القائمة الرئيسية

كتاب دليل المرشد

كتاب دليل المرشد
ملخص المقال

يتناول هذا الفصل أهمية التعلم كعملية محورية في الإرشاد، ويؤكد على نهج إرشادي متمحور حول المتعلم. يبرز أهمية التجربة الشخصية في تعزيز العلاقة الإرشادية، حيث تعمل الخبرة على ربط المرشد والمسترشد، مما يسهم في تحقيق أهداف التعلم. يستعرض الفصل نموذجين للإرشاد؛ الأول يفتقر للتواصل والتعلم الفعّال، كما يظهر في العلاقة بين راندي وبات، والثاني يبرز شراكة تعلمية ناجحة بين كارمون وجوسلين. يوضح النموذج المتمحور حول المتعلم أهمية تحمل المسترشد مسؤولية تعلمه، مع تطور دور المرشد من معلم سلطوي إلى ميسر للتعلم. كما يناقش الفصل أهمية التأمل في التجارب السابقة، وكيفية استغلالها كأداة للتعلم والتطور في الإرشاد.

تأسيس مبادئ العمل (تهيئة الأرض) التركيز على التعلم

التعلم هو العملية الأساسية والغرض الأول للإرشاد . وإن أحد الأسباب الرئيسية في فشل العلاقات الإرشادية إهمال العناية بالتعلم وعدم المثابرة على التركيز على أهدافه.

وهذا الفصل يؤسس عمل المرشد على نهج من الإرشاد المتمحور على المتعلم، ويقدم أنموذجاً في الإرشاد يتفق مع مبادئ الاندراغوجيا (1980,Knowles) ويتلاءم مع أفضل أصول تعلم الراشدين.

تضطلع الخبرة بدور القوة الأساسية في الرحلات الموازية التي يقوم بها المرشد والمسترشد والعلاقة التعلمية. ذلك أن التجربة متأصلة في شبكة من الارتباطات والعلاقات المتبادلة التي يتم استكشافها بوساطة عربة البيئة الشخصية - أي القوى التي تؤثر في نهجنا في التعلم. وتضطلع مفاهيم التحدي والدعم والرؤية مع أسلوب التعلم بدور حاسم في تيسير عملية التعلم.

المثابرة على التركيز على التعلم

تساعد العناية الحقة (1982 ,Piercy على استمرار التركيز على الأهداف التعلمية للمريد وهو ما يزال أحد أكبر التحديات التي تعترض عمل المرشد. وحين يهمل التعلم تؤول عملية الإرشاد إلى مستوى العمل التجاري، وتصبح سلامة التعلم في خطر، وتقوض العلاقة. فانظروا ما حدث لراندي وبات.

فلقد تم تعيين راندي، وهو مدير في إحدى الشركات المتعددة الجنسية ليكون مرشداً لبات. وهو موظف حديث العهد في الشركة ذكي ونشيط، وشديد الطموح، ومتلهف للبروز في عمله. بدأت العلاقة بداية إيجابية، وجرى التواصل بينهما بيسر. بيد أنه بعيد انعقاد هذه العلاقة طرأ تحول دراماتيكي على مستوى التفاعل بينهما . فبدافع من الرغبة في رضى هذا المدير ذي المستوى العالي فقد راح يحمل حقيبة راندي ويعمل لإنجاز مشروعاته ويتولى البحث في كل موضوع يعهد به إليه راندي. ومع مرور الوقت أخذت مسؤوليات راندي بالازدياد، وصارت اللقاءات بينهما تتناقص وتقل باطراد. وما هو إلا حين من الزمن حتى تحولت كيفية التفاعل بينهما من مشاركة متبادلة في المعلومات ونقاش إلى إدلاء بمعلومات وصار تبادل الرأي بينهما متقطعاً بصورة متزايدة. ولم يعد يجري بينهما من النقاش إلا أقله، هذا إن جرى حول التعلم الجاري، ولم يعد الوقت يسمح بإثارة الأسئلة أو الإجابة عن أسئلته. بل ولقد صار يطغى على الرسائل الإلكترونية المتبادلة بينهما الجفاف والاقتضاب.

إن ما يفتقر إليه الحال هو فرصة للنقاش والدفع بعملية التعلم الجارية. كان بات سريع التعلم، وقد تعلم الكثير وهو يتابع راندي مثل ظله (بمعنى أنه كان يلاحظ راندي وهو يؤدي أعماله). ومع ذلك فإن عملية التعلم لم تكن مرضية جداً .

كذلك كانت جوسلين أيضاً تراودها مطامح عظيمة وأدركت أنها بحاجة المهارات محددة لتتقدم في مسيرتها . فاتصلت بكارمون، وهو رجل متمكن جداً من عمله ومدير يحظى بتقدير كبير في المنظمة التي يعمل لديها، وسألته أن يكون مرشداً لها . وقد قام كارمون بالعمل مع جوسلين على توضيح أهدافها التعلمية التي كان يشوبها شيء من الضبابية. واتفق الاثنان على أنه يقع على جوسلين مسؤولية بدء الاتصال بينهما .

وكان كارمون وجوسلين كلما اجتمعا يقومان باستعراض التقدم المتحقق قياساً على الأهداف التعلمية التي تسعى إليها جوسلين. كما أفردا جانباً برهة من الوقت للحديث دورياً عما يتحقق حول مستوى الرضى عن العلاقة وكيفية شعور كل منهما حول مجرى الأمور. وقد وجدوا أن ثمة نقطة معينة ينبغي عليهما معالجتها : فكانت جوسلين ترغب في التحرك بإيقاع أسرع وتطلب أن تنال مزيداً من وقت كارمون. ولكن عندما تعمدا تكريس مدة معينة من الوقت للتباحث أثناء لقاءاتهما الدورية فإنهما تمكنا من تناول ما يشغل بال جوسلين وتحديد مجالات أخرى للتعلم، ومنها عدة مشاريع ولقاءات مع العملاء واجتماعات استراتيجية داخلية.

أنموذج الإرشاد الذي محوره المتعلم:

إن هذين المثالين يوضحان الفارق الذي يمكن أن يحدثه التعلم في العلاقة الإرشادية. فالعلاقة الإرشادية التي تتسم بالإذلال بين راندي وبات ليست بالعلاقة الفريدة في عالم الشركات الضخمة وهناك أمثلة مشابهة في العالم الأكاديمي حيث يكون المريد من التلهف إلى أن يتقدم إلى درجة قيامه بما يشبه الفضيحة التي تتجلى في حمل حقيبة البروفسور" ويعتبرها تجربة مهمة. ولقد كانت جوسلين أيضاً ذات مطامح كبيرة، ولكن علاقتها بكارمون تعكس شراكة تعلمية تنطوي على قدر أعظم من التعاون مما كان في المثال الأول.

إن عبارة الشراكة التعلمية توائم أنموذج الإرشاد الذي محوره المتعلم والقائم على معرفة تعلم الراشدين وفي هذا يضطلع المتعلم ويسمى في هذه الحالة المسترشد - بدور أكثر فاعلية في عملية التعلم مما كان ينص عليه أنموذج المرشد الموجه القديم، حتى حينما يكون المسترشد مختاراً من المرشد أساساً. ولقد تبدل دور المرشد من الحكيم البطل الوحيد إلى موجه يتدخل عند اللزوم . كما حدث تحول عن النموذج التقليدي للطالب المتضرع المعتمد على المعلم، وهو الأنموذج الذي يميل أكثر إلى التقليد، حيث يجلس المسترشد ساكناً عند قدمي المرشد ويأخذ عنه المعرفة. واليوم لا تصدر الحكمة عن معلم سلطوي ليتلقاها طالب خنوع، وإنما هي تكتشف في علاقة تعلمية يكتسب فيها الطرفان فهماً أعظم اليوم (Aubrey and Cohen, 1995.p.161) لمكان ميسراً أكثر منه متسلطاً . وكلما استغرق المرشد في تيسير العلاقة التعلمية ازداد مع ذلك إشغالاً للمريد في عملية التعلم بابتكار المناخ الذي يساعد على التعلم.

وعوضاً عن أن يكون المسترشد مدفوعاً من المرشد، الذي يتولى المسؤولية كلها في تعلم المسترشد، فإنه يتعلم المشاركة في المسؤولية عن البيئة التعلمية والأولويات والتعلم وتوفير أسباب العلم ويزداد اعتماداً باطراد على توجيه ذاته. وحين لا يكون المتعلم مهيئاً للنهوض بقسطه من المسؤولية يكون من شأن المرشد أن ينمي ويطور قدرة المريد على التوجه الذاتي ( من التبعية إلى الاستقلال فالاعتماد المتبادل طوال مسار العلاقة. وفيما تتطور العلاقة يتولى الشريكان في العلاقة الإرشادية المسؤولية وعملية المحاسبة عن بلوغ المسترشد أهدافه التعلمية. لقد كان الأمر يجري في الماضي على أن تمضي العلاقة الإرشادية سنوات. ولكن الفترة التي تدور فيها العلاقات الإرشادية اليوم أقصر زمناً، وديمومتها مرتبطة بتحقيق أهداف تعلمية محددة بدقة، عوضاً عن السعي إلى أهداف فضفاضة. وحين تتجاوز العلاقة الإرشادية تلك الفترة المعينة من الزمن يراجع الشريكان في العلاقة الإرشادية الأهداف الموضوعة ويعملان على إعادة صياغتها والتفاوض بشأنها.

إن نموذج مرشد لكل المواسم والأسباب طموح غير واقعي يلقي عبثاً ثقيلاً لا قبل للمرشد به. وأفضل وضع للمريد أن يكون لديه عدة مرشدين يتعاقبون ويأخذ عنهم على مدى الحياة أو حتى في آن واحد. فقد وجدت دراسة صدرت أخيراً بتكليف من ديلويت أند توتش وستيت كوربوريت أن ثلاثة أرباع الأشخاص تقريباً من مواليد منتصف الستينيات والسبعينيات يميلون لفكرة وجود عدة مرشدين مختلفين من حيث مستوياتهم من الخبرة والاختصاص .(Rodgers, 1999)

هناك عدة نماذج وفرص متاحة للإرشاد . وثمة مؤسسات تقوم على إعداد مجموعات أو حلقات للإرشاد، حيث يقوم المرشدون بتيسير التعلم لجماعة من الأفراد . وفي الجماعات والحلقات المؤلفة من زوجين (يسمى أحياناً الإرشاد المعكوس)، حيث يتولى هؤلاء الأشخاص إرشاد بعضهم بعضاً، وتقوم فرق الإرشاد الخاص في مجال الأعمال بدعم أعمال التجارة الناهضة. ففي أنموذج إرشاد مجلس المديرين يقوم أحد الأشخاص بتحديد مجموعة متنوعة من الأهداف والأغراض التعلمية ثم يتولى تعيين مرشدين مجلس مديرين) لمساعدته لتحقيق الأهداف المطلوبة. وفي هذا يقوم كل عضو في المجلس بإرشاد فرد ليبلغ النتائج المطلوبة.

كان المعتاد في الماضي أن يجري الإرشاد المباشر أساساً بالتفاعل وجهاً لوجه، ويرفد الاتصال بالمراسلة أو المحادثة الهاتفية. أما اليوم فقد وفرت التقنية المزيد من فرص الاتصال وخيار الإرشاد عن بعد أكثر شيوعاً من ذي قبل. فكثيراً ما ترفد اللقاءات والمناسبات وهي كثيرة ومتنوعة مثل جلسات الإرشاد المباشر. فقد يلتقي المسترشد بمرشده لمناقشة موضوع الأهداف. وقد تكون الخطوة التالية محادثة عن طريق الإنترنت أو رسائل متبادلة عبر البريد الإلكتروني لترقية الأهداف وتحديدها. وقد يتبع المسترشد مرشده أو يعمل على مشروع يتصل بأغراضه التعلمية.

كذلك تحول توجه الإرشاد أيضاً. وقد انتقل هذا الإرشاد من نموذج العمل الموجه لإنتاج معين، وسمته نقل المعرفة، إلى علاقة تطورية توجيهية تتضمن حيازة معرفة والتطبيق والفكر النقدي.

ويتفق النهج الأفضل في الإرشاد مع ما نعرفه عن تعلم الكبار (Knowles, 1980):

 

  • يتعلم الراشدون على الوجه الأفضل حين يشاركون في التشخيص والتخطيط والتطبيق والتقويم لما تعلموه. 
  • يهدف دور الميسر إلى بناء مناخ داعم مساعد يعمل على تحسين الظروف اللازمة لتحقيق عملية التعلم. 
  • المتعلمون الكبار لديهم حاجة للتوجه الذاتي.
  • يزداد الاستعداد للتعلم حين يكون ثمة حاجة محددة للمعرفة. 
  • مخزون الخبرة في الحياة هو المصدر الأساسي للتعلم وتجارب الآخرين في الحياة تغني عملية التعلم. 
  •  ثمة حاجة متأصلة لدى المتعلمين الراشدين لتطبيق ما يتعلمونه مباشرة. 
  • يستجيب الراشدون على أفضل شكل حين يتوفر لديهم حافز داخلي للتعلم.
ويجد القارئ عرضاً لعناصر أنموذج الإرشاد الذي محوره المتعلم في العرض 1-1 . دور الخبرة: تقول بولي بريندن (1990) كل ما يصادفك هو معلم لك. والسر هو أن تتعلم الجلوس عند قدمي حياتك الخاصة وتتعلم منها . والمرشدون حين لا يكلفون أنفسهم بذل الوقت للجلوس عند قدمي تجاربهم إنما يفوتون على أنفسهم فرصاً مهمة للتعلم. وإنه لأمر مفيد أن ينظر المرء إلى تجاربه من عدة زوايا . ذلك أن هذا المنظور المفيد يعيننا على الرؤية بشكل أوضح وبلوغ مستويات من الفهم أعمق، ويزيد في النهاية مما تعلمناه من هذه الخبرات إلى أقصى حد . ثمة قصة تروى عن لويس أغاسيز، أستاذ التاريخ الطبيعي بجامعة هارفارد. وطالب عنده قبل قرن من الزمن (1980 ,Corey)، وهي تبرز أهمية التأمل في التجربة لبلوغ مستويات أعمق من الفهم.كان أغاسيز قد كلف تلميذه بمهمة مراقبة سمكة ثم تركه وشأنه. وخلص الطالب بعد وقت قصير، وقد تملكه السأم من العمل الذي كلفه به الأستاذ، إلى أن استنتج أنه رأى كل ما يمكن رؤيته . ثم التقط الطالب عندئذ قلماً وورقة ورسم السمكة، وهو يبغي قضاء الوقت بانتظار عودة الأستاذ أغاسيز، وفيما كان يرسم اكتشف في السمكة مظاهر لم يكن قد لاحظها من قبل. ولما عاد الأستاذ أخبره الطالب وقد تملكه الحماس بما تبين له من الملاحظة ورسم السمكة. ومع أن أغاسيز كال المديح لطالبه في البداية، إلا أنه تحداه فيما بعد بقوله: "القلم أحد أفضل العيون، لكنك لم تنظر بعناية! لماذا فاتتك حتى ملاحظة أشد ميزات الحيوان بروزاً، وهي ماثلة أمام عينيك كالسمكة ذاتها . انظر ثانية، انظر ثانية. ولقد تكرر هذا الموقف بين أغاسيز وطالبه مرة بعد مرة. وكان كلما أتى الطالب بملاحظة جديدة قابله أغاسيز بالثناء، ثم بالتحدي انظر ثانية، انظر ثانية. في هذه القصة المثال دروساً يستفاد منها في التعلم ومن ذلك، مثلاً، أن أغاسيز أتاح لطالبه فرصة للاكتشاف الذاتي والتفكير في ما عرض له بدلاً من إعطائه الجواب. ثم إنه رتب أسلوب التعلم على نحو يتجاوب وحاجة الطالب ودأب على تشجيعه على تفحص السمكة من زوايا مختلفة عديدة والنظر بإمعان متزايد. إن الأدوات المعروضة في الكتاب تقدم فرصة وتطرح تحدياً : انظر، ثم انظر من جديد وتعلم من التجربة. فالمرشدون الذين يستخدمون هذا التعلم يكون لديهم الأفضلية التامة في العلاقات الإرشادية وهم أحسن استعداداً ليوسعوا من تعلم المسترشد . وهؤلاء أفضل إعداداً لتشجيع المسترشد على التعلم من تجاربهم. رحلة المرشد: على المرشدين أن يتمتعوا بأدراك واضح لرحلتهم الخاصة، حتى يتمكنوا من إرساء أساس متين لقيام علاقة تعلم فعال، وينبغي أن يكون لديهم فهم واضح الرحلتهم الخاصة. ذلك أن المرشدين الذين يعجزون عن التمييز بين الذات والآخر في علاقة إرشادية إنما يجازفون بأن يستنسخوا المرشد، أي أن يقوموا بعملية إسقاط تجربتهم الخاصة على المريد. وتكون النتيجة عندئذ أن يغدو تعلم المسترشد صيغاً شكلية، فلا يعود محدداً بما يناسب فرداً بعينه، وينتهي المسترشد وهو يتحرك في مقدمة مسرح المرشد ووسطه، أكثر مما يدور في مجاله الخاص. إن عبارة الرحلة تعبر مجازياً عن سمة الضياع التي تلاحقنا طوال حياتنا ونحن نواجه تحديات جديدة. ذلك أن كل تحد يمثل في حد ذاته رحلة قائمة بذاتها، ونحن نخير، في مسيرتنا في هذه الرحلة، أفراحاً غير متوقعة، وأخطاراً تتريص، وتصادف أبواباً تفتح وأخرى تغلق دوننا، وتغيراً، ومللاً. ملاحظة الرحلة:
في عملية الإرشاد، يمكننا التأمل من الإبطاء والاستراحة وملاحظة رحلتنا وعملية معرفة الذات البالغة الأهمية ونحن نمضي في الطريق  في عملية ملاحظة الرحلة ثلاث خطوات الأولى هي الوعي الذاتي الذي يطلقه التأمل ويعتبر أساسياً لإدراك الدور الصحيح الذي ينهض به المرشد في تيسير علاقات التعلم الفعال.والخطوة الثانية هي إدراك معنى رحلة المريد . فالمسترشدون يحملون معهم إلى العلاقة الإرشادية تاريخهم الشخصي من الخبرات. وعوضاً عن افتراض المرشد . لهذا التاريخ وهذه الخبرة، يحسن به حينما يعقد والمريد نقاشاً عن تجربته أن يتفادى الوقوع في فخ الاستنساخ.والخطوة الثالثة هي امتلاك منظور يسترجع من خلاله المرشد رحلته وتلك التي خاضها المسترشد . وما يتعلمه المرشدون من ملاحظة هذه المسالك المنفصلة والمتميزة له آثار مباشرة على نتائج التعلم. الخط الزمني للرحلة:

إن المرشدين هم جماع تجاربهم في الحياة وعليهم أن يكونوا على وعي بالأحداث البارزة التي كان لها الأثر الحاسم في تكوينهم. وهؤلاء المرشدون حين يصبحون تلاميذاً يدرسون رحلتهم الخاصة يكونون أقدر على استيعاب سيرها ونمطها . وهذه هي أيضاً طريقة مفيدة في اختبار صحة الافتراضات. وإن تمتع المرشد بوعي قوي بالمنظور يفيد في توجيه رحلة المريد على طريق التعلم. ثمة طرق كثيرة لتصوير رحلة ما . والطريق التي تختارها سوف تكون طريقك الخاصة التي تنفرد بها . فقد تشاء أن تنشئ خطاً زمنياً للرحلة مستخدماً في ذلك معالج نصوص، أو تدوين الملاحظات، أو آلة تسجيل. أو لعلك تؤثر طريقة الرسم أو التخطيط والطرق الموصلة إلى إنجاز الرحلة ليست بأهمية التأني للتأمل في رحلتك الشخصية ودراسة الحركة التي حملتك إلى حيث أنت الآن في سياق حياتك. مريم تطوعت لتكون مرشداً لجماعة من النساء كن يتطلعن إلى إجراء تحول في حياتهن المهنية. ولقد عمدت وهي تستعد للقيام بعملها الإرشادي، إلى وضع مخطط زمني لرحلتها .وكانت إحدى شركات النفع العام قد قامت بتوظيفها فور أن نالت شهادة مشارك نهاية الدراسة من كلية متوسطة أو معهد تقني، ومدتها سنتان من إحدى الكليات المتوسطة المحلية. وكانت قد أمضت عشر سنوات وهي تنتقل بين مختلف الوظائف حتى جرى ترفيعها إلى منصب إداري. وبعد عدة سنوات أصيبت ابنتها إصابة بالغة أودت بحياتها في حادث سيارة، وهرب السائق. ولم يمض وقت طويل بعد ذلك المصاب حتى كانت حزمت أمرها على متابعة الدراسة ونيل شهادة في التمريض، وقد نالت الشهادة بعد ثلاث سنوات. ثم غادرت الشركة لتعمل ممرضة مسؤولة عن طابق في أحد مشافي المنطقة، وهي تشغل الآن منصباً إدارياً في المشفى.
ولقد حددت مريم أثناء وضع المخطط الزمني لرحلتها من عاملة عادية إلى مديرة القسم التمريض أحداثاً بارزة في حياتها صاغت تطورها : زيجتان، وطلاق ووفاة ابنتها، والعودة إلى الدراسة، وترقيات معينة، واحتفال بعيد ميلادها الأربعين. ووجدت ثلاث فرص محددة أعانتها على أن تنمو وتتطور : علاقة بمرشدة كانت قدوة عظيمة علمتني الإفادة من الممكن، فرصة متابعة التعليم التي وفرتها الشركة، وزوج كان لها المشجع والموجه والمؤازر . ولكن كان ثمة تجارب عديدة أحبطت تطورها وهي على الطريق مثل العيش مع زوج لم يكن يتفهم ما كان يراودها من أحلام وما تحمله في ذاتها من طموحات، وعمل مزعج وزملاء وزميلات كانوا يسعون إلى عرقلة مسيرتها في الدراسة.وكانت أول من يعترف بأنها صادفت في حياتها أحداثاً سعيدة وتجارب ساهمت في نموها وتطورها. وكان من هذه الأحداث والتجارب لقاؤها بالمرشدة شارلوت، في حفل أثناء العطلة الأسبوعية أقامته عائلة من الجوار. وكان الحدث الآخر قضاء ساعات في زيارة ابنتها المصابة في ذلك الحادث الأليم، في المشفى حيث كانت تعالج.أدركت مريم، وهي تستعرض الخط الزمني لحياتها أن في حياتها من المؤازرين المستترين - أشخاص أسهموا في نموها وتطورها - أكثر مما كانت تعتقد . ومن هؤلاء والدتها وابنها البكر، ومدرس طلاب السنة التاسعة، وأول مشرف لها، ورئيسة الممرضات في المشفى الذي كانت ترقد فيه ابنتها، وهي تحتضر، وعمتها التي كانت تؤثرها دون سواها، ومحاضر اختصاصي بتشجيع المستمعين عرفته في إحدى المؤتمرات.وعلمت عندئذ مقدار التحول الذي طرأ على تفكيرها مع مرور الزمن. ولكن بدلاً من أن تدع التغيير يحصل لها تعلمت كيف تتعامل مع التغيير وأصبحت في النهاية أداة تغيير للآخرين. لقد أصبحت شخصاً فاعلاً يتعامل مع الأحداث بروح عملية إيجابية، فتولت المسؤولية عن توجيه حياتها بقبول المجازفة والجرأة على الحلم.ولقد جعلها إنجاز تمرين الخط الزمني، كما هو معروض في التمرين 1-1 تدرك كم من الأشخاص أعانوها وهي تمضي في رحلتها . وفي هذا تقول مريم "لم أكن أدرك كم كنت محظوظة في حياتي كنت أعلم أني صادفت قدراً من الحظوة، إنما ليس بهذا القدر. ولقد طغى علي عندئذ شعور غامر بالامتنان ودافع يحملني على الاتصال من جديد ببعض هؤلاء الأشخاص. كذلك أصبحت أكثر إدراكاً للأسباب التي أثارت لدى الرغبة في أن أكون مرشدة. كان لدي شعور قوي بأن علي أن أرد بعض عطاءات الآخرين والتي كان من حسن حظي أنني قد تلقيتها منهم . تأثير الخط الزمني على الإرشاد:في كتاب "تكوين حياة (1989) تصف المؤلفة ماري كاثرين بايتسون الرحلة التي مضت فيها لتطوير حياتها على أنها تكوين لصلات مع صديقاتها . ونرى النساء اللواتي كن جزءًا من تكوين حياتها، يدخلن ويخرجن من حياتها في مراحل وأزمنة وأماكن مختلفة. وقد ساهمت كل منهن في تكوينها وما صارت عليه الآن وهي تذكرنا بأن الماضي يفضي إلى الحاضر، والخطوات التي تقود إلى الحاضر الراهن ترسم الدروب المؤدية إلى المستقبل.التمرين 1-2 هو استمرار للتمرين السابق، ويدعوك للنظر فيما تعلمته من الذين أرشدوك وكانوا جزءاً من تكوين حياتك واكتشاف كيف أثر هذا التعلم عليك كمرشد . رحلة المسترشد:لم تكن مادلين قد أولت تجاربها مع الإرشاد أي قدر من التفكير بعد أن انتهت تلك التجارب. وكانت مادلين قد انتقلت إلى المنطقة الجنوبية الغربية بعد ثلاثين سنة من عملها في تجارة العقارات. ولم تمض إلا شهور قلائل حتى غدت تنشط بالعمل في الجمعية التي تتولى إدارة المجمعات السكنية، ثم انتخبت هناك مسؤولة في الجمعية. وبعد ثماني سنوات من رئاسة مجلس الإدارة أصبحت تتلهف للانتقال إلى مجال أوسع، لولا أنه لم يكن هناك من يتمتع بالخبرة أو المعرفة بقضايا إدارة العقارات ليخلفها في المنصب. ولكي ينشئوا بسرعة جيلاً جديداً من القياديين في العمل اتفقت مادلين وأعضاء مجلس الإدارة على وضع استراتيجية لإقامة علاقات إرشادية مع من يعدونهم من جيل الشباب لتسلم أعباء قيادة العمل، بحيث يتخذ كل مدير مريداً ليعلمه أسس العمل في مراكز المسؤولية.وحين علم غوردون بأن ثمة منصباً شاغراً في مجلس الإدارة تطوع فوراً للخدمة. وقد ذكر أنه كان يبحث عن عمل يشغله واعتقد أن هذه الفرصة ربما تكون عين ما ينشد ، ولكن مادلين لم تكن لتقتنع بأنه كفء لتوفير القيادة اللازمة، إلا أن زملاءها لم يروا رأيها عند التصويت. وكان الرأي عندها أن غوردون هذا رجل وإن كان يتمتع بقدر كبير من اللطف والكياسة، إنما يريد إشغال وقته بعمل ما، وكان من أسباب قلقها الفجوات التي تتخلل معرفة غوردون بقضايا العقارات ومشكلاتها فعرضت عليه أن تكون له المرشد ليحيط بهذه القضايا . ولقد أمضت مادلين بعدها أسبوعاً في التحضير لجدول الأعمال وتوفير المواد مما يلزم لتوجيه غوردون في ما رأت أنه بحاجة إلى معرفته، ولكن حين عرضت عليه اللائحة وجد في الأمر إهانة.وتبين عندئذ أن ما افترضته مادلين عن معارف غوردون كان خاطئاً، ذلك أنه كان فيما مضى مالكاً لشركتين تختصان بالمقاولات ويحمل شهادة ماجستير في إدارة الأعمال كما أن ابنه تولى إدارة منشآت عقارية لكسب العيش، وإذن فما كان يحتاج إلى معرفته يختلف عن معارف مادلين بسبب من اختلاف الخبرة. ولو كانت هي أكثر معرفة برحلة المريد قبل إعداد جدول الدراسة والمواد اللازمة لكانت بدأت العلاقة بينهما على نحو مختلف مما تهيأ لها . ومما يتفق مع الطبيعة البشرية أن نسقط تجاربنا وواقعنا على الآخرين ونحن نقيم طبعاً افتراضات بشأن الآخرين وخيراتهم. كذلك نملأ الفراغات أحياناً حتى تكتمل الصورة ونحن لا نملك إلا القليل نسبياً من المعلومات، ولكن على المرشدين أن يحذروا الوقوع في الغواية ويكونوا على وعي بما يفرق بين رحلتي كل من المرشد والمسترشد

مقالات ذات صلة