القائمة الرئيسية

كتاب عقيدة السلام (1-3)

كتاب عقيدة السلام (1-3)
ملخص المقال

ملخص: يناقش هذا الجزء من الكتاب الحاجة إلى تطوير مفهوم متكامل للسلام كعقيدة قادرة على إقناع الأفراد والمجتمعات بأهمية تبني نهج سلمي في التعامل مع المشكلات والصراعات، حيث يعتبر السلام ضرورة إنسانية لضمان بقاء البشرية وتقدمها. يشير الكاتب إلى أن العنف غالبًا ما ينبع من مشاعر الغضب والكراهية التي تتحكم في الأفراد، في حين يتطلب السلام انضباطًا عقليًا وتحولًا أخلاقيًا يعزز قيم الحب والتسامح. يؤكد الكتاب أن العنف لا يحتاج إلى عقيدة لأنه مدفوع بالعواطف الفطرية، بينما يحتاج السلام إلى كفاح فكري وعقيدة واضحة تمنح الإنسان القناعة والحماسة اللازمة للمضي قدمًا في سبيل السلام. من خلال أمثلة تاريخية وتجربة شخصية للكاتب في مجال نشر السلام، يوضح الكتاب كيف يمكن للأفراد الذين انخرطوا في العنف أن يتحولوا إلى دعاة للسلام بعد إدراكهم أن التقدم الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال وسائل سلمية.

الفصل الأول: عقيدة السلام 

على الرغم من أن التاريخ يحفل بدعاة السلام، فإن من الصعب أن نجد بين طياته مفكرا أو داعية كانت لديه القدرة على إبراز مفهوم السلام فكرا وعقيدة ة كاملة متكاملة، ولعل هذا على مر العصور، كان السبب الحقيقي وراء عدم تقديم المفهوم الدقيق للكلمة والمبني على أسس السلام. ومع وجود عدد لا بأس به من محبي السلام، فإن تأسيس مجتمع مسالم على نطاق واسع لم يصبح قط حقيقة ملموسة. ولعل حقيقة أن مصالح الإنسان تترافق دائماً مع وجود السلام، هي سبب رغبة كل فرد في المجتمع في الحصول على بيئة مسالمة وحياة آمنة تحقيقا لمصالحه الشخصية. 

لكنه يواجه، وعلى نحو متكرر، مثل هذه الحالات المتنوعة، بحيث يحتاج إلى عقيدة للسلام ليهتدي بها، أما أن السلام حاجة بشرية، فإن هذا لا يجعله كافيا ليمارس سياسة ضبط النفس، وأن يبقى مسالما في الحالات جميعها: فهو بحاجة إلى عقيدة تقنعه، وعلى مستوى الإدراك بضرورة المحافظة على السلام في الأوقات كلها. 

نستطيع أن نجد أمثلة على هذا من تاريخنا البشري، ولنأخذ الديمقراطية مثالاً، فلطالما دافع الإنسان على نحو فطري عن فكرة التنظيم الديمقراطي والأمثلة من التاريخ البشري موجودة حيث أسس مثل هذا النظام بنجاح ولو على نحو جزئي، ولكن وصول ثورة كاملة مبنية على أسس الديمقراطية أصبح حقيقة فقط، عندما قدم مفكرو أوروبا الحديثة هذه الأمال والطموحات البشرية على شكل عقيدة متكاملة.

وحالة السلام هي حالة مشابهة هنا؛ حيث إن السلام كان يعد حاجة بشرية المختلف العصور. ومع هذا، وفي الوقت الحالي، فإن السلام أصبح حاجة ماسة لبقاء الجنس البشري حيث إنه أصبح فعليا مسألة حياة للبشرية أو موت. فالسلام يعني الحياة، وغيابه يعني الموت. 

إن هدف الكاتب هنا هو أن يقدم السلام في صورة عقيدة متكاملة، عقيدة توقظ الوعي البشري - عقيدة قادرة على توفير الحلول المستقاة من السلام المشكلات الحياة كلها، وقادرة أيضا على وصف الأهمية الملحة للسلام بدءًا من مستوى الفرد، ووصولا إلى مستوى المجتمع، وبذا، فإن السلام هو متطلب السابق لكل أنواع التقدم البشري. فبالسلام نتقدم، ومن دونه يكون الدمار. 

إذن ما ضرورة وجود عقيدة للسلام؟ 

هناك سببان رئيسان لذلك. فعندما يؤكد الإنسان هدفا ما، فإنه يتبنى عاملا معينا ويهمل آخر. وهذا يحدث بالاقتناع فقط في حال توافر التسويغ النظري الواضح. ومن غير هذا، فإن الإنسان لا يستطيع أن يكون متحمسا القبول أو رفض أي مفهوم أو ممارسة. مثلا إذا اقتنعت مجموعة معينة أن حقوقهم قد اغتصبت، وأن عليهم من أجل رفع الظلم عنهم اللجوء إلى العنف، فسوف يكون من المستحيل جعلهم يعدلون عن رأيهم، ما لم نكن قادرين أن نثبت بحجج قوية أن العنف ليس السبيل إلى حل مشكلاتهم، وأن مثل هذا المسار لن يؤدي إلا إلى زيادة تفاقم الأمور، ولن يعيد إليهم حقوقهم. ولاستدراج هؤلاء الأفراد إلى طريق السلام: لابد من إقناعهم بعقيدة تستند إلى المنطق، مفادها أن تحقيق أهدافهم لا يكون إلا بالتخلي عن العنف وخوض نضالهم بالطرق السلمية. إننا نحتاج إلى عقيدة تمنحنا الأسس المنطقية التي تقنعنا بضرورة رفض أسلوب وتبني آخر.

فالإنسان يستطيع إنجاز أي مهمة معطاة إذا ما توافرت لديه القناعة الفكرية بمصداقية تطبيقها وعملها. إنها عقيدة تمنح الإنسان الضمانات المناسبة، وإلا كانت النتائج مثبطة وعكسية بغياب الطاقة الضرورية والحماسة، وهما العنصران الأساسيان لنجاح أي مقاومة، وانتصار أي كفاح. 

وفي السياق نفسه، فإن الشجاعة هي المحفز الأقوى في رحلة الحياة. فالإنسان القوي يستطيع تسلق قمم الجبال، ومن يفتقر إلى الشجاعة يصعب عليه السير حتى في الطرق الممهدة، ولكن ما مصدر الشجاعة للإنسان؟ إنها أيضا عقيدة تزود الإنسان بالشجاعة ليسلك درب السلام، لقد قيل: (إن الإنسان حيوان عاقل)، وقيل أيضًا: ( الإنسان حيوان يسعى إلى التفسير). وكلا القولين هنا يشيران إلى النقطة نفسها، وهي: أن الإنسان يستقي إشباعه العقلي من أفعاله فقط حينما تكون أهدافه قد تأسست بصفتها حقا له، وبصورة مبنية على الخطاب العقلاني. إن محاولة تطوير عقيدة كاملة مبنية على أسس السلام هي بأهمية السلام نفسه، والعكس صحيح فكلاهما مترابط، ولا تعيش إحداهما من غير الأخرى. 

إن مثل هذا العنف الذي تشهده في الوقت الحالي من. لقد تسببت حروب الدمار والعنف التي تشنها مجموعات غير شرعية في صور لا مثيل له في كل العصور حرب عصابات أو حرب بالوكالة في الجاف أذى كبيرا للبشرية. ووقف في طريق تقدمها وازدهارها، وهذه حقيقة يعيشها سكان الأرض كلهم. ولكن، كيف يمكن تفسير هذا؟ إن السبب واضح فالناس لا يمتلكون عقيدة كاملة تفضل السلام، في حين يبقى التفسير الوحيد الممارسة العنف هو قوة مشاعر العامة وغضبهم؛ فعندما يشعر ناشط بالحاجة إلى أن يكون قائدا للعالم، أو عندما يستثار مجتمع للانتقام لما أصابه من خسائر ومعاناة، فإنه لا حاجة حينند إلى أي تبرير منطقي أو عقلائي للعدائية، إن قوة المشاعر والعاطفة تكفي لتحريك القادة وأتباعهم على حد سواء، ولكن عندما يكون الحديث عن السلام، واتباع أساليب سلمية لطرح الحلول، فإن هذا يكون ممكنا فقط إذا كان هنالك تبرير قوي للسلام، ففي حين يعد العنف فطريا. فإن السلام يحتاج إلى انضباط عقلي، وقدرة على التحكم في النفس، فالكل يريد إثبات نفسه بنفيه للآخرين، وعليه، فكل ما تحتاج هو إليه انفجار عاطفي قصير كاف للمضي قدما بالعنف، على خلاف الأفعال السلمية التي تحتاج إلى فكر جدي لتتكامل. 

إن الحل الوحيد لهذه المعضلة يكمن في امتلاك الإنسان عقيدة كاملة وشاملة للسلام. ولعل المشكلة الفعلية لأيامنا هذه هي عدم وجود مثل هذه العقيدة على أرض الواقع. وهنا نطرح السؤال الآتي: لماذا هذا الجانب السلبي في النفس البشرية؟ 

إن هذا مرتبط بسنة الله في خلقه، ولا يمكن فهم هذا الجانب إلا إذا ربطنا ذلك بمشيئة الله في خلقه. إن هذه الدنيا هي أرض الاختبار التي صممها الخالق للبشرية حيث منح الخالق الحرية التامة في هذا العالم وهي حرية لم يكن القصد منها التسبب في الفضوى، بل كان هدفها بيان إن كان باستطاعة الإنسان المضي في حياة منضبطة على الرغم من الحرية الكاملة التي منحت له. إن على الإنسان أن يرتقي بنفسه من المستوى غير الأخلاقي للحيوان إلى المستوى الأخلاقي للبشر. 

وعلى الرغم من ممارسته مشاعر الغضب والكراهية، ووجود الحافز الممارسة العنف، فإن عليه أن يصبح حاضنا للحب والسلام. وعندما تأكل المشاعر السلبية قلبه، فإن عليه أن يكون قادرا على التخلص منها، ويرتقي بنفسه إلى مستوى المفكر الإيجابي. 

باختصار، فعلى الرغم من امتلاك الإنسان الحرية الكاملة، فإن عليه وبإرادته الشخصية أن يكون مثالا للسلوك المنضبط والخلق السوي، والإنسان الذي يقود نفسه بانضباط يكون قد اجتاز اختبار الخالق، وأولئك الذين يتصرفون بهذه الطريقة هم فقط الذين سيختارهم الله تعالى، خالق هذا الكون وحافظه؛ ليتمتعوا برحمته في جنات الخلد. 

إن دراسة علم النفس تخبرنا بأن الإنسان بطبعه محب للذات، وكلما تأذت هذه (الأنا) ، فإن ردة فعل عدائية تنتج، ومن ثم تتطور إلى كراهية ورغبة في اللجوء إلى ممارسة العنف، علما بأن هذه النقطة قد تناولها بوضوح The Modern Wickedness )في كتابه (الشر المعاصر ،)CM.load( الكاتب وهي نقطة الضعف النفسية في النفس البشرية، التي تعزى إليها حقيقة أن الاختلافات تأخذ غالبا شكل الكراهية، التي بدورها تقود إلى العنف على نحو متكرر. 

إن هذا كله يظهر أن العنف ليس في حاجة إلى أي عقيدة؛ فالعنف يظهر ويشتعل ذاتيا، مع أنه فيما يخص السلام الاختيار الذي تتبناه نحن بأيدينا. وبدا، فإن السلام يحتاج إلى كفاح إيجابي، وتصميم قوي من خلال عقيدة واضحة متكاملة. 

إن الاستعداد للمحافظة على السلام . مسألة اتخاذ قرار واع . مزية بشرية نبيلة. أما السلام، فإن على الإنسان أن يحد من غضبه وأن يكون متسامحا وعليه أن يسيطر على مشاعر الكراهية، وأن ينمي مشاعر الحب تجاه الآخرين، فإذا أردنا أن نعمل على استدامة السلام، فإن علينا كبح التفكير السلبي والاستعاضة عنه بالتفكير البناء، ولكي يصبح السلام حقيقة فإن على الإنسان أن يكون متمنيا جيدا للخير بدلا من أن يكون صاحب نية سيئة. وعليه، فإن الاستفزاز يعد كافيا لانطلاق العنف. ولكن لكي يستمر السلام فإن على الإنسان أن يبطل الاستفزاز، ويتحلى بالاعتدال وضبط النفس. 

إن الإنسان بممارسته للعنف يتبع غرائزه الأساسية، ولكن لتعزيز السلام فإن عليه أن يقوم بتغيير أخلاقي كامل في نفسه. وليس قبل مثل هذا التحول. يستطيع الفرد أن يكون قادرا على أن يؤدي دور محب للسلام. 

إن الحاجة تكمن في تحويل اللإسلام إلى السلام: حيث يتمكن الفرد بعد هذا التحول من أن يؤدي دور الشخص المسالم، ولهذا السبب، فإن عقيدة شاملة للسلام تكون ضرورية، والشيء الأكيد أن هذا لن يتحقق بإطلاق النداءات والتصريحات لأنها لن تقنع الناس بتبني الوسائل السلمية. 

ولقد حملت الأحداث التاريخية مثل هذا كما في خبرتي الشخصية؛ إذ كنت منخرطا في مهمة سلام للسنوات الخمس عشرة الأخيرة، وأستطيع القول وبكل اقتناع: إن المئات والألوف من الشباب الذين - وبإيعاز من عواطفهم كانوا قد سيقوا للعنف والتشدد، قد اختبروا ثورة في تفكيرهم بعد استماعهم إلى منطق ما أقوله ودراستهم كتاباتي، وعبر الحجج القوية، قد صنعت غلبة للسلام. لقد هجر هؤلاء طريق العنف، وتبنوا طريق السلام. 

في المقابل، اكتشفت أن هؤلاء الشباب، كانوا قد اعتقدوا وعلى نحو غير صحيح، أن العنف مساو للشجاعة، وأن الأفعال السلمية مساوية للجبن. لقد اعتقدوا أن بإمكانهم تحقيق كل شيء بالعنف، وأن الوسائل السلمية لن تجلب لهم منفعة، وبهذا الفهم غير الصحيح، اعتقدوا أن العنف يعني التقدم، وأن السلم يعني التخلف. 

وبعبارات أخرى، فقد كانت لديهم عقيدة ( عنف ) لا عقيدة سلام. ومع هذا فإنهم أصبحوا مقتنعين بحجج مفادها أنه لا توجد هناك عقيدة حقيقية في صالح العنف، وأن العقيدة الصحيحة تقف بجانب السلام في الواقع الحقيقي، إضافة إلى ذلك، فقد أصبح جليا لهم أن نهج العنف الذي سلكوه الأجل تحقيق التقدم في مصالحهم كان انتحاريا في نهاية المطاف، أما نهج السلام الذي قاطعوه لاعتقادهم أنه غير منتج، فكان في الحقيقة هو الطريق الصحيح إلى التقدم. 

وبعد هذا الاكتشاف الفكري، فقد خضعت حياتهم لتحوّل من كونهم كانوا ناشطي عنف إلى ناشطي سلام. وفي الحقيقة، وفي بقاع مختلفة من العالم فإن هناك عددًا كبيرًا من الشباب الذين بعد أن أصبحوا مدركين تماما الحقيقة هذه المسألة قاطعوا العنف في سبيل تسخير طاقاتهم في مصلحة مجال سلمي في الحياة، مثل: التعلم، والإصلاح الاجتماعي، والدعوة للسلام.

الفصل التالي

مقالات ذات صلة