ملخص: يناقش هذا الكتاب تأثير العولمة على الثقافة العربية، مع التركيز على مسألة التهجين الثقافي والتناقض بين القيم التقليدية والانفتاح على العالم الغربي، حيث يظهر ذلك في مظاهر مثل تحويل الحجاب إلى منتج استهلاكي أو تبني الإسلاميين للتكنولوجيا الحديثة. يتناول الكتاب الآراء المتباينة حول العولمة، التي يُنظر إليها من جهة كعملية اجتماعية تزيد الوعي الكوني ومن جهة أخرى كأداة لتعزيز الهيمنة الغربية والقيم الرأسمالية. كما يناقش الجدل بين الباحثين العرب والغربيين حول مفهوم العولمة وأبعادها الثقافية، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة تمثل تحدياً رئيسياً للهوية الثقافية العربية، خاصة مع انتشار القيم الأمريكية عبر الإعلام والمنتجات الاستهلاكية، مما يعمق الفجوة بين الحداثة والتقاليد.
وسائل الإعلام: جسر عبور باتجاه العولمة
هل تمثل العولمة نقيضاً للثقافة العربية؟ إذا كنا سنحكم على ذلك من خلال صورة أحد المشايخ وهو يحمل جهازاً خلوياً، أو من خلال صورتين متناقضتين إحداهما لراقصة شرقية وأخرى الأصولي متدين. فإن من المعقول القول إن على المجتمعات العربية أن تبدأ رحلة بحث جديدة عن هويتها المتمثلة في عجزها بشكل عام عن تهجين الدال الغربي مع المدلول المحلي بطريقة ذات معنى.
يمكن إذا لفكرة التهجين أن تمثل تهديداً للقيم التقليدية، خصوصاً مع طغيان المفهومات الاستهلاكية التي حولت الحجاب على سبيل المثال إلى تجارة أزياء. وهكذا، فقد افتتحت العديد من المراكز التجارية في القاهرة على سبيل المثال، لخدمة "النساء الليبراليات المحجبات" الجديدات وهو ما أثار غضب رجال الدين المسلمين التقليديين.
تغلغل ( الدال الغربي أيضاً في حياة الإسلاميين، ذلك أننا بدأنا نشاهد أعداداً متزايدة من هؤلاء يوماً بعد يوم، يمارسون نمطاً حياتياً يعتمد بشكل أساسي على التقانة العالية الحديثة كما هي الحال في تركيا على سبيل المثال:
وكما هو ملاحظ في السياق التركي، فإن الإسلاميين لم يكتفوا باقتناء أحدث أجهزة الكومبيوتر التي صنعتها شركة ماكنتوش، وتأليف كتب تصنف في قوائم أفضل المبيعات والتحول إلى عالم النخبة الثقافية والسياسية، والفوز في الانتخابات، وتأسيس جامعات خاصة، بل بدؤوا بيناء فضاء جديد خاص بهم، مؤكدين رؤاهم الشعبية الجديدة، كما بدؤوا بابتكار نمط حياة إسلامية جديدة، وذاتية جديدة.
وهكذا، يبدو أن التناقض يكمن في العجز عن المزج، أو ربما في التنافر بين الروح التقليدية من جهة، وبين المحيط الأجنبي من جهة أخرى في عصر يتسم بتزايد روح العولمة أو الترابط فيه، وبالرغم من أنه قد تم إشباع فكرة العولمة نقاشاً في الأعمال البحثية والدراسات العربية المختلفة، إلا أن قلة قليلة فقط من الباحثين الغربيين على اطلاع على مثل هذه الدراسات والآراء العربية حول هذا الموضوع. يهدف هذا الفصل إلى مناقشة الآراء المنافسة التي تطرحها العولمة وتأثيرها، كما بينت ذلك الدراسات التي قام بها الباحثون الغربيون والعرب. النقطة التي أود إثارتها في هذا الصدد هي أنه بدلاً من اعتبار العولمة والثقافة العربية تقبعان على طرفي نقيض، يجب النظر إلى مسألة التهجين برمتها بصفتها جزءاً لا يتجزأ من خطط تنمية البلاد العربية بعد حصولها على الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين.
كان التهجين جزءاً من الخطط الوطنية لتحديث الصورة الوطنية وحتى الإقليمية وتجميلها وتعد مؤسستا التعليم والإعلام محوريتين في مثل هذه الخطط تكمن أهمية الأولى في أنها تنطوي على فكرة جماعة سكانية افتراضية ذات انتماء وطني: أما أهمية الثانية فتكمن في أنها تحافظ على الانسجام والترابط الثقافي.
يقلل التناقض الذي تمثله عملية التهجين المشار إليها أعلاه من يمكن رفض هذا الرأي في واقع الأمر بسبب ما هيويته، أي بسبب اعتبار الهوية الأصلية من جهة، والمظاهر الأجنبية من جهة أخرى قوالب يمكن المزج والمطابقة فيما بينها من دون إحداث أي تغيير في جوهر أي منها. قدرة الأفراد على السيطرة على الموارد من أجل زيادة حجم السلطات التي يمسكون بها، ومن ثم القيام بعملية التغيير الاجتماعي المطلوبة. أو تغيير "قواعد اللعبة" بشكل عام.
أبدأ مناقشتي باستعراض الأعمال البحثية والدراسات العربية حول العولمة التي تلقي الضوء على هذا الرأي الماهيوي حول مسألة التهجين اخترت نظرية ( غيدينز ) حول البنيوية تزامناً مع نظرية بورد و الميدانية كأساس نظري لنقاشي بسبب أنهما توازيان بين مفهومي المؤسسة والبنية، سوف ألقي الضوء على هذه العلاقة الجدلية بين البنية والمؤسسة في الفقرات التالية، حيث أناقش عملية التهجين كما رسم خطوطها العامة المثقفون النخبويون في المرحلة ما بعد الاستعمارية في البلاد العربية كانت الفترة التي أعقبت استقلال البلاد العربية في واقع الحال، فترة " بحث عن الهوية : وهي فترة تمثل في رأيي نقطة تحول بالنسبة للنقاش الدائر حول تأثير العولمة في الثقافة، وكذلك في وسائل الإعلام العربية.
العولمة بصفتها كائناً هجيناً
لا يرى روبرتسون في العولمة ظاهرة جديدة، بل يعدها عملية أخذت بالتشكل منذ عقود، لكن الاهتمام بهذه الظاهرة في الوقت الحاضر يعود بصفة رئيسة إلى الوعي بوجودها، حيث يستدل على ذلك من خلال بروز قضايا ذات أبعاد عالمية يتم النقاش حولها في كافة أنحاء العالم، مثل مسألة حقوق الإنسان على سبيل المثال، إن الرأي القائل بأن العولمة بصفتها ( عملية) تزيد من الوعي الكوني يجد له صدى في التعريف الذي وضعه ووترز للعولمة، حيث يصفها. بأنها "عملية اجتماعية تنحسر فيها القيود الجغرافية عن الترتيبات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بطريقة يتزايد معها إدراك الناس بانحسار هذه القيود، ومن ثم تكون مواقفهم مبنية على هذا الإدراك ".
تعد العولمة في المنطقة العربية أحد المفهومات التي تسببت بما أطلق عليه جورج طرابيشي وصف "التضخم الأيديولوجي"، تم تكريس عدد من المنشورات وأعداد خاصة من المجلات الثقافية لمناقشة هذه الظاهرة، ينظر إلى العولمة هنا بوصفها تكريساً للقيم الرأسمالية. كما ينظر إليها بوصفها ظاهرة فوضوية لا تتمتع بأي جذور تاريخية لأي هوية ثقافية، ومن ثم فهي عاجزة عن أن تقدم للأفراد أي شكل من أشكال الهوية. ومن بين الأسباب التي يزعم بأنها تثير الخوف من آثار العولمة على الثقافة المحلية هناك خطر انتشار العقلية الاستهلاكية أو أنماط حياتية مشابهة لتلك التي تقوم بتمويلها الشركات المتعددة الجنسية ( مثل ظاهرة ثقافتي الكوكاكولا وماكدونالد ) ، بالإضافة إلى حقيقة أن المنتجات الثقافية الأمريكية قد غزت مناطق متفرقة حيث يتم الترويج فيها للقيم ونمط الحياة الأمريكية، وبالرغم من أن العولمة تتضمن فكرة تبادل السلع والأفكار على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، فإن هناك تخوفاً من أن التبادل الثقافي ( أو ما يسمى التبادل الرمزي) له التأثير الأكبر.
يتفق العديد من الباحثين العرب والغربيين على حد سواء" حول طبيعة العولمة، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة استقلاليتها عن الزمان والمكان. وتعزى العولمة إلى أربعة مفهومات مختلفة هي: العالمية والليبرالية والكونية والغربية ( وهذه الأخيرة يشار إليها بعبارة الأمركة ) . ربما كان هذا المفهوم الأخير هو الأكثر شيوعاً بالنسبة للباحثين العرب عند طرح نقاشاتهم حول العولمة.
على سبيل المثال، قام القحطاني بإجراء تحليل إعلامي الأربع صحف عربية يومية وأربع صحف أمريكية يومية، بحث في هذه الصحف عن إشارات تتعلق بالعولمة والأمركة وجد في الصحف العربية إشارات إلى العولمة في الأخبار الثقافية ( بنسبة 45 في المائة) ، وكانت الإشارة إلى العولمة أقل في الأخبار الاقتصادية ( 31 في المائة) ، ونسبة أقل من ذلك في قسم الأخبار السياسية بالمقابل حوت الصحف الأمريكية إشارات عن العولمة في الأقسام الاقتصادية (36) في المائة) وبالتساوي تقريباً في القسمين الثقافي والسياسي (19) في المائة، و17 في المائة على التوالي ) 12. النتيجة التي توصل إليها هذا الباحث خلصت إلى أن للعولمة تأثيراً في التراث الثقافي العربي أكبر من تأثيرها في الناحيتين السياسية والاقتصادية في المنطقة. أكدت منى أباظة ذلك عندما كتبت أن العولمة " أصبحت متلازمة مع الأمركة "13. 33 أما عواطف عبد الرحمن فقد عدت أن نتائج العولمة هي التي تحدد الهوة بين الشمال ( أي العالم المتقدم) والجنوب ( أي العالم النامي). وهنا يكمن سبب تبعية الثاني للأول واعتماده عليه. فالنتاج الثقافي للعالم المتقدم ( أي العالم الغربي، وتحديداً الأمريكي) يمكن استعماله من قبل شعوب العالم الثالث كوسيلة من وسائل تجنب الانخراط في المناظرات العامة، وليس لتشجيعها من أجل المشاركة فيها. كتب الكاتب المصري سعد الدين وهبة مرة أن وجود مطاعم ماكدونالد في القاهرة هو مؤامرة أمريكية من أجل إفساد الشباب المصري. كما كتب كاتب عربي آخر في صحيفة الحياة أن 500 من المحطات الفضائية التي يستطيع العرب مشاهدتها تملكها جهات غربية، ومن ثم فهي تهدف إلى فرض القيم وطرائق الحياة الغربية.
يرى الياسين وهو أحد الباحثين العرب أن العولمة تشكل تحدياً رئيساً للعرب تكمن التأثيرات السلبية ضمن عملية تبادل المنتجات الثقافية والإعلامية، نظراً إلى أنه من المفترض بشكل عام، أن يكون المركز (أي الغرب هو المصدر الرئيس وأن الطرف ( أي الشرق) هو المتلقي الرئيس، وأن الرسائل الواردة من المركز يمكن أن تحتوي على قيم قد تشكل تهديداً للثقافات المحلية يشير الجابري إلى أن موقف العرب من الغرب ازدواجي بطبيعته فمن ناحية، يربط العرب الغرب بالإرث الاستعماري والهيمنة ومن ناحية أخرى، يرتبط الغرب في الذهنية العربية بالحرية والحداثة والعلم ومع تدفق المنتجات الثقافية الغربية ( الأمريكية باتجاه المنطقة العربية، وظهور القنوات التلفزيونية الفضائية، تقف الحكومات العربية في حال من العجز عن السيطرة على المضمون الذي تقدمه هذه القنوات.
يتقصى الجابري في إحدى كتاباته التي قام بنشرها مؤخراً أصل جذر كلمة ( العولمة ) حيث يربطها بالولايات المتحدة الأمريكية، وتعني من وجهة نظره عملية ( التعميم) والتوسع يستنتج من هذا أن العبارة تتضمن نشر نمط معين من الحياة أي "نموذج الحياة الأمريكية. النتيجة المباشرة لمثل هذا التوسع تتجلى في خلق هوة بين الثروة التي تتجمع في أيدي البلدان الغنية، وبين الفاقة والعوز في الدول الفقيرة وهي هوة تتبدى بكل وضوح بين الناس الذين ينتمون إلى المجتمع نفسه أي التباين في سلم الأجور بين العمال الذين يتمتعون بالمؤهلات نفسها. يضيف الجابري قائلاً إن العولمة هي عبارة عن أيديولوجيا تهدف بشكل رئيس إلى محو الذاكرة الوطنية والانتماء الوطني، أو كما يصفها على الشكل التالي:
عالم العولمة هو عالم من دون بلدان وطنية، أو من دون أمة، ومن دون دولة. إنه عالم الشركات والشبكات؛ هو عالم من الرعايا أو "العاملين": إنه عالم يتكون من هؤلاء الذين يسيطرون على مقاليد الأمور، ورعايا مستهلكين تفرض عليهم المنتجات، سواء أكان استهلاكاً للمأكولات أو المشروبات، أو المنتجات المعلبة، والصور وقواعد البيانات والحركات وحتى الصمت الفضاء الموجه أضحى الأمة الجديدة... وهو فضاء تم تصنيعه بواسطة شبكات وسائل الاتصال من أجل إحكام قبضتها على الاقتصاد والسياسة والثقافة .
يتفق الباحثون العرب والغربيون على أن العولمة تعني "تحويل الثقافة إلى لعة". وهكذا . ا فإن ضياع النسيج الأصلي أو خرابه قد يكون السبب غير المباشر في نشوء الحركات الأصولية في محاولة لحماية " التقاليد " والمحافظة عليها. يتمثل هذا الرأي في غلاف كتاب لبنجامين ياربر بعنوان ( الجهاد في مواجهة عالم ماكدونالد ) الصادر سنة 1995 ، حيث تظهر على الغلاف صورة امرأة محجبة لا يظهر منها سوى عيناها وهي تمسك في إحدى يديها بعلبة بيبسي، يفترض أن تشير هذه الصورة إلى حال التناقض الذي تمثله العولمة، حيث يهاجم التقليديون مظاهر الأمركة وعقليتها الاستهلاكية)، وفي الوقت نفسه يقومون باستهلاك المنتجات الأمريكية. مع ذلك، يمكن القول إن هناك سببين على الأقل يدفعان العرب إلى استهلاك المنتجات الغربية وبالأخص الأمريكية منها إلا أنه لا يمكن تفسير هذه الظاهرة على أنها تتناقض مع التقاليد المرعية.
أولاً ، في الوقت الذي يصح القول إن حركة الأصولية الإسلامية في حال تصاعد مستمر، فإن من النادر أن يجد المرء تحليلاً للبنية العميقة الجذور التي تقبع وراء آلية هذه الحركة، حدد ستيوارت هول إستراتيجيتين للعولمة تشكلان نوعاً من ردة الفعل، وهما : 1 - الترجمة و 2 - التقاليد. تتضمن الأولى استراتيجيات تهدف إلى تطوير نماذج جديدة من ( الدال) وتطرحها في فضاء الثقافة الأصلية بينما تشكل الثانية وسيلة للعودة إلى التراث الأصلي والتاريخ بدلاً من النظر إلى الحال الحاضرة الثقافات المحلية لا ترفض بالضرورة الهويات العولمية أو نماذجها المختلفة، فالتحدي كما رأه العرب على سبيل المثال، لا يمكن تقزيمه إلى مجرد خيار بين تبني إضافة المادة الأجنبية إلى النسيج التقليدي، وبين رفضه بشكل كلي، والانغماس بدلاً من ذلك في عملية بحث عن هوية من الماضي، فقد تمت إعادة قولبة المنتجات الأجنبية وإعطاؤها نفحة محلية مثل الكوكاكولا حتى لعبة الباربي، أضحت لها نسخة عربية. الأمر نفسه ينطبق على وسائل الإعلام فيما يتعلق بظهور أنماط ( غربية ) جديدة في صناعة القنوات الإخبارية والقنوات الترفيهية. وفوق هذا وذاك، بين ويلر أن شعور الكويتيين بالهوية الوطنية لم يتأثر سلباً بوجود وسائل الإعلام الأجنبية أو الإنترنت. في الحقيقة، بعد الكويتيون أن انفتاحهم على الروابط العالمية والتقانات الجديدة يشكل عنصراً مهماً من عناصر هويتهم الوطنية.
إضافة إلى ذلك، لم يقتصر الخوف من الأمركة على العرب وحدهم، بل تعداه إلى الأوروبيين أيضاً، فقد قام أربعمائة من المثقفين الأوروبيين بنشر بيان في ست من الصحف الأوروبية يطالبون فيه باستثناء الأعمال الثقافية من اتفاقية ( الجات) GATT من أجل حماية منتجاتهم الثقافية الأوروبية من " هيمنة هوليوود".
ثانياً، إن الزعم بأن العرب يخشون العولمة هو في الواقع ظاهرة جديدة تؤكد منى أباظة على سبيل المثال، أن مصر مرت بتجربة التهجين منذ قرون، أي قبل ولادة المفهوم الحالي للعولمة بوقت طويل. كما أشار أحد الباحثين العرب إلى حقيقة أن العولمة لم تكن مفهوماً يثير الهلع البتة عند العرب في ذروة الحضارة الإسلامية، وأن أحدهم كتب في واقع الأمر وصفاً لمواقف المسلمين في ذلك الوقت على النحو التالي:
لم يحجم المسلمون الذين كانت هويتهم وثقتهم بأنفسهم تشعراتهم بالأمان البنة عن الإفادة من أبحاث الآخرين من خلال اقتباسها والبناء عليها، فلم يكونوا يشعرون بالتهديد على سبيل المثال من دراسة وتقصي الفلسفة اليونانية، ونظراً إلى أنهم كانوا شعباً مثقفاً ومليئاً بنبض الحياة، فقد قاموا في واقع الأمر بترجمتها إلى اللغة العربية ( وكما تبين لاحقا، فقد انتهى بهم الأمر من خلال ذلك إلى حفظها المصلحة الأجيال التالية) . لم يكتموا بترداد المثل العربي اطلبوا العلم ولو في الصين، بل قاموا بممارسته على أرض الواقع أيضاً".
وهكذا، فبدلاً من القبول بصيغة مبسطة من صيغ العولمة، مثل الاطلاع المكثف على منتجات وسائل الإعلام الغربية، فإن من المهم تذكر أن عملية الاطلاع على مثل هذه المنتجات كانت تجري منذ عدة عقود، وأنها في واقع الأمر، مستمرة حتى الوقت الحاضر، بينت دراسة قام بها كل من راشتي وسابات أنه خلال المدة ما بين 1965 و 1969. استوردت مصر وحدها ما بين ثمانين إلى تسعين في المائة من الأفلام التي عرضت في دور السينما فيها، وكانت أغلب هذه الأفلام قد تم استيرادها من الولايات المتحدة. كان استيراد هذه المنتجات الثقافية قد تعزز بعد ظهور التلفزيون ( في ستينيات القرن العشرين)، وازدياد الحاجة إلى استيراد مواد أجنبية من أجل ملء أوقات البث التلفزيوني.
أحد أهم المظاهر التي تتسم بها الآراء التي تم إيرادها سابقاً حول الثقافة العربية في عصر العولمة يتعلق بماهيتها. بعبارة أخرى، تجمع هذه الآراء على أن العولمة هي بمنزلة عملية اجتياح المتلقين "سلبيين". ممن لا حول لهم ولا قوة، بدلاً من الاعتراف بقدرة هؤلاء المتلقين على غربلة الرسائل الواردة إليهم عبر هذه البرامج. إن مثل هذه الآراء تفترض استقرار الهوية "العربية" كفكرة جامدة يمكن أن ينتج عن اتصالها بعناصر أجنبية تشوش المنتمين إليها وانهيار إحساسهم بالانتماء إليها، لا بد من التأكيد هنا على حقيقة أن هذا يمثل تقليلاً من شأن وعي الجمهور العربي فيما يتعلق بموقعه في "ميدان السلطة" العام، وكفاحه المستمر من أجل إعادة تحديد هذا الموقع.
يمكن القول باختصار، إن التهجين ليس كما يقول البعض، نقيضاً للثقافة العربية بل يمكن النظر إلى العولمة بصفتها عملية تحول خصوصاً على الصعيد الثقافي، يمكن اعتبار مثل هذا التحول وسيطاً يهدف إلى التطوير الذي يأتي كنتيجة لعملية معقدة تتسم بالانتشار والتهجين، وتؤثر في الثقافة على مستويات عدة.
إن المعضلة التي يعانيها المواطنون العرب بمن فيهم المتخصصون في مجال الإعلام الذين هم محور هذا الكتاب، لا تكمن في إيجاد حل وسط يجمع بين الحداثة والتقاليد بل تتجلى في كيفية الالتزام بقواعد اللعبة في الوقت الذي يمسكون بمفاتيح اللعبة نفسها لصالح بعض الأفراد أو الجمهور بشكل عام. يتناول القسم التالي هذه المعضلة معتمداً على أعمال كل من بوردو وغيدينز، وذلك من أجل التأكيد على ضرورة ولوج ممثلي الإعلام إلى خضم الصراع المستمر حول تحديد الموارد بالإضافة إلى فرض المعايير.
الصراع من أجل السلطة
تعد فكرتا الانعكاسية والوضوح محور المناقشة التالية. أستند في هذه المناقشة إلى نظرية الممارسة التي طرحها بوردو، بالإضافة إلى نظرية البنيوية التي نادى بها غيدينز كأساس لتحليل هاتين الفكرتين في السياق العربي، إن اختيار هاتين النظريتين على وجه الخصوص يستند إلى قدرتهما على المزج بين النظرية والتطبيق، أو بين الفرضيات المجردة والبيانات التجريبية بعبارة أخرى، يبدو أن هاتين النظريتين استطاعنا حل الصعوبات المرتبطة بالنظريات الاجتماعية التي سبقتهما، والتي أخفقت في شرح دور المؤسسة النشطة التي تعمل ضمن بني أو موارد موضوعية.
تعد نظرية الممارسة جزءاً من الإرث الذي تركه بوردو؛ وهذه النظرية تركز على الطبائع العملية للممثلين الاجتماعيين أو سماتهم الخارجية التي تخضع لقيود تفرضها قواعد الحقل الذي توضع فيه وهكذا فإن هذه الحقول:
تطرح وتتطلب استجابات محددة "داعية" الفرد للاستجابة لها ولمحيطها بطرائق خاصة الدرجة التعود. "السمات الخارجية" هي عبارة جمعية المجموعة كبيرة من الطبائع. وهكذا فإن هذا الحفل يعدنا كرعايا ويعيد إنتاج السمات الاجتماعية من خلال تمثل السمات الخارجية".
ومع ذلك، ما زال ينظر إلى المؤسسة بوصفها مرتبطة بالسمات الخارجية، ولكنها لا تستمد فعاليتها منها، ومن ثم فهي متشكلة كمؤسسة غير قادرة على القيام بأي فعل انعكاسي.
يرى غيد ينز أن علاقة جدلية تربط بين البنية والمؤسسة طالما أن فعل المؤسسة يعيد إنتاج البنية. يتمتع الممثلون في هذا السياق بالمعرفة والقدرة على إلغاء أو إبدال أو تغيير البنية بما في ذلك المؤسسات والتقاليد والمعايير، وهذا ما يعنيه غيدينز عند حديثه عن ازدواجية البنية. وهكذا فإن المؤسسة والبنية مرتبطتان ببعضهما بعضاً ارتباطاً وثيقاً، بحيث إن الثانية يعاد إنتاجها من خلال الأفعال المتكررة التي تقوم بها الأولى، تتضمن البنية وسائل الدلالة ( كوسائل الإعلام. على سبيل المثال) والشرعية ( كالقيم الأخلاقية، مثلاً) والسيطرة ( السلطة).
يركز سيويل على النظرية البنيوية، ويقدم شرحاً أكثر تفصيلاً المفهوم البنية الهدف من وراء ذلك في هذا السياق هو طرح تفسير للتغير الاجتماعي، وإظهار كيف يمكن للبنية أن تؤدي إلى التغيير. يقول سيويل إن البنى تشير إلى القواعد أو النظم في مقابل الموارد التي تعد نتاجاً للبنية، تعمل الممارسات التي تقوم بها كل من البنى وممثلي المؤسسة بحسب رأي غيدينز ضمن علاقة مزدوجة، حيث تقوم كل منها بتشكيل الأخرى وإعادة إنتاجها بهذا المعنى، فهي أبعد ما تكون عن التضاد فيما بينها، لا بل يمكن القول إنهما يفترضان مقدماً بعضهما بعضاً "". إن المعرفية التي تتمتع بها المؤسسة تنبثق عن مقدرة ممثليها على استخدام البنى والموارد المتوافرة لديهم بطريقة خلاقة. يقوم سيويل بإبدال عبارة "القواعد" التي استعملها غيدينز بعبارة "المخططات البيانية" : وهو بذلك يشمل القواعد والمعايير والإجراءات التي يمكن أن تنقل إلى حقول وحالات أخرى لم يتم تطبيقها فيها بشكل تقليدي. وهكذا، فإن البنى تعتمد على الذاتية المتداخلة بين ممثلي المؤسسات من أجل القيام بالعمل اعتماداً على القواعد والموارد المتوافرة.
يقسم سيويل الموارد إلى نوعين: بشرية وغير بشرية. يشير النوع الأول إلى المعرفة والعاطفة، أما النوع الثاني فيشير إلى الكائنات الحية وغير الحية الأخرى. ويمثل كلاهما:
وسيلتين من وسائل السلطة، وهما موزعتان توزيعاً غير متوازن، ولكن. وبغض النظر عن عدم التوازن فيما بينهما، فإن بعض مقاييس كل من الموارد البشرية وغير البشرية تقع تحت سيطرة جميع أفراد المجتمع. بغض النظر عن الفقر والاضطهاد اللذين يعانون منهما في الواقع، إن بعض ما يعنيه أن يكون البشر ممثلين يكمن في النظر إليهم على أساس أنهم يتمتعون بسلطة الوصول إلى الموارد بطريقة أو بأخرى".
يقوم سيويل بعد ذلك بطرح خمسة مبادئ أساسية يمكن من خلالها تحليل ظاهرة التغير الاجتماعي، يتمثل المبدأ الأول في تعدد البني، الذي يشير إلى قدرة الممثلين على تطبيق المخططات البيانية المختلفة وحتى غير المناسبة، بالإضافة إلى قدرتهم على الوصول إلى أشكال متنوعة من الموارد ويتمثل المبدأ الثاني في انتقال المخططات البيانية، وهو ما يشير إلى قدرة هؤلاء الممثلين على توسيع المخططات البيانية ونقلها إلى سياقات جديدة، وذلك بموجب المعرفية التي يتمتع بها هؤلاء الممثلون. ومع الأخذ في الحسبان أن نتائج مثل هذا النقل ليست مضمونة أبداً، فإن المبدأ الثالث يشير إذا، إلى غياب مصداقية فكرة تجميع الموارد، يمكن أن يعزى هذا إلى "النتائج غير المقصودة" للفعل كما عبر عن ذلك غيدينز نفسه، يمكن للمرء أن يضيف هنا أن هذه اللا مصداقية تشكل عنصراً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأي حقل اجتماعي وذلك لأن أي فعل، بغض النظر عن دنيويته أو سموه يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير موثوقة، بهذا المعنى، فإن هذه اللا مصداقية تختلف عن فكرة "المخاطرة " التي هي . سمة من سمات الحداثة الأخيرة يحسب كل من غيدينز وبيك.
يشير المبدأ الرابع إلى "تعدد معاني الموارد"، أو إلى المعاني المختلفة المرتبطة في عقول الممثلين بالموارد التي تحدد حينها مسار التفاعل فيما بينها، أما المبدأ الخامس فيشكل "نقطة التقاطع بين البني المختلفة" : وهي البنى التي تقوم بتفعيل وضبط أدوار الممثلين الذين يتوجون أعمالهم من خلال إعادة إنتاج النظام الاجتماعي، فخطاب الحداثة على سبيل المثال، الذي يستند إلى المزج بين الشكل الحديث والمحتوى الفطري، كما سأبين لاحقاً، أدى إلى إمكان بناء ناطحات السحاب بالتزامن مع التوسع في البناء العشوائي. مثال آخر على ذلك هو مبدأ القومية العربية التي عززها قيام دول عربية تشكلت حديثاً بهدف نشر مشاعر الوحدة بين الناس العاديين في الوقت الذي تم التركيز على الاختلافات بين الشعوب العربية كما حددتها الأنظمة التشريعية، يقترح سيويل تهجين مفهوم عيدينز للانعكاسية مع نظرية بوردو حول السمات الخارجية، وذلك من خلال المزج بين نظرية الممارسة لبوردو والنظرية البنيوية لغيدينز.
في ضوء هذا، يبقى الممثلون ضمن بوتقة القواعد والمعايير الميدانية التي تعرف بداهة بأنها جزء من اللعبة بالرغم من أنهم أحرار في ابتكار هذه الميادين وسبر أغوارها. وهكذا، فإن أولئك الذين يملكون رأس المال الأقوى تفتح أمامهم أيضاً سيل الموارد التي تساعدهم على تعريف، وعند الضرورة، إعادة تعريف قواعد اللعبة لكي يحافظوا على السلطات التي يتمتعون بها . إن تبني نظرية بوردو في الممارسة يجعل من الأسهل رؤية كل حقل اجتماعي كوحدة تجريبية منفصلة لها قواعدها الخاصة بها، وذلك من دون أن نغض الطرف عن حقيقة أن جميع هذه الميادين يحتويها الفضاء الاجتماعي نفسه على سبيل المثال، إن تحليل الفضاء الاجتماعي العربي ليس مقصوراً على تحليل التوترات الظاهرة للعيان بين الحداثة والتقاليد في صيغ إعلامية ولكن ما يهم هو نوع الهيمنة التي يفرضها مثل هذا الصراع على السلطة في كل واحد من هذه الميادين، وكيف تتفاعل مع الميادين الأخرى: أي نوعية الصحفيين الذين بدؤوا يسيطرون على الميدان الصحفي باختصار، إن المزج بين فكرة الانعكاسية وفكرة السمات الشخصية هو ما يعلل قدرة ممثلي المؤسسات على تحقيق الفرص وإعادة صياغة دورهم في اللعبة.
استناداً إلى رؤية غيدينز، فإن الحداثة الأخيرة تتسم بالارتباط الوثيق بين التوسعية ( أي التأثير العولمي) والقصدية ( أي الموقع الشخصي). يقوم الممثلون دائماً بالتأمل في ماهية مستقبلهم من خلال العودة إلى خبراتهم الشخصية ومقارنتها بواقعهم الحالي. الانعكاسية هي واحدة من ثلاثة عناصر يقوم غيدينز بوضع تعريف لها"، والتي تشرح العملية الآلية للحداثة وهذه العناصر هي: الفصل بين الزمان والمكان، وإظهار المؤسسات الاجتماعية للعيان، والانعكاسية أي المراقبة الدائمة للنشاطات الاجتماعية في ضوء المعرفة الجديدة المكتسبة، وفوق هذا وذاك، يشير غيدينز إلى أن "انعكاسية الحداثة تتمدد بحيث تصل إلى جوهر النفس، ولو عبرنا عن الأمر بطريقة أخرى، فإن النفس تتحول إلى مشروع انعكاسي ضمن سياق النظام ما بعد التقليدي".
تتموضع الانعكاسية في الموارد / البنية، أو حتى في البنية نفسها، طالما أن هدف الممثلين الذي يتجلى في المراقبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأهداف الإجمالية والطموحات التي تشرعنها البنية (المعتقدات السائدة). من هنا، يمكن القول إن القواعد الموجودة في كل واحد من هذه الميادين هي التي تحدد الهدف النهائي كهدف الرؤية أو التسليم بصحتها، على سبيل المثال.
يتضح من هذه الزاوية، أنه من الضروري النظر إلى أداء كل من البنية والمؤسسة ليس على أساس علاقة الشد والجذب بل على أساس أنه يمثل علاقة جدلية تكون فيها البنية والموارد قد أنتجت من دون قصد انفتاحاً على احتمالات جديدة بالنسبة إلى الممثلين. وفوق هذا وذاك، يمتلك الممثلون المعرفة والقدرة على المزج بطريقة خلاقة بين رأس المال، والاقتراض من الآخرين بحيث يصبح بمقدورهم الانخراط في اللعبة الإجمالية.
يشير الرسم 1.1 المستند إلى رؤية غيدينز إلى هذه العلاقة الجدلية.
إن ما يحفز الممثلين على العمل هو الهدف أو الغاية الأساسية المتمثلة في الحصول على الاعتراف بهم من قبل الآخرين ونيل احترامهم. تتم عقلنة هذا الهدف بطريقة استطرادية، كما يمكن عرضه ضمن إطار الحقل نفسه مثل خطاب التحديث، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الخطاب الغالب في هذا السياق إلى نتائج غير مقصودة أو غير متوقعة أو غير مرغوبة، يمكن أن تفرض على الممثلين الذين يملكون الحصة الأكبر من السلطة، إعادة رسم حدود أفعالهم وإعادة عقلنتها. إن سلطة المراقبة الانعكاسية تكمن في كونها فعلاً فطرياً يهدف إلى تحقيق أقصى درجات الفائدة للممثلين بالرغم من جميع القيود المفروضة عليهم.
تستند الموارد ( على سبيل المثال، الدولة القطرية، أو التعليم أو التمدن أو السوق المفتوحة) إلى التفاعل الاجتماعي بين الممثلين وتُعرف به سرع التطوير في وسائل الإعلام الجديدة الإلكترونية على الصعيد العالمي في حدوث التغييرات في الحياة الاجتماعية، في الوقت الذي من الممكن أن يكون الممثلون على وشك الحصول على معلومات ومحتويات رمزية من مصادر تختلف عن الأشخاص الذين يتفاعلون معهم بشكل مباشر في حياتهم اليومية ". هذه الشبكة من مصادر المعلومات المترابطة فيما بينها زادت في واقع الأمر من وتيرة "لا موثوقية" التفاعل بين الممثلين الذين يرتبطون ببعضهم بعضاً عبر سياقات فضائية متنوعة.
