القائمة الرئيسية

كتاب المراسلون العظماء

كتاب المراسلون العظماء
ملخص المقال

يتناول الفصل الأول من الكتاب التحولات الكبرى التي طرأت على مهنة المراسل الصحفي خلال مئة وخمسين عاماً، مسلطاً الضوء على بدايات المهنة من الكتابة اليدوية والتلغراف في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى العصر الحديث المتسم بالسرعة والتكنولوجيا. يستعرض التحديات التي واجهها المراسلون في فترات مختلفة، بدءاً من غياب المنافسة وحرية النشر في بدايات المهنة، مروراً بالتطورات التكنولوجية مثل الهاتف والتلغراف، وتأثير وكالات الأنباء على الحياد والدقة، وحتى ظهور وسائل الإعلام الإلكترونية التي غيرت شكل الصحافة وأساليبها. يشير الفصل إلى تزايد الاعتماد على التعليقات والخلفيات والتقارير التحليلية في الصحافة الحديثة، نتيجة للضغوط التي فرضتها وسائل الإعلام الجديدة والتغيرات في أذواق الجمهور.عالم المراسل كيف ومتى وأين تغيرت المهنة في أثناء مئة وخمسين عاماً؟يزعم كل جيل من الصحفيين أقله حتى يدب الوهن في عضلاته، أنه جيل فريد في اضطراره إلى مواجهة تحديات لم تعرفها الأجيال السابقة والتاريخ، لدى أناس اعتادوا النظر إلى يوم أمس الأول بوصفه لحماً فاسداً وإلى الأسبوع المقبل بوصفه تخطيطاً طويل المدى، لا يرى عموماً أنه يقدم كثيراً من الإرشاد والتثقيف ولذلك يُنظر إلى مراسلي الأمس، خاصة أولئك الذين مضى عليهم أكثر من خمسين عاماً، على أنهم أولئك الأشخاص الثرثارون الذين حظوا بالأمر على طبق من ذهب، فلم يضطروا، كما اضطررنا نحن المعاصرين، إلى أن يكابدوا منافسة وسائل الإعلام الكثيرة الأخرى، والحيل المتقنة التي تحوكها مصادر الأخبار، والتكنولوجيات التي يتزايد تعقيدها، وما تشهده الحياة الحديثة من ضروب انعدام اليقين.يا لهذا السخف يا لهذا الابتذال، الذي أراه في أحاديث لا تحصى كل عام، والذي يقف خلف هذا الجهد البسيط لتبيان كيف تغير عالم المراسل في المدة التي يغطيها هذا الكتاب. ولعله يوفر على الأقل، بضع معالم تتعلق بالتسلسل الزمني ويدفع من هم أقل ثقافة من الناحية التاريخية إلى أن يدركوا على سبيل المثال، لماذا لم يرفع المراسلون الذين غطوا الحرب الأهلية الأمريكية سماعة الهاتف ويتصلوا بمكاتبهم ويرسلوا مادة للنشر (لكي تعرف السبب انظر تاريخ اختراع الهاتف.المراسل الأول في هذا الكتاب، بحسب التسلسل التاريخي، وليام رسل من التايمز، الذي تقوم شهرته على عمله بوصفه مراسلاً في حرب القرم عامي 1854 و 1855. عاش رسل في عالم كان قد عرف الكتابة بالاختزال والآلة الكاتبة، وكذلك البرقيات فالمرة الأولى التي استخدمت فيها الرسالة بالتلغراف بوصفها أساساً لخبر صحفي كانت في عام 1844 ، من قبل صحيفة التايمز اللندنية). بيد أن التلغراف كان باهظ الكلفة، ولم يكن اتساع شبكة أسلاكه يكفي لاستخدامه في المراسلة من بلد إلى آخر في خمسينيات القرن التاسع عشر. لذا، كان رسل يكتب أخباره بخط يده (

بقلم الرصاص، العملي في الجبهة أكثر بما لا يقاس من قلم الحبر الذي يستلزم حبراً ) ، ويبعث بها إلى الصحيفة على شكل رسالة. ومن هنا جاءت كلمة المراسل». أما سمات المشهد المهني الأخرى عند رسل فقد كانت انعدام المنافسين ( فمنافسه الدائم الوحيد كان البلاغات الرسمية المقتضبة وغياب وكالات الأنباء (فالأسوشيتيد برس، التي تأسست عام 1848 ، لم تكن أنذاك تعمل في المراسلة الأجنبية، وكانت رويترز التي تأسست عام 1851 ، مجرد وكالة أنباء غرة : والحرية الواسعة فيما يخص طول أخباره حيث كان يكتب ما شاء فتطبعه الصحيفة، دون أن تنشره دفعة واحدة بالضرورة، ودون أن تنشره بالترتيب الذي كتبه فيه وغياب وسائل التوثق من وصول الرسالة أم لا: وغياب الوسائل لدى الصحف لنشر الصور ( ما يفسر النثر المنمق لبعض المراسلين الفكتوريين) وانعدام أي توجيه له من الجيش ( وهذا أمر جيد وسيئ في آن معاً، حيث لم يكن ثمة قيود على الأمكنة التي قصدها ؛ وسين في أنه لم يتلق بالفعل أي توجيه أو معلومات رسمية) .

وبعد عشر سنوات من انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، كان عدد الصحف قد تزايد حتى بلغ عدد المراسلين الذين غطوا ذلك الصراع أكثر من مئة وخمسين ، وكانت الأسوشيتيد برس قد أسست ففي عام 1861، على سبيل المثال، أوقفت الحكومة توزيع بياناتها عبر الصحف القليلة التابعة لها، وشرعت في إصدارها عبر الأسوشيتيد برس لجميع المشتركين). وقد ثبت أن تأثير وكالات الأنباء على أسلوب المراسلة كان عظيماً. ولأن هذه الوكالات كانت تبيع لصحف ذات مواقف سياسية متباينة تبايناً واسعاً، فقد تعين أن تكون أخبارها خالية قدر الإمكان من المحاباة الصريحة. وكما قال بصراحة كبير مراسلي الأسوشيتيد برس في واشنطن لورنس كوبرايت للكونغرس عام 1862:

عملي هو إيصال الحقائق والتعليمات التي بين يدي لا تسمح لي بأي تعليق على الحقائق التي أقوم بإيصالها ... لا أعمل بوصفي سياسياً ينتمي إلى مدرسة معينة بل أحاول أن أكون صادقاً وحيادياً. ورسائلي الإخبارية هي في الحقيقة مجرد حقائق وتفاصيل جافة.

من حسن الطالع، إذاً، أن من كان حاضراً في غيتسبرغ كي يدون خطاب لينكولن ذا الدقائق الثلاث هو جوزيف ل. غيلبرت، أحد مراسلي الأسوشيتيد برس المبرزين، لا عابر سبيل مولع بالجدل والمناظرة. وبمعزل عن تقارير الوكالة، كانت أساليب الكتابة لا تزال مسهبة عموماً، وقد استغرقت الأخبار على الطريقة التي باتت كلاسيكية لدينا ( مقتل ما يزيد على خمسين شخصاً في تحطم .... إلخ) عقوداً عدة كي تغدو القاعدة. كان هذا، من جهة أولى، سمة من سمات الجمهور (فبوصفه جمهوراً مرفها ومثقفاً وليس لديه مصدر آخر للأخبار، لم يكن أمامه أي خيار سوى الخوض في النص الكثيف لمعرفة ما كان يجري ؛ ومن جهة ثانية، كان الأمر مسألة طراز سائد ثم إنه من جهة ثالثة، نتيجة محتومة لدفع أجور المراسلين بالسطر. انظروا إلى هذا المقطع من النيويورك تايمز في عام 1860 بريستول، إنكلترا، 17 كانون الأول 1860 - درجة غير معهودة من الهيجان سببها إنذار حريق هنا صباحاً ولم تخف حدة الهلع عندما علم أن الحريق الهائل اندلع على السفن في الميناء والسفينة التي اندلعت النار على متنها، ونجم عن ذلك دمارها كانت سفينة أمريكية متقنة الصنع، تملكها شركة نيويوركية، بحمولة 1400 أو 1500 طن، وكان قيدومها باتجاه البحر.

وانظروا كيف يمكن اليوم أن ننقل هذه الوقائع ذاتها: تأتي النار أمس على سفينة تملكها شركة نيويوركية وهي ترسو في ميناء بريستول. أما آنذاك، فكان يدفع بنس للسطر الواحد، ولذا لم يكن الإيجاز من خصائص المراسلين. كان للشكل أيضاً ( ولا يزال) تأثير في أسلوب الكتابة، ومن الأشياء التي كانت تحد من الإسهاب تلك العناوين المتعددة الأسطر التي كانت تتربع أعلى الأخبار الرئيسة. فعلى سبيل المثال، قد يبدو مضحكاً أن يستهل غوبرايت عرضه لحادثة إطلاق النار على لينكولن على هذا النحو زار الرئيس لينكولن وحرمه، برفقة أصدقاء آخرين مسرح فورد هذا المساء المشاهدة عرض ابن العم الأمريكي.

أما في صحف تلك الأيام، فلم تكن هذه الكلمات لتأتي إلا بعد أن يكون كاتب العنوان العريض قد استنفد النقاط الرئيسة للخبر في سطر تلو آخر من العناوين العريضة البليغة ( ذعر في المسرح - قاتل مأجور يطلق النار على الرئيس - وقوع إصابات قاتلة .... إلخ) . فعلى سبيل المثال، حملت صحيفة فيلادلفيا إنكويرر عنواناً عريضاً من ثمانية عشر سطراً عن خبر اغتيال لينكولن، ولم يكن للقارئ أن يصل إلى مقال المراسل إلا بعد أن يكون قد تشرب هذا التقديم القوي؛ ليبدو الخبر الرئيس بعد ذلك مكرراً على نحو واضح. 

والسمة العظيمة الأخرى من سمات المراسلة الفيكتورية كانت سهولة الحصول على المعلومات، واستمرت في بعض المجالات كالجريمة والرياضة حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، فقد كان كوبرايت، على سبيل المثال، في المقصورة الرئاسية في مسرح فورد بعد أقل من ساعة على إطلاق النار على لينكولن، يتفحص مسرح الجريمة بنفسه ويدون ملحوظاته عن مزق في إحدى الرايات سببها القاتل جون ويلكز بوث عندما قفز من الشرفة) وفي عام 1881، استطاع مراسل ناشيونال أسوشيتيد برس فرانكلين هاثاوي تروز دل أن يجعل تقريره عن الرئيس المحتضر جايمس غارفيلد ذلك التقرير الحي، حيث تسلل إلى داخل حجرة التمريض في البيت الأبيض، مصيخاً السمع إلى تنفس الرئيس، ومن ثم مدوّناً ملحوظاته على ورقة مروّسة بـ البيت الأبيض. ومن غير المستغرب أن تكون المراسلة الحربية أول مجال يشهد قيوداً فقد وضع الجيش البريطاني قوانينه فيما يخص المراسلين على نحو رئيس رداً على نشاطات رسل الطليقة ) : وظل الضباط القادة يعاملون المراسلين النبلاء، أمثال ريتشارد هاردنغ ديفيز، بوصفهم أصدقاء حميمين موثوقي الجانب حتى السنوات الأولى من القرن العشرين. بيد أن الحرب العالمية الأولى وضعت حداً لذلك كله - ودياً.

كانت الصياغة الرسمية التدريجية للعلاقة بين المراسلين والمجتمع الحكومي استجابة الأمرين: الأول: كان إضفاء طابع الاحتراف على الصحافة وهي تنزل السوق الجماهيري والثاني - الذي حرضته أهمية الإعلام في الأنظمة الديمقراطية : كان الحاجة، التي أدركتها الشركات الكبيرة وطبقة الموظفين الرسميين، إلى فرض نوع من السيطرة. سار إضفاء الطابع المهني جنباً إلى جنب مع التكنولوجيا. 

فقد شهدت الخمسون عاماً التي سبقت الحرب العالمية الأولى: انتشار الآلات الكاتبة ( ظهرت لوحة مفاتيح كويتر يعام 1873، وبعد ثلاثة أعوام كانت رواية مارك توين مغامرات توم سوير، أول رواية تطبع على آلة كاتبة ؛ وظهور أول آلة كاتبة محمولة (1892) وانتشار الهاتف ( بلغ عدد الهواتف التي في قيد الاستخدام 50,000 بحلول عام 1880، وبعدها بأربعة أعوام ظهرت المكالمات البعيدة المدى، فال نيويورك تايمز لم تكن تملك سوى هاتفين فقط حتى عام (1901) ؛ وتحسين خدمات الوكالة ( حيث أطلقت الأسوشيتيد برس أول فلاش يخصها - وهو رسالة كبلية قصيرة قدر الإمكان (برقية) للإشارة إلى الأخبار المهمة العاجلة عام 1906)؛ وبدء تسرب النساء تدريجياً إلى مجال المراسلة ( وظفت الـ واشنطن بوست كاليستا هالسي، وكانت أول امرأة مراسلة عام 1878) والتحسينات العصرية في الطباعة والعمليات الفوتوغرافية، وهذا عنى توافر صحف على نطاق واسع مزودة بالصور والرسوم الإيضاحية وانتشار السكك الحديدية، وفي أمريكا، انتشار خدمة التوصيل المجاني إلى المناطق النائية، الأمر الذي سهل الوصول إلى أعداد متزايدة من القراء بسرعة وبسعر زهيد.

شهدت المدة بين عامي 1890 - 1920 تأسيس ثلاثة أوجه مسيطرة في عمل المراسل: محرر الأخبار ( أو كما يسمى في الولايات المتحدة، محرر الأخبار المحلية) : أسلوب الهرم المقلوب في كتابة الأخبار، وأحد منتجاته الثانوية افتتاحية الهرم الإخباري ) أو كما في المملكة المتحدة التصدير)، الذي حشد النقاط الرئيسة في الفقرة الأولى بطريقة من شأنها ، كما قال باول أونيل، أن تمسك بالقارئ من حنجرته. وخلف هذا جميعه كانت تكمن مجموعة الأسئلة العظيمة الخاصة بالعقيدة الصحافية التي انطوت عليها المراسلة ( مَنْ؟ ماذا؟ أين؟ متى؟ كيف ؟ ) ، التي كان أول استخدام مسجل لها في شيكاغو عام 1892 ، بيد أنها لا تزال مطبوعة في أذهان الصحفيين المتدربين اليوم، وكما أكد تشارلز تشابن، محرر الأخبار المحلية في صحيفة نيويورك وورلد على مدى عشرين عاماً ابتداء من عام 1898. فإن المراسلة احتاجت ثلاثين عاماً لتغدو حديثة على نحو مميز وتتصدر العوامل ذات التأثير البارز في تاريخ الصحافة كله. قلما اعترفت مدونات الصحافة بقوة محرري الأخبار وتأثيرهم؛ لأن تلك الكتب كتبها عموماً أناس لم يعملوا قط في غرفة أخبار. بيد أن حياة المراسلين تحكمها نوعية وبأس منعة محرري الأخبار خاصتهم، ولا أحد ينمط محرري الأخبار المتحجري القلب في الواقع والخيال أكثر من تشابن. فقد أدار غرفة أخبار الـ وورلد بعقلية ملك من القرون الوسطى ذي سلطة مطلقة : فأوقع الرعب في قلوب المراسلين على مدار الساعة؛ وطردهم الأدنى انتهاك ( بلغ مجموع المطرودين 108 ، بحسب ما تفاخر هو به، وكان من بينهم ابن مالك الصحيفة التي يعمل فيها وانغمس في التراجيديا انغماساً إيجابياً (فبينما كان مساعدوه يجمعون تفاصيل قصة غرق 1021 شخصاً كانوا على متن سفينة ترفيهية تدعى جنرال سلوكيوم، بكى كثير منهم وتقياً بعضهم الآخر وهم يدوّنون التفاصيل عن أولاد قذفوا بقوة إلى عجلات التجديف في السفينة. لكن ليس تشابن من يفعل ذلك فقد أخذ يطوف غرفة الأخبار راقصاً، وهو يغمغم مسروراً لضخامة هذا الخبر، ويتوقف من وقت إلى آخر ليقرأ بصوت عال الرسائل الإخبارية الأشد بشاعة).

بيد أن هذا الوحش عرف عمله أفضل مما عرفه معظمهم. فقد كان أول محرر يقدر إمكانية استخدام الهاتف في المراسلة حق قدرها ، وقد نشر مخبريه الصحفيين، في أرجاء المدينة في ظل تعليمات بمهاتفته ناقلين إليه الأخبار الساخنة حال وقوعها. ووظف شعباً متخصصة تعج بأناس يصوغون المواد التي يبعث بها المراسلون بطريقة صالحة للنشر: كي يحولوا هذه الحقائق المجردة إلى أخبار مثيرة، وإن كانت في بعض الأحيان تفتقر إلى الدقة، وأصر على تقرير إخباري عالي المستوى في كل صفحة، مرغماً الصحفيين على كتابة أخبار سريعة تتضمن أفضل وجهات النظر الخاصة أو المغرضة ضمن ما تعلمنا مذاك أن ندعوه الخبر الرئيس الموجز وعندما غادر تشابن الـ وورلد عام 1918 (وهو ما فعله ويداه مكبلتان بالأصفاد لقتله زوجته نيللي أصبحت كتابة قصة إخبارية أسلوباً مميزاً، خصوصاً افتتاحيتها. التغيير الرئيس الوحيد منذ ذلك الوقت كان مقدار التفاصيل المحشودة فيها . ففي عام 1932 ، على سبيل المثال، أوردت الـ نيويورك تايمز: اختطف تشارلز أو غسطس ليند برغ جونيور، الابن ذو الأشهر العشرين للكولونيل والسيدة تشارلز أ. ليند برغ من سريره في حجرة الأطفال في الطابق الثاني من منزل ذويه في هوبويل، قرب برنستون نيوجرسي وبعد ثلاثين عاماً انطلق محضر البوليس المفصل من الفقرة الأولى؛ عندما أوردت الصحيفة ذاتها من دالاس خبراً باثنتي عشرة كلمة فقط : ( أطلق منفذ عملية اغتيال النار على الرئيس جون فيتزجيرالد وقتله اليوم.

في هذه المدة تقريباً - وبالتزامن مع مجيء المذياع والسينما - كان أيضاً قد أبصر النور الاستخدام الواسع للتعليقات الساخرة واللاذعة لاستهلال أنماط معينة من الأخبار. كان هذا أسلوب كتابة دان بالكثير لمسرح المنوعات والمسرحيات الهزلية بقدر ما دان للأدب لكن لحسن الحظ أنه بقي ووفر منذ ذلك الحين لذة عظيمة، لم تكن بريئة تماماً ( أحد الأمثلة الشهيرة كان قد كتب عن ريتشارد لوب، أحد اثنين من خريجي جامعة شيكاغو. قتلا ولداً عام 1924. حكم عليهما بالسجن مدى الحياة، وبعد اثني عشر عاماً قتل لوب سجين آخر بعد أن تودد إليه. تقول الخرافة إن إدوين لاهاي من صحيفة شيكاغو ديلي نيوز استهل قصته كما يلي: (ريتشارد لوب، طالب اللغة الإنكليزية المشهور، أنهى البارحة مدة حكمه بطلب زواج) .

كان التدريب الصحفي العنصر الأخير في تحوّل المراسلين إلى المهنية. فقد افتتحت أول مدرسة للصحافة في ميسوري عام 1904، وبعد أعوام عشرة طرحت ما لا يقل عن تسع وثلاثين جامعة مناهج صحفية حضرها ما يزيد على ألفي طالب سنوياً، وأدخلت عام 1918 جوائز البوليتزر، وبذا تكون أعدت العدة لكفاح واع لذاته بين الصحفيين لتحقيق ما تعده المهنة امتيازاً.

وبمواجهة متطلبات الصحافة والحريات المكتسبة استجابت الأعمال والحكومة كلتاهما بما بات معروفاً بـ العلاقات العامة مصطلح استخدم أول مرة عام 1897. وفي العام ذاته، افتتحت جنرال إلكتريك قسم دعاية وإعلان، وفي أثناء مدة قصيرة كانت إدارة الرئيس وليام ماك كينلي أول إدارة توزع بيانات صحفية، وشرعت تتطور صناعة تجمع الإفادة والتعتيم. وقد استغرق الأمر ، منذ لحظة اختراعها ، سبعة عشر عاماً فقط لإنتاج ما ثبت أنها أول لعنة في حياة كثير من المراسلين: مرحلة - التقاط الصورة المديرة إضراب في أحد مناجم روكفلر وصلت ذروته بمذبحة لودلو، عندما أردي بالرصاص بعض عمال المناجم وامرأتان وأحد عشر طفلاً . تعرّض جون د. روكفلر لنقد قاس جداً، ولذا، في محاولة المواجهة هذا نصح روكفلر أن يقوم بجولة على مخيمات عمال المناجم، يبدي فيها قلقاً واهتماماً بالغين، ويتصدق بعطاياه الخيرة، التي لا تزال سراً حتى يومنا هذا.

إذاً، في عام 1920، كان عالم المراسل عالماً حديثاً على نحو مميز - باستثناء ناحية حيوية واحدة أن الصحف كانت الحملة الرئيسة والوحيدة للمعلومات. والتحوّل في هذا كان الصدمة التي خبأها القرن العشرون للمراسلين. فقد وصلت أولاً الأفلام الإخبارية والمذياع، وتبعهما التلفاز، وأخيراً الإنترنت. وقد مثل كل واحد منها شيئين: مصدراً بديلاً للمعلومات، وطريقة منافسة لدى الناس لقضاء الوقت. وإذ ترافق ذلك مع زيادة في المرتبات، وازدياد في اقتناء السيارات والنشاطات الترفيهية، فقد أعطى الإعلام الإلكتروني الناس الكثير ليشغلوا وقتهم به بدل أن يفتحوا ببساطة الصحيفة على الشرفة أو في الردهة ويقرؤوها من الغلاف إلى الغلاف. ولم تعد الصحف الوسيلة الأسرع المعرفة ما يحدث في العالم. 

وأياً كانت الردود على هذه التحولات من قبل المالكين (شراء قناة تلفازية، أو إطلاق موقع إلكتروني) أو المحررين (زيادة المساحات المخصصة للمقالات، أو الأبواب والرسوم الكاريكاتيرية الخاصة، أو توظيف ثلاثة كتاب أعمدة إضافيين)، فقد كان تأثير تلك التحولات في المراسلين مثار نقاش وجدل. فالفكرة المتعارف عليها هي أن المحررين بدؤوا بالقول: «لقد أورد التلفاز هذا الخبر أصلاً ، فلا بد أن ننظر وراء الخبر بحثاً عن القصة. ومن هنا، يقال لنا، كانت الزيادة في التصريحات الخلفية والآراء المتنوعة. أما عندما تحترق دار البلدية، فإن الخبر الرئيس للصحيفة هو تقريباً كيف كانت قبل خمسين عاماً. والسبب الرئيس لتكاثر التصريحات الخلفية والآراء المتنوعة والأشرطة الجانبية التي تحتوي معلومات متممة هو على الأرجح الزيادة العظيمة في المساحة المتوافرة. وفي عصر الصحف اليومية المتعددة الأقسام ، ثمة المزيد من كل شيء في الصحف، وبناء على الزعم القائل إن عدد الأحداث القابلة للنقل لم يزدد بسرعة أكبر من سرعة نمو عدد السكان، فإنك تملأ تلك المساحة الإخبارية الزائدة بالأشرطة الجانبية والتصريحات الخلفية والمناقشات والمواد المبرزة بأحرف ضخمة والقليل من الـ لم كي تتماشى مع الـ من - ماذا - أين متى. وفي صحف كثيرة، يقول المزيد قصصاً خلافات في وجهات النظر، تقدم بوصفها «شجارات»، التي غالباً ما تكون اختلاقاً محضاً قام به مكتب الأخبار أو المراسل.

إن ما غيره التلفاز هو مفكرة الأخبار، فعندما يعرض خير ماء مهما بلغت شناخته. على التلفاز وتراه أعداد كبيرة من المشاهدين، فإن ملحقاً ما عن هذا الخبر يتضمن تفاصيل جديدة هو أمر شبه إجباري لدى جميع الصحف ما عدا أكثرها جدية. متنكت عن البحث عن واحد من الأسباب الرئيسة البروز ثقافة المشاهير، إن التلفاز. لدى الصحافة الجماهيرية الواسعة الانتشار في بريطانيا، هو إلى حد كبير المفكرة أما معظم الصحف الأمريكية فهي أقل نزوعاً إلى هذا لأنها صحت محلية، على الرغم من أنها تخضع لسيرورة ماكرة بالمثل وأعني تناقص عدد المدن التي يوجد فيها صحيفتان. وهو ما أدى طبعاً، بصرف النظر عما قد توحي به لائحة المدعوين السنوية إلى مناسبة. البولتيزر وتحقيقاتها، إلى صحف أكثر رخاوة وضعفاً ومراسلة أقل براعة، ففي النهاية. إن وجدت صحيفة وحيدة في المدينة، فمن سيكتشف تأخرها في نشر خبر ما؟ قلة قليلة من المديرين التنفيذيين في الصحف الأمريكية يقضون مثلي ليالي في الصحيفة وهم يتفحصون بدقة صفحات سبع صحف منافسة حتى وقت متأخر : لعلهم يرون خبراً ما من زاوية أفضل، أو الأسوأ من ذلك يحصلون على خبر جيد فاتنا، (وجه بروز الصحيفة المحتكرة أيضاً ضربة قاضية إلى ذاك الضرب من الوطنية المحلية النادرة التي كانت تبقي أولئك القابعين في العاصمة ممن هم أكثر فذلكة مشغولين ولت تلك الأيام)، أخشى أن تجد الصحف منظوراً محلياً سخيفاً تنظر عبره إلى قصة عالمية كما اعتادت أن تفعل في الماضي لعل أفضل مثال على هذا كان العنوان المريض لصحيفة برونكس هوم نيوز عام 1917 عن خبر مفاده أن ليون تروتسكي عاش ذات مرة أشهراً في أحد أحياء مدينة نيويورك رجل من البرونكس يقود الثورة الروسية.

أما التحول العظيم الآخر في العقود القليلة الأخيرة فقد كان تنامي ما أسماء دانييل بورستين الأحداث الكاذبة كالمؤتمرات الصحفية والعمليات الفوتوغرافية، وأعمال الشعب والتقارير وجماعات الضغط والمظاهرات المنظمة، وجميع الخدع الواضحة الأخرى التي تمارسها الحكومة والأعمال والسياسة، وجماعات الضغط والقضايا التي يناضل المرء من أجلها، ويواجه المراسل المادي، على نحو يومي، هذا كله حتى قبل أن يصل إلى تحقيق الأخبار، فاستخدام عبارة في الوقت الراهن للإشارة إلى عملية إضفاء مزيد من الجمال على شيء جميل أصلاً وترفيع عيوب لطالما فعلت فعلها، والفرق الآن، بغض النظر عن الزيادة الواضحة للأجور، أنها تفرض الآن من قبل ملفقي الأخبار المرموقين، وقد تطلب توقهم إلى لفت الانتباه المحة عن حياتهم الشخصية، في حين لم يكن لديهم أي من هذا سابقاً وهو ما يرغم عليه المراسلون دوماً.

بيد أن التدريب الصحفي في أفضل أحواله وذلك لا يشمل عملياً بريطانيا ) . كان محاولة اللحاق بالطرف الآخر في سباق التسلح بالمعلومة، فالمراسلون يبدؤون العمل الآن في الولايات المتحدة، وهم ربما يفتقرون إلى طريقة معينة في التعامل مع سيجارة. أو البراعة في لعبة الكرايس، لكنهم عوضاً عن ذلك لديهم معرفة تامة بالأتمنة ( كيف يصممون برامج جدولة، أين يعثرون على المعلومات في الإنترنت، وهلم جراً): وهذا ما كان ليدهش أسلافهم المخزيين، ولديهم أيضاً حواسيب شخصية (أطلقت عام 1981) . وهواتف نقالة أو خلوية في حين اضطروا في الماضي إلى التزاحم على الحصالات الهاتفية)، وهواتف مرتبطة بالأقمار الصناعية والإنترنت كلها وسائل للبحث في أي موضوع، واقتفاء آثار المصادر والاتصال بها، وتشارك المعرفة بواسطة السجلات المحفوظة عن الخير، وإرسال مواد للنشر من أي بقعة في العالم ولن يعود عذر دوروتي باركر أن ( أحدهم كان يستخدم قلم الرصاص) مجدياً بعد الآن تقويتها المهلة الأخيرة التسليم مقالتها.

في مقابل هذه المدة، يتعين على المراسلين أن يتحملوا العمل في بيئة أكثر تنظيماً. لقد ولت أيام الستينيات عندما كان توم تومسون يصل إلى التايمز ويشمئز : لأن غرفة الأخبار غدت ماوي مجهزاً بسبل الراحة لمجموعة من الشاذين المسجلين أما الآن فإن كثيراً من المسؤولين الذين يديرون الصحف يحولون دون وقوع أمر مماثل، ودون وجود قوانين خاصة بالمراسلين التي مكنت المراسلين العامين أن يهدروا أياماً بطولها ( أو في حالات مثيرة، أسابيع برمنها ) خارج المكتب. إن أي فيلم في أيامنا هذه يصور بدقة عمل معظم المراسلين، فيظهره ها جالساً على الدوام إلى حاسوب داخل ما يبدو أنه مركز اتصالات إن فرصة رؤية صورة مقربة للحياة واللقاء بالناس بوصفهم المصدر الرئيس المعلوماتك)، والرومانسية.

واحتساء الشراب، والهراء، والاضطرابات والجرائم، والقمار، والمغامرة، والتورط في مارق أو شجارات هو الآن مجال مختزل أيما اختزال فكم هذا مختلف، بل إنه بالغ الاختلاف. عن حياة المراسلين العظماء.

مقالات ذات صلة