ملخص: يناقش الكتاب تجاوز مخاوفك وتحرر أخيرًا! للدكتورة لينة دعبول كيفية التغلب على المخاوف التي تعيق الإنسان عن تحقيق إمكاناته الكاملة والعيش بحرية داخلية حقيقية. يقدم الكتاب استراتيجيات عملية ونصائح نفسية مدعومة بأبحاث علمية لمواجهة الخوف والتعامل مع المشاعر السلبية التي تنشأ عنه. كما يركز على أهمية فهم جذور الخوف، وكيفية تحويله إلى قوة دافعة للنمو الشخصي والنجاح. بأسلوب بسيط وقريب من القارئ، يشجع الكتاب على اتخاذ خطوات جريئة نحو التحرر من القيود النفسية وبناء حياة مليئة بالثقة والتوازن.
ما هو الخوف؟
يقوم الخوف - كما سنرى مراراً على الجهل غالباً. إذ يساعد الغرق في الحيرة على استمرار الخوف. وهكذا ... فإن عدم معرفة العالم المحيط بنا يجعله أكثر إثارة للقلق. كما إن جهلنا بعالمنا الداخلي يجعله مقلقاً، مما يجعل من الصعب علينا تبينه مع قربه، وقد يعود السبب إلى كونه شديد القرب، إذ إن التباعد والتقارب يكملان بعضهما بعضاً في استيعاب الواقع، والخوف موجود في داخلنا كما هو موجود في الخارج، وهكذا يصبح حذرنا مضاعفاً.
تعريفات
عندما يطلب عادة من أحدهم تعريف شيء ما ( جماد أو شخص أو مشاعر أو مفهوم ..... فإنه يعرفه باستخدام أمثلة. وبهذه الطريقة يستطيع توضيح ما يريد من الآخرين استيعابه، ولكن هذا لا يكفي للتعريف والوصف. إذ لابد ليكون التعريف كاملاً من تحديد الخصائص التي تسمح بتمييز ما هو عليه الشيء مما ليس عليه بالكلمات.
ولنبدأ بتعريف عام سنغنيه فيما بعد.
التعريف الأول ( بسيط) : الخوف حالة نفسية مرهقة.
ولكن، بما أن الخوف ليس الحالة النفسية الوحيدة المرهقة يصبح من الضروري التفريق بينه وبين الغضب والحزن على سبيل المثال. إذ إن الخوف حالة لابد من تحديد خاصيتها التي تميزها عن حالة الغضب وعن حالة الحزن
حتى يعتري الخوف شخصاً ما، لابد لهذا الشخص من أن يكون في حال ترقب لخطر ما. وقد يكون هذا الخطر حقيقياً ومادياً، وقد يكون وهمياً ومن وحي خياله.
يثير إدراك الخطر فينا شعوراً بعدم الأمان الغريزي، ودعنا لا ننسى أننا نولد ضعفاء معتمدين على الآخرين، فلا يأتي مولود جديد إلى هذا العالم، بل حتى قبل مجيئه إلا وهو مفعم بكم هائل من المشاعر، من ضمنها الخوف.
الخوف شعور طبيعي وعادي ومفيد
إننا نتفهم جيداً لماذا يلجأ كائن ضعيف إلى الابتعاد غريزياً عن الخطر؟ وهكذا، فإن نقص الطعام خطر مميت يعرف الطفل بغريزته أن يقي نفسه منه ببكائه، وإذا ما استثنينا حالات سوء المعاملة وقلة الرعاية، فإن التعبير عن الخوف يضمن بفاعلية بقاء الفرد عندما يؤدي المحيط دوره في الحماية.
إنها الغريزة نفسها التي تدفعنا في كل الأعمار إلى التراجع عندما نقترب كثيراً من هاوية أو حافة شرفة، إذ يميل مركز الجاذبية دون إدراك منا نحو الأمام بحيث يدفعنا إلى التراجع مباشرة تحت تأثير الشعور بالدوران.
إنه من الصحي جداً، ومن الطبيعي أن نشعر وتعبر عن خوفنا. إذ إن البعد الغريزي في الخوف قديم في حياة كل إنسان إن الشعور بالخوف والتعبير عنه نتيجة حاجة حيوية، فيما أنه غريزي، فلماذا لا نعطيه بعداً نبيلاً لكونه يسمح لنا بالهروب من الأخطار، ومن ثم يحمينا من أن تحل بنا المصائب. إضافة إلى ذلك، فإن الخوف نبيل لأنه لا وجود للشجاعة إذا لم يكن هناك خوف نواجهه
الخوف آلية لا يمكن تعلمها. إذ يزود الإنسان بردود فعل الخوف في حقيبة غريزة البقاء التي يحملها معه منذ اليوم الأول من ولادته. السياق متماثل، ولكن الطرق تختلف بين الكائنات الحية. إذ ينهض مولود الظبي ويجري بعد بضع دقائق من ولادته، في حين يحتاج مولود الإنسان عاماً ليمشي متعثراً، الخوف من أن يفترس الكائن من قبل أسد ليس مبرمجاً في مخ كائن بشري صغير لذا فإن لتعلم الخوف مع مرور الوقت دوراً كبيراً، وإن كان هناك بعض مشاعر الخوف مطبوعة في جيناتنا.
باختصار، الخوف أساساً آلية طبيعية وتكيفية للدفاع عن النفس عند مواجهة حال تهدد سلامة الفرد، وهو يتجلى في شعور مزعج وتصرف فيه ابتعاد عن مصدر الخطر.
أصول الخوف
هناك عدة طرق لمعرفة من أين يأتي الخوف، ولنبدأ بالعودة بعيداً في الزمن، بل بعيداً جداً.
- شيء من التاريخ، بل ما قبل التاريخ
هل كان يشعر Cro-Magnon و Neandertal وأمثالهم بالخوف؟ كيف يمكن للمعرفة البشرية ادعاء معرفة هذا الأمر؟ من المؤكد أنه حتى أقدم عالم إحاثي بلحيته البيضاء الطويلة لم يكن حاضراً ليشهد على هذا الأمر، لذا فإننا نشك في أن العلماء قد لجؤوا إلى الخيال والافتراض. تقوم نظرية تطور الكائنات الحية جزئياً على معرفة عميقة لبنية أدمغة كل الممالك الحيوانية، ومن ثم، لا يمكن لهذه المعرفة استنتاج حقائق عن وجود الخوف قبل ملايين السنين، وعلى علماء الأعصاب أن يوضحوا لنا الكثير فيما يتعلق بظاهرة الخوف
- أدمغتنا والخوف
لتتخيل نحن الكائنات البشرية أن في جماجنا ليس فقط من واحد . بل ثلاثة.
مع أن كل الحيوانات لا تملك هذه الأدمغة الثلاثة، ولكننا نشترك معها في أقدمها، ألا وهو المخ الذي يسمى - ليس مصادفة - بالابتدائي. ففي الواقع كانت الزواحف الكبيرة في الحقبة الجوراسية تمتلك مخاً مولد العواطف، دوره الأولي هو ضمان بقاء الأفراد والكائنات، فما من شك أن الديناصورات كانت تخاف أحياناً.
ونحن لسنا بحاجة إلى الذهاب بعيداً في الزمان لتتحقق في أن الإنسان لم يكن يتحكم في مشاعره. وهذا ينطبق على كل الحيوانات.
إذا أردنا تسهيل الأمور، هناك أربع فئات من المشاعر، إضافة إلى الغضب والحزن، فإن الخوف يعد من ضمن الفئات الثلاث التي تندرج تحت ما يقال عنه الضغط النفسي أو الشدة النفسية، نجد هذه المشاعر الثلاثة عند كل فرد من الأنواع الحيوانية، إذ لجميعها ركيزة عصبية فيزيولوجية ونوعية، وهي عبارة عن دارات عصبية تنطلق من هذا المخ البدائي الذي تطلق عليه اسم المخ الابتدائي، أما الفئة الرابعة من العواطف، فلا علاقة لها بالضغط النفسي: إنها الفرح، علماً بأنه من الممكن أن يكون هناك الكثير من المشاعر المتداخلة على نحو معقد فالفرح لا يتلاءم مع الخوف أو الغضب أو الحزن، ولنعد إلى مشاعر الضغط النفسي الثلاثة.
عند الخطر تحرض الدارة التي يطلق عليها دارة الكبح سلوك الاستسلام لتسمح للفرد بأن يمنع مثيله المتسلط عن عدوانه الجسدي. وبذلك يحافظ الفرد المكبوح على سلامته الجسدية مقابل وضع اجتماعي أدنى، كما يسمح نظام الكبح في أثناء المعارك داخل مجموعة منظمة بتنظيم الروابط التدريجية دون إلحاق الضرر بقوة المجموعة. وذلك عن طريق إضعاف أحد أعضائها بجروح خطرة أو تعريضه للموت في المقابل، تصبح هذه الحال عند مواجهة القنص غير فاعلة حتماً، فعندما ينتابنا الحزن نشعر ببعض مؤشرات (أعراض) وجود هذه الحال من الكبح.
عموماً، يدخل الفرد قبل أن يكبح نفسه في المعركة، ومن ثم يخسر. وعند المحن تولد الدارة التي يطلق عليها دارة الكفاح سلوك الهيمنة الذي يسمح للقوي بألا يتضرر من اعتداء أولئك الذين تمكن من الهيمنة عليهم، وهكذا يحافظ الفرد في أثناء كفاحه على سلامته الجسدية عن طريق تظاهره بالقوة في أثناء القتال. فعندما يعترينا الغضب نشعر ببعض مؤشرات (أعراض) وجود حال الكفاح هذه.
يسبق خارج أوقات القنص القتال الكبح عند الحيوانات، وعندما يفشل القتال لقلة الحيلة أو القوة، يكبح الفرد نفسه عن طريق مشاعر الخضوع والاستسلام وبالطريقة نفسها، لا يتفجر القتال إلا عند فشل حال أخرى. هذه هي حال الهرب، إذ إن اللجوء إلى الهرب هو أكثر المواقف عفوية يتخذها حيوان يترقب الخطر، فعند أول مؤشرات الخطر، تولد الدارة التي يطلق عليها دارة الهرب، سلوك التجنب الذي يتميز بتيقظ مفرط، وجري جامع، لا يتوقف إلا عندما يشعر الفرد أنه أصبح بعيداً عن منبع الخطر. وهكذا، يحافظ الفرد في أثناء هروبه على سلامته الجسدية مقابل جري يفوق سرعة المعتدي ( من الجنس نفسه، أو قنص، أو نار...) وها نحن هنا عندما ينتابنا الخوف، نشعر ببعض مؤشرات ( أعراض) وجود حال الهرب هذه.
إذاً، هناك عند الحيوانات ترتيب في تدرج حالات الإلحاح الغريزي وقد استخدم الأستاذ هنري لابوريت ،)etat durgence de l,instinct( هذه الأحرف EUI للدلالة على هذه الحالات الثلاث التي تكون ردود فعل غريزية نلجأ إليها عضوياً عند مواجهة وضع ينظر إليه على أنه خطر، فيكون الترتيب كالآتي: الخوف أولاً. فإذا لم نهرب بسرعة، لابد حينها من القتال، وإذا لم يجعلك الغضب قوياً بما يكفي، لابد حينها من الخضوع وكبح النفس، وبعد الأخذ في الحسبان ما يكلفه القتال والكبح ، نفهم لماذا يمتدح لابوريت الهرب في أول كتاب له عن بيولوجية السلوك. ولكن، هذا لا يعني أني أمجد الخوف، إلا أنه يستحق منا النظر إليه مع مراعاة الفروق الدقيقة.
لقد بين علماء الأعصاب منذ خمسين سنة أننا نشترك مع باقي الممالك الحيوانية في ردود الفعل تلك التي يقال عنها حالات الإلحاح الغريزي، ولكن أسباب الضغط النفسي عند الإنسان تختلف عن تلك الخاصة بأصدقائنا الحيوانات هل علينا أن نكون أكثر حيوانية أو إنسانية لنغضب عند البحث عن مفاتيح السيارة؟ من أكثر قلقاً عند النظر إلى المرأة الجميلة أم الوحش؟ وهل تخشى الحيوانات الفشل عند الامتحان؟
طبعاً، نحن لا نقاسم الحيوانات الحياة نفسها ولا المخاوف نفسها. مع أنه قد تبين للعديد من علماء السلوك الحيواني أن الحيوانات لا تعاني الضغط النفسي ( عند الهرب أو القتال أو الكبح ) إلا عندما تكون سلامتها الجسدية معرضة للخطر، إذ لا وجود عند الحيوانات العنف بلا مسوغ، ولا لحزن تجريدي، ولا لخوف بلا سبب.
لابد، إذاً، من البحث عن أسباب نفسية واجتماعية وراء شعور الإنسان بالضغط النفسي.
- أسباب الخوف النفسية
هل تخاف من نمر من الورق أظن أن الجواب هو النفي، هل تخاف من نمر حي، إن كان جائعاً أو حراً، وهو على بعد بضع خطوات منك؟ إذا كان الجواب لا». اذهب إلى الفصل الخاص بالأمراض المرتبطة بالخوف.
وصف الأستاذ هنري لابرويت حالات الإلحاج ( الضغط النفسي) المرتبطة بخطر مادي يهدد السلامة بالنموذجية. في المقابل، يصف باللانموذجية حالات الإلحاح التي سيبتها سيارة تسير أمامنا ببطء. إن الحالات الضغط النفسي النموذجية أعراض حالات الضغط النفسي اللانموذجية نفسها، إذ تختلف فقط الأسباب المحرضة، إن الخوف من النمر المرسوم على طرف قصاصة ورق يعود إلى الشعور بضغط نفسي لا نموذجي، هذا النوع من الضغط النفسي يستحق منا بعض الاهتمام الخاص لأنه بمقدورنا التخلص منه بنجاح؛ لأننا في كثير من الأحيان لا تكون في مواجهة نمر حقيقي يريد افتراسنا.
يمكننا أن نصنف معظم مخاوفنا ضمن فئة الضغوط النفسية اللانموذجية، مع أن هذه الجملة قد تدوي كحكم نظري صاعق، ولكنها تحمل قوى محررة مذهلة. هذا يعني أن معظم مخاوفنا تقريباً ما هي إلا ثمرة مخيلتنا الموهوبة بتضخيم الأمور.
ليست الخريطة بأرض ممتلكة
نبهنا كثير من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع إلى التمييز بين الحقيقة وما تمثله، فلدينا خريطة العالم وليس العالم، ومع هذا كثيراً ما نخلط بين التصور والحقيقة.
يمتلك الإنسان في عالم الأحياء قدرة استثنائية على التجريد.
مع أن بعض الثدييات مثل الشمبنزي والدلفين تمتلك هذه القدرة. ولكننا بصفتنا بشراً نتفوق عليها بكثير.
إننا بفضل اللغة المفصلة والرموز قادرون على التصور، وهكذا، فإن كلمة دلفين ترتبط مباشرة بصورة الحيوان الذي يمثلها، وقد تعلمنا منذ نعومة أظفارنا ربط الكلمات والصور والحركات بما تمثله؛ ولذا فإننا بفضل هذا التقريب بين المجرد والملموس قادرون على استيعاب حقائق معقدة. ومع هذا .... .
- أدمغتنا والخوف... طبقة ثانية
لقد أصبح الكلب بافلوف الشهير يربط بالتدريب بين قرع الجرس وتصور وجبة الطعام من السهل عن طريق الربط المتكرر بين المحرض نفسه والاستجابة نفسها تكييف الفرد خاصة إذا كان صغيراً في السن. وهكذا، بتكرار تداعي الأفكار والصور نفسها تلتحم العناصر حتى يصبح من الصعب حلها، في بداية التكيف، لم يكن يسيل لعاب الكلب عند سماع الجرس، لأنه لم يكن يعرف أن الطعام سيقدم له مباشرة بعد الجرس، ولم يسل لعابه أيضاً عند سماع الجرس ثانية مع أن الطعام أحضر له ثانية تماماً بعد قرع الجرس، ولكن الكلب سيتعلم مع التكرار، وهكذا بعد عدة تداعيات بين الجرس والطعام، أخذ لعاب الكلب يسيل ما إن يسمع قرع الجرس، وأصبح سيلان اللعاب تلقائياً. لأنه مرتبط بقرع الجرس.
إن ارتباط السبب بالنتيجة أمر حقيقي في بداية التكيف، ولكن ما هو مذهل هو أنه يجري تكيفنا في كثير من الأحيان ( كل يوم ومدة سنوات عديدة)، ومن ثم نجد أنفسنا بلا إرادة حتى لو لم يكن هناك ارتباط بين السبب والنتيجة، وفي حال الكلب استمر لعابه يسيل عند قرع الجرس، وإن توقف تقديم الطعام له، وهذه طريقة أخرى في النظر إلى العادات.
لا يمكن للتكيف أن يحصل إلا لأن المخ قادر على تخزين التداعيات. إن المخ الابتدائي لا يتعلم كل ما يسمح لنا به مطبوع في صبغياتنا منذ الولادة، إنه بفضل المخ اللمبي يمكننا التعلم بالتداعي البسيط المخ اللمبي هو مركز التعلم التكيفي.
إن المخ الابتدائي يجعل لعاب الكلب يسيل غريزياً عند رؤية وشم الطعام الذي يقدم له، إذ لا يوجد أي سبب وراثي مبرمج وراء سيلان اللعاب عند سماع قرع الجرس.
عند التكيف الإيجابي يحصل المرء على مكافأة، إذ يرسل السرور المحسوس به في مستوى المخ الابتدائي رسالة إيجابية إلى المخ اللمبي. فيسجل الأخير الأمر: «التكرار مفيد». وهذا تكيف إيجابي. ولكن....
التكيف المقيد
يقوم التكيف الإيجابي على المتعة، أما التكيف السلبي فإنه يقوم على الحرمان من المتعة؛ لأنه لا يمكن برمجة المخ الابتدائي إلا في حال ربط تكرار الأحداث نفسها بالمكافأة أو بالعقاب.
فكما أن المتعة المتكررة تولد لا إرادية في السلوك الفاعل، فإن الحرمان من المتعة المتكرر يولد لا إرادية في السلوك التجنبي، فلو أرسل إلى الكلب شحنة كهربائية صغيرة ( عوضاً عن الطعام) بعد سماع الجرس، فإنه لن يسيل لعابه فقط بعد عدة تكرارات، بل ستبدو عليه أعراض الخوف أي إنه سيحاول الهرب.
إن الخوف من الشحنة الكهربائية خوف ابتدائي وفطري محض في المقابل، لا يوجد خوف من الجرس، إنه خوف يجري تعلمه بالتجارب لأنه مرتبط بحدث مزعج، قد قام المخ اللمبي بلصقه بالعادة. جرس .ألم
سيولد التجنب المبرمج عقداً، مثل عقدة خوف الكلب من قرع الجرس، وبالطريقة نفسها، لو لم يعد هناك شحنة كهربائية، سيستمر قلق الكلب من قرع الجرس.
إننا جميعاً نعاني عدداً لا بأس به من العقد. لا تمنعنا معظمها من العيش، ولكنها مزعجة؛ لماذا يجب علينا في كل مرة نتثاءب فيها أن نضع كفنا أمام فمنا؟ لماذا يجب علينا ألا نتلفظ بالكلمات البذيئة؟
هل هذا يمنعنا من العيش سعداء؟ لا بالطبع، لو أن كل واحد منا أحصى الممنوعات المفروضة عليه منذ نعومة أظفاره، فإني أراهن أن القائمة ستكون طويلة.
ومن ثم، هناك عقد مثبطة، فإذا كنت منذ طفولتك يقال لك عليك أن تبدو قوياً، وأن تخفي نقاط ضعفك، فإن الأمور ستكون شديدة التعقيد إذ إن سلوك التجنب المرتبط بهذا التقييد قد يؤدي بك إلى العزلة في برج عاجي، حيث يبدو كل شيء صلباً من الخارج، ما العمل إذا عندما ينتابك الخوف؟ وماذا ستفعل بدموعك عند الحزن؟ وبنقاط ضعفك غير كبتها ؟ وبأخطائك سوى تخبئتها أو إلحاقها بالآخرين؟ تعد طرق التجنب ضعفاً يرتاب منه المجتمع ويرفضه أكثر من رفضه لما هو محرم.
ففي حال وجود تقيد يكون هناك خوف غير منطقي من نتائج المجابهة، تطلق كلمة المجابهة في علم النفس على مواجهة الخوف والقيام بما نخشاه، فعلى سبيل المثال: من المجابهة أن يقول المرء علناً إنه يشعر بأنه إنسان ضعيف أو حساس.
تخيل أن هناك والدين يقولان لطفلهما في كل مرة يحاول أن يعبر فيها عن نفسه أمام الضيوف توقف عن محاولاتك في لفت الانتباه إن هذا سيولد بالتأكيد عند الطفل شكاً في قدرته على إثارة اهتمام الآخرين، تثبط عادة مثل هذه الأحكام الاجتماعية معظم الأطفال. إذ سرعان ما يدركون أن عليهم التوقف عن أخذ محل هم منازعون عليه.
إنهم يتجنبون، فلماذا نفترض بعد كل هذا أنهم عندما يكبرون سيعبرون عن أنفسهم؟ إذ إن الطفل غير ناضج كفاية ليميز متى يمكنه التكلم ومتى عليه الامتناع عن قول أمر ما في ظروف معينة. لذا سيلجأ من الطفل الابتدائي أمام هذا الالتباس إلى إغلاق كل القطاعات المعقدة.
وهكذا من المحتمل جداً أن التصرف الأبوي الذي تقدم الحديث عنه سيولد عند الطفل عقدة التعبير التي ستبدو جلية عند الكبر العقدة تعني التجنب، ويعني التجنب جهلاً وقلة خبرة.
إنني كثيراً ما ألتقي ببالغين مواظبين على حضور دورات تدريبية. يمكننا أن نظن أن هؤلاء البالغين لديهم أطفال وإن كانوا قد نسوا هذا. قد يتذكرون أحياناً هذا الأمر أثناء إحدى دوراتهم في التكلم العلني. هنا قد تظهر العقدة قوية، بل قوية جداً. يدفعهم محيطهم المهني إلى القيام بأعمال كانوا يحرصون على تجنبها مثل التعبير في العلن، يأتي معظمهم إلى هذه الدورات خائفين، إن الجو الذي تخلقه الجماعة يدفعهم إلى التوقف عن إخفاء مخاوفهم طويلاً، فغالباً ما يرتبط ما يثير الخوف بصورة اجتماعية، إذا استلمت الحديث. سيسخرون مني. وإذا عبرت عن نفسي، سوف أتلعثم».
عندما يكون هناك ظروف تكون عقداً، فإن أحرف مثل لو وإذاء ستقع كالساطور، إن ظهور أحداث الطفولة المسببة للعقدة لا تكاد تدرك، تكون عادة الأسباب المدركة وراء التحاشي معتقدات لا منطقية تدوي كيفين مأساوي، إننا نصبح شديدي التشنج عندما يتملكنا الخوف متشنجين بأفكارنا وسلبيتنا.
الصدمة النفسية
نحن البالغين يجب علينا في الواقع البحث في الطفولة عن أسباب معظم مخاوفنا، ولكن هل هذا ضروري لنتخلص من مخاوفنا؟ هل يجب علينا نبش ماضينا لنتحرر من أغلال الخوف؟ سيجيب بعض المعالجين النفسيين بالإقرار، وآخرون بالنفي. قد يبدو لنا هذا الاختلاف في الآراء وهذا التناقض بين المحترفين غير مطمئن، ولكن يسمح لنا هذا الاختلاف - على الأقل - بالاختيار.
إن خبرتي بوصفي معالجاً نفسياً تجعلني أظن أن هذا البحث التاريخي ليس بالأمر الضروري، وأنه بالإمكان الشفاء والتخلص من الخوف الشديد دون تحديد السبب أو الأسباب من ورائه.
وهكذا يتضح لنا لماذا تؤدي الصدمة النفسية إلى تكون العقد. وهو الخوف من تصور جديد للسبب المزعج. إذا رغب أحد والدينا إنشاء مؤسسته عندما كان صغيراً، وقد أسفرت مبادرته إلى خوض تجربة طويلة من البؤس الاجتماعي، فمن الطبيعي أن يتملكنا الخوف من أن تقدم بأنفسنا على مشروع جديد، والأمر نفسه ينطبق على فتاة صغيرة كانت تتلقى صفعات على خدها في كل مرة كانت تحاول فيها العبث بأحمر الشفاه وملابس أمها، إن هذا قد يفسر ما ستعانيه مستقبلاً من صعوبات في تقبل أنوثتها واستخدام جاذبيتها.
ولكن هذا لا يعني أن كل مخاوفنا - بوصفنا بالغين - تعود دائماً إلى صدمة نفسية واضحة وجلية. إذ عادة ما تغزونا مخاوفنا على نحو خبيث لا نستطيع تبينه.
العقدة المتسامحة
قد يبدو غريباً أن تولد فينا بيئتنا التعليمية عقداً لا تبدو أنها مؤذية على الإطلاق. في الواقع، لكي نفهم جيداً كيف يمكن للمرء أن يخلق عقدة عند صغيره بمحبته له، ما علينا إلا أن نتبين العقد التي يعانيها الآباء أصلاً، إذ إن معظم العقد التي تعاني منها أساساً هي مضاعفة القيم، بل بتعبير أدق للمواقف المعارضة للقيم. أليس من الطبيعي أن تنقل إلى أولادنا الذين نحبهم قيمنا التي تعتقدها؟ هدية مسمومة؟ أحياناً، نعم.
- القيم
يعد التواضع للكثير من الأوروبيين الذين عاشوا ثقافة يهودية نصرانية من القيم، ولكن ما الذي تخفيه غالباً قيمة من القيم عندما تكون صارمة وحدية الوجه الآخر للقيمة، وهو ما نسميه مضاد القيمة. وهكذا غالباً ما تذم الثقة بالنفس باسم الوقار والتواضع. إذ كثيراً ما تلعم الثقة بالنفس بمفاهيم مشوهة ترمز إلى مضادات القيم. يغازل التكبر والكبرياء والتبجح الثقة بالنفس الصحية والمحقة دون تمييز. ولكن عندما تكون إحدى القيم متأثرة بعقدة تشطر بوضوح بين الخير والشر، حينها تعكف بحزم على المضي لتبين الجهة الأخرى من السور.
وسيشار إلى أولئك الذين يتجرؤون على القيام بهذه الخطوات بأصابع الاتهام؛ لأن مضادات القيم المكتسبة تولد عدم تقبل لأولئك الذين ينتهكون المحرمات.
عند الحديث عن القيم، لابد من التطرق إلى الأخلاق أيضاً، فكثير من قيمنا قد تكونت على نحو مزدوج وأخلاقي، إن هذه النزعة على شدة بساطتها يصعب الإحاطة بها في السنوات الأولى من الحياة، لأن الطفل لا يمتلك إلا مخيه الأولين ليتبنى المخ اللمبي البارع في مواجهة ما هو بسيط ومعروف، ومن ثم لابد لمعالجة الحقائق المعقدة وغير المعروفة من مخ ثالث، إلا أن قشرة الدماغ ليست فاعلة في بداية الحياة. لذا نبني عالمنا بالأبيض والأسود ونحن نجهل بقية الألوان إنها صورة، ولكن لنتذكر أننا مع صغر سننا لا مفر لنا من ثنائية الخير والشر، لابد من التقدم في العمر للتمعن في هذه المعتقدات الساذجة ونقدها، وليسمح ذكاء قشرة الدماغ بتقبل تدريجي للفوارق البسيطة ورقائق الحياة.
- عقولنا والخوف... الطبقة الثالثة
يكون الجهازان الابتدائي واللمبي في الدماغ فاعلين تماماً قبل الولادة بقليل، في حين لا تكون قشرة الدماغ فاعلة بعد عند الرضيع الذي سيتعلم تدريجياً استخدام هذا الجزء من دماغه إلى أن يصبح ناضجاً نفسياً، إلا أن نضج هذا الجزء من الدماغ بطيء، ولا يكتمل إلا في سن العشرين لذا فنحن نبدأ منذ نعومة أظفارنا باستيعاب عالم معقد بجهازين غير مستعدين لمواجهة هذا التعقيد.
تعد قشرة الدماغ مخاً حديث التكيف، وهذا يعني أن ردود فعله ليست ثمرة تداع فهو مبرمج . بأسلوب متشنج، ومن النمط منبه / رد.
إن استجابة قشرة الدماغ ليست قديمة ومتكيفة، بل جديدة ومفصلة. ومن هنا نفهم سبب توقف بعض الباحثين عن تسمية هذا الجزء بالمخ الذكي في الواقع، إنه المخ الوحيد القادر على التكيف مع الواقع عدما يكون معقداً ومستجداً.
ومع هذا لا يمكننا تأكيد أن المخ اللمبي غير ذكي، إنه يرسل غريزياً أوامر فكرية وسلوكية متناسبة مع الظروف المعروفة والبسيطة.
إنه لمن الذكاء القدرة على تخزين وتذكر ما يجدي وما لا يجدي فعله في ظرف معين، واتخاذ القرار المناسب لكن لابد أن تكون الظروف المبرمجة ( القديمة ) هي نفسها تماماً في اللحظة التي يجب فيها اتخاذ القرار المناسب بعد عدة سنوات، وحتى بعد عشرات السنين.
ولا يمكننا القول أيضاً إن المخ الابتدائي لا يسهم في ذكاء الإنسان إذ تجعلنا ردود الفعل الغريزية نكسب وقتاً هائلاً، فالوقت الذي نتخذ فيه القرار الإبعاد يدنا عن مصدر حراري وقت قصير جداً، الحمد لله قلو أننا في كل مرة نتعرض فيها للخطر نأخذ وقتنا في التفكير لاتخاذ الموقف المناسب والسلامة من الخطر، لكان عمرنا قصيراً جداً.
تتركنا نظرية المخ الثلاثي المنفرد الماكين ندرك أن أدمغتنا الثلاثة يكمل بعضها بعضاً. لكنها - بكل أسف - لا تتعاون دائما معاً.
يبدو أنه لابد من الأخذ في الحسبان أن الأوقات اللازمة للربط بين الخلايا العصبية في قشرة الدماغ بطيئة إلى حد ما، وهي أبطأ عشر مرات من خلايا الجهاز الابتدائي؛ لذلك من الحكمة أن يأخذ المرء وقته، ولا يستعجل، إذا كان يريد استخدام هذا الجزء الإبداعي من المخ، ألا وهو قشرة الدماغ.
عندما يمتلكنا الخوف، نستخدم طريقتين عصبيتين قديمتين جداً، إن مملكة الخوف ثنائية الرأس الرأس الابتدائي لأحداث الحياة المزعجة. والرأس اللمبي لفرض الخيار غير المناسب لأنه شديد السذاجة.
يمثل استيعاب كيفية تسهيل الوصول إلى طريقة قشرة الدماغ أحد المفاتيح الأساسية للتحرر من المخاوف التي تعكر علينا صفو حياتنا. وسنعود للبحث في هذا فيما بعد.
لنتحدث الآن عن الطريقة اللمبية لنستوعب بأسلوب أفضل طريقة العمل: لأنه هو الذي بسبب برمجته غير المناسبة يولد مخاوفنا غير المنطقية عندما نصبح بالغين، فلنستكشف المزيد عنه، هذه بعض التوضيحات لتستوعب جيداً أي نوع من التكيف قد وقعنا في مصيدته. دون علم منا في أغلب الأحيان. إن مفهوم التعقيد المتسامح قد يكون غامضاً بعض الشيء. فلنستوضح الأمر!
عقد النقص
إن العقدة المتسامحة ثمرة تكيف أخلاقي مزدوج، فهناك جانب جيد وآخر سيئ الخير والشر.
ففي التحريم البسيط عندما تذهب القطة ترقص الفئران. بعبارة أخرى، عندما تمنع الطفل من تناول الحلوى، فقد يأكلها في الخفاء، في المقابل، إذا خططنا لترسيخ فكرة مجردة تؤكد أن النهم خطيئة، فإن الطفل سيصبح مع الوقت مسؤولاً عن هذا التحريم. تترسخ الحدود الاجتماعية في إرث الطفل الثقافي بدرجة عالية من التشنج، وسينتج من هذا شيء من المتعة، وقد يمتزج بعلاقته مع الطعام شعور بالذنب.
هذه الطريقة في التكيف ليست تماماً نسيج الصدمة النفسية. حتى ولو بحثت في ماضي الطفل، سيكون من الصعب، بل من المستحيل إيجاد حادثة مؤلمة. فكل شيء يحصل في أثناء الطفولة بلطف ونعومة. وفي وسط محبب من التوجيه العائلي.
هذا التكيف المعقد ( واللطيف) يسميه الدكتور فرادن عقدة نقص ( أو تكيف ضعيف الأداء). إن عقد النقص هي عقد باكرة ببعد إدراكي ( مقاومة للتفكير الحرفي المجال المثبط) وبعد سلوكي ( مقاومة للتصرف ضمن المجال المتبط).
إننا قد نعاني عقدة نقص في كل مجال أياً كان، وهذا يتعلق بما زرعته فينا البيئة الثقافية في أثناء الطفولة. يستقطب الطفل معظم نقاط ضعفه من والديه لنورد على سبيل المثال: شخصاً يعاني عقدة نقص فيما يتعلق بالكسل وإني أضرب هنا مثلاً تقليدياً مستوحى من الخطايا السبع الرئيسة بغية استيعاب واسع).
عندما يكون لدينا عقدة نقص تتعلق بالكسل، نرى الكسل أمراً سلبياً، ولا نتسامح مع الكسالى، وفي هذه الحال، تكون أحكامنا جد ساذجة، وتنقصها العناية بالفوارق البسيطة، وهكذا فقد ينظر إلى الراحة بشيء من الريبة، ويكون الأشخاص الذين يتخذون موقفاً سلبياً من الكسل كثيري النشاط ومجهدين، إنهم من شدة تمجيدهم للعمل والجهد (القيم) يهربون من أضدادهما أضداد القيم). وهكذا نجدهم يطلبون من أنفسهم أكثر من قدراتهم، لذا نراهم مرهقين.
عندما يكون هناك عقد نقص، فإننا من كثرة تجنبنا لها، يزداد جهلنا بالأمر. فتدعم قلة المعرفة بشدة هذه الأحكام السابقة والساذجة. وهكذا يعد التسكع على الشاطئ نوعاً من الإضاعة للوقت ونمطاً من أنماط الآثام المدانة، وهناك دائماً بعض الأقوال الشعبية التي تحاول تسويغ رفض الشخص الرافض للكسل مثل: «الكسل أم الخطايا ...... وإلى أولئك الذين يعتقدون أن المستقبل للذين يستيقظون باكراً أتركهم يتأملون قولاً شعبياً آخر، وهو معبر جداً الكسل الحقيقي هو أن تستيقظ في الساعة السادسة صباحاً ليكون لديك مزيد من الوقت كي لا تقوم بأي عمل.
وفي حال شخص يعاني عقدة نقص كهذه، من الأفضل له عدم التفكير أو التكلم في الأمر، وترك صمت التحريم يطمره. لذا فلنتجنب التحدث عنه في أثناء نقاش ما، لا يتردد هؤلاء الأشخاص في التشكك في حسن نية الآخرين.
يلجأ الفرد عند احتمال كونه معنياً مباشرة، بل معرضاً للقيام بما هو محرم، إلى أعذار لتجنبه تداعيات ما فعله، وهكذا، إذا اقترحنا على صديقنا، عدو الكسل، أن يأخذ قيلولة عندما يعم الهدوء، سيتعذر في الأغلب بأي حجة ملحة حتى لا يرتكب ما يبدو له، من قريب أو بعيد . نقصاً في وجهة نظره.
المفارقة في عقدة الضعف أن الشخص يظن في الأغلب، بل هو متيقن أنه لا يعاني أي عقدة فيما يتعلق بهذا الموضوع بل على العكس، إنه يعده حرية يفتخر بها. لكن الحرية هي القدرة على فعل الشيء أو عدم القيام به، إلا أن الذي يعاني عقدة نقص لا يستطيع إلا أن يقوم به.
