ملخص: يعرض المقال تحولاً جذرياً في العلاقات الأمريكية-السعودية بعد زيارة ولي العهد إلى واشنطن، حيث كرّست الرياض شراكة استراتيجية ندّية واسعة تشمل الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والمعادن الحرجة من دون تقديم أي تنازل في ملف التطبيع مع إسرائيل، مستفيدة من صعود نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي وتراجع القدرة الأمريكية على فرض شروط سياسية في ظل أزمات غزة، وتنافس واشنطن مع الصين، وضعف سلاسل التوريد. ويبيّن المقال أن السعودية أعادت صياغة العلاقة على أساس المصالح المشتركة والتكامل الاستراتيجي—من اتفاقية دفاعية متقدمة وتعاون نووي، إلى شراكات ضخمة في أشباه الموصلات والمعادن النادرة—مع حفاظها على موقف ثابت يشترط قيام دولة فلسطينية قبل أي تقارب مع إسرائيل. وترى الكاتبة أن هذا التموضع السعودي الواثق يعكس صبراً استراتيجياً وقدرة على موازنة القوى الكبرى، وأن النموذج الجديد للعلاقة يقوم على التعاون دون إملاءات، ما قد يعيد تشكيل المشهد الإقليمي، ويضع التطبيع على الرف لسنوات، ويمهد لمرحلة تُبنى فيها الشراكات وفق المصالح لا الضغوط السياسية.
بقلم البروفيسورة اتش. اي هيلر
إعادة التشكيل الأمريكية السعودية حقيقية و ترتكز على قاعدة صلبة من التعاون و التكامل والندية السياسية، و الأهم انها لم تعد تعتمد على إسرائيل.
بلورت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للبيت الأبيض الأخيرة تحولاً أساسياً في العلاقات الأمريكية السعودية: لم يعد لدى واشنطن النفوذ للمطالبة بالتطبيع السعودي مع إسرائيل.
بعد أن نأت إدارة بايدن بنفسها عن الرياض لفترة من الوقت ثم عادت راغمة، أعادت واشنطن الآن المعايرة. لم يكن ذلك مدفوعاً بالدبلوماسية أو مواءمة القيم ولكن بالضغوط الهيكلية، بما في ذلك القوة الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية التي اكتسبتها السعودية من جهة، والارتداد السياسي الذي واجهته واشنطن لدعمها العسكري والدبلوماسي لحملة غزة الإسرائيلية، مما أدى إلى توتر مصداقية الولايات المتحدة في جميع أنحاء المنطقة.
كانت نقاط الضعف في سلسلة التوريد التي تعرضت لها خلال وباء كوفيد - 19 ، والصدمة لأسواق الطاقة العالمية بعد غزو روسيا الشامل لأوكرانيا، والمنافسة الاستراتيجية المكثفة مع الصين عبر التكنولوجيا والتصنيع والمعادن الحيوية، مفتاح هذه الضغوط الهيكلية.
ولكن ربما كان الأهم من ذلك كله هو تجزؤ السياسة في منطقة العالم العربي الأوسع في أعقاب هجوم 7 أكتوبر وحرب إسرائيل على غزة - وهي حرب أدانتها على نطاق واسع بسبب حجم الدمار المدني وتشريد جميع سكان غزة تقريباً، والتي أرسلت موجات صدمة في جميع أنحاء المنطقة.
لقد فهمت السعودية إعادة التموضع الاستراتيجي وإدراك ثقلها الحضاري هذه بدقة ملحوظة، حيث استخرجت تنازلات كبيرة من الأمريكيين دون تقديم أي تنازلات بشأن القضية التي سعت إليها الإدارتان الأمريكيتان، وإن كان ذلك بدرجات مختلفة: التطبيع السياسي الرسمي مع إسرائيل.
قام ولي العهد بفصل التعاون الاستراتيجي الأمريكي السعودي بشكل فعال عن التطبيع الدبلوماسي، ومقاومة ضغط عهد بایدن والتوقعات التي تم ترحيلها من الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب.
الرسالة السعودية واضحة المواءمة مع المصالحالاستراتيجية الأمريكية مهمة، ولكن التقارب السياسي مع إسرائيل لن يحدث الفيصل هو ثبات السعودية على مواقفها الأخلاقية الراسخة دون أن تتزعزع قيد أنملة بالرغم من الضغوط في كلا الاتجاهين، وهذا هو أيضا السبب في صعود قضايا ذات بعد إنساني وأخلاقي مثل السودان خلال هذه الرحلة.
هذا لا يمثل مجرد تنازل تكتيكي ولكن إعادة معايرة هيكلية تعكس النفوذ الأمريكي المتآكل وقدرة الرياض المتزايدة على الصبر الاستراتيجي في أمر دولي مجزأ.
حزمة استراتيجية حصلت عليها كل من الولايات المتحدة والسعودية بندية ترتكز على المصالح المشتركة
تمثل الاتفاقيات التي تم الإعلان عنها في واشنطن واحدة من أكثر الاتفاقيات شمولاً للمجال الاقتصادي و الاستثماري و الاستراتيجي والأمني وساهمت في إعادة تشكيل العلاقات الأمريكية السعودية منذ عقود.
اتفق البلدان على اتفاقية دفاعية استراتيجية جديدة تهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على التعاون الأمني. على الرغم من أنها ليست معاهدة دفاع متبادل، إلا أنها تمثل ترقية كبيرة في البنية الأمنية الثنائية، وكذلك تصنيف المملكة العربية السعودية كحليف رئيسي مماثل لوضع حلفاء حلف شمال الأطلسي دون التزاماتها بأعباء الحلف" - وهي تشمل إعادة تعريف العلاقة الاستراتيجية التبادلية التي تمنح السعودية الكثير من الامتيازات و منها الحصول على أسلحة نوعية مخصصة للحلفاء.
في الواقع أشارت الولايات المتحدة أيضا إلى استعدادها لدفع عملية بيع 35-F المتوقفة منذ فترة طويلة، حتى لو تم الإبلاغ بعد ذلك عن أن وزير الخارجية ماركو روبيو أخبر الإسرائيليين أن واشنطن مضطرة لمنح الرياض هذه الصفقة من المقاتلات النوعية مع الحفاظ على ما يسمى بالحافة العسكرية النوعية لإسرائيل، وهو التزام قانوني أمريكي.
ومع ذلك فإن 35-F ليست القصة الرئيسية هنا ولن تكون كذلك أبداً في الملف النووي، أعلنت واشنطن والرياض عن إطار تعاون مدني. وأثار خبراء عدم الانتشار مخاوف من أن أحكام "المعيار الذهبي" التي تتطلب التخلي عن تخصيب اليورانيوم المحلي وإعادة معالجته ضعيفة على ما يبدو. يؤكد المسؤولون الأمريكيون علنا أن الترتيب الحالي لا يسمح بالتخصيب ولا يزال يركز بشكل صارم على توليد الطاقة المدنية، ولكن التدقيق في لغة الاتفاق بشأن قدرات التخصيب المستقبلية ونطاق نظام التفتيش لا يزال قائما مع ظهور تفاصيل التنفيذ.
يحمل التعاون النووي الثنائي أهمية استراتيجية خاصة بالنظر إلى احتياطيات اليورانيوم الكبيرة للمملكة العربية السعودية. يحتوي رواسب جبل سید و مكامن اليورانيوم الأخرى في الدرع العربي و جنوب منطقة حائل السعودية على ما يقرب من 31000 طن من اليورانيوم مما يضع المملكة كمورد بديل محتمل للصناعة النووية الأمريكية في وقت تسيطر فيه روسيا والصين على أكثر من نصف الطاقة العالمية لتخصيب اليورانيوم بعد قانون حظر واردات اليورانيوم الروسي في مايو 2024 الذي حظر واردات اليورانيوم الروسية منخفضة التخصيب حتى عام 2040 ، يمكن أن يكون اليورانيوم السعودي بمثابة إمدادات بديلة حاسمة.
كما أسفر اجتماع البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي و ولي العهد السعودي عن إطار جديد لوضع رأس المال السعودي لدعم تصنيع أشباه الموصلات الأمريكية وتطوير الذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم الذي ستكون السعودية الكاسب الأكبر فيه لتمكينها من الحصول على أشباه الموصلات وتقنياتها المتطورة بطريقة مبتكرة و فعالة.
أشار المسؤولون السعوديون والمحاورون الأمريكيون إلى أرقام الاستثمار التي تتجاوز تريليون دولار، بعد بيان المكتب البيضاوي لولي العهد - على الرغم من أن هذا يعكس النوايا والمواءمة الاستراتيجية بدلاً من المبالغ المتعاقد عليها مما يعطي السعودية المرونة والانتقائية لتحقيق مصالحها التي قال ولي العهد السعودي - ببديهة واثقة وشجاعة منقطعة النظير - انها الدافع الحقيقي للتعاون والاستثمار المتبادل وليس لارضاء الرئيس ترامب او المواطنين الأمريكان .
وأخيراً، فإن استكمال هذا البعد الجديد للعلاقات الاستراتيجية هو مبادرة ثنائية هامة وكبيرة بشأن المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة.
وصف المسؤولون الأمريكيون هذه الموارد بأنها ضرورية للحد من الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية وتأمين المرونة على المدى الطويل في قطاعات تتراوح من السيارات الكهربائية إلى أنظمة الدفاع، مشيرين صراحة على هذا النحو فيما يتعلق بصفقة وقعتها الولايات المتحدة مؤخرا مع أستراليا.
البعد المعدني الحرج: الحد من النفوذ الصيني
يمثل التعاون في مجال المعادن النادرة عنصراً استراتيجياً بشكل خاص في العلاقة الثنائية المملكة العربية السعودية هي موطن الرواسب معادن نادرة منها اليورانيوم والثوريوم التي تم الكشف الأولي عنها جنوب منطقة حائل السعودية و التي يعتقد - على نطاق واسع أنها تحتوي على رابع أكثر الاحتياطيات قيمة من العناصر الأرضية النادرة على مستوى العالم.
هذه الاحتياطيات مهمة للغاية لأن الولايات المتحدة تنتج في المقام الأول أرضية نادرة محدودة لا تفي باحتياجاتها الصناعية النهمة لاسيما للاستجابة للطلب الكبير و المتواني لصناعات الأسلحة المتطورة و الصناعات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة و أشباه الموصلات، ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على الواردات في المعادن النادرة الثقيلة - وهي نقطة ضعف استغلتها الصين مراراً وتكراراً من خلال تشديد ضوابط التصدير.
تعد معادن الأرض النادرة الثقيلة مدخلات أساسية للقدرات الدفاعية الأمريكية المتقدمة مقاتلات 35-F والغواصات من فئة فرجينيا وكولومبيا، وصواريخ توماهوك، وأنظمة الرادار، وطائرات بريداتور بدون طيار والأسلحة الموجهة بدقة.
كما أنها أساسية للتكنولوجيات المدنية الحرجة، من أشباه الموصلات للسيارات إلى آلات التصوير بالرنين المغناطيسي وأنظمة علاج السرطان.
في تطور كبير أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها ستمول حصة 49 في المائة من الأسهم في مصفاة أرضية نادرة جديدة في المملكة العربية السعودية بالشراكة مع شركة معادن (مملوكة بنسبة 67 في المائة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي ) و شركة ام بي ماتريالز MP Materials ستقوم الإدارة بتمويل حصة الولايات المتحدة بالكامل بينما توفر شركة ام بي ماتريالز MP Materials الخبرة الفنية، وتمتلك معادن Maaden الأسهم المتبقية بنسبة 51 في المائة.
تعكس هذه الشراكة التحول السريع للمملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030 إلى لاعب رئيسي في المشهد العالمي للمعادن الحرجة.
و يكشف التسلسل عن الضرورات الاستراتيجية الأمريكية.
قدمت واشنطن على طبق من ذهب للسعودية الكثير من التنازلات بما في ذلك التعاون التكنولوجي الحساس والمبيعات الدفاعية المتطورة، ورفع مستوى الضمانات الأمنية دون الحصول على أي التزام سعودي بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
تعتبر إدارة ترامب رأس المال السعودي ضرورياً لإعادة تصنيع أشباه الموصلات والحد من التعرض لسلاسل التوريد الصينية.
يسعى إلى التنبؤ بكيفية مشاركة المملكة العربية السعودية في تسعير النفط السعودي بحيث يساهم وإن بشكل غير مباشر في إدارة التضخم المحلي الأمريكي وتجنب التداعيات السياسية المحلية الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود و ضعف الدولار.
و يعتمد الأمريكيون على المشتريات الدفاعية السعودية للحفاظ على عناصر القاعدة الصناعية الأمريكية. وتريد واشنطن المواءمة مع الرياض في المسابقة الاستراتيجية الأوسع مع الصين من معايير أشباه الموصلات إلى تمويل البنية التحتية في البلدان النامية في أفريقيا وآسيا على وجه الخصوص.
تعكس هذه التحركات الاحتياجات الأمريكية الهيكلية وليس الحوافز المصممة لفتح التقدم السعودي في التطبيع. في الوقت الحالي، ترى الرياض فائدة المعاملات في المضي قدما في نفس الاتجاه على هذه الملفات.
السعودية وتموضعها الاستراتيجي المحسوب بدهاء و صبر
كان توقيت الزيارة لصالح الرياض. تفاوض ولي العهد خلال فترة من القلق الأمريكي الحاد بشأن الهيمنة التكنولوجية الصينية ونقاط الضعف في سلسلة التوريد، عندما احتاجت واشنطن إلى انتصارات واضحة على صعيد الأمن الاقتصادي.
أشارت المملكة إلى التزامات استثمارية في قطاعات التكنولوجيا والتصنيع والطاقة المجاورة الأمريكية، على الرغم من أن الطبيعة الملزمة والجداول الزمنية لا تزال غامضة وغير ملزمة للرياض و هي كما أشار ولي العهد السعودي تهدف إلى دعم مصالح المملكة العربية السعودية ولا تهدف إلى إرضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب و لا مواطنيه الامريكيين و مؤسساته.
و يستمر التنسيق والتعاون الامريكي السعودي في ملف الطاقة حيث تحتفظ الرياض بما يقرب من مليوني إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا من الطاقة الإنتاجية للنفط الاحتياطية ، وتقوم بذكاء منقطع النظير بالتعاون مع مجموعة منظمة البلدان المصدرة للنفط "بالإضافة إلى دول مهمة من حيث الانتاج والتصدير من خارج أوبك مثل روسيا" لإدارة الإنتاج لتحقيق الاستقرار في الأسواق العالمية. سيتوسع التعاون الدفاعي السعودي الأمريكي من خلال آليات التشاور بشأن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي الجديدة والمشتريات والتعاون المشترك بينهما.
ولكن فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل، لم تقدم الرياض سوى لغة دبلوماسية معايرة تعترف بنوع من العلاقة الممكنة كاحتمال بعيد يتوقف على التقدم نحو إقامة دولة فلسطينية. على انفراد، أفيد أن ترامب دفع ولي العهد للتحرك نحو التطبيع - وأوضح ولي العهد أن بلاده و المجتمع السعودي لن يقبلا مثل هذه الخطوة، على الأقل في الوضع الحالي ما لم يحصل الفلسطينيون على دولة.
لقد قال ولي العهد مراراً وتكراراً وعلناً إن إقامة الدولة الفلسطينية طريق لا رجعة فيه نحوها، هو شرط مسبق لأي نوع من العلاقات - ولن تقبل أي حكومة إسرائيلية يمكن تصورها في المستقبل المنظور ذلك. وعلى هذا النحو لم تكن هناك جداول زمنية ملموسة، أو تدابير لبناء الثقة أو خطوات محددة تشير إلى حركة وشيكة.
يشير المسؤولون السعوديون بشكل خاص وعلني إلى أن حساب التفاضل والتكامل لم يتغير منذ عام 2023. إذا كان هناك أي شيء، فإن الرياض أكثر اقتناعاً بأن التطبيع الذي تريده إسرائيل يحمل تكاليف سياسية باهظة دون أن يحصل العرب على اي قيمة تذكر، لا سيما في ضوء التوسع الاستيطاني المستمر في إسرائيل والعنف المنهجي في الضفة الغربية، مما جعل احتمال أي عملية سلام ذات مصداقية بعيدة بشكل متزايد.
كان هذا الموقف الصارم متعمداً من قبل السعوديين الذين كانوا واضحين و جادين في مسعاهم لحشد اعتراف عشرات الدول بفلسطين دولة مستقلة ضمن حل الدولتين وعقدوا مع الفرنسيين مؤتمراً كبيراً في الامم المتحدة في عقر الدار الأمريكية عياناً بياناً دون تردد أو مواربة.
حصل ولي العهد على ما ما يريده من الولايات المتحدة وضع الحليف الاستراتيجي والوصول الى متقدم إلى الأسلحة الاستراتيجية لاسيما مقاتلات 35-F، والتعاون النووي والشراكات التكنولوجية، ورفع مستوى الضمانات الدفاعية دون إلزام نفسه بخطوة مكلفة سياسياً تجاه إسرائيل - لا سيما في خضم الهجوم الإسرائيلي على غزة، والسياسات المدمرة في الضفة الغربية المحتلة، وغضب العام العربي و الإسلامي والدولي الحاد من السلوك العدواني لإسرائيل و انکشاف سرديتها ومبادئها أمام العالم. أدت الحرب إلى تفاقم الغضب في المنطقة وفي جميع أنحاء العالم - وهي حرب وصفتها هيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بأنها إبادة جماعية.
هناك قضية قائمة حالياً في محكمة العدل الدولية تحقق في هذه التهمة الموجهة إلى إسرائيل، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال الرئيس الوزراء الإسرائيلي بتهمة ارتكاب جرائم حرب. لا يستطيع ولي العهد ببساطة المضي قدماً في التطبيع السياسي مع إسرائيل.
لا يزال الجمهور العربي والإسلامي والشباب الأوربي و الأمريكي غاضباً من سلوك إسرائيل في غزة، ولكن أيضاً في لبنان وسوريا وقطر وما وراءها حيث تحصد العنجهية الاسرائيلية حصاد تهورها و غرورها عندما صعدت الغارات الجوية الإسرائيلية مراراً وتكراراً و أشعلت التوترات الإقليمية وقوضت الجهود الدبلوماسية الأمريكية لمنع نشوب صراع أوسع. بالنسبة للحكومات العربية، فإن تصرف إسرائيل كما لوكان بإمكانها وضع القواعد، وتجاوز الجيران، وفرض النتائج دون النظر إلى العواقب الإقليمية في العامين الماضيين يجعلها أكثر تهديداً للأمن الإقليمي من إيران.
هذا على الرغم من حقيقة أن عدداً كبيراً من الحكومات العربية تعتبر طهران طرفاً فاعلا بسوء نية.
الصبر السعودي الاستراتيجي
يعكس نهج الرياض الواثق واقعاً إقليمياً أوسع في بيئة استراتيجية مجزأة، تأكلت الرافعة المالية الأمريكية المستمدة من حجب التكنولوجيا أو الأسلحة أو الوصول الدبلوماسي.
جاء ولي العهد السعودي مرتكزاً على قاعدة صلبة من الأداء الرائع لرؤية السعودية 2030 و اللحمة الوطنية و الوفاق الدولي مع كافة الأطراف والتوازن السياسي من خلال العلاقات الثنائية القوية مع الصين و روسيا والقوى الفاعلة في اروبا ، وفوق ذلك تمتلك المملكة العربية السعودية بدائل الاستثمار الصيني في منطقة تطوير جديدة ومشاريع الطاقة المتجددة، ومبيعات 400-S الروسية المحتملة لاستكمال الأنظمة الأمريكية، وزيادة القدرة على الاستقلالية الاستراتيجية من خلال شراكات إنتاج الأسلحة المحلية مع كوريا الجنوبية وغيرها.
ما تعاملت به واشنطن ذات مرة على أنه نفوذ أصبحمجموعة من النواتج التي يمكن للرياض الحصول عليها من خلال الصبر الاستراتيجي.
أشارت تعليقات مختلف السياسيين ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة إلى أن واشنطن كانت تطوي الصفحة بشأن بعض القضايا التي كانت محل خلاف و مراجعة ، و قد استثمر السعوديون بدهاء ازدواجية المعايير الأمريكية في التعامل مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي صدرت بحقه أحكام ومذكرات اعتقال من محكمة الجنايات الدولية بالرغم من الاستقبال الذي تلقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتنياهو في واشنطن على الرغم من مقتل الصحفيين الفلسطينيين بمعدلات غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، والتي أصرت العديد من الجماعات الحقوقية على استهدافها عمدا. لم يمر الاختلاف دون أن يلاحظه أحد في العالم العربي الأوسع، وهو تفاوت عزز التصور بأن معايير حقوق الإنسان الأمريكية تطبق بشكل انتقائي.
البعد السوداني
الاحتكاك الإقليمي والولايات المتحدة. إعادة الانخراط خلال الزيارة، أثار ولي العهد أيضا الصراع المستمر في السودان كأولوية إقليمية أساسية، مشدداً على كيفية تداخل مخاطر انتشار الحرب - تدفقات اللاجئين وتهديدات الأمن البحري في البحر الأحمر، والكارثة الإنسانية - مع المخاوف الأمنية السعودية.
دفعت الرياض من أجل مسار دبلوماسي يركز على المفاوضات في جدة، ووضعت نفسها كصاحبة مصلحة إقليمية مسؤولة قادرة على التوسط فى النزاعات المعقدة.
وهذا يتناقض مع التقييمات الإقليمية والغربية الواسعة النطاق التي قالت بأن دولة الإمارات العربية المتحدة قدمت دعما ماديا لقوات الدعم السريع، في حين أن المملكة العربية السعودية والدول العربية الأخرى تدعم القوات المسلحة السودانية، التي لا تزال الحكومة المعترف بها دولياً. تنفي أبو ظبي هذه الاتهامات، ولكن كل هذا أثار احتكاكاً في التنسيق الإماراتي السعودي.
وقد فتحت الديناميات الناتجة ساحة جديدة ستشكل فيها الولايات المتحدة التي ترفع مشاركتها في هذه المسألة حسابات إقليمية.
أشارت دائرة ترامب إلى نية الانخراط بشكل أكثر مباشرة في السودان، حيث قدمت مشاركة الولايات المتحدة كجزء من دفع الأجانب لزيادة المشاركة في ممر البحر الأحمر.
وهكذا يصبح الصراع السوداني متغيراً آخر في إطار المعاملات تسعى الرياض إلى دعم الولايات المتحدة لنهجها الدبلوماسي وضغطها - الرسمي أو غير الرسمي - على جميع الجهات الفاعلة الخارجية المتورطة في الصراع في حين تحتاج واشنطن إلى تعاون سعودي بشأن أمن البحر الأحمر والوصول إلى المساعدات الإنسانية. لا يعمل سؤال التطبيع ولا ملف السودان في عزلة يوضح كلاهما نمطا جديدا يتم فيه متابعة التعاون الأمريكي السعودي كل قضية على حدة بدلا من من خلال صفقة كبرى شاملة.
صفحة جديدة من التعاون السعودي الأمريكي
الإطار الأمريكي السعودي هو اطار تعاون لتحقيق مصالحمشتركة قائم على الفائدة، وغير مثقل بالشروط المسبقة للتطبيع التي شكلت السياسة الأمريكية من اتفاقات أبراهام حتى أوائل عام 2024.
تتبع ذلك العديد من الآثار تضاءلت قدرة واشنطن على تكييف التعاون الاستراتيجي على النواتج السياسية. ستلاحظ جهات فاعلة إقليمية أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن أن الرياض حصلت على تنازلات كبيرة دون تطبيع مع إسرائيل، وعلى الأرجح ستراجع الدول العربية المطبعة مع إسرائيل مواقفها.
يشعر الإسرائيليون أنفسهم بالقلق بالفعل من أن الحافة العسكرية التي حافظت عليها تل أبيب أصبحت أقل إثارة للإعجاب مقارنة بالعديد من الجيران
قد يتوقع المرء أن يدفع هذا تل أبيب إلى فهم أنها لا تستطيع الاعتماد على الضغط الأمريكي لتحقيق التطبيع العربي، وبالتالي التحرك نحو خطوات تجاه فلسطين وسوريا ولبنان لجعل التطبيع أكثر جدوى سياسياً.
لكن الطيف السياسي الإسرائيلي كان واضحاً في هذا الصدد، واعتماده على القوة القسرية الساحقة زاد من تنفير حکومات و شعوب العالم العربي والإسلامي، مما جعل التطبيع السياسي لا يمكن الدفاع عنه بشكل متزايد.
التطبيع خارج النقاش في الوقت الحالي - وهذا سيشير أيضاً إلى الدول العربية الأخرى التي كانت تعرضت لضغوط سابقا لتطبيع مع إسرائيل أي لبنان وسوريا بأن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن يمكن فصلها تماما عن الاعتراف رسميا بإسرائيل.
وضعت زيارة ولي العهد السعودي ديناميكية التطبيع هي إلى حد كبير على الرف، و هو ليس مناورة سياسية قصيرة المدى و انما استراتيجية سعودية واضحة وشجاعة عملت السعودية على الحشد الدولي لها من خلال اجبار إسرائيل بالاعتراف بالحق الفلسطيني و الموافقة على حل الدولتين واعادة الحقوق المسلوبة الى الفلسطينيين.
افترض القادة الإسرائيليون أن الدول العربية ستعطي الأولوية للعلاقات الأمنية مع واشنطن على الحقوق الفلسطينية، ولكن اعتقاد الإسرائيليين تبخر في هواء خريف واشنطن ولم يعد الضغط الاسرائيلي اللا أخلاقي قادراً على تحقيق اهداف إسرائيل بقوة الدهاء السعودي و الثبات على المبدأ.
أثبت ولي العهد السعودي ان السعوديين أصحاب مبادئ و ندية سياسية لا يخشون القوى الكبرى و لا ينحنون لها و لكن عوضاً عن ذلك يعملون بصمت و تدرج مرحلي و تطوير قوة اقتصادية وجيوسياسية ضاربة و سياسة خارجية قوية ترتكز إلى العلاقات الدولية الوثيقة مع الأمريكيين والاوروبيين والصينيين والروس على حد سواء. وقد رفعت حرب غزة قضية فلسطين كاختبار عام للشرعية السياسية و نجحت السعودية في الاختبار الأخلاقي دون أن تخسر حلفاءها العرب والغربيين.
السؤال الرئيسي هو المتانة في العلاقات السعودية الأمريكية. كيف يمكن أن يستمر التعاون الاستراتيجي العميق على الرغم من الاختلاف السياسي في ملفات هامة.
استمرت العلاقات الأمريكية السعودية خلال الحرب الباردة على الرغم من الاختلافات العميقة حول القضايا العربية الإسرائيلية. الفرق هو أن هذه العلاقات بنيت على تصورات التهديد المتقاربة - التوسع السوفيتي - بدلاً من تبادل المعاملات.
تعتمد العلاقة الأمريكية السعودية الآن على الاحتياجات المتبادلة ولكنها ليست متماثلة تماماً. تحتاج واشنطن إلى التعاون السياسي و الجيوسياسي السعودي والتعاون في مجال الطاقة والمعادن الأرضية النادرة والمواءمة ضد الصين. في حين تحتاج الرياض إلى التكنولوجيا والأسلحة والهندسة الأمنية الأمريكية. لا يمتلك أي من الجانبين نفوذاً كافياً لإجبار الآخر على القضايا خارج منطقة التقارب هذه.
لم يتم التخلي عن رغبة الجانب الامريكي في التطبيع مع إسرائيل. لكن هذا الموضوع بالرغم من أهميته للأمريكيين إلا ان السعوديين قاوموا بمناورة سياسية راسخة و طرحوا شروطاً واضحة قائمة على المبادئ الأخلاقية وحقوق الفلسطينيين مما أدى إلى إزالة شرط التطبيع ببساطة كشرط للبوابات و تم تهميشه تماماً عندما وضع في جدول زمني غير محدد يتوقف على التطورات التي لا تستطيع واشنطن السيطرة عليها.
ولا يمكن لواشنطن أن تستمر في افتراض أن حماية إسرائيل دبلوماسياً - في الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو من خلال التحويلات المالية العسكرية المستمرة - يأتي دون تكلفة استراتيجية.
أثبتت حرب غزة أن هذه الخيارات تقيد بشكل مباشر قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالفات، واستقرار المنطقة والنهوض بمصالحها الأمنية الخاصة.
تشير المؤشرات المبكرة من كلتا العاصمتين إلى أن صانعي السياسات يحكمون على فوائد هذا التقارب لتفوق تكاليف التخلي عن التطبيع كهدف قريب الأجل.
في الوقت الحالي، يحمل الإطار التقارب الاستراتيجي دون تطبيع مع إسرائيل، والمعاملات دون تحول والتعاون دون إعادة التنظيم الشاملة التي سعت إليها واشنطن ذات مرة.
يبدو من المرجح أن يحدد هذا المسار العلاقات الأمريكية السعودية للعقد المقبل، مع آثار تتجاوز بكثير العلاقة الثنائية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والنفوذ الأمريكي وآفاق العلاقات العربية الإسرائيلية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ما إذا كان هذا يمثل حكمة مستدامة أو إقامة مؤقتة قبل أن تصبح الخيارات الأكثر جوهرية لا يمكن تجنبها لا يزال السؤال المحدد للولايات المتحدة. سياسة الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
الكاتبة : إتش إي هيلير
عملت البروفيسورة هيلير دكتوراه في رابطة السياسة الحكومية ومراكز الفكر على مدى السنوات العشرين الماضية، مع التركيز على الجغرافيا السياسية والأمن في العالم العربي الأوسع ومنطقة الشرق الأوسط، وكذلك أوروبا وجنوب شرق آسيا. تعمل حاليا كزميل مشارك أقدم في المعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن في لندن وزميل أقدم في مركز التقدم الأمريكي.
كانت هيلير سابقاً نائب منظم الفريق العامل التابع الحكومة المملكة المتحدة المعني بمعالجة التطرف، وقد شغلت مناصب في معهد بروكينغز ووقف كارنيجي ووزارة الخارجية بالمملكة المتحدة.
للاطلاع على مقال الدكتورة اتش. أي. هيلير
