يشتريها بنك اليابان بشكل أساسي.

و بحلول نهاية عام 2020 ، امتلك بنك اليابان 45% من الديون الحكومية المستحقة.

ما هو الخطر الرئيس الارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ؟

الزيادة السريعة في الدين الحكومي سبب رئيس للقلق. وبشكل عام، كلما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لبلد ما زادت فرصة تخلف الدولة عن سداد ديونها، وبالتالي خلق حالة من الذعر المالي في الأسواق.

نشر البنك الدولي دراسة تظهر أن البلدان التي حافظت على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تزيد عن 77% لفترات طويلة من الزمن عانت من تباطؤ اقتصادي.

أدى فيروس كورونا الجديد (كوفيد 19) إلى تفاقم أزمة الديون التي كانت تختمر منذ الركود العالمي عام 2008.

يظهر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي (IMF) أنه سيتعين على 100 دولة على الأقل خفض الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

كما أن هناك 30 دولة في العالم النامي لديها مستويات عالية من ضائقة الديون مما يعني أنها تواجه صعوبات كبيرة في خدمة ديونها.

تضرب هذه الأزمة البلدان الفقيرة والمتوسطة الدخل أكثر من البلدان الغنية.

تقترض البلدان الأكثر ثراء لإطلاق حزم التحفيز المالي بينما لا تستطيع البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تحمل مثل هذه التدابير ، مما قد يؤدي إلى تفاوت عالمي أوسع.

صندوق النقد الدولي يحذر من أثر أسعار الفائدة المرتفعة

بلغ الدين العالمي 226 تريليون دولار بنهاية عام 2020 ، مسجلاً أكبر زيادة في عام واحد منذ الحرب العالمية الثانية.

وشكل الاقتراض من قبل الحكومات أكثر بقليل من نصف الزيادة البالغة 28 تريليون دولار ، مما رفع نسبة الدين العام العالمي إلى مستوى قياسي بلغ 99% من الناتج المحلي الإجمالي.

مع ارتفاع أسعار الفائدة ، يحذر مسؤولو صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع أسعار الفائدة سيقلل من تأثير الإنفاق المالي ، وسيؤدي إلى تفاقم مخاوف القدرة على تحمل الديون.

و أشار بيان صندوق الدولي الى انه : "ستتضاعف المخاطر إذا ارتفعت أسعار الفائدة العالمية بشكل أسرع مما كان متوقعا وتعثر النمو".

وأضاف البيان : " إن تشديد الظروف المالية بشكل كبير من شأنه أن يزيد الضغط على الحكومات والأسر والشركات الأكثر مديونية. إذا أجبر القطاعان العام والخاص على التخلص من الديون في وقت واحد ، فستتأثر آفاق النمو ".

إهداء الترجمة

الإهداء للصديق الغالي و إبن العم عمار الخضيري

رئيس مجلس ادارة البنك الأهلي السعودي سابقاً الذي تكرم علي بالاشارة إلى جوانب مرتبطة بالناتج المحلي الاجمالي و ميزانية العالم في نقاش سابق.

المقالات الأصلي في موقع مكنزي جلوبال انستيتيوت

مقالات ذات صلة