القائمة الرئيسية

كتاب ستة أيام من الحرب : حزيران ١٩٦٧م وصناعة شرق أوسط جديد

كتاب ستة أيام من الحرب : حزيران ١٩٦٧م وصناعة شرق أوسط جديد
ملخص المقال

ملخص: يناقش الكتاب الصراعات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط خلال فترة الخمسينيات، مع التركيز على دور جمال عبد الناصر في قيادة مصر بعد الإطاحة بالملك فاروق ومحمد نجيب، وتفاعله مع القضايا الإقليمية والدولية. يتناول الدعم السوفياتي المتغير من إسرائيل إلى العرب، ومحاولات القوى الغربية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، تحقيق السلام عبر مبادرات مثل "ألفا" و"غاما"، مقابل التنازلات الإقليمية. كما يستعرض تصاعد العنف بين إسرائيل والفدائيين الفلسطينيين، وردود إسرائيل الانتقامية مثل غارة غزة عام 1955. في الوقت نفسه، يشير إلى تأميم عبد الناصر لقناة السويس كمحطة فاصلة أثارت أزمة كبرى، حيث تحالفت فرنسا وبريطانيا مع إسرائيل في مواجهة مصر، بينما تبنت الولايات المتحدة موقفاً حذراً تجاه التدخل العسكري.

السياق (البيئة) 

العرب والإسرائيليون والقوى العظمی، ١٩٤٨-١٩٦٦ 

في الواحد والثلاثين من ديسمبر (كانون أول من العام ١٩٦٤ ليلاً، تقوم مجموعة من الفدائيين الفلسطينين بعبور لبنان إلى شمال إسرائيل تقدمت إلى هدفها مزودة بأسلحة سوفياتية، ويرتدي أفرادها زياً قدمته لهم سوريا . كان هدف هذه المجموعة هو مضخة لتزويد صحراء النقب بمياه الجليل. يعد هذا الهدف متواضعاً بيد أن غاية الفلسطينين كبيرة، إذ كان أعضاء فتح ومعناها الفتح العسكري، كما أنها كلمة مشكلة من الأحرف الأولى لاسم المنظمة الفلسطينية حركة التحرير الوطني الفلسطيني حتف بصورة عكسية فصارت ف ت ح أي فتح) كان أعضاء هذه الحركة المقاتلة يرغبون في حسم الأمر في الشرق الأوسط. إذ كان يراودهم أمل في أن عمليتهم هذه سوف تدفع بإسرائيل إلى القيام بعمل انتقامي ضد إحدى الدول العربية المجاورة لها كلبنان نفسها، أو الأردن مثيرة بذلك تحركاً عربياً عسكرياً يطيح بالدولة الصهونية.

لقد انتهت عملية فتح البكر هذه بالإخفاق التام. إذ لم تنفجر العبوات الناسفة التي زرعوها . ثم ألقت الشرطة اللبنانية القبض على الفدائيين أثناء خروجهم من إسرائيل عائدين إلى قواعدهم. ومع ذلك أعلن زعيم فتح الشاب المهندس سابقاً البالغ من العمر الخامسة والثلاثين من غزة واسمه ياسر عرفات، بيان ظفر يدق ناقوس واجب الجهاد و.... أحلام الثوريين العرب من المحيط الأطلسي إلى الخليج.

ما كان لأحد إلا ذي مخيلة رائدة فريدة أن يتصور أن مثل هذا العمل التخريبي الضيق النطاق، حتى ولو نجح أن يطلق شرارة حرب ينخرط فيها أناس كثيرون ومعدات وأسلحة كثيرة حرب تغير مسار تاريخ الشرق الأوسط، بل تحدث تغييرات كثيرة في العالم. ومع ذلك كانت عملية فتح هذه تتضمن عدداً من النقاط التي توحي بأن حرباً كهذه سوف تنشب في غضون أقل من ثلاث سنين، كان هناك بالطبع البعد الفلسطيني، الذي يعد مسألة متفجرة معقدة ومصدر قلق وإزعاج للدول العربية وإسرائيل على حد سواء. 

كان هناك إرهاب تدعمه سوريا التي تتلقى دعماً بدورها من السوفيات. 

وكان هناك ماء، إذ ربما تدور الحرب حول الماء وبسببه أكثر من أي سبب فردي آخر. 

ومع ذلك يعد القول إن عملية فتح الأولى هذه أو أية هجمات أخرى لاحقة هي التي فجرت حرب الشرق الأوسط، ساذجاً وقدرياً. 

قال إيان ماك إيوان (Ian McEwan) في روايته الحب الراسخ»: «البداية، وسيلة بارعة، ولكن الذي يرجح أمراً على سواه هو مقدار فهم ما سيأتي»، تطبق هذه الملاحظة على التاريخ أيضاً حيث تكون محاولات التعرف على الأسباب الأساسية عشوائية في أحسن الأحوال، وعبثية في أسوئها. إذ يمكن للمرء أن يبدأ بسهولة بأول مستوطنة صهيونية في فلسطين، أو بالسياسة البريطانية في فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى أو بنشوء حركة القومية العربية، أو بالمحرقة (الهولوكوست). الخيارات كثيرة ومتساوية في إمكانية كونها أسباباً أولية. 

في حين أنه من العبث محاولة تحديد السبب أو الأسباب التي أدت إلى نشوب حرب الـ ٦٧ في الشرق الأوسط، فإنه يمكن وصف السياق أو المحيط الذي أصبحت فيه الحرب ممكنة الوقوع، ومثل ذلك كمثل الفراشة التي تحدث بخفقان أجنحتها تيارات ربما تولد عاصفة، كذلك ربما تولد أحداث تبدو تافهة شرارة تؤدي إلى جائحة في غير وقتها . وكما تحتاج الفراشة إلى بيئة وقرائن كالجو الأرضي والجاذبية وقوانين الديناميكا الحرارية - كي تولد العاصفة، كذلك الأحداث التي سبقت حرب يونيو للعام ١٩٦٧ تتطلب ظروفاً نوعية كي تسرع نشوب الحرب، كانت بيئة الحرب هي بيئة الشرق الأوسط في فترة ما بعد الاستعمار، منطقة مزقتها النزاعات المريرة الضروس وتدخلات القوى العظمى والإثارة المستمرة لما أصبح يعرف بالصراع العربي الصهوني. 

ابتداع البيئة 

لا بد من نقطة انطلاق، حتى لبحث البيئة، وهو اختيار عشوائي. 

فلنبدأ بالصهونية، حركة الشعب اليهودي لبناء كيان سياسي مستقل لهم في وطنهم التاريخي إن إدخال الصهيوينة إلى دوامة سياسات الشرق الأوسط آثار بيئة كانت في الأصل غير مستقرة وأدخلها في إطار حرب إقليمية، وعلى الرغم من أن الأمر يبدو بسيطاً وسهلاً، فإنه لولا الصهونية لما وجدت إسرائيل، ولولا إسرائيل لما كانت بيئة الصراع الشامل هذه. 

إن ما بدأ كمجرد فكرة في منتصف القرن التاسع عشر، وقد حفز في مطلع القرن العشرين آلاف اليهود الأوربيين والشرق أوسطيين على ترك بيوتهم للإقامة في فلسطين البعيدة بصورة لا يمكن تصورها . يكمن سر الصهونية في مزاوجتها بين المفاهيم القومية الحديثة وربط الألفية الصوفية اليهودية بأرض إسرائيل، تلك هي القوة التي حافظت على المجتمع اليهودي في فلسطين خلال ما جرى من سلب في العهد العثماني، وخلال الحرب العالمية الثانية عندما طرد العديد من الزعماء اليهود بوصفهم أعداء وغرباء ومعظمهم من اليهود الروس). وبنهاية الحرب حل الإنكليز محل الأتراك في فلسطين، ووعدوا بموجب تصريح بلفور ببناء وطن قومي يهودي في البلاد، تعاظم المجتمع اليهودي في ظل الانتداب البريطاني إذ تدفق إليه اللاجئون اليهود من اللاسامية الأوربية أولاً من بولندا، ثم من ألمانيا وأقاموا مؤسسات اجتماعية تربوية في زمن قصير فاق تلك المؤسسات التي أقامتها بريطانيا، وبحلول أربعينيات القرن العشرين أصبح المجتمع اليهودي (اليشوف) مصدر طاقة دينامية إبداعية، وإيديولوجية، وتعددية سياسية في عملية تشكيل المنطقة، وباتباع النماذج الغربية والأوربية، استطاع يهود فلسطين إيجاد وسائل جديدة للاستيطان الزراعي المستعمرات الاشتراكية المشاعية kibbutz) - كبيوتر - والمستعمرات التعاونية (moshav - موشاف الذي يعد اقتصاداً اشتراكيا قابلاً للحياة ذا أنظمة للصحة القومية، والتحريج، وتنمية البنية التحتية، والجامعات المحترمة، والأوركسترا السمفونية والجيش الشعبي السري الهاغناه (Haganah) (۲) الحماية المستعمرات، وعلى الرغم من أن البريطانيين أخذوا بالتخلي عن دعمهم للوطن القومي اليهودي، فإن ذلك الوطن قد أصبح حقيقة واقعة دولة بدائية أخذة في التبرعم والازدهار. 

وهذا ما نفر منه العرب الفلسطينيون، إذ اعتبر العرب ذوو الجذور العميقة منذ قرون في فلسطين ويشكلون الغالبية العظمى من السكان أن المجتمع اليهودي أداة من أدوات الامبريالية الغربية عن ثقافتهم ومناف لطريقة حياتهم التقليدية وضار بها، وعلى الرغم من أن الإسلام كان دائماً متسامحاً مع اليهود، ولو بوضعية أدنى، فإن تلك الحماية لم تعط اليهود الحق للسيطرة على جزء من قلب الأرض الإسلامية أو لحكم المسلمين. 

ولم يكن الفلسطينيون بأقل من نظرائهم المتدينين الخاضعين للحكم الفرنسي في سوريا وشمال إفريقية، أو للحكم البريطاني في العراق ومصر، مطالبة بالاستقلال وسعيا لتحقيقه، فقد تلقوا هم كذلك وعداً من بريطانيا بالاستقلال، وأخذوا يطالبون بتنفيذ هذا الوعد (۳). أما أن يستقلوا تحت السيادة اليهودية، فلم يكن مقبولاً لديهم أبداً، بل كان ذلك في نظرهم شكلاً معيناً من أشكال الاستعمار. 

وهكذا كانت كل موجة من المهاجرين اليهود إلى فلسطين في الأعوام ١٩٢٠ ١٦٢١-١٩٣٩ تثير رد فعل عنيف عند العرب بلغ ذروته في الثورة العربية عام ١٩٣٦ ضد اليهود والبريطانيين معاً، استمر العصيان والتمرد ثلاث سنوات وأسفر عن إبعاد الكثير من القيادات الفلسطينية العربية وإضعاف اقتصاد العرب، وبالعكس تعاظمت قوة المجتمع اليهودي. ومع ذلك، حرم اليهود من النصر، إذ أصدرت بريطانيا كتاباً أبيض التي عملنا وعد بلفور، وذلك تحسباً من قيام المسلمين بحركة عنيفة مفاجئة ضد بريطانيا في جميع أنحاء الإمبراطورية، وبعد ذلك بوقت قصير نشبت الحرب العالمية الثانية وأعلن الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون عن عزم حركته محاربة الكتاب الأبيض وكأنه لا توجد حرب عالمية، وأن يخوض الحرب وكأنه لا يوجد كتاب أبيض وبالمقابل ألقى الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين المعين من قبل البريطانيين والذي ادعى من تلقاء نفسه أنه يمثل العرب الفلسطينيين وضع مصيره في يد هتلر . (٤) 

وكان للثورة العربية من العام ١٩٣٦ - إلى العام ۱۹۳۹ نتيجة مصيرية أكبر، فإذا ما كان الصراع سابقاً بين اليهود والعرب في فلسطين، فإنه اليوم صراع بين الصهيونيين والعرب في كل مكان. لقد أثارت القضية الفلسطنية تعاطفاً كبيراً في جميع أنحاء الوطن العربي حيث كانت تترعرع الروح القومية الجديدة وتزدهر. وادعت القومية العربية التي كانت أيضاً من نتاج الفكر الأوربي الحديث، بوجود شعب عربي واحد تتجاوز هويته الروابط العرقية والدينية والعائلية. دعي ذلك الشعب الآن لكي ينتقم من قرون ثلاثة من الإذلال على يد الغرب، وإزالة الحدود المصطنعة (بين سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق التي رسمها الاستعمار. 

وعلى الرغم من أن حلم إقامة دولة عربية مستقلة تمتد من جبال طوروس (Taurus Mountains) في الشمال إلى المحيط الأطلسي في الغرب، ومن الخليج العربي إلى طرف شبه الجزيرة العربية، سيظل حلماً، إلا أن ظهور عالم عربي تربطه العواطف والثقافة قد أصبح حقيقة واقعية (٥). فمنذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كان أي حدث يقع في فلسطين يولد اضطرباً وتمرداً في بغداد والقاهرة وحمص وتونس والدار البيضاء.

 ولم يكن يدرك هذا النهج بصورة أفضل أو يخشاه أكثر من زعماء العرب في ذلك الحين. وبسبب الافتقار إلى أية شرعية دستورية كانت التشكيلة القيادية: رؤساء وزارات، وملوك وسلاطين، وأمراء تعارض التعبير الحر وحساسة لتدفق الرأي الجماهيري - أي تحرك الشارع العربي، لذلك كانت مهمة القادة العرب أن يدركوا مسبقا السبيل الذي يسير في الشارع ويناور، كي يكونوا هم في طليعته، كان الشارع مناهضاً بعنف للصهيونية، واستجابة لذلك الغضب العارم، ويسبب التنافس بين القادة العرب الذي قيد حركتهم زينت الأنظمة العربية نفسها بفلسطين، فلم يعد الصراع محلياً أبداً. 

وفي تلك الأثناء، اغتنم البريطانيون بدهاء حياد الصهيونية في أثناء الحرب التهدئة العرب واسترضائهم فرعوا إنشاء جامعة عربية يمكن لأعضائها أن يظهروا وحدتهم ويحتفظوا في الوقت نفسه باستقلاليتهم. (٦) 

ولكن عندما تأكد النصر في أوربا عاد الصهاينة للانتقام فأعلن الصهيونيون الحرب على الانتداب يحفزهم على ذلك استمرار وجود الكتاب الأبيض. 

ويلهيهم الهولوكوست الذي لولا الكتاب الأبيض لما ذهب ستة ملايين من اليهود ضحية للهولوكوست وأول من أعلن الحرب على الانتداب ميليشيات الإرغون (IRGUN) اليمينية برعاية مناحم بيغن (MENACHEM BEGIN)، ثم تبعه التيار العام الهاغناه (HAGANAH). 

وبحلول العام ١٩٤٧ كانت بريطانيا المنهكة من الحرب والتي يطاردها رئيس أمريكي هو هاري ترومان (HARRY TRUMAN) الملتزم علناً بالقضية الصهيونية على استعداد لتسليم القضية الفلسطينية إلى الولايات المتحدة وجاءت المحصلة بصدور القرار ۱۸۱ عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية وإقامة نظام دولي للقدس، وافق الصهيونيون على القرار، بينما رفضه العرب الذين كانوا قد رفضوا عرضاً سابقاً أفضل منه قدمته بريطانيا وأصروا على وجوب فرض سيادتهم على كل فلسطين. 

في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني من العام ١٩٤٧، أي في اليوم الثاني الصدور قرار التقسيم قام الفدائيون الفلسطينيون بمهاجمة المستعمرات اليهودية في جميع أنحاء فلسطين وقطعوا الطرق الواصلة فيما بينها . أما رد الصهيونيين فكان ضبط النفس كيلا تعتقد الأمم المتحدة إذا ما تصاعد العنف في فلسطين أن قرار التقسيم لا يجدي، ولكن المقاومة الفلسطينيية أثبتت فعاليتها القوية، الأمر الذي جعل اليهود يبدؤون بالقتال في إبريل (نيسان) من العام ١٩٤٨، ونجحوا في فتح الطرق وإنقاذ المستعمرات (المستوطنات) ولكن الرد اليهودي عجل بقرار المدينيين الفلسطينيين الذي بدأ في نوفمبر (تشرين ثاني). 

ويدافع من التقارير التي نشرت عن مذابح حلت بالقرى الفلسطينية، مثل مذبحة دير ياسين قرب القدس هرب أو طرد من الفلسطينين ما بين ( ٦٥٠,٠٠٠) إلى ( ٧٥٠٠٠٠٠) إلى البلدان العربية المجاورة، وكان معظمهم يتوقع العودة في المستقبل القريب بعد تدخل القوات العربية المشتركة وطرد الغاصبين الصهاينة. كان لا بد من بذل محاولات قاسية لمنع مثل هذا التدخل، فسعى الزعماء اليهود سراً للتوصل إلى تسوية مؤقتة مع الملك عبد الله ملك المملكة الأردنية الهاشمية تقوم على تخوف الطرفين المشترك من الوطنية الفلسطينية. لم تكن وزارة الخارجية للولايات المتحدة مفتونة بالحلم الصهيوني وكانت معارضة بعمق للتقسيم وكانت تسعى لوضع فلسطين تحت وصاية دولية وطرحت اقتراحات بإقامة دولة عربية يهودية ثنائية القومية، أو إقامة فيدرالية عربية يتمتع فيها اليهود يحكم ذاتي محلي (۷). لم ينجح أي . أي من هذه الاقتراحات، وعندما انتهى الانتداب في : ١٤ مايو (آبار) كانت الدولة اليهودية قد أعلنت منذ ذلك الحين أصبح اليهود إسرائيليين في حين أصبح الفلسطينيون مجرد فلسطينيين. 

وفي ذلك اليوم نفسه تفجر الصراع المدني الذي نشب منذ نوفمبر (تشرين الثاني) إلى صدام إقليمي بين إسرائيل والدول العربية الخمس الأقرب إليها. وقاد الغزو أشد الدول العربية مناهضة للصهيونيين سوريا والعراق وتبعتها لبنان وشرق الأردن. 

ولم تستطع مصر مقاومة ذلك الزخم، وخوفاً من أن تتوسع الدول العربية الأخرى، فسارعت إلى الالتحاق بهذه الدول. زحف آلاف الجنود المعززين بقاذفات القنابل والمقاتلات والمدرعات إلى ما وصف بعنجهية بأنه عمل بوليسي».

نجح ذلك العمل في دفع الدولة الوليدة إلى وضعية الدفاع العميقة عندما اخترقت الجيوش العربية النقب والجليل ووصلت إلى مشارف تل أبيب، أكبر مدينة في إسرائيل، وحوصر الـ ( ۱۰۰.۰۰۰) يهودي في القدس حصاراً وحشياً ومع ذلك لم يتطرق الياس إلى بن غوريون فاستغل ذلك الرجل القصير المهيب الحالم المعجب بالقوة إعجاباً براغماتياً، الهدئات التي عقدت بوساطة الأمم المتحدة لإعادة تسليح قواته وتنشطيها. لقد قلبت تلك الميزة، بالإضافة إلى افتقار العرب الفاضح للقيادة والانضباط، التيار رأساً على عقب. 

وبحلول خريف العام ١٩٤٨ كانت قوات الدفاع الإسرائيلية (IDF) حديثة التشكيل قد أفلحت في كسر الحصار العربي على القدس ومحاربة الفيلق العربي الأردني بقيادة بريطانية، والنجاح في تجميده، إن لم يكن في الانتصار عليه، كما أخرجت التقدمات السورية في الشمال والتغلفل العراقي في الوسط. بيد أن قوة إسرائيل المسلحة العظمى فقط وجهت إلى مصر، حيث أكبر فرقة عسكرية عربية، فطرد الجنود المصريون من جوار القدس وتل أبيب إلى خارج النقب كله سوى جيب صغير من الرجال، وبقي هؤلاء حتى مطلع العام ١٩٤٩ عندما سعت مصر إلى عقد هدنة. 

انتهت حرب الاستقلال، كما يسميها الإسرائيليون واسولت الدولة اليهودية على 3% من المناطق أكثر مما خصصت لها الأمم المتحدة بموجب قرار التقسيم وبفضل خروج الفلسطينين أصبحت الدولة ذات أكثرية يهودية صلبة. ولم يردع قوات الدفاع الإسرائيلية عن احتلال الضفة الغريبة وقطاع غزة سوى الخوف من فقدان هذه الأكثرية وإغضاب بريطانيا حامية مصر والأردن، ودفعها إلى خوض حرب ضد الدولة اليهودية. 

وفي آخر عملية قامت بها إسرائيل في مارس (آذار) من العام ١٩٤٤ بعد عقد الهدنة مع الأردن في احتلال أم رشراش (UMMAL-RASHRASH) على البحر الأحمر، وهي منطقة كانت من حصة إسرائيل بموجب التقسيم.

وكان هذا الميناء الذي أعيدت تسميته فأصبح يعرف بإيلات (EILAT) شریان الحياة الإسرائيل عبر خليج العقبة ومضائق تيران، وإلى أسواق إفريقية وآسيا.

وخلافاً لما بدى أنه احتمال يقرب من المستحيل أحرز القادة الشباب مثل إيغال الون (YIGAL ALLUN) وإسحق رابين (YIZHAK RABIN) نصراً استثنائياً. ولكن بثمن باهظ. إذ قتل ستة آلاف يهودي أي 1 من الشعب وقصفت قرى عديدة ودمر معظمها، وعلى الرغم من الهجمات المتكررة التي قامت بها قوات الدفاع الإسرائيلية على مدينة القدس، فإن هذه المدينة ظلت مع الهاشميين بالإضافة إلى ممر اللطرون (LUTRUR) المؤدي إليها، كما اجتث الفيلق العربي مستعمرات كتلة عنسيون (ETZION BLOCK الواقعة خارج بيت لحم واحتل الضفة الغربية لنهر الأردن. وكانت غالبية سكان إسرائيل ومراكزها الصناعية تقع ضمن مدى مدفعية هذا الجيش العربي أو ذاك، وكان عرض إسرائيل في أضيق نقاطها تسعة كليو مترات فقط بحيث يسهل شطرها إلى قسمين باندفاع أردني أو عراقي من الشرق ولا مقر لليهود عندئذ سوى البحر. 

لقد فاقمت غنائم النصر المختلطة جرح التاريخ اليهودي الكلي، وولدت ازدواجية متناقضة في إسرائيل: ثقة مفرطة بأنها لا تقهر جنبا إلى جنب مع الإحاس المتضخم بمصيرها ، فكانت تصور نفسها عند الغرب بأن الإسرائيليين ليسوا سوى نسخ من داوود ضعيف التسلح يقاتلون العمالقة الفلسطينيين وتصور نفسها عند العرب بأنهم غولائيين (Golathians) يتمتعون بقوة لا يمكن تقديرها. وفي أول زيارة يقوم بها رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان (MOSHE DAYAN) إلى الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين ثاني من العام ١٩٥٣ قال للمسؤولين في البنتاغون: إن إسرائيل واجهت خطراً مميتاً، ولكنها في الوقت نفسه استطاعت سحق الجيوش العربية مجتمعة في أسابيع. (۸). 

لم يصب العرب بوباء هذا التناقض على أية حال، فكانت حرب الـ ٤٨ تعد نكية، عندهم لا يمكن تخفيفها أو تلطيفها . إن استعراضات النصر التي كانت تقام في القاهرة ودمشق لم تستطع إخفاء حقيقة أن العرب قد فشلوا في أول امتحان بعد مرحلة الاستعمار، وكان ضم الضفة الغربية إلى شرق الأردن ( جعل الدولة تسقط عبارة عبر / شرق، لتصبح المملكة الأردنية الهاشمية واحتلال مصر لغزة أكد خسارة الفلسطينين للدولة التي كان من المفروض أن تضم هاتين المنطقتين، كما أن هزيمة العرب على يد جيش صغير كان محتقراً في نظرهم، ضاعف من إذلالهم (۹) لم تستطع تلك الهزيمة أن تولد أبطالاً بل ولدت مرارة في نفوس الجنود من أمثال جمال عبد الناصر أحد الضباط الشباب الذين حوصروا في جيب النقب. الذي أخذ يسعى الآن للانتقام ليس من إسرائيل فقط بل من الحكام العرب العاجزين الذين أذلتهم إسرائيل.

 

السلام المستحيل 

كان لاتفاقات الهدنة العامة (GAA) التي وقعتها إسرائيل مع أعدائها المجاورين الأربعة مصر والأردن ولبنان وسوريا، على التوالي في النصف الأول من العام ١٩٤٩ أثر عميق على العلاقات العربية الإسرائيلية خلال السنوات التسع عشرة التالية. 

وبموجب النصوص الغامضة لهذه الاتفاقيات كان أحد الفريقين، وهو الفريق العربي، يدعي أن له حقاً كاملاً في القتال واستئناف الأنشطة القتالية عندما يرغب. وحرم الطرف الثاني، وهو إسرائيل، من أي شكل من أشكال الشرعية أو الاعتراف به. تعد هذه الاتفاقات كوثائق دبلوماسية فريدة من نوعها . ففي حين أريد لها أن تكون أساساً السلام دائم في فلسطين، حيثما قال رالف بنش (RALPH BUNCHE) وسيط الأمم المتحدة الذي نال جائزة نوبل على جهوده للتوصل إلى هذه الاتفاقات، فإن هذه الهدنة أضفت صفة الديمومة على الصراع وهيأت الأرضية للحرب. 

لقد خدع الاسرائيليون. فبسبب اعتقاد بن غوريون وغيره من القادة الإسرائيلين بأنهم قادرون على الاحتفاظ بالأراضي التي احتلوها فيما وراء حدود التقسيم وإبقاء اللاجئين خارج فلسطين لم تقم القوات الاسرائيلية بإنزال مزيد من العقوبات بالجيوش العربية. إذ كانوا يعتقدون أن تحقيق السلام ليس إلا مسألة شهور، إن لم تكن أسابيع، ولكن ما إن انسحبت قواتهم حتى أعلنت الحكومات العربية أن الهدنة لم تكن سوى هدنة مؤقتة يستطيع العرب بموجبها مقاطعة البضائع الاسرائيلية. وحرمان إسرائيل من الإبحار عبر مضائق تيران وقناة السويس وادعوا أنه لا توجد إسرائيل، بل يوجد جيش إسرائيلي، ولا توجد حدود إسرائيلية بل هي خطوط هدنة عشوائية تتخللها مناطق منزوعة السلاح (DZS) مختلف على ملكيتها. 

وهكذا فقد هلل للاتفاقات مبدئيا بوصفها مكسباً، لأنه سرعان ما أصبحت إسرائيل حجر الرحى فيها. فقد حاولت إسرائيل أن تتحدى حصار السويس في مجلس الأمن في العام ١٩٥١ ولكن سرعان ما تجاهلته مصر في حين قامت سوريا في الشمال باحتلال قمم بعض التلال فوق خط الهدنة، وأصبحت لجان الهدنة المشتركة (MACS) التي شكلت لتعالج الشؤون اليومية، ميداناً للاتهامات والاتهامات المضادة: الأمر الذي جعل معظمها يتوقف عن العمل تماماً، كما فشلت الجهود التي بذلتها لجنة التوثيق الفلسطينية التابعة للأمم المتحدة (UN Palestine وحكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا في دفع )Conciliation Commission (PCC( إسرائيل والدول العربية في اتجاه السلام. 

ومع ذلك لم يكن جميع القادة العرب ضد السلام، من حيث المبدأ على الأقل. خصوصاً إذا جلب لهم هذا السلام مكاسب إقليمية. 

وعلى الرغم من قرعهم طبول الحرب لتهدئة الشارع في بلدانهم، كان بعض القادة يسعون سراً لعقد اتفاقات مع الصهيونيين. 

فالدكتاتور السوري حسني الزعيم عرض سراً توطين ۳۰۰,۰۰۰ لاجئ فلسطيني مقابل سيطرة سورية على نصف بحيرة الجليل بحيرة طبريا). 

آراد ملك الأردن عبد الله ممراً بين الضفة الغربية التي ضمها حديثاً والبحر المتوسط، وطالب فاروق، ملك مصر بكامل صحراء النقب - ٦٢٪ من مناطق إسرائيل عارض بن غوريون على أية حال، تقديم آية تنازلات ثنائية عن الأرض مفضلا بقاء الحال على ما هو حيث تستطيع إسرائيل تنمية بنيتها التحتية واستيعاب المهاجرين، وتجميع قوتها . بيد أن فشل التوصل إلى سلام لا يعود إلى عناد بن غوريون بقدر ما يعود إلى عجز العرب عن التعامل مع إسرائيل بصورة رسمية عادية، وهكذا أقنع مجلس الوزراء الأردني الملك عبد الله بإيقاف المحادثات مع إسرائيل، وأوضح المبعوثون المصريون أن عقد اتفاق مع الصهيونيين الآن أو حتى في المستقبل المنظور سوف يكلفهم حياتهم بالتأكيد. (١٠) 

لقد باءت جهود الحكام العرب المسايرة الرأي العام بالفشل في النهاية لأنهم أخذوا يتساقطون الواحد تلو الآخر، فحسني الزعيم لم يكن يكمل شهوراً سنة في الحكم قبل أن يطاح به ويعدم معطياً نموذجاً لستة عشر نظام ستنشأ وتزول في سوريا خلال سنوات، وثلاه الملك عبد الله الذي أردته رصاصة فلسطينية خارج المسجد الأقصى في القدس في يوليو (تموز) من العام ١٩٥١، أمام ناظري حفيده حسين الذي ورثه في الحكم فيما بعد.

كما مثل بالملك العراقي الهاشمي، فيصل، على يد غوغاء متوحشين في بغداد في العام ١٩٥٨، مع رئيس وزرائه نوري السعيد الذي كان صوته عالياً صاخباً ضد الصهيونيين، ولكنه كان يتصل بهم سراً . (۱۱) 

وجاء دور مصر في يوليو (تموز) من العام ١٩٥٣، إذ أطيح بملكها فاروق على يد عصبة من الضباط الأحرار المزيفيين بقيادة الجنرال محمد نجيب. 

ثم أطيح بمحمد نجيب نفسه في غضون سنة على يد الرجل الحقيقي القوي الذي كان وراء النظام البكباشي (كولونيل) الملهم ومدعي الاعتدال جمال عبد الناصر. 

اعتقد الاسرائيليون أن بإمكانهم إقامة عمل مع هذا الرجل انخرط ممثلون مصريون وإسرائيليون مرة أخرى في اتصالات سرية، حتى إنه قدمت رسالة غير موقعة من جمال عبد الناصر إلى القادة الإسرائيليين. 

بيد أن الموقف الأساسي لمصر لم يتغير لا يمكن التفكير بعقد سلام في الظروف الحالية، ولن يكون السلام ممكنا إلا بتنازل إسرائيل عن صحراء النقب بأكملها . وبحلول العام ١٩٥٣، عندما بدأت مصر ترعى هجمات الفدائيين الفلسطينين داخل إسرائيل، وتجددت الدعوة إلى جولة ثانية، رأى بن غوريون أن الاتصالات لم تكن سوى لعبة ومحاولة لتخدير إسرائيل قبل ذبحها. 

حصل في السنة الثالثة ١٩٥٤، منعطف فاصل في الشرق الأوسط لم يلحظه أحد في أي مكان آخر في العالم، إذ تحول ولاء الاتحاد السوفياتي في تلك السنة إلى الطرف الآخر كان الاتحاد السوفياتي في الواقع، قبل ذلك التاريخ، يدعم إسرائيل منذ نشأتها واعترف بها وزودها بالسلاح. بيد أنه لم يعد هناك ما يكسبه من الصهيونية - إذ كانت الامبراطورية البريطانية أخذة بالأقول وأصبحت مكاسبه تكمن في استرضاء الحكومات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط التي جاءت للحكم بعد فترة الاستعمار، لتأمين حدوده الجنوبية غير المحصنة، وتهديد موارد النفط الغربية، فصرح السكرتير الأول للحزب الشيوعي، نيكيتا خروتشيف (Nikita Khrushchev) بأن من يستحق الإدانة هو إسرائيل التي بدأت منذ ولادتها تهدد جيرانها ثم اتهمها فيما بعد بأنها متواطئة مع الامبريالية وتنهب بصراحة ثروات المنطقة وفيما خلا تدمير إسرائيل، كان الاتحاد السوفياتي يدعم حقوق العرب في فلسطين، وكل الوسائل التي تؤدي إلى حصولهم على تلك الحقوق. (۱۲) 

وصلت الحرب الباردة إلى الشرق الأوسط وفي سنة ١٩٥٤، أخذت الولايات المتحدة وبريطانيا تطمحان إلى الدفاع عن المنطقة من خلال تحالف يضم دول الإزار الشمالي: إيران وتركيا وباكستان، مع جيرانها من الدول العربية. ولما كان الصراع العربي الاسرائيلي يشكل عقبة في سبيل تحقيق هذا التكتل، شرع المخططون الأنكلو أمريكيون في السعي لإزالة هذه العقبة عن طريق مبادرة سليمة سرية. وكانت الخطة التي أطلق عليها اسم رمزي هو (آلفا ALPHA) تقضي بإجبار إسرائيل على التنازل عن قطع كبيرة من الأرض لقاء وعد العرب بإنهاء حالة الحرب معها، وكان مفتاح هذه المسألة المفترض جمال عبد الناصر المقرب من الأمريكيين - إذا كانت CIA قد ساعدته بهدوء في انقلابه - والذي كان يؤمل في تحقيق مكاسب كبيرة من تعاونه مع أمريكا . وكان الثمن الذي سيدفع هو شحنات من الأسلحة الأمريكية المصر، وإقامة جسر بري عبر النقب (۱۳) وهو ما كانت مصر تتوق لإقامته. 

كانت الرابطة المادية بين مصر والمشرق تلوح بوضوح في تفكير عبد الناصر. فالضابط الذي تولى السلطة واعداً بإجراء إصلاحات داخلية، قد اكتشف الآن العالم وراء حدود بلاده فصرح أن مصر بلد عربي، وغير منحازة في الحرب الباردة وبدأ يتحدث عن دوائر اهتمام ومصالح متحدة المركز العالمين العربي والإسلامي وإفريقيا تقع مصر في قلبها، ويقف جمال عبد الناصر في مركز مصر. 

بدأت التحديات تظهر أمامه، فلم يضيع وقتاً في التصدي لها، إذا أنجز اتفاقاً مع بريطانيا لإنهاء احتلالها لقناة السويس منذ الثنين وسبعين سنة، ثم استدار الإحباط محاولات بريطانيا لإلحاق العراق بحلف الحزام الشمالي الذي عرف حينذاك باسم حلف بغداد، ثم تبنى الأفكار الاشتراكية، بذكاء بادئ الأمر، مازجاً إياها مع القومية العربية والوطنية المصرية، أما المتطرفون الإسلاميون فقد اعتبروه زنديقاً وحاولوا قتله، ولكن ذلك لم يردعه، ولدى نجاته من إحدى محاولات اغتياله أعلن مراراً وتكراراً : أنهم يستطيعون قتل عبد الناصر، ولكن ناصراً آخر سيحل محله !! الثورة مستمرة. (١٤) 

بدأت الدراما تتعاظم حوله، ومع ذلك فقد تجاهل تقريباً أهم قضية عربية وأكثرها حدة وتأثيراً : الا وهي فلسطين، ففي حين احتفظ بالحصار وبمستوى معتدل من الأنشطة الفدائية، فقد خفف حدة الصراع مع إسرائيل واضعاً إياه، كما يحلو للدبلوماسيين القول في الثلاجة، لكن الشارع العربي كان يطلب أكثر من ذلك. إذ إن مجرد وجود إسرائيل يعد أمراً مرعباً للعرب، ومذكراً باغتصاب فلسطين، ورأس جسر العودة الاستعمار، ومن الأمور التي ضغطت على عبد الناصر أكثر، ليس فقط وجود إسرائيل، بل أيضاً أنها أكدت وجودها وعززته عسكرياً. 

رداً على هجمات الفدائيين، قامت وحدات من جيش الدفاع الإسرائيلي الخاصة بغارات عقابية عبر الحدود، ففي عملية واحدة فقط في قبيه، إحدى مدن الضفة الغربية، جرت في أكتوبر (تشرين أول من العام ١٩٥١ نسفت وحدات كوماندوز إسرائيلية بقيادة الرائد أرئييل شارون (Ariel Sharon) عشرات المنازل، وقتلت ٦٩ مدنياً عن غير قصد كما ادعى، وقامت إسرائيل بتجفيف بحيرة الحولة في شمال الجليل، الأمر الذي كدر سوريا وفلحت المناطق المنزوعة السلاح وزرعتها، ولم يستثن عبد الناصر من هذه الأنشطة. 

إذ أبحرت السفينة الإسرائيلية بات غاليم (Bat Galim) في قناة السويس حيث سبب استيلاء مصر عليها فضيحة عالمية، وأخيراً قام العملاء الإسرائيليون بمحاولات الإحباط عملية خروج بريطانيا من قناة السويس وذلك عن طريق إحداث فوضى في مصر بفضل تخريب المؤسسات العامة فألقت السلطات المصرية القبض على أحد عشر مصرياً يهودياً اتهموا بالخيانة.

لقد أغضب ذلك عبد الناصر وشعر بالإذلال، فكثف من دعمه للفدائيين الفلسطيين، ورفض الإفراج عن السفينة الإسرائيلية أو العفو عن المخربين المصريين اليهود الذين أعدم منهم اثنان شنقاً في النهاية، أما البقية فحكموا بالسجن، كما رفض خطة ألفا على الرغم من مغرياتها الإقليمية فرد بن غوريون رداً سريعاً وقاسياً : وكانت أكبر عملية انتقامية ضد قوات عربية نظامية منذ عام ١٩٤٨، إنها الإغارة على غزة هكذا أصبح اسمها في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) ١٩٥٥ التي أسفرت عن مقتل واحد وخمسين جندياً مصرياً وثمانية جنود إسرائليين. وأطلقت العد التنازلي نحو الحرب. 

وهكذا أخذ العنف يتصاعد خلال العام ١٩٥٥ ، إذ استمر ناصر بالاعتداء على إسرائيل بعمليات فدائية، وعلى الصعيد السياسي اتخذ موقفاً ضد السلالات العربية المحافظة الحاكمة كالهاشميين في الأردن والعراق، والسعوديين الذين كانوا يعارضون راديكاليته المتشددة، ثم وجه ضربة في سبتمبر (أيلول) إلى إسرائيل والملوك العرب على حد سواء، إذ ابتاع أسلحة سوفياتية من خلال موردين تشيكيين (Czech) فقد اشترى دبابات ومدافع وطائرات نفاثة أكثر من كل أسلحة الشرق الأوسط مجتمعة. 

وفي تطور مفاجئ قفز الاتحاد السوفياتي فوق الحزام الشمالي وحط في مفرق الطرق بين آسيا وإفريقية، في حين حلق عبد الناصر إلى وضع لم يسبق له مثيل في التاريخ العربي الحديث وأخذ يدعو الشعب العربي مباشرة إلى الوحدة والكرامة برعاية مصر ورعاية عبد الناصر متجاوزاً بذلك الحدود التي صنعها الاستعمار. 

كان بن غوريون يراقب صعود ناصر بقلق شديد فقد تنبأ منذ زمن بعيد بظهور شخص قوي ذي جاذبية لدى الجماهير، أي أتاتورك Ataturk) آخر يوحد العالم العربي من أجل الحرب. وفجأة تجسد ذلك الكابوس حقيقة واقعة، وقال بن غوريون: أصبحت القضية مسألة وقت قبل أن يستوعب الجيش المصري السلاح الجديد المتدفق بوفرة، ومن ثم لا يعود له عذر في عدم استخدامه، فأثبتت نبوءته صحتها تماماً : إذ شهدت الشهور الستة التي تلت تلقي الأسلحة السوفياتية قتالاً حدويداً واسع النطاق، وأعمالاً انتقامية، وهجمات فدائيين التي أزهقت أرواح المئات (١٥) 

بحلول ربيع العام ١٩٥٦ كان بن غوريون قد قرر حسم الأمر مع مصر، فوضع خطة التعاون مع تابعيه موشي دايان رئيس هيئة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي و شمعون بيريز مدير وزارة الدفاع الإنزال هزيمة بالجيش المصري والحط من هيبة ناصر ، وكل ما كانت إسرائيل تحتاجه هو دولة عظمى تمدها بالسلاح وتحميها من التدخل السوفياتي، كانت الولايات المتحدة خارج الموضوع بسبب رفضها المتكرر الاقتراح إسرائيل بعقد معاهدة دفاع مشترك، وكذلك بريطانيا التي هددت بقصف إسرائيل بسبب هجماتها على الأردن ولكن إسرائيل قد وجدت حليفاً لها فرنسا التي كانت في حرب ضد القومية العربية في الجزائر - والتي كانت تشارك إسرائيل أفكارها الاشتراكية. 

حضر بن غوريون للحرب ولكن ناصراً كانت لديه مواجهة أخرى، ففي ٢٣ يوليو (تموز)، أي بعد أسابيع من بدء المفاوضات على عقد معاهدة مع بريطانيا وفرنسا بشأن مستقبل قناة السويس أعلن من جانب واحد تأميم القناة، وإثر تهديدات ناصر الحلفاء بريطانيا في الأردن والعراق، ولفرنسا في الجزائر، أصبح الأوربيون على استعداد لاستخدام القوة لإجبار عبد الناصر على التخلي عن القناة (يتقيأها). ولكن كما أن إسرائيل كانت بحاجة إلى دعم قوة عظمى، كذلك كانت فرنسا وبريطانيا بحاجة إلى دعم قوة فائقة، هي الولايات المتحدة. 

لم تكن إدارة إيزنهاور (Eisenhower) مفتونة بعبد الناصر أخذة في الاعتبار سياساته غير المنحازة وصفقات السلاح التي يعقدها مع الاتحاد السوفياتي، وكانت آخر خيبة أمل الأمريكا هي مبادرة ثانية باسم غاما (Gamma) عرضت على مصر يجري بموجبها إعلان مصر إنهاء حالة الحرب والعداء مقابل تنازل إسرائيل عن قطعة أرض، إذ أرسل الرئيس الأمريكي ايزنهاور مبعوثه الشخصي، روبرت ب. آندرسون (Robert B.Anderson) التكساسي وزير المالية الأسبق كوسيط لبحث هذه الصفقة، فوجد بن غوريون غير قابل لتقديم أي تنازل بشأن الأرض، ولكنه كان راغباً في لقاء عبد الناصر في أي مكان وأي زمان أما عبد الناصر فقد أوضح المهمة منذ البداية بتساؤله لم المجازفة بالتباحث مع إسرائيل من أجل حلف بغداد؟ وبالتالي فقد رفض استقبال أندرسون، وبعد ذلك وافق أيزنهاور على مشروع آخر بالغ السرية اسمه أوميغ (Omega) يهدف إلى الإطاحة بجمال عبد الناصر باية وسيلة سوى الاغتيال (١٦). 

كانت واشنطن تكره عبد الناصر، في واقع الأمر، ولكنها مع ذلك كانت تكره الاستعمار الأوربي أكثر من كرهها لعبد الناصر، ولهذا، برغم كون الولايات المتحدة أحد الأطراف الموقعة على التصريح الثلاثي مع بريطانيا وفرنسا الذي مفاده: منع أية محاولة لتغيير الحدود في الشرق الأوسط بالقوة، فإنها لم توافق على اعتبار تأميم عبد الناصر للقناة محاولة لتغيير الحدود بالقوة، ولم تقر استخدام القوة ضد مصر. ثم توالت سلسلة من المبادرات الدولية تهدف كلها إلى حل الأزمة، ولكنها جميعاً تفتقر إلى الأسنان (آلية التنفيذ)، وأخيراً بلغ غضب فرنسا حده فلجأت إلى حلفائها وأقنعت بريطانيا بأن تحذو حذوها ، وهكذا وقع في ٢٤ سبتمبر (أيلول) ممثلون عن ثلاث دول بروتوكولاً بالغ السرية في سيفريه (sevres) إحدى ضواحي باريس، وبموجب هذا البرتوكول تتظاهر إسرائيل بالهجوم على قناة السويس، وبذلك تعطي مسوغاً للأوربيين لاحتلال القناة بذريعة حمايتها، وبالمقابل يتلقى الإسرائيليون دعماً جوياً وبحرياً لدى قيام قواتها بتدمير الجيش المصري في سيناء وفتح مضائق تيران (۱۷) 

نشبت الحرب العربية الإسرائيلية الثانية المعروفة في إسرائيل باسم حملة سيناء.. وفي البلدان العربية باسم العدوان الثلاثي، في فجر التاسع والعشرين من أكتوبر (تشرين أول). نزلت قوات إسرائيل المظلية في ممر مثلا Mitla pass، الواقع على بعد ٢٤ ميلا شرقي القنال. وبموجب الذريعة المتفق عليها سلفاً، أعلنت بريطانيا وفرنسا إنذارهما النهائي الذي رفضته مصر كما هو متوقع. وفي الوقت نفسه اخترقت تشكيلات دايان المدرعة الخطوط المصرية في وسط سيناء وجنوبها وتابعت سيرها عبر قطاع غزة المحتل من قبل مصر، فأصيب الجنرال محمد عبد الحكيم عامر رئيس هيئة أركان الجيش المصري بالهلع فأمر جنوده بالتراجع. كان انتصار إسرائيل سريعاً - أسرع مما توقعت بريطانيا وفرنسا . كانت الأرمادا الأنكلو - فرنسية تتهادى في البحر في حين كان القادة الفرنسيون والبريطانيون يترنحون تحت الضغط العالمي، فلم يبدأ الغزو حتى الرابع من نوفمبر (تشرين ثاني) في الوقت الذي ادعى فيه المصريون أنهم لم يطردوا من سيناء بل تراجعوا تكتيكياً للدفاع عن بيوتهم.

تعد عملية مسكيتير (Musketeer) (هذا هو اسمها الرمزي) عملية عكسرية ناجحة تماماً، إذ تشتت الجيش المصري، ثم إعادة احتلال ثلاثة أرباع القناة، ومع ذلك كانت النتائج السياسية كارثية. إذ اختفت الحرب الباردة والفروقات الثقافية لدى توحد المجتمع الدولي في إدانة الهجوم، وتبطت عزيمة بريطانيا وفرنسا تحت ضغط التهديد الأمريكي بفرض عقوبات، وتهديد الصواريخ السوفياتية، فانسحبت قواتهما تجر أذيال الخزي وأنزلت أعلامهما من الشرق الأوسط نهائياً وإلى الأبد. 

وبالمقابل لم يكن الإسرائيليون الذين كانوا يسيطرون على كل سيناء ومضائق تيران في عجلة من أمرهم، إذ على الرغم من الضغط الهائل الأمريكي والروسي الذي تعرضت له، فقد كانت مازالت تتمتع بتعاطف دولي بوصفها ، ضحية المقاطعة والإرهاب، إضافة إلى ما كان يلقاه بن غوريون من دعم قوي داخل إسرائيل، وفي حين كان يخضع للمطالب الداعية إلى سحب قواته من سيناء، فإنه ربط قبوله بضرورة حصوله على ضمانات بحرية العبور من مضائق تيران وحماية إسرائيل من الغارات الحدودية، وصرح قائلاً: إن الهدنة التي مارست مصر في ظلها العدوان على إسرائيل قد ماتت. 

تبع ذلك دبلوماسية كسر الأعناق لمدة شهور، حاول خلالها أبا إيبان (Abba Eban) السفير الإسرائيلي المفوض إلى الولايات المتحدة والأمم المتحدة جاهداً التأمين مصالح بلاده غير منقوصة.

بيد أن دور الإنقاذ لم يلق على عائق إييان، بل على كاهل وزير خارجية كندا ليستر مايك بيرسون (Lester Mike Pearson)، وبوصفه موثوقاً من قبل جميع الأطراف ذات الصلة - العرب والإسرائيليين والأوربيين ثقة لا يتطرق إليها الشك طرح بيرسون تصوراً لإيجاد قوات طوارئ متعددة الجنسيات تابعة للأمم المتحدة (UNEF) المراقبة الانسحاب البريطاني الفرنسي من مصر، ثم طبق ذلك المفهوم على القوات الإسرائيلية في سيناء، وتتضمن هذه الفكرة نشر قوات من مجموعة من الدول على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، في قطاع غزة وشرم الشيخ المطلة على مضائق تيران قاوم ناصر الفكرة كما هو متوقع، إذ اعتبرها تقييداً لسيادة مصر ومكافأة لإسرائيل على عدوانها. 

وكذلك بن غوريون اعترض عليها لأنها تخول ناصر أن يطرد هذه القوة الدولية متى رأى ذلك مناسباً . 

لقد تم تخطي العقبة هذه باتفاقين صادقين صافيي النية - أحدهما بين وزير خارجية أمريكا جون فوستر دالاس (John Foster Dalles) وغوالد ماثير (Golda Meir) وزيرة خارجية إسرائيل، ووعد همر شولد (Hammarskjold) عبد الناصر أن يكون لمصر الحق في إخراج قوات الطورائ ولكن بعد دراسة الجميعة العمومية للأمم المتحدة فيما إذا كانت قوات حفظ السلام قد أنجزت مهمتها. ووعد دالاس أن الولايات المتحدة سوف تعتبر أية محاولة مصرية لإعادة فرض الحصار على مضائق تیران عملاً حربيا يحق لإسرائيل أن ترد عليه دفاعاً عن النفس بموجب المادة 21 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي مثل هذه الحالة تعهدت مائير بإحاطة الولايات المتحدة علما بنواياها، انضمت بريطانيا وفرنسا كذلك إلى هذا الاتفاق بالإضافة إلى كندا وعدد من الدول الغربية - مثل السويد وبلجيكا وإيطاليا ونيوزيلاندا . حدثت أخطاء بسيطة عندما عادت القوات المصرية إلى غزة، وعندما کرر دالاس دعمه للهدنة، ولكن بحلول ۱۱ مارس من العام ١٩٥٧ كانت قوات الطوارئ الدولية قد أخذت مواقعها، وآخر جندي إسرائيلي قد غادر سيناء. (۱۸)

ومن خلال ذلك كله، ظل الصراع العربي الإسرائيلي يشكل السمة الثابتة للحياة في الشرق الأوسط، إذ اتسع نطاقه من نزاع محلي في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته إلى أن شمل المنطقة كلها في أربعينيات ذلك القرن، وأصبح نزاعاً في خمسينيات القرن، فالتأمت عناصر السياق والبيئة المؤلفة من الصراع العربي العربي، والتنافس بين القوى العظمي ومخاوف إسرائيل وتيجحاتها، والمرارة التي تعتصر نفوس الفريقين. 

وإن كان هناك وضع جديد قد نشأ فهو ليس سوى عدم استقرار موروث متأصل. وحالة قابلة للاشتعال، تلهبها أصغر شرارة. 

حروب باردة / حروب ساخنة 

لقد أفادت حرب الـ ١٩٥٦ كلا الطرفين. فقد أشاعت الدعاية المصرية أن عبد الناصر قد حقق انتصاراً أساسياً وعسكرياً في الحرب، إذ هزم وحده الإمبرياليين، وحشد الرأي العالمي ضد إسرائيل، التي لم تستطع تحدي مصر وحدها ، وبعودة قناة السويس لمالكها غير القابل للتصرف أو التغيير، يمكن أن تصبح مصر قوة إقليمية، إن لم تكن قوة عالمية عظمى. (۱۹) 

أما الإسرائيليون فاعتقدوا أن الحرب جلبت لهم عشر سنوات على الأقل من الهدوء، وهو عقد صلب من التنمية. ولقنت قوات الدفاع الإسرائيلي الغرب درساً بأن إسرائيل حقيقة راسخة واقعة لا يمكن استغفالها وتمزيقها ولو بالاستدراج من قبل القوى الكبرى، ولم يعد هناك خطط ألفا ولا غاما ، بل بدلاً منها نشأت علاقات وثيقة واسعة بينها وبين بلدان أسيوية وإفريقية، والحصول على النفط من إيران. وعلى طائرات حربية متقدمة - أوراغان (Ouragan) والميستير (Mystere) والميراج من فرنسا )Mirage( 

وساعد الفرنسيون إسرائيل بأجراً إنجاز وأكثره جدلاً في ميدان الأمن، وهو المفاعل النووي قرب مدينة ديمونة (Dimoma) الجنوبية.

مقالات ذات صلة