أهلاً وسهلاً بكم في صحراء الواقع نهاية حقبة ما بعد الحرب والشمولية التوتاليتارية الجديدة
غزو العالم حلم قديم، وكل عقيدة تريد أن تغزو العالم، والخطورة هي أنها لن تكون إلا مجرد وسيلة لغزو العالم -توماس مان
انتهت صبيحة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) المرحلة الأخيرة من حقبة ما بعد الحرب التي بدأت مع سقوط جدار برلين في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني 1989 ، لقد بدأ حسب قول تيموثي غارتون أش القرن الحادي والعشرون سياسياً بضربة إرهابية هائلة هزت العالم. فإذا ما كان سقوط الجدار يمثل النهاية الحقيقية لقرن قصير، فهناك ما يكفي من الأسباب للقول بأن تدمير مركز التجارة العالمي هو بداية الحقيقة للقرن الحادي والعشرين، مرحباً بعالم آخر جديد رائع (4). كان العالم - بوصفه قرية عالمية إعلامية - يعيش عن طريق محطة البث التلفازية CNN لحظة بلحظة ذلك اليوم الذي جعل منه إرهابيو الجهاد تاريخاً، وذلك بعملية قتل جماعي لامثيل لها، وبنفس المستوى كان أيضاً أثر موجات الصدمة من هذا الاعتداء العسكري على الولايات المتحدة القوة العالمية العظمى الوحيدة المتبقية في عالم اليوم.
إن هذا الاعتداء على أمريكا سوف يغير مسار التاريخ، خاصة أن أحداث العالم مع بداية القرن الحادي والعشرين بات يحددها إلى حد كبير قرار دولة واحدة هي الولايات المتحدة، ولأن لهذا الاعتداء على الأغلب آثاراً غير محسوبة على سيكولوجية هذه الدولة (5). إن مسار التاريخ يتحدد أحياناً في يوم واحد، أو حتى خلال ساعات قليلة وفي مثل ذلك اليوم سيصبح بإمكان أي فرد أن يشهد التاريخ ويعيشه. سوف تتركز تطورات بنيوية عالية التعقيد على حدث واحد، على هزة وحيدة وكبيرة، وانطلاقاً من هذه اللحظة تصبح هذه التطورات معروفة ومفهومة وتستخلص منها الدروس.
إن أقدار العالم تتخذ عقب مثل ذلك اليوم مساراً آخر، والذين شهدوا ذلك يدركون فوراً هذا الحدث الدرامي غير العادي؛ لأن الأحداث السياسية تتكثف إلى درجة من الانفعال نادرة الحدوث، إنها أيام تهز التاريخ، إنها بداية حقية تاريخية جديدة، وهذا ما ينطبق أيضاً على أيام أخرى مثل 28 حزيران (يونيو) 1914 عندما تم اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فردیناند وزوجته صوفي في سراجيفو، وكذلك على 19 تشرين الثاني / (نوفمبر) 1989 ليلة سقوط جدار برلين، وعلى 21 / كانون الأول/ (ديسمبر) 1991 يوم السقوط النهائي للاتحاد السوفييتي، ومن ثم انتهاء الحرب الباردة والثنائية القطبية للعالم.
بين هذه الأحداث والأيام التي تصنع التاريخ شد القرن العشرون القصير والوحشي قوسه، إنه عصر الأحداث المتطرفة، كما قال وبحق المؤرخ البريطاني الكبير إريك هو يسباوم.
لم يسبق أن مرت في مجمل تاريخ الإنسانية حقبة أسفرت عن مثل هذا الجنون والعنف والقتل والاغتيال والديكتاتورية والحرب والإبادة، كما حدث خلال القرن العشرين.
وفي الوقت نفسه لم يحدث في قرن آخر ما حدث في القرن العشرين من تقدم علمي وتقني واجتماعي وسياسي.
خلال الحرب العالمية الأولى كانت الجيوش ما تزال تذهب إلى ساحات القتال ممتطية الجياد أما في الحرب العالمية الثانية فقد توصلت الإنسانية إلى اختراع القنبلة الذرية، مدة واحد وثلاثين عاماً فصلت ما بين حربين عالميتين.
هذا التناقض في القرن العشرين يلحظه المرء أيضاً من خلال حقيقة أخرى ففي عام 1914 كان الملوك المتوجون هم غالباً من يقرر مسألة الحرب، وبدءاً من عام 1945 قامت النظم الديموقراطية أول الأمر في القسم الغربي من أوروبا، ومنذ عام 1989 ساد هذا النظام كل أوروبا بوصفه شكلا من أشكال الحكم، والآن يمكن وصف أوروبا، وبحق، بأنها قارة الديموقراطية والقانون. إنه التطور الذي تحقق خلال 60 عاماً فقط.
بدا أن الإنسانية ستنعم عقب سقوط جدار برلين بحقبة جديدة وطويلة من السلام، لكن، وخلافاً لكل التوقعات، وقعت عقب نهاية الحرب الباردة صراعات ساخنة في منطقة الخليج وشرق أفريقيا والبلقان، ولكن هذه الصراعات كانت - من منظور غربي - حروباً وإبادات جماعية هامشية. حتى ولو أن الحروب الدموية في شبه جزيرة البلقان كانت تقترب شيئاً فشيئاً من الأوروبيين.
مع ذلك لم تستطع كل هذه المآسي أن تثني معظم الناس في أوروبا والولايات المتحدة عن إرادة التمتع بقسط من السلام بعد نهاية سباق التسلح والحرب الباردة. فبعد خمسة عقود من المواجهة الدولية الباردة كانت روح العصر في الغرب هي التراجع التراجع عن السياسة التراجع عن أزمات وصراعات العالم إلى سيطرة الخاص على السياسي. فقد ساد خلال تسعينيات القرن المنصرم في دول أوروبا الصناعية شعار اسعوا إلى الغنى انسوا الأزمات، انسوا كل الصراعات وانسوا كل هذه السياسة الملعونة، خففوا الضرائب، وقللوا من الديموقراطية، خففوا من حصة الدولة، وأعيدوا للمواطنين مالهم وحريتهم.
هكذا أو ما يشبه ذلك انطلق من وسائل الإعلام في كل مكان، ومن البرلمانات، ومن الحملات الانتخابية بذلك وقعت الدولة وبيروقراطيتها وأموالها تحت الضغط القوي للشرعية، وسيطرة البورصة، برزت ثروات هائلة ثم زالت، ولو أن ذلك كان غالباً على الورق فقط، ولكن منها ما هو حقيقي.
كان القرن العشرون المنصرم في عواصم الاقتصاد العالمي يعني مرحلة الاختراع التقني العظيم والولوج إلى تقنية المعلومات، ومن ثم مرحلة المضاربات المالية التي لا تقل أهمية عن تلك، والتي أضاعت على نفسها سمة الاقتصاد الجديد» أو «السوق الجديدة».
لقد بدأ العقد بالنظرية الجريئة التي أطلقها فرانسيس فوكوياما حول «نهاية التاريخ» وبناء على ازدهار الاقتصاد الأمريكي الذي طال أمده أعلن اقتصاديون جريئون حتى عن نهاية الدورات الاقتصادية وقيام نظام رأسمالي خال من الأزمات، والآن يبدو أن كل ذلك أصبح باطلاً وساذجاً ولا طائل تحته لقد انفجرت فقاعة المضاربة، ففي الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 ضرب التاريخ ضربته من جديد ، هذه المرة بطريقة خاطفة ووحشية ومدمرة.
تغير مسار العالم في ذلك اليوم، ولم تعد البورصة هي التي تكتب مسار التاريخ، بل آل هذا الأمر ثانية إلى السياسة. كل هذه الأحلام الواعدة بعالم أكثر سلاماً بعد الحرب الباردة، وكل الأمال بمصير سلمي، وكل تلك الأوهام الجميلة حول نهاية السياسة وتراجع دور الدولة والسيطرة الظاهرة للاقتصاد على السياسة إنه الاقتصاد. يا للغباء كل ذلك دفن تحت أنقاض البرجين التوءمين المركز التجارة العالمي في نيويورك صبيحة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).
فالسياسة، ومعها التاريخ الذي قيل: إنه انتهى عاد للظهور ثانية في ذلك الإرهاب البشع. عاد هير وقليط ذلك الفيلسوف الذي سبق سقراط في اليونان القديمة، وبشر منذ القرن الخامس قبل الميلاد بأن الحرب هي أب الجميع الأشياء - إلى الواجهة ليتقدم على جميع المصارف الاستثمارية وأسواق البورصات. لم تبدأ هذه الحرب ا الجديدة على هامش النظام السياسي العالمي، بل في قلب أهم الأماكن المالية في العالم، في الطرف الجنوبي من مانهاتن إن نقطة الصفر» لهذه الحرب المريبة التي شنها الإرهاب الجهادي على الولايات المتحدة والعالم الغربي لم تكن في Fulda Gap، بل قرب وول ستريت بشكل مباشر.
ففي الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) مات من الأميركيين أكثر من ثلاثة أضعاف ممن قضوا في مجمل الهجمات الارهابية خلال الثلاثين سنة الماضية بلغت الخسارة في الأرواح نحو ضعفي الخسارة التي تسبب بها «تيموني ماك فاي، هذا القاتل المحلي عام 1995 من خلال اعتداء أوكلاهوما. وكانت تقريباً تعادل الخسارة التي أسفرت عن إغارة 300 قاذفة يابانية عام 1941 على ميناء بيرل هاربر. وصف المعلقون هذا الومض القادم من سماء صافية وأصاب أمريكا قبل ستين عاماً بأنه سابقة لامثيل لها، ولكن في الواقع ليس هناك مجال للمقارنة، فالحادي عشر من أيلول (سبتمبر) كان شيئاً مختلفاً كلياً.
طبعاً لم تكن هذه المرة قوة إقليمية أو محلية عظمى معادية مثل الإمبراطورية اليابانية تلك التي هاجمت الولايات المتحدة، بل انطلق الهجوم من تهديد نمط جديد لـ «قوة غير متكافئة». نقول: غير متكافئة لأن الأمر هنا يتعلق بهجوم على سلطة دولة من قبل عناصر ليس لها دولة، لا تملك القدرة الإستراتيجية ولا السيادة على أرض. إنها سلطة غير متكافئة تعمل في الخفاء، ليس لديها نظام اقتصادي أو جيش إلا أن قدرتها الأيديولوجية قوية جداً، تستطيع - باستخدام وسائل غير متكافئة - أن تلحق خسائر حربية وأضراراً، وأن تهز استقرار دولة أو منطقة كاملة، أو حتى مجمل النظام العالمي، ومن ثم تشكل خطراً عليه، ولو بطريقة غير مباشرة.
في كتابه الذي صدر عام 1991 في نيويورك تحت عنوان «مستقبل الحرب» يحلل مارتين فان كريفيلد هذه الحقيقة الجديدة للصدام بين قوة متكافئة دولة وأخرى غير متكافئة لا دولة بقوله: " ليست القوات المسلحة هي التي ستشن الحرب مستقبلاً ، بل مجموعات نطلق عليها الآن أسماء مثل: إرهابيين عصابات أو لصوص...... تعتمد هذه المجموعات غالباً على قوة شخصية وجاذبية كاريزما، قائدها أكثر مما تعتمد على المؤسسة، كما أن دافعها هو أقل حرفية» منه إخلاصاً أيديولوجيا وتعصباً لا حدود له. فالتنظيم سوف يخضع بالتأكيد القيادة لديها وسائل ضغط، ولكن القيادة نفسها لا تميز نفسها عن التنظيم ككل. ومن ثم ستشبه نفسها ب شيخ الجبل حسب العبارة التي أطلقها يوماً ماركو بولو أكثر من كونها حكومة دستورية بمفهوم العالم الحديث سيكون التنظيم إلى حد ما متجذراً في «الشعب» لكن هذا الشعب ربما لا ينفصل بشكل واضح عن الجيران المسالمين المباشرين أو عن الأقلية الصغيرة التي تتولى أمر الجزء الأكبر من العمليات الحربية، وكل وحدة مقاتلة، مهما كان حجمها، يجب أن يكون لها قاعدة على الأرض تسيطر عليها، وليس من الضروري أن تكون هذه القاعدة دائماً منيعة أو كبيرة. وربما لن تظهر حدودها وهذا تعبير حديث أيضاً على أي خارطة بخطوط واضحة وجلية ".
يبدو أن تشخيص مارتين فان كريفيلد قد أثبت صحته، فالعالم يشهد بأحداث الحادي عشر من سبتمبر أيضاً الانبعاث السياسي للحشاشين.
وهذا التعبير أطلق على فرقة إسلامية في العصور الوسطى نشأت بوصفها منظمة سرية في الشرقين الأدنى والأوسط آنذاك وطورت القتل السياسي العلني ( ولكن ليس القتل الجماعي بوصفه وسيلة لوصولها إلى السلطة وبرعت فيه إلى درجة الكمال.
اعتمدت في ذلك على القتل وانتحار القائمين بعمليات القتل الذين لم يسلم منهم أحد، فنشروا بذلك الخوف والرعب بين القوى والأقوياء في ذلك العصر .
وفي الواقع قبل يومين من تنفيذ الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة قام اثنان من الانتحاريين العرب الذين انتحلوا صفة صحفيين تلفازيين. ربما بتكليف من منظمة القاعدة الإرهابية التابعة لأسامة بن لادن - بدس شحنة متفجرة لقائد اتحاد الشمال الأفغاني أحمد شاه مسعود. أصيب على أثرها بجراح بالغة ثم مات بعد مدة قصيرة من الاعتداء متأثراً بجراحه لم يكن أحد يعلم في ذلك اليوم أن هذا القتل السياسي، الذي تم في جبال هيندوكوش البعيدة، سوف يثبت أنه كان مقدمة للهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية.
ففي صبيحة الحادي عشر من سبتمبر، اختطفت عناصر كوماندوس إرهابية تابعة للقاعدة أربع طائرات مدنية على الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة، كانت قد أقلعت بعد أن ملأت خزاناتها بأطنان الكيروسين، إلى الشاطئ الغربي من البلاد. كانت عناصر الكوماندوس الإرهابية أمام هدف واحد، ألا وهو أن تجعل من الطائرات المدنية سلاحاً موجهاً ومميتاً.
يجب أن يقوم بتدمير مراكز القوة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة برجي مركز التجارة العالمي وسط مانهاتن ووزارة الدفاع الأمريكية في أرلينغتون أما الطائرة الرابعة التابعة لـ يونايتد أيرلاينز التي تقوم بالرحلة رقم 93 فقد سقطت بفضل شجاعة الركاب الذين لم يبالوا بالموت، والذين كانوا قد علموا بالمصير الذي يتهددهم في أثناء رحلتهم بواسطة الهاتف، وكان سقوطها في بنسلفانيا دون أن يعرف حتى الآن الهدف الذي كان عليها أن تتوجه نحوه، ويرجح أن الرحلة 93 لشركة يونايتد أيرلاينز، حسب المعلومات المتوافرة لدى السلطات، كانت ستتوجه إما إلى البيت الأبيض أو إلى البرلمان الأمريكي على هضبة الكابيتول في قلب العاصمة واشنطن.
من دون شك كان يمكن مقارنة الهجوم الإرهابي الذي خططت له القاعدة وأعدته جيداً من حيث النتائج المباشرة، بهجوم حربي قامت به قوة أجنبية، فلم يسبق للولايات المتحدة في تاريخها أن خسرت في يوم واحد هذا العدد الكبير من المدنيين بهجوم حربي أو شبه حربي.
لم تتعرض حكومة الولايات المتحدة مرة في السابق منذ الحرب الأمريكية البريطانية في بداية القرن التاسع عشر، أو مراكز القوى في الولايات المتحدة لمثل هذا التهديد.
فالهجوم الياباني على بيرل هاربر أصاب قاعدة بحرية بعيدة جداً. وليس قلب الولايات المتحدة، ناهيك عن العاصمة أو حتى أهم مركز مالي في العالم، وسط إغراقها في السلام، وفجأة حدثت في ذلك الصباح عملية إرهابية جديدة لم يكن يتوقع أن تسفر عن هذا القتل واحتقار الإنسان في أهم المدن الأمريكية، فقتلت الآلاف من المواطنين البريئين، سواء أمريكيين أم أجانب من المسلمين واليهود والمسيحيين والبوذيين والهندوس وغير المنتمين إلى ديانة بعينها، رجالاً ونساء، أغنياء وفقراء، شيوخاً وشباباً.
إنها عملية ذات طابع عالمي أسفرت عن ضحايا بريئة، استخدمت هذه العملية الإرهابية التقنيات المدنية للمجتمعات الغربية المنفتحة القدرة على قيادة الطائرات الطائرات المدنية إمكانية نقل الأحداث بشكل مباشر عبر العالم، وقد تم كل شيء بأقل التكاليف ، والتصميم على الانتحار بالسلاح المميت والدعاية التي تثير الرعب من هذه العملية . لقد فاق الأثر التدميري لهذه الطائرات المدنية بخزاناتها المليئة بالوقود. عقب اصطدامها بالأبنية، تقريباً الأثر التي يخلفه جسم طائر. وكان الأثر الرمزي لهذا الهجوم لا يقل عن الأثر المادي، وكذلك الهلع الذي أحدثه الفعل الأثم في كل أنحاء العالم .
مع ذلك، فالأمر متعلق بالنسبة للحادي عشر من سبتمبر بهجوم إرهابي، لم يكن عملاً حربياً بالمفهوم الكلاسيكي، أي اعتداء دولة على دولة أخرى، بغض النظر عن تورط نظام الطالبان في أفغانستان في التحضير وفي دعم منظمة القاعدة.
بالإضافة إلى الضحايا والصدمة السياسية برزت فروق نوعية مهمة بينها وبين الحرب النظامية، كما كانت الحال عام 1941 في الهجوم الياباني على بيرل هاربر آنذاك وقفت دولة ضد دولة، قوة إستراتيجية ضد قوة إستراتيجية. وفي الحرب العالمية الثانية قامت الولايات المتحدة بالحرب على ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية في صراع على السيطرة باستخدام كل قواها الإستراتيجية في ساحات المعارك في أوروبا وشرق آسيا ومنطقة المحيط الهادي. أما في الحادي عشر من سبتمبر فقد كان الوضع مختلفاً كلياً ، فبرغم الخسائر البشرية بالآلاف والهلع الدولي والآثار السلبية على الاقتصاد العالمي، كانت الآثار العسكرية والإستراتيجية على قدرات الولايات المتحدة لاشيء. وإذا ما نظرنا من وجهة نظر إستراتيجية فلم يكن الأمر أكثر من وخزة إبرة، لكن هذا الهجوم الإرهابي لم يكن يستهدف القدرات الإستراتيجية للقوة العظمى الوحيدة في العالم، بل كان يهدف إلى إظهار إمكانية مهاجمة قوة عظمى واستفزاز هذه القوة العظمى للقيام برد فعل سياسي عسكري غير عادي. إن مسألة إضعاف القدرة الإستراتيجية للولايات المتحدة عسكرياً لم تكن واردة على الإطلاق. فقد كان هدفهم بالدرجة الأولى سياسياً - رمزياً. إذ كان هدفهم الحقيقي هو إظهار القدرة على مهاجمة وجرح وقهر وإضعاف أعظم قوة عسكرية واقتصادية في التاريخ القوة العالمية العظمى في العالم.
استطاع محاربون عقديون لا يخافون الموت ومصممون على الانتحار إلحاق ضربات فظيعة بأعظم آلة وقوة عسكرية في القرن الحادي والعشرين، وذلك بأقل التكاليف. هكذا كان يجب أن تكون الرسالة، التي تضمنت أيضاً تحدياً سلطوياً موجهاً إلى عنوان الولايات المتحدة. يصف بول كينيدي الولايات المتحدة بأنها عملاق عسكري واقتصادي وسياسي وثقافي لم يسبق أن شهد العالم مثيلاً له، لكن يسهل جرحه إلى أبعد الحدود. إن اختراعه للإنترنت ودوره في تطوير مقرات للتجارة المالية مفتوحة على مدار الساعة، تجعله في منتهى الغنى وفي الوقت نفسه أكثر عرضة لأعمال التخريب. فقوانين الهجرة الليبرالية - بالنسبة لأوروبا على كل حال - في هذا العملاق وانفتاح جامعاته للطلبة القادمين من وراء البحر، جعلت منه بوتقة عملاقة ينصهر فيها الناس من جميع أنحاء العالم، بينهم أفراد يمكن تجنيدهم للقيام بأعمال إرهابية، إذاً فأمريكا ليست حصناً منيعاً، بل على العكس.
تبعاً لهذا الواقع فقد أعدت الولايات المتحدة ومجتمعات أخرى منفتحة في الغرب، عقب الحادي عشر من أيلول، إعداداً كبيراً من أجل حماية أمنها الداخلي. وهذا ما يمكن النظر إليه على أنه هدف آخر للتخطيط الإرهابي، ألا وهو التأهب الداخلي وفي الوقت نفسه انغلاق المجتمعات المنفتحة في الغرب.
وكان اعتداء الحادي عشر من سبتمبر يهدف أيضاً، وبالدرجة الأولى إلى دفع الولايات المتحدة في هلعها وغضبها إلى رد فعل مضاد، الأمر الذي يشكل دعماً لهدف مخططي الإرهاب، ألا وهو الصدام بين العالم الإسلامي العربي والغرب، أي صراع الحضارات الذي تنبأ به الفيلسوف الأمريكي صموئيل هونتينغتون منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين. ولفهم الإستراتيجية السياسية تعود بنا الذاكرة إلى صورة البعوضة والفيل فصاحب الجلد السميك يجب إثارته بلسعات في غاية الإيلام، بحيث يهاجم بغضب أعمى ويدور حول نفسه، فلا ينبت عشب حيث تطأ قوائمه. مطلوب من الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة أن يغير موازين القوى في العالم العربي والإسلامي نتيجة رد الفعل الأعمى للولايات المتحدة. فعلاوة على مرحلة الفوضى يجب أن يؤدي إلى ثورة الجماهير ذات الفكر المحافظ لتسقط الأنظمة القومية الفاسدة، ومن ثم الدعوة لاحقاً إلى نظام الخلافة، أي إقامة دولة الله بقيادة المتطرفين دينياً.
الشيطان الأكبر الذي يحمي هذه الأنظمة التي يعد وجودها في المنطقة هو المسؤول عن اضطهاد المتدينين والهدف الأساسي ليس في الولايات المتحدة، بل في المملكة العربية السعودية وفي القدس وفي منطقة الخليج العربي وكل أنحاء الشرقين الأدنى والأوسط وأواسط آسيا، أي على امتداد حزام الأزمات الواقع بين المغرب وإندونيسيا الذي يسيطر عليه الطابع الإسلامي إلى حد بعيد، ولم يكن ذلك أقل من خطة ثورية إستراتيجية لإعادة تنظيم العالم العربي وأجزاء شاسعة من العالم الإسلامي، يتم تحريكها بالعنف اللا محدود وبالإرهاب على المدى الطويل.
كما تعلمنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر شيئاً آخر في غاية الأهمية، فمنذ انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك يجب على العالم الغربي أن يعي أنه يواجه تحدياً شمولياً. «الشمولية ( التوتاليتارية ) الثالثة - كما وصفها، وبحق يهودا بادر يمكن مقارنته بلا شك بالأنظمة الشمولية التي قامت في القرن العشرين .
كما هو دائماً، كان الأمر - وما يزال - يتعلق بالنسبة للأيديولوجيات الشمولية الكبيرة، سواء أكانت فاشية أم شيوعية في السابق أم إسلامية في الوقت الحاضر، بفكرة تبدو عظيمة، يصعد تطبيقها من البربرية اللا إنسانية ليجعل منها عملاً إنسانيا رحيماً في عيون أتباعها.
هنا لا توجد أساساً أي حدود أخلاقية في استخدام الوسائل الإرهابية لأنها تشرع أكثر الأعمال إجراماً ولا تقر إلا بأعمالها الإرهابية المتمثلة في الجهاد ضد الكفار والخارجين على الدين الحقيقي.
كلما كثر الدمار كان أكثر فاعلية. وكلما كان أكثر فاعلية كان الأمر أفضل؛ لأنه سيكون أكثر فاعلية في تأثيره المثير للرعب. هذا ما تنص عليه مبادئ الشمولية الجديدة. هذا المنطق لا يستهدف فقط الجيش وأجهزة الدولة والمصالح الاقتصادية للدول المعادية، بل يحاول بالدرجة الأولى أن يزيد من تأثير الرعب الإرهابي من خلال هجوم مباشر على المجتمعات المدنية للعدو المستهدف. وهذا ما ينطبق بشكل خاص على الديموقراطيات الغربية ومواطنيها. وكلما كانت الضحايا عشوائية بين المدنيين كان أثر الترويع أكبر . يقود هذا المنطق أيضاً مباشرة إلى تهديد في منتهى التخويف. ومن ثم إثارة الذعر والهلع إلى أقصى درجة، بحيث يمكن لهذا الإرهاب أن يحاول امتلاك أسلحة دمار شامل تصل إلى حد امتلاك السلاح النووي ومن ثم استخدامه ( أو القيام بعمليات إرهابية بسلاح تقليدي تصل فاعليته إلى فاعلية السلاح النووي )، لأن الإرهاب لا يعترف بحدود أخلاقية وغير مستعد أصلاً للتفريق بين المقاتل وغير المقاتل.
إذا ما قارن المرء هذا التحدي الشمولي مع النظاميين الشموليين اللذين قاما خلال القرن العشرين، فسيجد نفسه أمام اختلافين أساسيين:
أولاً: إن هذا التحدي الثالث لم ينبثق عن كوابيس عصر التنوير الأوروبي وأزمات التحديث الغربية، بل نشأ في عالم الإسلام ردا في غاية الراديكالية على أزمة التحديث في هذا العالم إن المضمون الأيديولوجي المثالي لهذه الشمولية الجديدة لا يهدف إلى الإسراع في التحديث الغربي، كما كانت الحال بالنسبة للحركة الشيوعية بل العكس تماماً، إذ يتجه إلى الوراء، وكان من حيث السياق التاريخي - الأيديولوجي يشكل تراجعاً ليصبح من ثم مشابهاً للفاشية والاشتراكية القومية، إذ كان الأمر عبارة عن رفض جذري صوري للحداثة باسم الإسلام والعودة إلى نقائه الصحيح والأصيل.
لكن مع ذلك يجب على المرء ألا ينخدع، لا بالأيديولوجية ولا بالمظهر الخارجي، لأن الإرهاب هو تعبير عن أزمة التحديث ، وليس العودة إلى الأصالة المفقودة. وهذا ما ينطبق أيضاً على الحركة الشمولية للفاشية والاشتراكية القومية وهكذا يبدو الحادي عشر من سبتمبر أنه ينصف هونتينغتون بعد أن أصبح العالم يتجه نحو حرب الحضارات والثقافات. وطبعاً يشارك الإرهاب الجهادي هونتينغتون هذه النظرية؛ لأن له مصلحة إستراتيجية في صراع الحضارات هذا. ولكن ليس بوسع سياسة غربية عاقلة ولا الغالبية العظمى من المسلمين المعتدلين أن تقبل بهذه النظرية بكل جدية لأن ذلك سيعني الكابوس المطلق في القرن الحادي والعشرين. ولم يتم التطرق إلى البديل عن ذلك إلا قليلاً في هذا الموقع. إنه يكمن في البنية السياسية للعولمة .
أما الاختلاف الثاني بين الشموليات القديمة والشمولية الجهادية فيكمن في الاختلاف الجوهري من حيث الضخامة وطبيعة القوة بالنسبة للشموليات القديمة، ومن ثم قدرتها على التهديد. هتلر وستالين عدا نفسيهما أساس قوة الدولة الهائلة، أما أسامة بن لادن فهو مجرد زعيم شبكة إرهابية دولية، أما الأنظمة الشمولية الأوروبية في القرن الماضي فقد كان لديها إما قوة أرضية ثابتة في دول صناعية متقدمة مع قدرة عسكرية حديثة ضخمة، مثل ألمانيا، بلغت هذه القوة عن طريق استغلال الإمكانات اللا محدودة في بلاد مترامية الأطراف مثل روسيا بعد عام 1917.
كان النظامان الشموليان الاشتراكي القومي والبلشفي يشكلان - نتيجة وجود قاعدة القوة الأرضية والاقتصادية والعسكرية - تهديداً عالمياً مسيطراً، وكان من المفروض إسقاطهما. إما في حرب عالمية (ألمانيا) أو في مواجهة بين أنظمة استمرت عشرات السنين (روسيا). كان ذلك في الحرب العالمية الثانية وفي الحرب الباردة. كلاهما كانا حربين من أجل السيطرة على العالم، وفي كلا الحربين الكبيرين كان الخصم الرئيس متمثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية التي تمكنت أخيراً بنوايا تسلطية أن تقضي على ألمانيا النازية وروسيا السوفييتية بنجاح. ولكن برغم هذه الفروق الكبيرة هناك قاسم مشترك بين التحديات الشمولية الحالية والسابقة. وقفت الاشتراكية القومية في ألمانيا والشيوعية السوفييتية، من خلال هذه الحروب التي شنت عليهما، وسط صراعات سياسية رئيسة هددت النظام الدولي العالمي بقدر ما قامت بترتيبه بالنسبة للاشتراكية القومية في ألمانيا كان الوضع ما يزال بالدرجة الأولى عبارة عن صراع مركزي أوروبي أدى إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، تطور خلال مسار الحرب بدءًا من عام 1941، إلى صراع عالمي.
برز في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 أمران مهمان هما انكسار ألمانيا الهتلرية كلياً ، وفي الوقت نفسه تقسيم أوروبا والعالم بين القوى المنتصرة الرئيسة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وقد سبق أن تم الاتفاق على هذا التقسيم للنظام الدولي بين الحلفاء في بالطا. أدى هذا الاتفاق بعد هزيمة ألمانيا النازية الكاملة، وخلال سنوات قليلة، إلى الحرب الباردة التي لم تعد أنذاك مستبعدة بسبب التهديد النووي المتبادل. لم يتم حسم الصراع الرئيس مع الاتحاد السوفييتي بحرب ساخنة بل انتهى أخيراً هذا الصراع بعد خمسة عقود من المواجهة الباردة وسباق التسلح إلى الإنهاك وإلى زوال الاتحاد السوفييتي. خلال ذلك الوقت حدد هذا الصراع الأساسي العالمي مجمل نظام العالم. أما في الوقت الحاضر في ظل النظام الدولي الراهن فلا شأن لنا بصراع أساسي جديد لعدم توافر أقطابه. فالولايات المتحدة هي من حيث مستوى القدرات الإستراتيجية والقوة العسكرية النظامية (دولة ضد دولة هي القوة العالمية الوحيدة التي لا تستطيع أي قوة أخرى، أو اتحاد قوى، أن يشكل تهديداً لها. والإرهاب الجهادي بعيد كل البعد عن إمكانية هز هذه القوة، حتى ولو في أبسط الأشكال.
أما المسألة المهمة بالفعل فستكون مدى حجم التكاليف السياسية والاقتصادية والثقافية العامة لمكافحته والانشغال طويل الأمد للولايات المتحدة ( ومن ثم أوروبا أيضاً في الشرق الأوسط، وفيما إذا كانت هذه التكاليف سوف تؤدي مع مرور الوقت إلى قضية قبول لدى أكثرية الرأي العام الأمريكي والأوروبي. إن الجواب عن هذا السؤال يقرره إلى أبعد الحدود بعد نظر وجرأة القرارات الإستراتيجية التي يتخذها الغرب.
بالنسبة للنظام العالمي المستقبلي القادم والسلام في القرن الحادي والعشرين سيكون في غاية الأهمية - من ناحية أخرى - مسألة مدى عمق وقوة وتجذر هذه الشمولية الجديدة في العالم الإسلامي، ومدى قوتها الروحية والسياسية خارج نطاق مجال حماتها ومنظماتها. فإذا ما تمكن الغرب، وتمكنت من ثم، وقبل كل شيء، الدول والمجتمعات الإسلامية من وقف هذا التحدي الشمولي وعزله، فلن يسفر الحادي عشر من سبتمبر عن تهديد دائم للنظام الإقليمي والدولي.
لكن إذا ما فشلت محاولة عزل هذا الخطر وإزالته مع جذوره العميقة. فستصبح الشمولية الجهادية خطراً إرهابياً مستمراً على السلم الإقليمي والدولي، حتى ولو لم يؤد ذلك إلى صراع مركزي عالمي بالمفهوم الكلاسيكي. أما التطور الذي يتخذه هذا الصراع، فإنه متعلق إلى أبعد الحدود بالشكل الذي ستبدو فيه إستراتيجية الغرب في حربها على النظام الشمولي الجديد. إن ما سينتج عن إستراتيجية قصيرة النظر وغير واضحة سيكون تصعيداً غير مرغوب فيه للصراع، ومن ثم زيادة انتشار قواعد الدعم لهذه الشمولية الجديدة في العالم الإسلامي. وهذا ما سيقوي مرة أخرى القدرة على تكاثر الشبكات الإرهابية، ومن ثم إطالة أمد الصراع. والسؤال الأساسي هو: ألا يمكن القضاء على هذا الإرهاب، ليس عسكرياً وبوليسياً فحسب، بل - بالإضافة إلى ذلك - القضاء على جذوره الثقافية الاجتماعية عن طريق بدائل إيجابية. هذا بدوره أيضاً عبارة عن تحد سياسي في غاية التعقيد، ويحتاج مدة طويلة الأمر الذي يمكن مقارنته بلا شك بالجواب الإيجابي عن قضية النظام في أثناء الحرب الباردة. حالياً لا يمكن في الواقع تقدير قوة الإرهاب الجديد وقدرته على التحمل إلا بصعوبة. وهنا يجب على المرء أن ينطلق من صيغتي سيناريو للمستقبل: الأولى تفاؤلية والأخرى تشاؤمية. فالسيناريو المتفائل يعتمد على الاعتقاد بأن الإرهاب الجهادي، ومنذ نهاية التسعينيات، قد دخل مرحلة الانحطاط ووصل بأحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى أوجه، بل وتعداه. ضمن هذا المفهوم يمكن إدراج أحداث الحادي عشر من سبتمبر في خانة المحاولة لتأخير عملية هذا الانهيار، بل وقلب مسارها من خلال هذا الحدث. هذه النظرية يمثلها غيلس كيبل في كتابه الكتاب الأسود للجهاد بقوله: بقي علينا أن ننتظر مدى قدرة كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 على قلب مسار الأحداث، كما يأمله الذين خططوا لها ونفذوها. هذا المسار الذي اتخذته الحركة الإسلامية في نهاية العقد الماضي، والذي حال دون الاستيلاء على السلطة .
لقد أسفر الهجوم المباشر على الولايات المتحدة عن رد فعل قوي جداً، جرد الشمولية الإسلامية خلال وقت قصير من قاعدتها الارتكازية الأرضية في أفغانستان، وزادت من حدة الضغوط الدولية المطاردة كوادر القاعدة في كل أنحاء العالم، وأضعفت، إلى حد كبير، قاعدة شرعيتها في العالمين العربي والإسلامي من خلال الهزيمة السريعة التي لحقت بها في أفغانستان.
وعلاوة على ذلك أقدمت المجتمعات الغربية على تحسين أداء أجهزة المخابرات والشرطة لديها. والكثير من الأنظمة في العالم العربي - الإسلامي تتعاون طوعاً، أو تحت وطأة الضغط الأمريكي - لكن في كلا الحالتين لأسباب تتعلق بالحفاظ على نفسها - مع الائتلاف الدولي المناهض للإرهاب. وهنا لا يقلل سيناريو المستقبل المتفائل أبداً من إمكانية النهاية السريعة للإرهاب. لكن سبق أن أظهر الحادي عشر من سبتمبر أنه لم يعد للإرهابيين سوى القدرة على شن الهجوم على ما يمكن أن نطلق عليه اسم الأهداف اللينة» في مناطق هامشية، برغم وقوع العدد الكبير من الضحايا. إذاً، فالإرهاب سيبقى تحدياً لبعض الوقت، لكن في الوقت نفسه لن يكون بوسعه أن يقوى على المدى المتوسط على الأقل، وسوف يتم الحد منه الدرجة كبيرة من خلال اتباع سياسة القوة الهجومية. وقد يصل الأمر حتى الانتصار النهائي عليه نهائياً. حسب هذا السيناريو المتفائل، فإن وصول الإرهاب إلى أهدافه الشمولية والإستراتيجية الإجرامية أصبح الآن مستبعداً؛ لأنه لم يعد في وسع الإرهاب الجهادي أن يلحق الخسائر البشرية بالمدنيين البريئين على غرار ما ارتكبه في السابق.
أما السيناريو المتشائم فقد توصل إلى نتيجة مغايرة. ويمكن لتأثيرات حرب الولايات المتحدة وحلفائها على العراق واستمرار احتلال هذا البلد أن تقوي التطور باتجاه السيناريو المتشائم.
ففي المقام الأول هناك الخطر بأن الإرهاب الجديد سوف يتمكن بالفعل على المدى المتوسط من زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج والمملكة العربية السعودية، وذلك بمساعدة فعالة من الغرب لأن حرب العراق ونتائجها أزاحت، وبالتدريج، المنافس الرئيسي الإقليمي للجهاديين الراديكاليين، ألا وهو الدكتاتوريات القومية المستهلكة والأنظمة التسلطية. وعلاوة على ذلك، فسوف تسفر كل من إستراتيجية الدمقرطة وحقيقة الوجود الأمريكي وقوات غربية - الذي يعد سيطرة أجنبية - عن صدمة أسلمة في العالمين العربي والإسلامي، فالانتخابات الحرة: انظر مثلاً إلى الجزائر أو إلى ازدياد قوة حماس في المناطق الفلسطينية، يمكنها بلا شك أن تكون أداة للأسلمة.
يضاف إلى ذلك - وعلى غرار أسلمة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية، ومن خلال حرب العراق، والوجود العسكري الغربي في بلاد ما بين النهرين - خطر اندماج التوجه العروبي مع التوجه الإسلامي، فإذا ما تورطت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون الموجودون في العراق في حرب صغيرة خاسرة عسكرياً وسياسياً، فإن ذلك سيؤدي إلى التطرف في العالمين العربي والإسلامي، وزعزعة أمن الحكومات المعتدلة في المنطقة، وتوريط الغرب في لعبة ميؤوس منها بين الحرب ذات التقنية العالية والعمليات الانتحارية مثل هذا الموقف موجود الآن بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن مع فارق كبير. فإسرائيل تحارب بلا خيار من أجل بقائها، بعكس الولايات المتحدة التي لديها خيار الانسحاب، وإذا ما قررت ذات يوم، وفي المستقبل غير البعيد الانسحاب تحت ضغط الخسائر المستمرة، فإن ذلك سيعد من قبل القوميين والجهاديين على السواء بمنزلة انتصار على الولايات المتحدة والغرب بشكل عام. هذا ما سيكون له آثار سلبية خطيرة على مجمل المنطقة. كما أن المصالح الأمنية للغرب، وبخاصة أوروبا، بوصفها جاراً إقليمياً مباشراً ، سوف تتأثر بشكل كبير جراء ذلك. بذلك يبقى خيار الانسحاب بالنسبة لأوروبا محدوداً جداً، الأمر الذي لا ينطبق على الولايات المتحدة وحلفاء آخرين من خارج أوروبا.
لكن أيضاً فإن للنتائج الممكنة، المتعلقة بالاقتصاد العالمي، أهمية لا يجب التقليل منها؛ لأن استقرار مجمل المنطقة يبقى على المدى المتوسط تحدياً كبيراً. ففي بلاد ما بين النهرين والخليج العربي وشبه الجزيرة العربية يوجد القسم الأعظم من إنتاج النفط العالمي، وكذلك الاحتياطي منه لذلك فإن لزعزعة الاستقرار في هذه المنطقة عواقب اقتصادية وخيمة على الاقتصاد العالمي برمته. لكن أيضاً النتائج غير المباشرة للحادي عشر من سبتمبر يمكن أن تؤدي إلى إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد العالمي، فإذا ما اضطرت المجتمعات الغربية المنفتحة وعلى رأسها الولايات المتحدة مستقبلاً، أن تحمي نفسها من تهديد أكثر خطورة تسببه أسلحة الدمار الشامل، فيمكن أن يؤدي ذلك مباشرة وبالدرجة الأولى إلى الحد من انفتاح هذه المجتمعات، ومن ثم الحد من التبادل الحر للسلع إلى حد كبير.
إن حالة الطوارئ المستمرة سوف تؤدي إلى تغيرات أساسية في الطابع المنفتح للمجتمعات الغربية الليبرالية، تصل حتى الانحرافات المستمرة لطيف السياسة الداخلية. ويتحدث ، فالتر لاغور منذ الآن في معرض الحديث عن النجاحات التي تحققت في مجال مكافحة الإرهاب عن "انتصار خادع".
طبعاً ليس بوسع الإرهاب أن يهز القوة الإستراتيجية للمجتمعات الغربية أو للولايات المتحدة، لكن بوسعه أن يضع انفتاحها وتحررها موضع تساؤل ويضطرها إلى إنشاء مجتمعات أمنية .
فمثل هذا التسلح الداخلي لن يؤدي إلى مجرد تبعات كبرى تلحق بالسياسة الداخلية للمجتمعات الغربية، بل زيادة على ذلك، يمكن لمثل ذلك التحول القسري للمجتمعات الغربية المنفتحة بسبب الإرهاب، ألا يتوقف عند مجرد تقليص تبادل السلع والخدمات والمعلومات والأشخاص. إن مثل هذا التطور سيؤدي بالضرورة إلى تقلص كبير في التجارة العالمية، ومن ثم إلى خسائر في النمو، كما حدث بعد الحادي عشر من سبتمبر من خلال الأزمة العميقة للنقل الجوي العالمي، خاصة أن النمو القوي للتجارة العالمية كان واحداً من أهم عوامل زيادة الرفاهية في العالم الغربي خلال العقدين الماضيين، إذاً يجب عدم إغفال التبعات التي سيجرها تقليص التجارة العالمية الحرة مدة طويلة. هذا، أو ما شابه ذلك، ما ينص عليه النموذ جان الأساسيان لكلا هذين التصورين الآنيين للمستقبل: لأن الحقيقة السياسية والاقتصادية القادمة سوف تتموضع يوماً ما بينهما. وهذا يتعلق بعدة أمور: منها القرارات السياسية التي يتخذها أهم اللاعبين الدوليين، وكذلك فيما إذا كانت المجتمعات المعنية سوف تتمكن، بمساعدة المجتمع الدولي، من الربط بين الديموقراطية، والدول العربية والإسلامية، والحداثة في اقتصاد السوق. والإسلام، في نهج تطور ناجح.
بذلك يمكن إلغاء الحصار المستمر المفروض على التحديث في هذه المجتمعات دون أن يفهم من ذلك على أنه ضغط خارجي أو سيطرة أجنبية وإمبريالية ثقافية. في عداد ذلك يدخل بالتأكيد أيضاً حل الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط بين إسرائيل وجيرانها العرب نحو نظام سلمي قادر على البقاء. إن الصراع في الشرق الأوسط ليس على الإطلاق هو مصدر كل الشر في المنطقة. بل على العكس تماماً فقد خدمت إسرائيل - وما تزال - منذ تأسيسها، الكثير من الحكام والأنظمة في العالم العربي لصرف النظر. المرحب به عن تقصيرها وإهمالها.
بذلك يمكن إلغاء الحصار المستمر المفروض على التحديث في هذه المجتمعات دون أن يفهم من ذلك على أنه ضغط خارجي أو سيطرة أجنبية وإمبريالية ثقافية. في عداد ذلك يدخل بالتأكيد أيضاً حل الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط بين إسرائيل وجيرانها العرب نحو نظام سلمي قادر على البقاء. إن الصراع في الشرق الأوسط ليس على الإطلاق هو مصدر كل الشر في المنطقة. بل على العكس تماماً فقد خدمت إسرائيل - وما تزال - منذ تأسيسها، الكثير من الحكام والأنظمة في العالم العربي لصرف النظر. المرحب به عن تقصيرها وإهمالها.
فإذا ما تحقق التحديث، ومن ثم بناء نظام سلام ثابت في الشرق الأوسط عن طريق جهود دولية طويلة المدى مبينة على التعاون، فإن إمكانية تحقيق مستقبل سلمي ستصبح أكبر بكثير. وإن لم يتحقق ذلك فإن ما تمخض عنه الحادي عشر من سبتمبر لن يعني أبداً العودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل ذلك التاريخ. وعلى الأرجح سوف يتقدم خيار أزمة وصراع خطير وطويل الأمد في الشرق الأوسط إلى مكان الصدارة، وذلك تحت تأثير كل الأخطار والمخاطرات التي سوف تجر معها مثل هذا الخيار.
بالنسبة لأوروبا سيكون ذلك المنظور مقلقاً جداً، ويمثل خطراً دائماً : لأن الشرق الأوسط منطقة مجاورة بشكل مباشر لها. هنا إذا وفي حزام الأزمات الآخر في الشرق الأوسط سوف يتحدد بالدرجة الأولى أمن أوروبا خلال العقود الأولى من هذا القرن. ولذلك سوف تقف هذه المنطقة على رأس الأجندة الأمنية - السياسية للمصالح الأوروبية.
