القائمة الرئيسية

كتاب عقيدة السلام (2-3)

كتاب عقيدة السلام (2-3)
ملخص المقال

ملخص: يناقش هذا الجزء من الكتاب "عقيدة السلام" العلاقة بين السلام والعنف، مشيرًا إلى أن السلام يتجاوز مجرد غياب الحرب ليكون أساسًا لإطلاق الطاقات البشرية نحو البناء والإبداع، بينما يؤدي العنف إلى الدمار والإحباط. يوضح الكتاب الفرق الجوهري بين السلام كنهج مدروس ومستدام، والعنف كردة فعل غاضبة تتسم بالعشوائية، كما يشدد على أن السلام يمثل البوابة لتحقيق العدالة وفرص النجاح. يناقش أيضًا تطور مفهوم الحرب عبر العصور، مبينًا أن الوسائل السلمية أصبحت الخيار الأنسب في العصر الصناعي، حيث توفر بيئة أكثر ملاءمة للإبداع والازدهار. وختامًا، يشير الكتاب إلى أهمية التحلي بالصبر والتسامح لتحمل التحديات والخسائر، باعتبارهما السبيل لإعادة البناء والانطلاق نحو مستقبل أفضل.

الفصل الثاني: السلام والعنف 

لقد عرف الباحثون السلام على أنه غياب الحرب، ومن الناحية الفنية فإن هذا صحيح: إذ حينما لا يكون هناك صراع مسلح في مجتمع، فإن حالة السلم تجد نفسها تلقائيا. ومع هذا، فإن تأسيس السلم في مجتمع لا يكون بوضع حد للحرب والعنف فقط، وإنما هذا يعد المرحلة الأولى في تحقيق السلام. وكلما حل السلام في مجتمع بالمعنى الحقيقي، فإن أفراده ينخرطون في أنشطة إيجابية، ينجم عنها توجيه طاقاتهم كلها في سبيل إعادة بناء حياتهم الذاتية وبناء بيئتهم الاجتماعية. 

إن إرساء السلام يمكن تشبيهه بإزالة سد من نهر : فحياة البشر مثل نهر جار تريد أن تتدفق قدما بقوة اندفاعها الذاتية، وحينما لا يكون هناك أي عائق، فإن أنشطة الحياة جميعها تدب فيها الحركة، تدفعها الطبيعة البشرية نفسها، وتتوقف هذه الحركة فقط حينما توضع حواجز الحرب والعنف المصطنعة أمامها، إن السلام بنتائجه يشبه فتح أبواب الحياة كاملة على مصراعيها.

وفي هذا السياق، فإننا نجد بعضهم يسمون هذا النوع من السلام سلبيا. فيقولون: إن السلام لا قيمة له ما لم ترافقه العدالة. وهؤلاء إذا عرضنا عليهم السلام نقيا وبسيطًا فإنهم لن يقبلوا به؛ إذ هم يتمسكون بفكرة أنه لابد من تقديم العدالة أولا، ومن ثم الحقوق، وفي المحصلة، فإن هؤلاء يستطيعون العيش بسلم مع الآخرين: إذ إن ( السلام مع العدالة) هي كلمة سرهم. وحقيقة الأمر أن هذا يظهر نقصا في واقعية تفكيرهم: فالعدالة لا تتحقق مباشرة من حالة السلم؛ لأن هدف تأسيس السلام هو في الحقيقة. فتح قنوات لتحقيق العدالة بدلا من جلبها على نحو واقعي إلى حيز الوجود. 

وبالتأكيد، فإن السلام حالة ترغب في وجودها إذ بحلولها تصبح الفرصة مواتية لكل شخص ليضع خططه، وينجز ما يشاء. لكن أولئك الذين يصرون على العدالة بأنها شرط يترافق مع السلام لن يتوصلوا إلى السلام ولا إلى العدالة، وسيستمرون في القتال تحت مسمى تحقيق العدالة، وبهذه الطريقة فهم لا يسمحون بإحلال السلام الذي سيزودهم بالظروف المناسبة لتحقيقها. 

عموما، ينظر إلى السلام على أنه نقيض الحرب، علما أن هذه النظرة ضيقة: فالحقيقة هي أن السلام ينتمي إلى طيف الحياة الكامل، إنه في حد ذاته بعد عقيدة كاملة فهو المفتاح الرئيس الذي يفتح الأبواب كلها أمام النجاح، ويمهد الطريق للجهود المخلصة في الأطياف جميعها، إننا نستطيع في حالة السلام أن نتعامل مع أي هدف، ومن غير السلام فإنه من المستحيل أن نمضي على نحو بناء، وهذا ينطبق على مجالات الحياة جميعها: الكبيرة منها والصغيرة. 

الفرق بين السلام والعنف 

إن السلام هو نتيجة لأفعال خطط لها مسبقا، أما العنف - بكل بساطة فهو ردة فعل عدائية لأي نوع من الاستفزاز والشخص المحب للسلام يمثل الحقيقة، ويعيش وحب الآخرين يملأ قلبه، إنه يفكر أولا ومن ثم يتصرف في حين يمثل الشخص العنيف الباطل، ويستهلك حقده على الآخرين كل مشاعره، وفعله يسبق تفكيره، وعليه، فإن الأمل يرافق العمل السلمي من البداية إلى النهاية، في حين يترافق العنف مع آمال غير صحيحة نبتدئ بها ولا يتبعها عاجلا إلا الإحباط. 

إن طريق السلام تأخذ مسلكا مستويا من البداية إلى النهاية، مقابل طريق العنف الوعر المليء بالعوائق، والسلام إنما يحتوي على البناء، أما في العنف فلا نجد غير الدمار. أضف إلى ذلك أن السبيل السلمي ينتهي بالنجاح، في حين لا يحصد في السبيل العدائي إلا القدم والإحباط. 

وخلاصة الأمر: أن طريق السلام هي طريق الإنسانية، وطريق العنف هي طريق الوحشية. ففي حين يكون الفعل السلمي مقبولا ضمن إطار القانون، فإن الفعل العنيف يكون خارجا على القانون كليا. وبدا، فإننا بلجوتنا إلى الوسائل السلمية لن نخسر شيئًا، بل ستريح كل شيء، والخسارة إنما هي في الوسائل العدائية التي لا ينجم عنها إلا كل شر وسوء. 

ومن هنا، فإن الشخص المحب للسلام يهمل المشكلات، وينتفع من الفرص المتوافرة، أما الشخص المحب للعنف فيترك الفرص كلها، ويستمر في صراعه مع المشكلات، وفي الوقت الذي نجني فيه من السلم حديقة من الزهور، فإننا باتباعنا أعمال العنف نغرس غابة كاملة من بذور الحقد والكراهية. 

وباختصار، فإن ثقافة السلام هي ثقافة الخير، أما ثقافة العنف فهي ثقافة الشر ففي السلام نكرم حقوق الله وحقوق البشر، مقابل انتهاك حقوق الله وحقوق البشر حيث ينتشر العنف، وبذا، فإن كان السلام فردوسا فإن العنف هو الجحيم ذاتها.

ولما كانت سبل السلام والحرب المتعاكسة مفتوحة أمام الإنسان، فإن السلام هو الخيار الحقيقي له فالحرب ليست إلا دليلا على أنه اتخذ الخيار غير الصحيح، وهذا يعني أنه قد فشل في هذا الاختبار، وعليه، فالحقيقة هي أن الحرب والعنف ليسا خيارين صالحين لأي فرد أو مجتمع أو أمة. وعلى الرغم من أن العالم يتوافر فيه كثير من الإغراءات، فإن الحقيقة التي لا خلاف فيها أن تلك الإغراءات موجودة لتضع الإنسان تحت الاختبار. لذا فإنها ليست مرغوبة للإنسان، فعلى سبيل المثال، الكحول متوافرة، ولكنها لیست صالحة لاستهلاك البشر، بل هي على العكس موجودة لنمتنع عن تناولها، ولنثبت قدرتنا على التمييز بين ما هو خير وما هو شر. إنه إغراء نثبت إذا تجاوزناه أننا حكماء، وتؤكد كوننا أصحاب مبادئ، والشيء نفسه ينطبق على الحرب، فعلى الرغم من أن طريقها مفتوح للجميع، فإن السلوك الأنبل يكون بالامتناع عن اختياره. 

لقد سمحت الظروف السائدة قديما بالحرب دفاعا عن النفس، لكن هذه الرخصة في الذهاب إلى الحرب توافقت مع الضرورة، أما في الظرف الحالي، فإن هذه الحاجة لم يعد إليها وجود لهذا لابد من فرض حظر عام على الحرب.

الفرق بين العصرين الزراعي والصناعي 

وفيما يخص الحرب، فقد اتفقت الديانات والأنظمة العقدية جميعها على مبدأ واحد، هو أنه مهما كان المبرر لشنّها أي حتى لو كانت حربا مشروعة تماما، فإن المدنيين غير المقاتلين لا يجب أن يعتدى عليهم أو يقتلوا؛ إذ إن قتل من لا يحمل السلاح عمل غير مقبول نهائيا.

دعونا الآن تلقي نظرة على كيفية تنفيذ هذا المبدأ في وقت الحرب، إن هذا الشرط أي مهاجمة المحاربين فقط، يمكن إنجازه فقط في العصر الزراعي، فاليوم، وبفضل التقدم العلمي التقني، فإن الحرب تشن بأسلحة متفجرة تؤدي إلى دمار شامل، فحينما تسقط قنبلة على منطقة مأهولة فإنها لا تملك إلا أن تقتل أعدادا كبيرة من المسلحين وغير المسلحين، ومن ثم فمن المستحيل تقريبا تحقيق هذا الشرط. 

إن هذا يظهر عمليا أن الإنسان في الوقت الحالي أمام خيارين إما أن يمتنع عن الحرب على أساس أن شرط احترام الإنسانية لا يمكن تطبيقه أو أن يرتكب الجريمة ملقيا نفسه بتهور في الحرب، متجاهلا الاعتبارات الإنسانية جميعها، وحين نغوص عميقا في المسألة، فإننا نكتشف حقيقة مهمة ففي الوقت الحالي، نجد من جهة أن هذه الظروف لا تسمح لنا بتلبية الشروط المرغوب فيها كلها لشن الحرب، ولكن من جهة أخرى، فإن مثل هذه الموارد قد أتيحت بسبب الثورة الصناعية لتسمح لنا بتحقيق أهدافنا بوسائل سلمية بحتة، وفعلا ، فإننا نتوقع أن نكسب انتصارات كبيرة اليوم بوسائل سلمية أكثر مما كان يمكن تحقيقه بشن الحرب في أوقات سابقة. لذا، فإنه يجب التسليم بأن الحرب كما كانت تخاض قديما قد باتت عديمة للجدوى بسبب الثورة الصناعية الحديثة. 

عندما تبقي هذه الحقيقة ماثلة أمامنا، يمكننا بأمان أن نخلص إلى أن الحرب العنيفة كانت نتاج الظروف التي كانت سائدة في العصر الزراعي وهذا النوع من الحرب في العصر الصناعي، ونظرا إلى النتائج العكسية. أصبح مرفوضا من حيث المبدأ.

مع نهاية العصر الزراعي، وصلتها طريق النضال العنيف إلى نهايتها على الأقل نظريا، وفي ظل الظروف الراهنة، فإن الأسلوب السلمي هو الأسلوب الوحيد، والآن لا يوجد عذر يبرر العنف أو الحرب. 

يتضح الفرق بين السلام والعنف جليا عن طريق بناء عش طائر: فالعش لا يبنى إلا من خلال جهد سلمي، في حين يدمره العنف. وينطبق الشيء نفسه على الحياة البشرية فإذا أردنا إنجاز أي عمل إبداعي في الحياة فلابد من جهود سلمية للقيام به. وبدا، فإن العنف يدمر الحياة، ولا يستطيع بناءها أبدا. 

ثمن السلام 

لكل شيء ثمن، حتى السلام: إذ لا يستطيع أي فرد أو جماعة الحصول عليه ما لم يكونوا مستعدين ليدفعوا له مقدما. وإن القابلية لفعل هذا لابد لها من معاناة، وحتما سينجم عنها خسائر. 

بناء على القانون الذي يحكم نظام العالم الحالي، ووفقا لقاعدة ( لا مكسب بغير مخاطرة)، فمن الضروري للناس أن يتكبدوا الخسائر من مختلف الأنواع، ففي أوقات تراهم، على نحو غير عادل، يلقون تحديا من الآخرين ويقعون فريسة الصعاب الاقتصادية، ويعانون خسائر في الأرض والمال ويتعرضون لحادث أو يُحرمون بعض المنافع التي هي في الأصل حق لهم. 

إن الخبرات غير السارة من هذا النوع، ووفقا لقانون الطبيعة، يتعرض لها الناس بين حين وآخر في هذا العالم من أفراد ومجتمعات وأمم. وإذا لم يكن للناس قابلية في مثل هذه الظروف لتحمل الخسارة، فإن النتيجة ستكون هي العنف. ولكن، إذا كانت لديهم القابلية لتقديم التضحيات، فإن النتيجة حتما ستكون السلام. 

إن اختيار طريق الصبر والتسامح لا يعني سلوك طريق الهزيمة والتراجع إنها في الحقيقة خطة نحو المستقبل، تصل إلى حد القبول الطوعي للواقع طوعي، ما يعني أنه حتى بعد فقدان شيء ما، على الإنسان أن يتذكر دائما أنه ما زال يمتلك كثيرا من الأشياء التي يستطيع من خلال الاستفادة من إحداها إعادة بناء ما فقده. 

إن فائدة الصبر والتسامح - وحتى بعد تكبد الخسائر - هي أن الشخص المتكول لا يفقد توازنه، وعلى الرغم من الهزيمة المؤقتة، فإنه لا يفقد القدرة على التفكير بذهن صاف، عن طريق إجراء تقييم واقعي لوضعه، والتخطيط الحياته من جديد وبوساطة نسيان ما ضاع منه، فإنه يعيد تنظيم عمله على أساس ما تبقى لديه. 

إن من شأن الإحباط أن يعطي أولية للتخطيط الشخص وينطلق الشخص في رحلة حياته من جديد، إن المزية الموثوقة التي يمكن الاعتماد عليها في عالمنا هي أن الليل دائما يعقبه النهار. 

إن هذا العالم مليء بالاحتمالات والفرص، فهنا، وبعد فقدان فرصة واحدة فإن الإنسان سيجد أخرى. وهنا، وعندما يجد بابا موصدًا في وجهه، فإنه سيجد أبوابا أخرى مفتوحة أمامه، وهكذا، هناك دائما احتمال أنه بعد فشل مجموعة من الخطط، فإنه قد يباشر العمل في مجموعة أخرى، وفي بناء حياته من جديد. والحقيقة التي لا خلاف عليها في هذا العالم أن كل خبرسيئ تتبعه أنباء جيدة، فكل حادث ضار يحمل لنا بشائر جيدة بأننا لا يجب أن نقع ضحية للإحباط واليأس. 

بدلا من هذا الإحباط وذلك اليأس، فإنه يجب علينا أن نستجمع ما يكفي من الشجاعة للبحث عن الجديد من الفرص. إن نظام الطبيعة يخبرنا مقدما بأن الحرمان لدينا لن يدوم إلى الأبد، وقريبا سوف تكون قادرين على بناء عالم أفضل لأنفسنا، وقريبا أيضا سوف تكون هزيمتنا بداية انتصار. إن أولئك غير القادرين على تحمل الخسائر يميلون إلى التفكير السلبي، وبهذه الطريقة فإن حياتهم تصبح عبنا عليهم وعلى الآخرين، وعلى العكس من ذلك، فإن أولئك الذين يمتلكون الصبر، ولديهم الشجاعة حتما سيبنون صرحا جديدا على أنقاض الماضي فبعد الليل يأتي الفجر، الذي سيتمكنون من أن يكملوا رحلتهم في ضوئه من غير توقف. ومع ذلك، فإن هذه الغاية النبيلة تنتظر فقط أولئك الذين يمتنعون عن العنف، وينخرطون في أنشطة سلمية، بغض النظر عن الظروف.

السلام قوة عظمى 

إن قوة السلام أكبر بكثير من قوة العنف، ومن لا يدرك هذه الحقيقة فإنه يعتمد مسار العنف من أجل تحقيق أهدافه، ويكون بذلك معبرا عن غبائه الشخصي. 

إن السلام هو طريق الحكيم، في حين أن العنف هو طريق الأحمق، والسلم والحرب ليسا مجرد وضعين متساويين للإنجاز بالمعنى البسيط للعبارة بل إنهما يشيران إلى معيارين مختلفين للإنسانية، وعليه، فإن الذي يعتمد طريق السلام يرفع مستوى الإنسانية، أما الذي يتبنى طريق العنف فيخفضه بلا شك. 

في الأوقات الصعبة، عندما يختار الفرد طريق السلام، فإنه يجني ثمار التفكير الإيجابي، ويرفع معاييره الأخلاقية، ويذهب من قوة إلى أخرى في تحسين شخصيته الذاتية، وفي الواقع، فإنه يعطي دليلا عمليا على كونه إنسانا، وعلى العكس من ذلك، عندما يختار طريق العنف في حل المشكلات فإنه ينزلق أسفل منحدر زلق نحو الهلاك، ويجعلنا نتشكك في إنسانيته. 

إن الميل نحو السلام أو العنف يعد مؤشرا على شخصية الإنسان الحقيقية فإذا أثبت الأول إنسانية الشخص، فإن الأخير يثبت وحشيته على أنه حيوان برغم مظهره الإنساني. 

إن السلوك المسالم يدل على ضبط النفس، وضبط النفس هو بلا ريب قوة كبيرة جدا : فهو يبعد الإنسان عن المشاركة في أعمال سلبية، مثل العنف. ومن لا يملك قوة ضبط النفس سيغضب إذا تعرض لاستفزاز، ويلقي بنفسه في أعمال العنف، وبذا، فإن السيطرة على غضب المرء هو سبيل الشخص المسالم، في حين أن فقدان سيطرة المرء على نفسه عند الاستفزاز هو سبيل الشخص العنيف. 

المصالحة هي الأفضل 

في أي مسألة خلافية، إحدى طرق التسوية أمام كلا الطرفين هي الدخول في مواجهة عنيفة، لكن أفضل طريقة لتسوية النزاعات هي في إحداث المصالحة في البداية كون المصالحة تعد صمام الأمان في أي حالة فيها مصالح متضاربة، وحيث تكون الأعصاب على وشك الانفجار، ولذلك، وفي أوقات الاستفراز، فإن أفضل مسار يمكن اتخاذه هو التصالح بدلا من مسار المواجهة. إن هذا هو قانون الطبيعة. ومع ذلك، فإنه نادرا ما يحدث أن مثل هذه المصالحة تعكس تماما رغبات كل من الطرفين المتنازعين. 

في غالبية الحالات تكون المصالحة ممكنة فقط على أساس أحادي الجانب، وهذا يعني أن على طرف من الأطراف المتنازعة أن يقمع ميوله الذاتية، ويظهر استعدادا لوضع حد للنزاع وفقا لرغبات الطرف الآخر. 

لماذا يكون هذا النوع من المصالحة الأحادي الجانب والأفضل؟ إن الفائدة الرئيسة هي، ومن غير إضاعة الطاقة والوقت في مشاحنات لا لزوم لها ، يكون قادرا على اتخاذ مسار عمل بناء، في حين أن حالة المواجهة تضع حدا لكل نشاط من هذا القبيل. 

ويظهر التاريخ أن أي نجاح على مستوى الفرد أو المجتمع قد أنجز باعتماد أسلوب التصالحية، فمسار التصادم والمواجهة لم يؤد إلى أي نجاح حقيقي في هذا العالم. وبدا، فإن المصالحة أمر حيوي لأنها تعطي الإنسان الفرصة للإفادة من الفرص المتوافرة إلى أقصى حد، في حين تؤدي المواجهة إلى توجيه طاقاته كلها للتخطيط لتدمير الآخرين، ومن ثم فإن أعمال البناء لا مكان لها هنا، مع أن سر النجاح الحقيقي يكمن في البناء والوحدة بدلا من تدمير الأعداء المفترضين. 

يبرر كثير من الناس العنف بقولهم: إنهم كانوا ضحية للدسائس والمؤامرات، وكان لابد لهم من وضع حد لذلك بالقتال، وهذا العذر لا يستند إلى أي أساس من الصحة؛ فما ينظر إليه بأنه مؤامرة هو في الواقع العملي مظهر من مظاهر خطة تجذرت في العالم الحالي على أنها قانون طبيعي.

في العالم الحالي، لا تكمن المشكلة الحقيقية لأي مجتمع في أن له أعداء يتأمرون ضده، بل في أن ذلك المجتمع فشل في تطهير نفسه من الضعف الذي يعطي الآخرين بفرصة لاستغلاله. إن حالة السلام المستقرة تكون ضمانا ضد هذا النوع من الاستغلال فالعنف يعني أن نجعل أنفسنا غير آمنين عن طريق كسر خط الدفاع.

الفصل التالي الفصل السابق

مقالات ذات صلة