الظروف الطبية في الجزيرة العربية قبل الإسلام وفي العهد الأموي
لا بد أن الحالة الصحية للبدو والحضر الذين كانوا يقطنون في الجزيرة العربية كانت سيئة جداً، ولا بد أن الصورة التي رسمها على سبيل المثال تشارلز م. دوتي و جورج أ. ليبسكي للظروف التي كانت موجودة في القرنين التاسع عشر والعشرين هي نفسها الصورة التي كانت في الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت ندرة الماء، وقلة جودته. وسوء التغذية وقلة تنوعها، وأسراب الذباب والطفيليات عوامل أدت. بالاشتراك مع الأمراض المستوطنة ذات العدد الهائل، إلى ازدياد معدل وفيات الرضع وانخفاض متوسط العمر كانت أكثر الأمراض شيوعاً في الجزيرة العربية هي الملاريا، والسل، والتراخوما، والتهاب ملتحمة العين والزحار الأميبي، والعصوي والجدري والجذام، والإنتانات الطفيلية، والأمراض الناتجة عن نقص التغذية مثل الرحد والبثع كانت الطفيليات الأكثر شيوعاً هي البلهارسيا والديدان المعوية المدورة والديدان الشريطية وديدان غينيا ( العرق المدني) ، يمكن أن نرى كثرة عدد الأشخاص العميان وأنصاف العميان في كثرة التعابير المستعملة الوصف أمراض العينين نجد الكمه والعشا والعمى والرمد والقما وغيرها. سمي مرض السل بالسل أو السلال ، وسمي مرض الجذام بالبرص والوضح والجذام، بالإضافة إلى ذلك، كان هناك عدد كبير من المصطلحات التي يستحيل تعريفها تعريفاً دقيقاً.
من الواضح أن العرب لم يكونوا قادرين على التغلب على هذه الأمراض لأنهم كانوا يجهلون آلية حدوثها. افتقرت محاولتهم في شفاء هذه الأمراض إلى أي أساس نظري أو علمي، غير أن الوصفات المستخلصة من الطب الشعبي الشائع التي لجؤوا إليها تظهر بعض الصلة المثيرة للاهتمام بالسحر.
لم تكن الملاريا وباء مستوطناً في وادي عسير وسهول تهامة الساحلية فحسب، بل كانت مستوطنة أيضاً في واحة خيبر، هناك رواية قديمة مجهولة الأصل تخير عن شخص مرض بالحمى المستوطنة في خيبر. حيث كان يعاني هجمات متعاقبة من الحمى والتعرق البارد. ولأن البدو كانوا يعتقدون أن الحمى لا تهاجم إلا البشر، فقد كانوا ينهقون عشر مرات مثل الحمير على أبواب المدينة ليوهموا الحمى أنهم ليسوا بشراً. كانوا يأملون بهذه الطريقة أن ينجوا من المرض. إن فكرة جعل إخفاء المرء هويته أو تفكره توحي بشيوع فكرة أن للمرض روحاً. توجد هذه الفكرة أيضاً في حالة أخرى: إذا كان هناك خشية من أن يصبح شخص مجنوناً أو تتليسه الأرواح الشريرة، فقد كان يلطخ بتعليق حفاظات الطمث وعظام الأموات حوله كثيراً ما تصادفنا فكرة أنه يمكن التخلص من المرض عن طريق التخلص من وسائط يؤدي التخلص منها إلى التخلص من المرض إذا أصيب ولد ببثرات على شفتيه، فإنه يدور بين خيام القبيلة حاملاً على رأسه طبقاً من القش وهو يصرخ ( الحلا الحلا). عندها يرمي الناس الثمار وقطع الخبز واللحم في طبق القش. عندما يمتلى الطبق فإنه يفرغ محتوياته أمام الكلاب عندها تختفي البثور. يمكن التخلص من المرض بالطريقة الآتية أيضاً: يربط خيط ( رحم، رطيمة) حول ذراع الشخص المصاب بالحمى، إذا فكها شخص آخر فإن الحمى تنتقل إليه ويشفى الشخص الأول، إذا عضت الحية شخصاً فعليه أن يحمل على امرأة ويخشخش بها طوال الليل. قد تكون جثة الميت المشوهة المطروحة أرضاً مصدر حياة الطفل، إذا أسقطت امرأة وليداً ميتاً، أو إذا كان أطفالها يموتون بعد الولادة، فيترتب على ذلك كي يعيش ابنها الآتي أن تطأ بقدميها على جثة عارية لشخص نبيل قتل إما غدراً أو نتيجة عداء دموي كانوا يعتقدون أن الجلاع ( تضيق القلفة عند صبي بسبب أنه ولد في ليلة قمراء.
ربما كانت المعلومات التشريحية قليلة لدى العرب. لكن أهم الأعضاء الداخلية مثل الكبد والقلب والطحال والمعدة والأمعاء مذكورة كثيراً في الشعر العربي القديم، وكان لديهم أفكار خاصة عن وظيفة هذه الأعضاء. كانوا يعتقدون أن الكبد موضع الجوع والعطش لكن الكبد كان أساساً موضع الشعور والعاطفة. إذا كان الشخص ممتلئاً غضباً وكراهية، فإن كبده سيكون أسود اللون، وإذا كان مطبوعاً على الود والخير، فسيكون كبده أبيض اللون. من الواضح أنهم نظروا باهتمام إلى عروق الأوردة المنتفخة عند الرجال والحيوانات، حيث إنه حتى منذ الأوقات الباكرة كان هناك عدة أسماء للأوردة التي تكون موجودة عادة على الطرفين بسبب تناظر طرفي الجسم. لذلك فإن الخال هو الوريد الأوسط في الساعد الأخدان هما الشريانان السباتيان والأبهران هما الشريانان الظهريان عند الحيوان وهناك تعايير أخرى مثل الأبيضان والأسهران والأبجلان التي لا يمكن شرحها بدقة، ولأنه كان ينتج عن النزاعات بين القبائل كثير من جروح الرأس، فقد عرفوا الدماغ وأغشيته فسموها الدماغ وأم الرأس . يخبر أحد الأشعار عن طبيب استكشف جرحاً في الفروة ( المأمومة ) وجد في عمقه جوفاً محصوراً !!. يبدو أن أكثر الوسائل الجراحية المستعملة هي الكي والحجامة. كانوا يعتقدون أن الوسم فاعل في جرب الحيوان والسعر والأمراض العقلية والجروح المفتوحة واستسقاء البطن وغيرها كثير. حتى إن دوتي التقى نساء "لم ينجين من كي وجوههن لعلاج الصداع".
يعد بول الإبل حتى اليوم، بحسب قول ليبسكي، علاجاً شائعاً. ذكر الشاعر لبيد سكب البول المغلي على الشخص المريض. كان يستعمل البول أيضاً ضمن أشياء أخرى لعلاج جرب الإبل كما نرى من شعر مزرد بن ضرار :
بهن دروء من نحاز وغدة لها دربات كالثدي النواهد
جرين فما يهنأن إلا بغلقة عطين وأبوال النساء القواعد
ذكر مراراً وتكراراً أن الرجل الذي يعاني الكلب يمكن أن يشفى إذا شرب من دم الملوك أو الأمراء يثير الانتباه مشابهة ذلك أفكار الطب الشعبي لأمم أخرى يعد فيها شرب دم المجرم المقطوع الرأس علاجاً.
كان يطلق على من يمارس الطب اسم الطبيب أو الأسي أو النطاسي. في حين كانت العناية بالمرضى بيد النساء اللواتي كن يقدمن هن أنفسهن الدواء ، وللقيام بذلك كن يلجأن إلى رقيات سحرية. يخبر صخر الغي من قبيلة حطي أن الموت أسرع من رقى السحر والنساء المطيبات . وأخبر أكثم بن صيفي عن مرة حير فيها المرض الكواهن .
لم تغير بعثة النبي محمد الظروف الطبية مباشرة. لم يذكر الطبيب والأدوية في أي موضع من القرآن الكريم على الرغم من أنه أثار كثيراً من الأسئلة الأخرى عن حياة الإنسان، وناقش ووضع القوانين ذكر استعمال الطب في المجتمع الإسلامي الأول في الحديث الشريف، حيث خصص صحيحا البخاري ومسلم وسنن الترمذي وابن ماجه ما سموه كتاب الطب، أي فصلاً جمعوا فيه التعليمات والتوصيات الطبية تكمل كتب السنة لنا الصورة التي قدمتها أشعار الجاهلية والمعلومات المستخلصة منها عن الظروف التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية.
كان بول الإبل ولبنه يعدان دواء ناجعاً نصح بمرارة السبع علاجاً أيضاً، ووضعت الحناء على القرحات أو أذيات الأشواك. كان يفترض أن لية الخراف المذابة تفيد عرق النسا، فقد كانت اللية تقسم إلى ثلاثة أقسام يؤكل واحد منها كل يوم على معدة فارغة، وكانت تعالج ذات الجنب بالورس والقسط البحري والزيت. كذلك كان ينصح بالعسل والحبة السوداء علاجاً، وبالحساء المصنوع من الحليب والطحين والعسل (التلبينة) .إضافة إلى ذلك يمكن للمريض أن يلتزم بحمية أو يأكل ما ترغبه نفسه. لكن الخمر حرام ولو للعلاج، واستعمل ماء الكمأة شفاء للعين، ونصح بالحجامة لكن كره الآن الكي، روي عن النبي نهيه عن الكي ونصحه بضمادات ساخنة ( لذعة بنار توافق الداء) بدلاً عنه، استمر أيضاً الاعتقاد بالسحر والأرواح، فسر الصرع بالاعتقاد بدخول الشياطين إلى المريض، وكان يعتقد أن الطاعون مس من الجن يجب قتل الأفاعي لأنها تذهب البصر وتسبب الإجهاض. عد الحسد بالعين حقيقة.
منعت رقى السحر عامة، ولكن سمح بالرقيات إذا أصيب الشخص بالعين أو إذا لسعته حية أو عقرب. لكن التنخم من ناحية أخرى قد يفيد في حالة السحر.
كل ذلك ليس ذا أهمية كبيرة. إنه الطب الشعبي العادي الموجود في جميع المجتمعات. لكن هذه الأفكار اكتسبت أهمية كبيرة في التاريخ الإسلامي اللاحق. ولأنها كانت تعد تعليمات نبوية، فقد توبعت وجمعت مع كثير من الأحاديث الضعيفة، ثم فسرت باستعمال مفاهيم الطب اليوناني، أطلق على الحصيلة النهائية لهذه الوسائل الطب النبوي الذي قصد منه مقابلة الطب الإغريقي الذي كان يعتقد أنه علم ذو أصل وثني، لا شك في أن هذا الطب النبوي قد لاقى قبولاً شعبياً واسعاً. انفرد ابن خلدون بقوله بوضوح: إن هذا طب بدوي لا يمكن أن ندعي أنه وحي إلهي ولذلك فإنه غير واجب ضمن الشريعة.
باستثناء الحديث الشريف، لا نعرف الكثير عن الطب في المرحلة الإسلامية الأولى وفي العهد الأموي (661 - 750 للميلاد). يمكن أن تعرف القليل من النوادر في عام 704 على سبيل المثال، أصيب عروة ابن الزبير بن العوام حين كان في سوريا عند الخليفة الوليد بن عبد الملك، بموات في قدمه (الإكلة). بترت ساقه بوجود الوليد، لكن عروة لم يصرخ، حتى إن الوليد لم يعرف أن العملية قد انتهت إلى أن شم رائحة الكي الذي عولج به البتر بعد القطع، عاش عروة بعدها ثماني سنوات ذكر ابن قتيبة هذه الرواية 2. وذكر في القصة برواية أبي فرج الأصفهاني أيضاً أنهم أرادوا إعطاء عروة دواء مسكناً، لكن عروة رفض ذلك؛ لأنه يقلل من مكانته. وقد يكون ذلك مجرد زخرفة أسطورية للقصة.
ربما كان وهب بن منبه الذي لا تعرف معلومات كثيرة وثيقة عن حياته ، يقال: إنه توفي نحو (732) . يملك معلومات معينة عن الفيزيولوجيا البشرية كما علمها الإغريق يتحدث وهب عن أربع صفات أساسية، وعن أربعة أخلاط مرتبطة بها، وعن توازن في المزاج الذي يميز الصحة حدد مكان القوى العقلية في أربعة أعضاء: الذكاء في الدماغ، والطمع في الكليتين، والغضب في الكبد، والشجاعة في القلب، والخوف في الرئتين، والضحك في الطحال، والحزن والسعادة في الوجه، كان يعتقد أن الإنسان يمتلك 360 عضواً، ادعى أنه وجد جميع هذه المعلومات في العهد القديم، حيث اقتبسها من قصة خلق آدم.
استخدم الشاعر الفرزدق كلمة الماء لوصف شكوى عينيه ( توفي 728 للميلاد ) . قد يكون التأثير اليوناني موجوداً هنا ؛ لأن تعبير هابيوخيميا السادة ظهر في التراجم اللاحقة نزول الماء، أو ببساطة الماء.
ذكر أن ثلاثة أطباء عاشوا في ذلك الوقت، وتفترض أنهم قد مارسوا الطب الإغريقي. يقال: إن أحدهم وهو تياضوق كان طبيب الحجاج بن يوسف الثقفي . ويقال: إن الثاني مسارجاويه كان من أصل فارسي يهودي عاش في البصرة، وكان الثالث إسرائيل طبيب الخليفة سليمان ابن عبد الملك (715 - 717 للميلاد). لكن التقارير عن هؤلاء الرجال غير واضحة أبداً وملأى بالتناقضات، بحيث لا يمكن أخذ أي منها على محمل الثقة. لكن من الواضح أن الأطباء ذوي المنهج العملي في ذلك الوقت كانوا من اليونان أو الفرس أو السريان أو اليهود، لكن إضافة إلى ذلك، كان يوجد طب شعبي كان النحوي يونس بن حبيب ( توفي 798 للميلاد) يستعمل الصيار لأنه كان يعتقد أنه يلطف الجلد ويزيل البثور وينقي الأعصاب.
