القائمة الرئيسية

كتاب الطريق الأقل ارتياداً

كتاب الطريق الأقل ارتياداً
ملخص المقال

يتناول الفصل الأول أهمية المحبة الأبوية في بناء الانضباط الذاتي لدى الأطفال، حيث تساهم في تعزيز شعورهم بالقيمة الذاتية والثقة. يشير إلى أن الاهتمام العميق من الوالدين يساعد الأطفال على مواجهة التحديات بشكل مستقل، ويشدد على أهمية مواجهة المشكلات بدلاً من تجنبها. يبرز الانضباط كأداة أساسية لحل المشكلات، ويؤكد أن تحمل الألم والمصاعب يولد الحكمة والشجاعة. كما يوضح أهمية تأجيل الإشباع الفوري وقبول المسؤولية والإخلاص للحقيقة، مع التركيز على دور الأبوة في تنمية الانضباط، مما يسهم في نمو عقلي وروحي مستمر.

المشكلات والألم

الحياة صعبة

هذه حقيقة رائعة، واحدة من أروع الحقائق ؛ فما إن نراها بصورة حقيقية حتى نقوم بتجاوزها. وحين نعلم أن الحياة صعبة حقاً، ونتمكن من فهمها وتقبلها كما هي، فإنها لن تكون كذلك. فتقبل الحياة والنظر إليها نظرة تفاؤل وأمل، يجعل من حقيقة أنها شاقة مضنية أمراً غير مهم. لا يرى معظم الناس - بصورة تامة - حقيقة أن الحياة صعبة. ومع ذلك، فهم يتذمرون دائماً، وعلى نحو أكثر أو أقل ضجيجاً أو هدوءاً؛ من فداحة مشكلاتهم، وأعبائهم، والمصاعب المحيطة بهم، وكأن الحياة سهلة على وجه العموم، وكأنه يجدر بها أن تكون سهلة. فهم يعبرون عن إيمانهم - بصخب أو هدوء - بأن المصاعب المحيطة بهم تمثل نوعاً فريداً من البلاء لا يجدر به أن يصيبهم، وأنهم، أو عائلاتهم، أو قبيلتهم، أو الطبقة التي ينتمون إليها، أو أمتهم، أو عرقهم، أو حتى بني جنسهم قد تعرضوا له على وجه الخصوص بطريقة ما، من دون الآخرين. وإنني على علم ودراية بهذا التذمر لأنني أسهمت بحصتي في ذلك.

تجسد الحياة سلسلة من المشكلات. فهل نود التذمر منها أم حلها؟ هل نود تعليم أطفالنا كيفية حلها ؟ يمثل الانضباط المجموعة الأساسية للأدوات التي نحتاج إليها لحل مشكلات الحياة. ومن دون الانضباط، لا يمكننا أن نحل شيئاً. يمكننا بوساطة الانضباط، أو بعضه فحسب، أن نحل بعض المشكلات. ولكن يمكننا بالانضباط الكلي، أن نحل المشكلات جميعها. إن ما يجعل الحياة صعبة، هو أن عملية مواجهة المشكلات وحلّها عملية مؤلمة؛ إذ تثير فينا المشكلات، استناداً إلى طبيعتها، أو الإحباط، أو الأسى، أو الحزن، أو الوحدة، أو الذنب، أو الندم، أو الغضب، أو الخوف، أو القلق، أو الكرب، أو اليأس. وتمثل تلك مشاعر غير مريحة، بل غير مريحة أبداً في كثير من الأحيان، وكثيراً ما تكون مؤلمة بقدر أي نوع من الألم الجسدي، لتماثل . أحياناً - أكثر أنواع الألم الجسدي سوءاً. أما سبب تسميتها (المشكلات). فمرده الألم الذي تولده هذه الأحداث أو النزاعات في أنفسنا. ولأن الحياة تمثل سلسلة لا نهائية من المشكلات؛ فإنّها تكون صعبة على الدوام، ومليئة بالألم، إضافة إلى البهجة.

ومع ذلك، تحظى الحياة بمعناها ، في خضم هذه العملية الكاملة في مواجهة المشكلات وحلها. وبوجه عام، تُعدّ المشكلات العامل الأهم الذي يفصل بين النجاح والفشل. حيث تستحضر المشكلات شجاعتنا وحكمتنا بل في الحقيقة، تخلق شجاعتنا وحكمتنا. وإليها تحديداً، يُعزى الفضل في نمونا عقلياً وروحياً، فما أن نرغب في تحفيز نمو الروح الإنسانية حتى نعمد إلى تحدي القدرة الإنسانية، وحفزها إلى حل المشكلات، تماماً كما نفعل في المدرسة حين نتعمّد وضع مسائل لأطفالنا كي يقوموا بحلها. وبذلك، فإننا نتعلم عن طريق الألم الناتج من مواجهة المشكلات وحلها. وفي ذلك يقول بنجامين فرانكلين ( تلك الأشياء التي تؤلم، تعلم) . ولهذا السبب، يتعلم الناس الحكماء عدم الخوف من المشكلات، والترحيب بها حقاً، وبالألم المرافق لها فعلاً.

نحن لسنا في الغالب من الحكماء. لذا، يعمد جميعنا؛ خوفاً من الألم المتضمن، إلى محاولة تجنب المشكلات بدرجات متفاوتة. فنماطل على أمل زوالها، وذلك بتجاهلها، أو تناسيها، والتظاهر بعدم وجودها ونتناول العقاقير لتساعدنا على تجاهلها، والتمكن - عن طريق تخدير أنفسنا للتخفيف من الألم - من نسيان المشكلات التي تسبب ذلك الألم. نحاول أيضاً أن نحوم حول المشكلات عوضاً عن مواجهتها بصورة مباشرة. وكذا الخروج منها عوضاً عن المعاناة عبرها.

تشكل هذه النزعة لتجنب المشكلات والمعاناة العاطفية المتأصلة فيها، الأساس الرئيس للأمراض النفسية البشرية جميعاً. ولأن معظم الناس لديهم هذه النزعة بدرجات متفاوتة، فإنهم يعانون مرضاً نفسياً بدرجات متفاوتة أيضاً، ويفتقرون إلى الصحة النفسية الكاملة. ويقطع بعضنا أشواطاً استثنائية - إلى حد كبير - في سبيل تجنب مشكلاتنا والمعاناة التي تسببها، ليمضي بعيداً عن كل ما هو جيد ومعقول بوضوح بهدف محاولة العثور على مخرج سهل، فيبني أكثر الأوهام تعقيداً كي يعيش فيها، مستثنياً الواقع - أحياناً - بصورة كلية. يُعبر عن ذلك كله الكلمات المنمقة بإيجاز لكارل يونغ) : «العصاب هو دوماً بديل عن المعاناة المشروعة»

ولكن البديل بحد ذاته يصبح في النهاية أكثر إيلاماً من المعاناة المشروعة التي صمم لتجنبها . ويصبح العصاب بحد ذاته المشكلة الكبرى. عندئذ سيحاول الكثيرون كما هو متوقع، تجنب ذلك الألم وتلك المشكلة لاحقاً ، ليشيدوا طبقة فوق طبقة من العصاب. لكن، ولحسن الطالع، يملك بعض المرضى الشجاعة لمواجهة أمراضهم العصابية، والبدء - استعانة بالعلاج النفسي عادة - بتعلم كيفية اختبار المعاناة المشروعة، وفي طبيعة الحال، حين نتجنب المعاناة المشروعة التي تنتج من التعامل مع المشكلات فإننا نتجنب أيضاً النمو الذي تتطلبه المشكلات منا. ويُعزى إلى هذا السبب المتعلق بالأمراض النفسية المزمنة، توقفنا عن النمو، فنعلق في أمكنتنا. ومن دون العلاج، تأخذ الروح البشرية تنهار.

لذا، فلنعمل على غرس السبل الكفيلة بامتلاك الصحة النفسية والروحية في أنفسنا وأطفالنا أعني بذلك، تعليم أنفسنا وأطفالنا ضرورة المعاناة وقيمتها، والحاجة إلى مواجهة المشكلات بصورة مباشرة، واختبار الألم المتضمن في ذلك. كنت قد قلت أنفاً: إن الانضباط يُمثل المجموعة الأساسية للأدوات التي تلزمنا في حل مشكلات الحياة. ومما لا شك فيه أن تلك الأدوات تجسد تقنيات للمعاناة، وطرائق نختبر بها آلام المشكلات على نحو يمكننا من معالجتها وحلها بنجاح، ثم التعلم، والنمو في أثناء ذلك. وحين نعلم أنفسنا وأطفالنا الانضباط، فإننا نعلمهم ونعلم أنفسنا كيفية المعاناة، وكيفية النمو أيضاً.

فما تلك الأدوات والتقنيات والطرائق التي أدعوها الانضباط؟ يمكن إجمال الإجابة عن هذا السؤال في وجوب توافر أربع أدوات لا غنى عنها ، هي: تأخير الإرضاء ، وقبول المسؤولية، والإخلاص للحقيقة، والموازنة. وكما سيتضح لاحقاً، فإن تلك الأدوات ليست معقدة، ويمكن للأطفال في سن العاشرة أن يتقنوا استخدامها الذي يتطلب تدريباً شاملاً ... وعلى الرغم من ذلك، ينسى الرؤساء والملوك أن يستخدموها في أحايين كثيرة إلى أن يسقطوا. لا تكمن المشكلة في تعقيد تلك الأدوات، بل في الإرادة لاستخدامها فهي تمثل وسائل فاعلة يمكن بها مواجهة الألم عوضاً عن تجنبه. إلا أن المرء يسعى عادة إلى تجنب المعاناة المشروعة، بمنأى عن تلك الأدوات. لذلك، سنعمل بعد تحليل كل من تلك الأدوات في القسم الآتي على اختبار إرادة استخدامها ) المتمثلة في المحبة.

تأخير الإرضاء

منذ مدة ليست بالبعيدة، كانت محللة مالية في الثلاثين من العمر، تشكو إلي على امتداد أشهر، نزعتها إلى المماطلة في عملها . كنا قد عملنا على معالجة مشاعرها حيال موظفيها، وكيفية ارتباطها بمشاعر السلطة على وجه العموم، ووالديها بصورة خاصة. فاختبرنا مواقفها من العمل والنجاح، وكيفية ارتباط ذلك بزواجها، وهويتها الجنسية، ورغبتها في التنافس مع زوجها، ومخاوفها من مثل تلك المنافسة. وعلى الرغم من كل ذلك العمل التحليلي النفسي القياسي الجاد، فقد استمرت هذه المرأة بالمماطلة، كما كانت تفعل على الدوام.

وفي نهاية المطاف امتلكنا الجرأة لمواجهتها بما هو سطحي من الأمور. سألتها: هل تحبين تناول ( الجاتوه ) ؟.. أجابت بالإيجاب. أردفت: «أي أجزاء الكعكة تفضلين: (الجاتوه ) أم طبقة الزينة؟». أجابت بحماسة: «أوه، طبقة الزينة. سألتها، وأنا أشعر بأنني الأكثر سخافة بلا ريب من بين الأطباء النفسيين على مر الزمان: وكيف تأكلين قطعة من ( الجاتوه)؟ أجابت: أكل طبقة الزينة أولاً، بالطبع». مضينا قدماً. انطلاقاً من عاداتها في تناول (الجاتوه)، لنختبر عاداتها في العمل. وقد اكتشفنا كما كان متوقعاً، أنها تُكرّس الساعة الأولى، في أي يوم كان للقيام بالشطر الأكثر إرضاء من عملها ، ثم تماطل في الساعات الست المتبقية، في القيام بالشطر المتبقي الذي تكرهه. رأيت أنها إذا أرغمت نفسها على إنجاز الجزء المكروه من عملها في أثناء الساعة الأولى، فإنها ستكون حرة - فيما بعد - في الاستمتاع في الساعات الست الأخرى. قلت لها: يبدو لي أن ساعة واحدة من الألم يعقبها ست من السرور، أفضل من ساعة سرور واحدة يعقبها ست من الألم. قبلت المرأة ذلك، ولم تعد تماطل، إيماناً منها بأنها شخص ذو إرادة قوية في الأساس. يُجسد تأخير الإرضاء عملية جدولة ألم الحياة وبهجتها بطريقة تزيد من البهجة عن طريق مواجهة الألم واختباره أولاً، والانتهاء من المهام التي تسببه. إنها الطريقة الوحيدة اللائقة للحياة.

يعرف معظم الأطفال هذه الأداة، أو عملية الجدولة المذكورة آنفاً ، في وقت مبكر جداً من الحياة، بما يعادل سن الخامسة في بعض الأحيان، فقد يقترح طفل في الخامسة من العمر، على سبيل المثال، من وقت إلى آخر حين يمارس لعبة مع رفيقه أن يبدأ الرفيق اللعب أولاً، كي يستمتع الطفل بدوره، على وجه الاحتمال لاحقاً. وقد يبدأ الأطفال في سن السادسة بأكل ( الجاتوه) أولاً ، وطبقة الزينة لاحقاً. يُذكر أن ممارسة هذه القدرة المبكرة على تأخير الإرضاء بصورة يومية، تستمر طوال مراحل المدرسة الابتدائية ولاسيما وقت أداء الواجبات المنزلية. يمتلك بعض الأطفال القدرة ، بحلول سن الثانية عشرة، على الجلوس، من وقت إلى آخر، من دون أي حث من الوالدين على إكمال واجباتهم المنزلية قبل مشاهدة التلفاز. ولكن مثل هذا السلوك متوقع من المراهق، بحلول سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، ويُعد طبيعياً.

وقد أصبح واضحاً لمربي المراهقين في هذه السن، أن عدداً كبيراً منهم لا يتمكن - إلى حد بعيد - من بلوغ ذلك المعيار.

وفي الوقت الذي يملك فيه الكثير قدرة مطورة جداً على تأخير الإرضاء، فإن بعضاً ممن بلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة لا يكاد يملك هذه القدرة كما يبدو، في حين يفتقر بعضهم تماماً إلى امتلاك هذه القدرة بصورة فعلية. وهؤلاء هم الطلاب الذين يعدون المشكلة؛ إذ تكون درجاتهم متدنية، على الرغم من ذكائهم المتوسط أو ما يفوقه، لأنهم ببساطة لا يعملون. فهم يحجمون عن حضور الدروس، أو حتى القدوم إلى المدرسة بصورة كلية اتباعاً لأهوائهم الآنية. ويتسمون بالاندفاع ويطغى هذا الاندفاع ليُؤثر في حياتهم الاجتماعية أيضاً. فينخرطون في شجارات متكررة، ويتورطون في المسائل المتعلقة بالمخدرات، ويبدؤون الوقوع في مشكلات مع الشرطة ويتمثل شعارهم في مقولة (اعبث الآن، وادفع الثمن لاحقاً). حينئذ، يستدعي الأمر طلب العون من العلماء وأطباء النفس. ولكن، يبدو أن القيام بذلك يتم بعد فوات الأوان في معظم الأوقات؛ إذ يمتعض أولئك المراهقون من أي محاولة للتدخل في أسلوب حياتهم المتمحور حول الاندفاع، ويكون اندفاعهم حاداً جداً في كثير من الأحيان - حتى حين يكون ممكناً التغلب على هذا الامتعاض عن طريق التعامل بدفء وودية، وتبني موقف يتجنب إصدار الأحكام من المعالج -. وغالباً ما يكون امتعاضهم شديداً؛ كي يحول دون مشاركتهم في عملية العلاج النفسي بأي طريقة ذات مغزى. فهم لا يذهبون إلى المعالج في المواعيد المحددة، ويتجنبون المسائل المهمة والمؤلمة كلها. وبسبب ذلك تفشل محاولة التدخل عادة، ويترك أولئك الأطفال المدرسة، مواصلين اتباع نمط من الفشل يفضي بهم - في أحايين كثيرة - إلى ما هو كارثي من الزيجات والتعرض للحوادث، والإقامة في مستشفيات الأمراض النفسية، أو دخول السجن لا أكثر.

لم يحدث هذا؟ لماذا تطور الغالبية القدرة على تأخير الإرضاء، في حين تفشل أقلية ليست بالضئيلة، بما لا يمكن معالجته غالباً، في تطوير هذه القدرة ؟ لا توجد إجابة علمية عن هذا السؤال، ولا يعد أثر العوامل الجينية هنا واضحاً. ولا يمكن التحكم في المتغيرات بما يكفي للإثبات العلمي. لكن معظم الإشارات تشير بوضوح - إلى حد ما - إلى (نوعية) الأبوة بوصفها العامل المحدد.

خطايا الوالد

لا يتمحور الأمر حول افتقار بيوت أولئك الأطفال، غير المنضبطين ذاتياً، إلى التأديب الأبوي من أي نوع كان إذ كانوا يعاقبون - في أغلب الأحيان - بصورة متكررة، وبشدة طوال مرحلة طفولتهم، فيصفعون ويلكمون، ويُركلون، ويُضربون، ويُجلدون من والديهم، حتى لكل ما هو بسيط من الانتهاكات. لكن هذا التأديب غير ذي مغزى؛ لأنه تأديب غير منضبط.

يتمثل سبب افتقار هذا الأسلوب إلى المغزى في كون الوالدين أنفسهم غير منضبطين ذاتياً، ما يجعلهم يُجسدون مثلاً عليا غير منضبطة لأطفالهم. يمثل أولئك الآباء شعار ( افعل ما أقوله، لا ما أفعله ) ، وهو شعار يتيح لهم أن يتملوا بصورة متكررة أمام أطفالهم، وأن يتشاجر بعضهم مع بعض أمام الأطفال بصورة تفتقر إلى الضوابط، والكرامة، أو العقلانية. وقد يتصفون بالإهمال، ويقطعون ما لا ينفذونه من الوعود. أضف إلى ذلك، أن حياتهم تتسم - في أحايين كثيرة - بالاضطراب والفوضى، ومن ثُمَّ تفتقر محاولاتهم لتنظيم حياة أطفالهم - كما تبدو عليه الحال - إلى كثير من المنطقية في نظر أولئك الأطفال. فإذا كان الوالد يضرب الأم بصورة متكررة، فكيف سيبدو الأمر منطقياً للولد حين تضربه أمه لأنه ضرب أخته؟ هل سيكون الأمر منطقياً حين يقال له إنه يجب أن يتعلم التحكم في غضبه؟ وتبعاً لذلك، إذا كنا لا نمتلك القدرة على المقارنة في الصغر، فإن آباءنا وأمهاتنا سيجسدون مثلاً عليا مطلقة في نظرنا القاصر. وحتى حين يقومون بالأمور بطريقة معينة، فإنها ستبدو الطريقة المثلى لعمل ذلك والطريقة التي يجدر أن تتبع، في نظر الأطفال الصغار، فعلى سبيل المثال، إذا رأى الطفل، يوماً بعد يوم، أن والديه يتصرفان بطريقة منضبطة ذاتياً . مقيدة للنفس، متسمة بالكرامة والقدرة على تنظيم حياتهما ، فإنه سينحو في صميمه، إلى الشعور بأن تلك تمثل طريقة العيش. أما إذا رأى الطفل، يوما بعد يوم، أن والديه يعيشان من دون تقييد أو ضبط للذات، فسينحو في صميمه، بصورة مماثلة، إلى الاعتقاد أن تلك تمثل طريقة العيش على حد سواء.

ولكن تبقى المحبة أكثر أهمية من لعب دور المثل الأعلى في الغالب. وإذا عمت المحبة الحقيقية من حين إلى آخر البيوت الفوضوية وغير المنظمة، فحتماً سينشأ في تلك البيوت أطفال منضبطون ذاتياً. ولا يُعد من النادر أن يدفع آباء من المهنيين المقتدرين ( أطباء، محامون، نساء أعضاء في الأندية، واهبون الذين يعيشون حياة منظمة ولائقة جداً. لكنهم يفتقرون إلى المحبة مع ذلك، إلى العالم بأطفال غير منضبطين هدامين، غير منظمين بقدر أي طفل ينتمي إلى ما هو معوز وفوضوي من البيوت. تمثل المحبة في النهاية كل شيء. لذا، سنختبر أحجية المحبة في أقسام لاحقة من هذا العمل، حيث سيكون مفيداً - من أجل ترابط الأفكار - التحدث عنها، وعن علاقتها بالانضباط في هذه المرحلة، بصورة محددة، وإن اتسمت بالإيجاز.

يعد الشيء قيماً بالنسبة إلينا حين نحبه، وحينئذ، فإننا نمضي الوقت معه للاستمتاع والاعتناء به. راقب - على سبيل المثال - مراهقا ما يحب سيارته، ولاحظ الوقت الذي يستغرقه في التعبير عن إعجابه بها، وتلميعها، وإصلاحها، وإدخال التعديلات عليها. أو شخصاً أكبر في السن يحب حديقة أزهاره، والوقت الذي يمضيه في تشذيبها، والعناية بها ، وتسميدها ، ومراقبتها. وبالمثل، فحين نحب الأطفال، فإننا نقضي وقتاً كافياً في التعبير عن إعجابنا بهم، وتلبية حاجاتهم: إننا نمنحهم الوقت الذي يريدون.

يحتاج الانضباط الجيد إلى الوقت. فعندما لا نمتلك الوقت الكافي الذي يحتاج إليه أطفالنا، أو لا نملك الاستعداد لتخصيصه لهم، يتعذر علينا مراقبتهم عن قرب بصورة كافية، فضلاً عن الإحاطة بالوقت اللازم للتعبير - بصورة غير ملحة - عن حاجتهم إلى مساعدتنا التأديبية. فإذا كانت حاجتهم إلى التأديب ملحة بما يؤثر في وعينا ، فلربما نتجاهلها. ومع ذلك، واستناداً إلى أنه أسهل تركهم يقومون بالأمور على طريقتهم، فأنا لا أملك الطاقة للتعامل معهم اليوم. وفي حال اضطررنا في النهاية إلى فرض التأديب، بسبب تصرفاتهم وأخطائهم، أو بسبب عدم قدرتنا على تحمل تلك التصرفات، فإن هذا التأديب سيتسم بالقسوة غالباً، بدافع من الغضب عوضاً عن التأني من دون النظر في المشكلة، أو تخصيص وقت حتى للتفكير في ماهية نمط التأديب الأكثر ملاءمة لتلك المشكلة بعينها.

سيتمكن الوالدون، الذين يُكرسون الوقت لأطفالهم، حتى حين لا يفرض ذلك من قبل أخطائهم الواضحة، من إدراك حاجات أطفالهم غير الملحة للتأديب، التي سيستجيبون لها عبر ما هو لطيف من الحث أو التأنيب، أو التوجيه، أو الإطراء، ليتم ذلك في إطار من المراعاة والاهتمام. فهم سيراقبون كيف يأكل أطفالهم ( الجاتوه) ، وكيف يدرسون ومتى يقولون الأكاذيب التي لا تعد مواجهتها ملحة، ومتى يهربون من المشكلات عوضاً عن مواجهتها. وسيُخصصون الوقت الكافي لعمل تلك التصحيحات والتعديلات البسيطة، فيستمعون لأطفالهم، ويستجيبون لهم، ويتشدّدون قليلاً هنا، ويتراخون قليلاً هناك، ويعطونهم ما هو بسيط من المحاضرات والقصص، والعناق والقبلات والنصائح، والإطراءات.

يعد نوع التأديب الصادر عن الوالدين المحبين، أسمى من ذلك الصادر عن غير المحبين منهم. ولكن ذلك لا يُمثل سوى البداية فحسب؛ إذ سيكافح الوالدون المحبون كثيراً عند تخصيص الوقت اللازم لمراقبة حاجات أطفالهم والتفكير فيها، وصولاً إلى ما سيتخذونه من قرارات وسيعانون بكل معنى الكلمة، مع أطفالهم. وفي واقع الأمر، فإن الأطفال لا يغفلون عن ذلك، ويدركون جيداً استعداد والديهم مشاركتهم المعاناة التي يعيشون. ومع أنهم قد لا يستجيبون بالتعبير عن الامتنان بصورة مباشرة فإنهم سيتعلمون المعاناة أيضاً. فقد يقول أحدهم: «إذا كان والدي مستعداً لمشاركتي المعاناة، فإنها (المعاناة) لن تكون سيئة جداً، ويجدر بي أن أستعد لها وحدي. وهذا يجسد بداية الانضباط الذاتي.

يشير الوقت الذي يُكرّسه الوالدون لأطفالهم ونوعيته إلى مدى التقدير الذي يحظون به من والديهم. فنجد بعض الوالدين غير المحبين - في محاولة للتغطية على تقصيرهم تجاه أطفالهم - يعمدون إلى الإعلان بصورة متكررة عن حبهم لأطفالهم، فيخبرونهم تكراراً، وبصورة آلية تخلو من أي عواطف، بمدى حبهم وتقديرهم لهم، من دون أن يكرسوا لهم وقتاً كافياً يُشبع رغباتهم، ويلبي حاجاتهم. لكن هؤلاء الأطفال لا ينخدعون غالباً بتلك الكلمات الفارغة.

فقد يتعلقون بها في وعيهم، راغبين في تصديق أنهم محبوبون ولكنهم يعلمون في لا وعيهم، أن كلمات والديهم لا تتطابق مع أفعالهم.

وفي المقابل، يعلم الأطفال المحبوبون - في لا وعيهم - أنهم مقدرون حقاً، مع أنهم قد يشعرون أو يُصرحون في لحظات الغضب بأنهم مهملون. وتعد هذه المعرفة - بالنسبة إليهم - أثمن من أي شيء نفيس؛ إذ يشعر الأطفال بأنهم ذوو قيمة فعلاً عند تقديرهم، وعند الشعور حقيقة، في صميمهم، بأنهم يقدرون.

يُذكر أن الشعور بالقيمة - أنا شخص ذو قيمة - يعد أمراً أساسياً للصحة النفسية، ويُمثل حجر زاوية للانضباط الذاتي، ويُجسد نتاجاً مباشراً للمحبة الأبوية. ويجب أن تكتسب هذه القناعة في مرحلة الطفولة نظراً إلى صعوبة اكتسابها في أثناء مرحلة البلوغ. وحين يتعلم الأطفال عبر محبة والديهم، أنهم ذوو قيمة، فسيكون من المستحيل تقريباً ، لتقلبات مرحلة البلوغ، تدمير روحهم. يمثل هذا الشعور بالقيمة حجر زاوية للانضباط الذاتي؛ لأن اعتقاد المرء أنه ذو قيمة، سيحفزه إلى الاعتناء بنفسه بالطرائق الضرورية كلها.

يُجسد الانضباط الذاتي أيضاً العناية الذاتية. ولأننا نناقش عملية تأخير الإرضاء، وعملية جدولة الوقت وتنظيمه، دعنا نختبر أهمية الوقت. فإذا شعرنا بأننا ذوو قيمة، فسنشعر بأن وقتنا ذو قيمة أيضاً، فنرغب في استثماره بصورة جيدة. وعوداً على بدء، لم تظهر المحللة المالية، التي كانت تماطل التقدير لوقتها ولو كانت تفعل ذلك، لما سمحت لنفسها بقضاء معظم يومها حزينة وغير منتجة إلى حد بعيد. وقد كان ذلك من عواقب بقائها طوال أوقات عطلها المدرسية، في مرحلة طفولتها، مع والدين مدفوعي الأجر»، على الرغم من قدرة والديها على العناية بها بصورة كاملة لو أرادا ذلك. فهما لم يقدراها ، ولم يرغبا في العناية بها، فنشأت الفتاة، وهي تشعر بنقص في قيمتها، وبأنها لا تستحق الاهتمام والرعاية؛ فلم تعتن بنفسها . لم تكن تشعر بأنها تستحق أن تضبط نفسها . وعلى الرغم من الحقيقة المتمثلة في أنها فتاة ذكية كفؤة، فقد كانت في حاجة إلى التوجيه الأكثر بساطة، فيما يتعلق بالانضباط الذاتي؛ نظراً إلى افتقارها إلى تقييم واقعي لقيمتها، وقيمة وقتها. وبمجرد أن بات بإمكانها رؤية القيمة في وقتها، فقد أعقب ذلك، بصورة طبيعية، رغبتها في تنظيمه، والحفاظ عليه، واستغلاله بالقدر الأكبر.

لا يدخل أولئك الأطفال المحظوظون نتيجة لاختبارهم المحبة والعناية الأبوية الثابتة طوال مرحلة طفولتهم، لا يدخلون في مرحلة البلوغ، وهم يتمتعون بحس داخلي عميق بقيمتهم فحسب، بل بحس داخلي عميق بالأمن أيضاً. يُروع الأطفال جميعاً من الهجر، ويعد سببهم في ذلك وجيهاً. ويبدأ الشعور بالخوف من الهجر في سن ستة أشهر تقريباً، وحالما يصبح الطفل قادراً على رؤية نفسه بوصفه فرداً، منفصلاً عن والديه يخالجه شعور بأنه عاجز تماماً بوصفه فرداً، وأنه تابع وخاضع بصورة كلية لوالديه فيما يتعلق بتأمين أنماط العيش والبقاء وسبلهما جميعاً. وفي السياق ذاته، يُعد الهجر من الوالدين، في نظر الطفل، معادلاً للموت. ويمتاز معظم الوالدين، حتى حين يتصفون بالجهالة أو القسوة بصورة نسبية، بحساسيتهم الغريزية حيال خوف أطفالهم من الهجر، فيقومون بناء على ذلك، مئات بل آلاف المرات يوماً بعد يوم، بطمأنة أطفالهم على وفق ما هو مطلوب بعبارات مثل: تعلم أن ماما وبابا لن يتركاك»: سيعود كل من ماما وبابا بالطبع لاستصحابك ماما وبابا لن ينسياك». وفي حال اقترنت تلك الأقوال بالأفعال شهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، فإن الطفل سيتخلص، بحلول سن المراهقة، من هذا الشعور، وسيحل مكانه شعور داخلي عميق بأن العالم يمثل مكاناً آمناً للعيش، وأن الحماية متوافرة حين يطلبها . سيمتلك الطفل أيضاً الحرية، مع هذا الشعور الداخلي بالأمن الذي يتسم به العالم بصورة ثابتة، في تأخير الإرضاء من أي نوع كان متسلحاً بمعرفة أن فرصة الإرضاء متجسدة - على سبيل المثال - في البيت والوالدين، وقائمة على الدوام، ومتوافرة عند الحاجة إليها.

ولكن يوجد الكثير من الأطفال غير المحظوظين بهذا القدر؛ إذ يتعرض عدد كبير منهم بصورة فعلية، للهجر من والديهم في أثناء مرحلة الطفولة أو الموت، أو التخلي عنهم، أو الإهمال التام، أو كما في حالة المحللة المالية، للافتقار إلى العناية ببساطة. 

وفي المقابل، يوجد أطفال آخرون لا يحصلون على تطمين من والديهم بعدم الهجر، مع أنهم لن يُقدِموا على مثل هذه الخطوة في الواقع؛ إذ يعمد بعض الوالدين - مثلاً - في خضم رغبتهم فرض الانضباط بأسهل وأسرع ما يمكن، إلى استخدام التهديد بالهجر بصورة فعلية، صريحة أو ضمنية لتحقيق تلك الغاية. وتتمثل الرسالة التي يوصلونها إلى أطفالهم عادة في الآتي: «إن لم تفعل تماماً ما أريدك أن تفعله، فلن أحبك بعد الآن، ويمكنك أن تدرك بنفسك ما يمكن أن يعنيه ذلك». يعني حقاً ، الهجر والموت. وبذلك، يضحي أولئك الوالدون بالحب في سبيل حاجتهم إلى السيطرة والهيمنة على أطفالهم، ويكافأون - بالنتيجة - بأطفال يخافون من المستقبل بشدة. يدخل أولئك الأطفال الذين يعانون الهجر، نفسياً أو واقعياً، في مرحلة البلوغ وهم مفتقرون إلى أي حس عميق بأن العالم مكان آمن يوفر الحماية. ويرون العالم على النقيض من ذلك، مكاناً خطراً مرعباً، فلا يُظهرون استعداداً للتخلي عن أي إرضاء أو مظهر للأمن في الحاضر، لقاء إمكانية الحصول على ما هو أكبر منهما (الإرضاء، أو الأمن مستقبلاً : نظراً إلى الغموض الذي يكتنف ذلك بالنسبة إليهم.

وخلاصة القول: إن تمكين الأطفال من تطوير قدرتهم على تأخير الإرضاء، يتطلب توافر مثل عليا منضبطة ذاتياً ، وشعور بالقيمة الذاتية ومقدار من الثقة في أمان وجودهم. وتكتسب تلك (الممتلكات) عادة بصورة مثالية عن طريق الانضباط الذاتي والعناية الثابتة الحقيقية من الوالدين وهما يُمثلان أثمن الهبات التي يمكن للآباء والأمهات أن يمنحوها لأطفالهم. وفي حال لم يحصل الطفل على تلك الهبات من والديه، فقد يكتسبها من مصادر أخرى، ولكن عملية اكتسابها، في تلك الحالة، ستمثل كفاحاً عسيراً بصورة دائمة، لا تنجح في كثير من الأحيان وتستمر مدى الحياة.

حل المشكلات والوقت

نظراً إلى أننا تعرضنا لبعض الطرائق التي قد يؤثر - عن طريق - وجود المحبة الأبوية أو نقصها في تطوير الانضباط الذاتي على وجه العموم، والقدرة على تأخير الإرضاء بصورة خاصة، فلنقم باختبار بعض أكثر الطرائق بساطة وسلبية، التي تؤثر عن طريقها الصعوبات في تأخير الإرضاء في حياة معظم البالغين. ومع أن معظمنا يطور - لحسن الطالع يكفي من القدرة على تأخير الإرضاء إلى ما بعد مرحلة الدراسة الثانوية أو الجامعية، وبدء مرحلة البلوغ من دون دخول السجن؛ فإن تطورنا ينزع مع ذلك، إلى أن يكون ناقصاً وغير كامل، ما يجعل قدرتنا ما على حل مشكلات الحياة ناقصة وغير كاملة بصورة مماثلة.

تعلَّمْتُ في سن السابعة والثلاثين كيفية إصلاح الأشياء، وقد كانت محاولاتي كلها تقريباً قبل ذلك الوقت للقيام بإصلاحات السباكة البسيطة وإصلاح الألعاب، أو تجميع مكونات الأثاث طبقاً لورقة الإرشادات المبهمة المرفقة بها كانت تبوء بالفشل، وتنتهي إلى الشعور بالحيرة والإحباط. وعلى الرغم من نجاحي في التخرج في كلية الطب، وإعالة أسرة بوصفي مديراً وطبيباً نفسياً ناجحاً إلى حد ما، فإنني أعد نفسي ميكانيكياً أحمق. فقد كنت مقتنعاً بوجود خلل في أحد جيناتي، أو إصابتي بلعنة الطبيعة ليتسبب ذلك في افتقاري إلى خصيصة باطنية ما مسؤولة عن ( القدرة الميكانيكية).

لاحقاً، وبعد أن شارف عامي السابع والثلاثون على الرحيل، وبينما كنت أمشي ذات يوم من أيام الأحد في فصل الربيع، صادفت جاراً لي يصلح جزازة للعشب. تحدثت بعد أن حييته، قائلاً: «عجباً، إنني أحترمك بالتأكيد. فأنا لا أملك قدرة أبداً على إصلاح مثل هذه الأدوات، أو القيام بما تفعله بأي شكل من الأشكال. فرد جاري باندفاع، من دون أن يتردد لحظة، قائلاً: «مرد ذلك هو أنك لا تُخصص وقتاً لمثل هذه الأمور».

تابعت مسيري منزعجاً بطريقة ما، من البساطة المتناهية، والعفوية. والجزم في ردّه. ثم سألت نفسي: لا أستطيع الافتراض أنه محق، أليس كذلك؟.. وبطريقة ما فقد أثر ردّه في نفسي، وحين لاحت الفرصة مرة أخرى للقيام بإصلاح بسيط، كان على تذكير نفسي بتخصيص ما يلزمني من الوقت. وقد حدث أن علق مكبح الإيقاف في سيارة مريضة أعالجها وكانت تعلم أنه يمكن عمل شيء ما أسفل لوحة العدادات لتحريره، لكنها جهلت كيفية القيام بذلك. استلقيت على الأرض أسفل المقعد الأمامي لسيارتها. ثم خصصت الوقت اللازم لأتخذ وضعية مريحة. وفعلت الأمر نفسه لتفحص الوضع، وقد استغرق ذلك دقائق عدة. وفي واقع الأمر، فقد تمثل كل ما رأيته بادئ الأمر، في كومة متشابكة من الأسلاك، والأنابيب والقضبان، التي لم أدرك الغرض منها. ولكنني تمكنت بصورة تدريجية ومن دون استعجال من تركيز نظري على ما يرتبط بالمكبح منها، وتتبعت مسارها. لقد أصبح واضحاً لي فيما بعد، وجود مزلاج صغير يحول دون تحرير المكبح تفحصت ذلك المزلاج ببطء حتى اتضح لي أنني إن دفعته إلى الأعلى بمقدم إصبعي، فسيتحرك بسهولة محرراً المكبح. لقد فعلت ذلك حقاً، ولم يتطلب الأمر سوى حركة واحدة منفردة، ومقداراً ضئيلاً من الضغط بمقدم إصبعي كي تحل المشكلة. لقد كنت ميكانيكياً بارعاً!

لا أملك في الحقيقة، ما يذكر من المعرفة، أو الوقت لاكتساب المعرفة، التي تمكنني من إصلاح معظم الأعطال الميكانيكية، بالنظر إلى حقيقة أنني اخترت أن أوجه وقتي إلى ما هو غير ميكانيكي من الأمور. فما زلت أهرع في العادة مسرعاً إلى أقرب مصلح أجده. ولكنني بت أعلم الآن أن ذلك يُجسد خياراً أتخذه، وأن الطبيعة لم تلعني، وأنني لست مصاباً بخلل جيني، أو عاجزاً ، أو ضعيفاً. وقد بت أعلم أنه يمكن لي، ولأي شخص آخر غير مصاب بخلل عقلي، حل أي مشكلة إذا كنا مستعدين لتخصيص الوقت اللازم لذلك.

تعد هذه المسألة مهمة؛ لأن كثيراً من الناس لا يخصصون ما يلزم من الوقت ببساطة لحل الكثير من مشكلات الحياة الفكرية، والاجتماعية والروحية، تماماً كما فعلت بعدم تخصيص الوقت اللازم لحل الأعطال الميكانيكية. وما كان مني، قبل تنويري الميكانيكي)، إلا أن أقحم رأسي بما يفتقر إلى المهارة، في الحيّز الواقع أسفل لوحة العدادات في سيارة المريضة التي أعالجها، وأنتزع بصورة مباشرة بعض الأسلاك من دون امتلاك أدنى فكرة عما أفعله. ثم أقوم حين لا ينتج أي شيء من ذلك برفع يدي عالياً، كأنني أعلن استسلامي، قائلاً: «يتجاوز هذا الأمر نطاق معرفتي».

يُمثل ذلك بدقة، الطريقة التي يقارب بها الكثير منا معضلات الحياة اليومية الأخرى. فقد كانت المحللة المالية المذكورة آنفاً ، أما محبة مخلصة لطفليها الصغيرين على وجه الخصوص، لكنها كانت عاجزة فيما يتعلق بهما. فمع أنها كانت متنبهة ومهتمة بما يكفي لتلم بحال طفليها حين يتعرضان لنمط ما من المشكلات العاطفية، أو حين يحدث خطب ما في طريقة تربيتها لهما، فإنها كانت تتبع ذلك، بما لا يمكن تجنبه، واحداً من مسارين عمل أول ما يخطر على ذهنها من تغييرات في غضون ثوان جعل الطفلين يتناولان قدراً أكبر من طعام الإفطار، أو إرسالهما إلى الفراش في وقت أبكر - بغض النظر عما إذا كان لتلك التغييرات أي علاقة بالمشكلة، أو القدوم إلى جلسة علاجها الآتية بإشرافي ( أنا مصلح السيارات)، والتحدث بيأس قائلة: «يتجاوز هذا الأمر نطاق معرفتي. ما يجدر بي أن أفعله؟».

تتمتع هذه المرأة بعقل تحليلي متسم بذكاء منقطع النظير، وكانت تملك قدرة فائقة حين لا تماطل على حل مشكلات معقدة في العمل. ومع ذلك، فقد كانت تتصرف حين تواجه مشكلة شخصية، على نحو يوحي بافتقارها إلى أدنى درجات الذكاء. ومما لا شك فيه، أن الوقت هو أساس مشكلتها . فقد كانت تشعر بالكثير من الإحباط، بمجرد تعرضها لأي مشكلة شخصية، فتبادر إلى طلب حل مباشر لها، من دون أن تكلف نفسها عناء تحليل المشكلة، وتخصيص وقت لحلها. لقد كان حل المشكلة يمثل إرضاء بالنسبة إليها، لكنها لم تكن قادرة على تأخير ذلك الإرضاء أكثر من دقيقة أو اثنتين ما يؤدي إلى اتخاذها قرارات غير ملائمة عادة، ووقوع عائلتها في حالة مزمنة من الاضطراب ولحسن الطالع، فقد أصبحت قادرة بفعل مثابرتها على العلاج - تدريجياً على تعلم كيفية ضبط نفسها لتخصص الوقت اللازم لتحليل مشكلات العائلة؛ بهدف التوصل إلى حلول فاعلة مدروسة بصورة جيدة.

لا نتحدث هنا عن مظاهر خلل مبهمة في آلية حل المشكلات، ترتبط حصرياً بمَنْ يُظهرون اضطرابات نفسية بوضوح. فالمحللة المالية - مثلاً - لا تختلف عن الناس العاديين جميعاً. ومن منا يستطيع القول إنه يكرس دائماً بنجاح ما يكفي من الوقت لتحليل مشكلات أطفاله، أو تحليل التوترات ضمن العائلة؟

في واقع الأمر، يوجد خلل في مقاربة حل المشكلات، أكثر بساطة وسلبية من تلك المحاولات المتسرعة غير الملائمة لإيجاد حلول فورية إنه خلل كلي الوجود وأكثر شمولية. تتجسد بارقة الأمل هذه في تلاشي المشكلات من تلقاء ذاتها. فعلى سبيل المثال، بدأ بائع عزب في الثلاثين من العمر - يخضع لعلاج ضمن مجموعة في بلدة صغيرة - بمواعدة زوجة أحد أعضاء المجموعة الآخرين، التي انفصلت عنه حديثاً، وكان يعمل مصرفياً. كان البائع يعلم أن المصرفي يعتريه الغضب على الدوام، وأنه ممتعض جداً من رحيل زوجته عنه. كان يعلم أنه غير صادق مع المجموعة والزوج؛ لأنه لم يُصرح عن علاقته بزوجته. كان يعلم أيضاً أن المصرفي سيكتشف، عاجلاً أو آجلاً ، هذه العلاقة الحميمة. كان يعلم أن الحل الوحيد للمشكلة يتمثل في اعترافه للمجموعة بوجود هذه العلاقة، والتعامل مع غضب المصرفي بمساعدتها. لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك. وبعد ثلاثة أشهر علم المصرفي بهذه الصداقة، وشعر بالسخط كما كان متوقعاً. واستغل الحادثة لترك العلاج. ولما واجهت المجموعة البائع بسلوكه الهدام تململ قائلاً: «كنت أعلم أن التحدث عن تلك العلاقة سيسبب مشكلة، وقد شعرت بحسب اعتقادي، بأنه يمكنني النجاة بفعلتي هذه من دون التعرض للمشكلة، إن لم أفعل شيئاً. اعتقدت كما كنت أظن أن المشكلة قد تتلاشى من تلقاء ذاتها، إذا انتظرت طويلاً بما يكفي.

والواقع أن المشكلات لا تتلاشى من تلقاء ذاتها؛ إذ يجب معالجتها وإلا ستبقى عائقاً لنمو الروح وتطورها على الدوام.

أعلمت المجموعة البائع بما لا يقبل الشك، أن نزعته إلى تجنب حل المشكلات عن طريق تجاهلها - أملاً في زوالها من تلقاء ذاتها - تجسد بحد ذاتها، مشكلته الكبرى. وبعد مضي أربعة أشهر - أوائل فصل الخريف عمد البائع إلى تحقيق أحد أحلامه بالاستقالة فجأة من وظيفته في المبيعات، والبدء بعمله الخاص في إصلاح الأثاث، الذي لم يكن يتطلب منه السفر. أسفت المجموعة لذلك، ورأت أن حاله أشبه بحال من يضع بيضه كله في سلة واحدة، وشككت أيضاً في الحكمة من هذا التصرف مع قدوم فصل الشتاء ، لكن البائع أكد للجميع أنه سيجني ما يكفي من المال للاستمرار بعمله الجديد.

أغفل الحديث عن الموضوع، ليعلن الرجل فيما بعد . أوائل شهر فبراير - أنه سيضطر إلى ترك المجموعة؛ لأنه لم يعد قادراً على دفع الرسوم. لقد أصبح مفلساً، ويجب عليه الآن البحث عن عمل آخر. فهو لم يصلح في غضون خمسة أشهر، ما يتجاوز مجموعه ثماني قطع من الأثاث. وحين سُئل عن سبب عدم بدئه البحث عن عمل آخر في وقت أبكر ، أجاب قائلاً: «كنت أعلم، قبل ستة أسابيع، أنني أبدد مالي سريعاً، ولكنني لم أعتقد، بطريقة ما، أن الأمور ستؤول إلى ما آلت إليه. لم يبد الأمر برمته ملحاً كثيراً، لكنه أصبح، بما يثير العجب، ملحاً الآن. لقد تجاهل، حقاً، مشكلته، وأدرك لاحقاً بصورة بطيئة، أنه لن يتجاوز الخطوة الأولى أبداً إلا إذا حل مشكلته المتعلقة بتجاهل المشكلات، حتى لو استعان بالعلاج النفسي في العالم أجمع.

تجسد هذه النزعة لتجاهل المشكلات - مجدداً - مثالاً بسيطاً لعدم الاستعداد لتأخير الإرضاء. وتُعد مواجهة المشكلات، كما قلت أنفاً، مؤلمة إذ تعني مواجهتنا المشكلة بصورة طوعية في وقت مبكر - قبل أن نرغم على مواجهتها بفعل الظروف - تقديم ما هو أكثر إيلاماً من الأمور على ما هو لطيف أو أقل إيلاماً منها. ويُمثل ذلك اختيار المعاناة الآن، أملاً في الحصول على الإرضاء المستقبلي، عوضاً عن اختيار الاستمرار في الحصول على الإرضاء الراهن، والأمل في ألا تكون المعاناة المستقبلية ضرورية.

قد يبدو للرائي أن البائع، الذي تجاهل تلك المشكلات الواضحة غير ناضج عاطفياً، أو قاصر من الناحية النفسية، ولكنني أقول مجدداً إنه مثل أي إنسان عادي، وإن عدم نضجه وقصوره موجودان في كل منا.

ذات مرة، أسر إلى جنرال عظيم ( قائد في الجيش) قائلاً: «تتمثل المشكلة المنفردة الكبرى في هذا الجيش، أو في أي منظمة كما أظن، في جلوس معظم القادة، والنظر إلى المشكلات في وحداتهم، محدقين فيها بصورة مباشرة من دون أن يفعلوا شيئاً، وكأنّ هذه المشكلات ستزول من تلقاء ذاتها إن جلسوا هناك طويلاً بما يكفي لم يكن الجنرال يتحدث عن المرضى أو غير الأسوياء من الناحية النفسية، بل عن الجنرالات والعقداء البارزين الآخرين الرجال الناضجين ذوي القدرات المثبتة، المدربين على الانضباط.

يعد الوالدون كالمديرين، وعلى الرغم من حقيقة أنهم غير مهيئين بصورة جيدة لمهامهم، إلا أن هذه المهام قد تكون معقدة تماماً، كإدارة الشركات الصغيرة أو الضخمة. وعلى نحو ما هم عليه قادة الجيش فإن معظم الوالدين يراقبون المشكلات التي تصيب أطفالهم، أو يحللون علاقتهم بهم، أشهراً أو سنوات معدودات قبل اتخاذ أي إجراء فاعل.

يخاطب الوالدون الطبيب النفسي للطفل، حين يذهبون إليه المعالجة مشكلة امتدت أكثر من خمس سنوات، قائلين: «كنا نظن أن بمقدوره تجاوزها في أثناء نموه. ومع شعورنا بتعقيد مهمة التربية المنوطة بالوالدين وعظمها ، فلا بد من القول إن القرارات الأبوية صعبة وإن الأطفال ( يتجاوزون المشكلات في أثناء نموهم حقاً في الكثير من الأحيان. ولكن، لا ضير على الإطلاق في محاولة مساعدتهم على تجاوز المشكلات في هذه المرحلة، أو النظر إليها بصورة أكثر قرباً. فبينما يتجاوز الأطفال المشكلات في أثناء نموهم في أحايين كثيرة، فإنهم لا يفعلون ذلك في الكثير من الأحيان أيضاً؛ وكما يحدث فيما يتعلق بالكثير من المشكلات، فكلما طالت مدة تجاهل مشكلات الأطفال أصبحت أكبر وأكثر إيلاماً، وأصعب حلاً.

مقالات ذات صلة