ملخص: يناقش الكتاب العالم والغرب: التحدي الأوروبي والاستجابة فيما وراء البحار في عصور الإمبراطوريات التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال عصور الإمبراطوريات، مركزًا على تأثير التوسع الأوروبي وما صاحبه من تحديات ثقافية واقتصادية وسياسية على الشعوب المستعمَرة. يستعرض الكتاب الطرق التي استجابت بها المجتمعات غير الأوروبية لهذه الهيمنة، من مقاومة واستيعاب، إلى تبني بعض مظاهر الحداثة الأوروبية. كما يوضح الكتاب كيف أعاد هذا التفاعل تشكيل هويات الشعوب والثقافات في العالمين الغربي وغير الغربي، مسلطًا الضوء على تأثير الإمبراطوريات في صياغة النظام العالمي الحديث. يعتمد المؤلف على أمثلة تاريخية وتحليل عميق لفهم هذه الديناميكيات المعقدة بين أوروبا والعالم.
القسم الأول
الغزو
غالباً ما تكون كلمة الاستعمار تسمية عامة تستخدم للإشارة إلى أي شكل من أشكال السيطرة التي يمارسها مجتمع على آخر. ويشير المعنى الأصلي الإغريقي الكلمة مستعمرة إلى حصول حركة هجرة نحو الخارج من المدينة الأم أو العاصمة يهدف الاستقرار في مكان جديد، ويستخدم حالياً نموذجا الولايات المتحدة وكندا لفهم الاستعمار الجديد بمعناه الأول. فقد شهد هذان البلدان تبدلاً ثقافياً نتج أساساً عن حركة هجرة خفية للأوروبيين الذين نقلوا ثقافتهم معهم، ودفع الأميركيون الأصليون جانباً إلى أن أصبحوا أقلية صغيرة وامتصت الثقافة الجديدة بعضاً منهم، فيما تمكن البعض الآخر من الحفاظ على ثقافته.
وثمة صيغة مغايرة لما يسمى الاستعمار، وهي من الناحية الديموغرافية عكس الاستعمار الحقيقي وللإشارة إليها بمزيد من الدقة. استخدم مصطلح الإمبراطورية الإقليمية territorial empire والتي يفتح بموجبها الأوربيون بلداً في ماوراء البحار لكنهم لا يرسلون إلا عدداً ضئيلاً من المستوطنين بالإضافة للموظفين الإداريين والعسكريين للسيطرة عليه، ومن الأمثلة على ذلك تذكر الحكم البريطاني في الهند ونيجريا.
وتحدث أحياناً حالة ثالثة مختلطة تقع في منتصف الطريق بين الإمبراطورية الإقليمية، والاستعمار الحقيقي، في هذه الحالة، يشكل المستوطنون الأوروبيون أقلية معتبرة تعيش جنباً إلى جنب مع مجموعات ثقافية أخرى من السكان الأصليين. ويُطلق على المشيج غالباً تسمية المجتمع المتعدد الأعراق، ويمكننا أن نخط حداً فاصلاً بين المجتمعات المتعددة الأعراق والامبراطوريات الحقيقية عندما يزيد عدد المستوطنات على نسبة 5 بالمئة من إجمالي عدد السكان. ومن الأمثلة اللافتة على المجتمعات المتعددة الأعراق التي ظهرت في القرن المنقضي تذكر جنوبي إفريقية والجزائر، وإسرائيل، وبعض الدول الأمريكية اللاتينية كالبيرو وغواتيمالا، والعديد من نواحي الاتحاد السوفييتي السابق.
تصور الفصول الثلاثة الأولى من القسم الأول هذا الوضع، فالفصل الأول يتعلق بالنمط المنبثق عن السيطرة الأوروبية في العالم. أما الثاني فيبحث في جذور هذه السيطرة في التطور والتاريخ الأوربيين، أما الفصل الثالث فيعالج السياسات التي اعتمدتها أوربا في بناء الامبراطوريات في دول ما وراء البحار.
الإمبراطورية
ما اكتفى التاريخ التقليدي لبناء الإمبراطورية الأوروبية بتجميع خبرات متباينة تحت عنوان الاستعمار، بل غالباً ما كان يتقبل عن طيب خاطر، وعوضاً عن الواقع. روايات خيالية مناسبة ابتدعتها أقلام خبراء في القانون الدولي ومؤرخين وفعاليات حكومية غيبهم الموت منذ فترة طويلة، حقق المؤرخون في العقود الأخيرة، تقدماً هائلاً في تصحيح هذا التطرف الأوروبي ولكن الوضع ما يزال يتطلب عملاً كثيراً .
من النزعات التي اتصف بها التاريخ الرسمي في الماضي والتي لم يتم تصحيحها تصحيحاً شاملاً حتى الآن، نزعة تحليل النمط الواضح للسيطرة الأوروبية في الماضي القريب تحليلاً عسكرياً، مع الافتراض بأن الوضع كان مماثلاً قبل ذلك، فقد تقتفي أصول الإمبراطورية الإقليمية والاستعمار الحقيقي الواسع النطاق إلى هذه حقب سحيقة في الزمان: ثم يقال إنها لم تشهد ازدهاراً إلا في الفترة التي ابتدأت حوالي سنة ۱۸٠٠، أو ربما بعد ذلك.
في القرون السابقة، تمحورت أهم أنماط الاتصال الثقافي حول التجارة وتحقق هذا الاتصال من خلال الجاليات التجارية أو مستوطنات التجار التي امتدت على طول الطرق التجارية تسهيلاً لأعمالهم، قدم هؤلاء المستوطنون التجار بأعداد قليلة ولكنهم كانوا يضطلعون، غالباً، بدور بالغ الأهمية في عملية التبادل الثقافي، وبذلك عملوا عمل سماسرة متخصصين في التثاقف بما أنهم يسهلون التجارة بين موطنهم الأم ومعاقله التجارية. وفي هذا الصدد، يمكن الاستشهاد بأمثلة مقتبسة من المجتمعات الحضرية القديمة في بلاد ما بين النهرين والأميركتين ما قبل كولومبوس
كان العديد من الجاليات التجارية القديمة مسالماً نسبياً، ترزح تحت المعاناة المسلطة عليها بموافقة حكام البلاد التي استوطنوا فيها، وغالباً برضاهم، لكن بالعودة إلى منطقة البحر المتوسط في العصور الوسطى، نجد أن الجاليات التجارية الأوروبية اتخذت أحياناً شكلاً عدوانياً . فلم يكتف أهالي جنوى والبندقية بالاستيطان في مدن يقيمون معها علاقات تجارية، بل سيطروا على هذه المدن ذاتها، واتخذوا منها قواعد للمنافسة مع المدن الأخرى في مجالات الحرب والتجارة. لكنها لم تكن تسعى إلا في حالات نادرة لتوسيع إطار سيطرتها فيما وراء هذه المواقع القوية، ولهذا السبب أطلق على الجاليات التجارية التي دعمت نفسها بالأسلحة في أغلب الأحيان تسمية الامبراطوريات وذلك في الحقية الواقعة بين ١٤٢٥ و ١٥٣٥، وعندما عادت المراكب الباقية من أسطول ماجلان إلى إسبانيا، كان الملاحون الأوربيون قد أحدثوا ثورة في قدرة البشر على السفر بحراً ذهاباً وإياباً. واعتمد هذا الإنجاز على مجموعة من المراكب والتقنيات الملاحية المتقدمة تدعمها معلومات جغرافية متزايدة تشتمل، فيما تشتمل عليه، على نظام تحركات الرياح. قبل هذه الفترة في تاريخ العالم، كانت الملاحة المنتظمة والاعتيادية مقتصرة على الرحلات الساحلية وبعض الرحلات داخل بحار داخلية من قبيل البحر المتوسط علماً بأن إفريقية وشمالاً عبر بحر الصين الجنوبي باتجاه اليابان، ولكن بعد العشرينيات من القرن السادس عشر، أصبح بإمكان الملاحين الأوروبيين الإبحار إلى أي ساحل في العالم، على الرغم مما كانوا يتكبدونه من نفقات وما يتعرضون له من مخاطر في بادئ الأمر.
وقرت في الثورة البحرية للأوربيين الميزة العسكرية المهمة الأولى، وقد كانوا يفتقرون حتى تلك الفترة الميزة تقنية ما في منطقة البحر المتوسط حيث كان الأتراك العثمانيون، في مطلع القرن السادس عشر، يتعاملون معهم في تعامل الند للند على أقل تقدير. أما فيما وراء البحار، فقد كان الوضع مختلفاً، لقد أتاحت التكنولوجيا البحرية، في أغلب الأحيان، الفرصة للأوربيين للتحكم بزمام الأمور المحلية في البحار النائية التي كان أهلها يجهلون تمام الجهل سلاح المدفعية الفعالة المركزة على متن المراكب. وقد اتسمت القوة البحرية بالفعالية الاستراتيجية، وهو ما من شأنه أن يسمح بتركيز القوة المتوافرة على هدف واحد.
إن قدرة القوة البحرية على الحركة السريعة خولت الأوربيين بناء امبراطوريات من حول المراكز التجارية في حقبة من الزمن كانوا لا يزالون خلالها دون مستوى غيرهم من حيث المهارة العسكرية البرية. وفي مطلع القرن السادس عشر، عندما بدأ البرتغاليون بإطلاق حملاتهم البحرية شرق رأس الرجاء الصالح، كانوا ينتقون غالباً لقواعدهم جزراً من مثل غوا Goa في الهند الغربية، بالإضافة إلى مراكز ثانوية في الموزامبيق في شرق إفريقية، وميلاكا Milaka في الملايو، وماكاو Macau في جنوب الصين. وفي مطلع القرن السابع عشر، أقام الهولنديون شبكة مماثلة تركزت في باتافيا Batavia (جاكارتا الحالية، وانطلقت منها مراكز اتصال باتجاه الغرب نحو سيلان والساحل الشرقي من الهند، وشمالاً باتجاه جزيرة في خليج ناغازاكي في اليابان، وسرعان ما برز الإنكليز إلى الواجهة من بومبي ومدراس وكالكوتا في الهند، وتبعتهم فرنسا ودول أوروبية بحرية أخرى حين أقامت محطاتها التجارية التنافسية الخاصة بها. لم تشكل هذه المقاطعات التجارية أي تهديد للقوى الآسيوية الكبرى، ولكنها كانت الإسفين الذي سمح للإمبراطوريات الإقليمية بالانتشار والتوسع خلال القرون التالية.
وما لبثت المحطات التجارية للإمبراطورية البرية أن رأت النور، ففي أوائل القرن السابع عشر، توسع تجار الفرو الفرنسيون باتجاه غرب نهر سان لورانس السفلي عن طريق البحيرات الكبرى. أما تجار الفرو الإنكليز فوصلوا إلى الجنوب عن طريق خليج هدسون، ولم يهتم أي من الفريقين بالسيطرة على أراض جديدة أو التحكم بشعوب أمريكا الأصليين. وقد اقتصرت مطامعهم على تأمين قاعدة أمنية لتجارتهم وحمايتها من التجار الأوروبيين المنافسين لهم، في آسيا، وخلال الحقبة الزمنية ذاتها، أخذ تجار الفرو القادمون من موسكو Muscovy يوسعون نطاق امبراطوريتهم من المحطات التجارية باتجاه الشرق، مخترقين سيبيريا نحو المحيط الهادئ، ومع مرور الزمن، تمكنت هذه الامبراطوريات المتكونة من المحطات التجارية البرية من تكوين الخلفية التي أقيمت عليها امبراطوريات برية واستعمار فعلي في كل من أمريكا الشمالية وسيبيريا.
إمبراطورية في الأميركتين:
يعود ظهور الامبراطوريات الإقليمية الأوروبية، في الأميركتين فقط، إلى مطلع القرن السادس عشر. وفي هذا السياق، تداخلت الميزة البحرية التي اتصف بها الأوروبيون بهشاشة خاصة بالأميركيين. كان أجداد الهنود الأميركيين قد عبروا الجسر من آسيا خلال العصر الجليدي الأخير، لعشرة آلاف سنة خلت، وقد تم هذا العبور قبل الثورة الزراعية، أي قبل تطور أمراض من قبيل الجدري، والتي نتجت عن اختلاط البشر وحيواناتهم الأليفة، ولم تظهر أمراض خطيرة أخرى، مثل الملاريا الخبيثة falciparum malaria في إفريقية الاستوائية إلا بعد أن فتحت الزراعة المجال أمام تطور مجتمعات بشرية كثيفة، وظهرت هذه الممرضات البشرية التالية للزراعة في وقت متأخر وحملها المهاجرون الأوائل إلى الأمريكتين، ولم تطور هذه البلاد في عزلتها أي مرض بهذا القدر من الخطورة. في هذه الأثناء، تمكنت الأمراض الصادرة من مختلف المواقع من الانتشار، على نطاق واسع للغاية، بسبب تزايد الاتصالات في المجالات الإفريقية والأوراسية، وعمت عناصر من مجموعة الأمراض الشائعة مع بعض التغيرات المحلية، معظم هذه القارات.
تنزع أي بيئة مرضية إلى بناء نمط من المناعات الموازية لدى الأطفال الذين يترعرعون في تلك البلاد. وكان ضحايا معظم هذه الأمراض، في حال تغلبهم على المرض، يحظون بدرجة من الحماية ضد أي هجمات أخرى من الأمراض. يصيب مرض الحصبة وأمراض أخرى الأطفال الصغار في السن أساساً، إذ يُصاب معظم الناس بالعدوى في طفولتهم ويتمتعون بمناعة نسبية في فترة لاحقة من حياتهم. تكون بعض الأمراض حميدة كذلك في سن الطفولة ولكنها تزداد خطورة في سن الشباب، تكون الحمى الصفراء معتدلة عند الأطفال إلى حد أنها لا تظهر أي أعراض سريرية، ومع ذلك تكتسب الضحايا مناعة طوال حياتها في حين أن الحمى الصفراء تتسبب غالباً بموت أكثر من نصف المصابين من البالغين.
في مطلع القرن السادس عشر، أوقعت الأمراض القادمة من البلاد الإفريقية والأوراسية ضحايا عديدة بين الشعوب الأمريكية التي تفتقر إلى المناعة، الجدري وحده كان كفيلا بالقضاء غالبا على ربع عدد السكان، مخلفاً وراءه ناجين عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم دفاعاً عسكرياً مناسباً. ونتيجة لذلك، عجزت الامبراطوريات الأمريكية الكبرى من قبيل امبراطوريتي الأزتيك والإنكا، عن مقاومة الهجوم الإسباني، وأقام البرتغاليون بسرعة قواعد متناثرة هنا وهناك على طول الساحل البرازيلي، واستمر تأثير الأمراض عدة عقود. وحتى عقب الأزمة الأولى توالت ضربات الأمراض غير المألوفة الواحدة تلو الأخرى كانت بعض هذه الأمراض الجديدة، مثل الجدري شائعة في كل من إفريقية وأوروبا على السواء. ولكن الأمراض الاستوائية المسببة للعدد الأكبر من الضحايا، مثل الحمى الصفراء والمالاريا الخبيثة، ظلت شبه مجهولة في أوروبا على الرغم من أن الأوروبيين هم من أدخلوها، عن طريق المصادفة إلى الأميركتين عبر تجارة العبيد. انخفض أعداد الشعوب الأمريكية الهندية انخفاضاً حاداً طوال قرن ونصف القرن تقريباً بعد تعرضها للأمراض، إلى أن استقر وضعها، ثم بدأت أعدادها بالتزايد البطيء من جديد.
لا تشكل أنماط للأمراض عاملاً منضبطاً يمكن استخدامه للتفسير أو التنبؤ بما يمكن أن يحدث في التاريخ، ولكنها تقدم تفسيراً من الدرجة الأولى بما يدعو مجموعة متنوعة من أنماط الديموغرافيا الثقافية للظهور في أماكن مختلفة بعد وصول البحارة الأوروبيين، يتمكن الأوربييون بما أوتوا من براعة في الملاحة من بلوغ الأميركتين واستخدام عنصر المفاجأة الاستراتيجي، وفي ذلك وصلوا قبل أن يتمكن الأميركيون من بلوغ أوروبا. وتمكن الأوربيون بفضل كارثة انتشار العدوى التي أعقبت وصولهم إلى حد بعيد من نشر هيمنتهم على المجتمعات الأمريكية المتشرذمة، وبالتالي، ظهرت الامبراطوريات الإقليمية الأوربية في المناطق الاستوائية الأمريكية على أنقاض امبراطوريات الأزتيك والإنكا وسط المكسيك والبيرو على التوالي.
شكلت أنماط الأمراض خطراً أكبر على الأراضي الاستوائية الأمريكية المنخفضة، حيث التحقت المالاريا المنخفضة والحمى الصفراء الصادرة من إفريقية بالجدري ومجموعة من أمرض الأطفال الآتية من أوروبا. وبحلول القرن السابع عشر، تم القضاء على المجتمعات الأمريكية الأصلية في جزر الكاريبي وسواحل الأراضي المنخفضة في جنوبي أمريكا الاستوائية بشكل كلي تقريبا، صحيح أنهم قدموا مساهمة وراثية إلى شعوب الكاريبي المستقبلية، ولكنهم انقرضوا في معظمهم بانخراطهم في مجتمعات ثقافية متباينة، وحدها المجتمعات المنعزلة في حوض الأمازون تمكنت من البقاء حتى القرن العشرين.
وفي هذه البيئة الجديدة للأمراض التي اجتاحت الأراضي المنخفضة من أمريكا افتقر القادمون من أوروبا أيضاً إلى الحماية اللازمة من الأمراض الاستوائية الإفريقية، فيما كان القادمون من إفريقية الأوراسية، وبفضل مناعتهم الفائقة، باتوا الأصلح في إعادة تأهيل المناطق الاستوائية من أمريكا. عرض الرقيق للبيع على ساحل غرب إفريقية، وشرع تجار العبيد عبر الأطلسي ينقلونهم إلى المناطق الاستوائية الأمريكية.
يطلق على هذا النمط الناتج أحياناً تسمية مركب المستعمرات استخدم الأوروبيون قوتهم البحرية لبسط سيطرتهم السياسية، ثم استغلوا فيما بعد مهاراتهم البحرية عينها لنقل الأفارقة المستعبدين وتحويلهم إلى مستعمرين يحلون محل الهنود النافقين. ولو كانت البيئة محملة بأمراض حميدة لكانوا حملوا إليها مستوطنين أوربيين بغية إقامة مستعمرة فعلية، ولكنهم نقلوا إلى الأراضي المنخفضة الاستوائية أفارقة عوضاً عن الأوروبيين، وفي أواخر القرن الثامن عشر، بلغ هذا النمط أوجاً معيناً في جامايكا وأمريكا اللاتينية (هيسبانيولا)، ولكنه اتخذ شكلاً مهماً من أشكال التطور الأميركي، امتد من الولايات المتحدة الأمريكية الجنوبية إلى جنوب البرازيل الوسطى.
النزوح وأنواع التحول الديموغرافي:
تختص الهجرة الجماعية للأوربيين بعصر الصناعة الذي ابتدأ في مطلع القرن التاسع عشر على الرغم من أن عدد الأفارقة الذين عبروا المحيط الأطلسي فاق عدد الأوربيين في أثناء العقود التي سبقت الأربعينيات من القرن التاسع عشر، ومع أن الحكومات الأوروبية الأولى مالت بتفكيرها إلى أن امبراطوريات من المحطات التجارية كانت أفضل ما تتوقع إنجازه في بلاد ما وراء البحار، فإن المستعمرات الصغيرة الفعلية تعد ناتجاً ثانوياً عرضياً . كانت جزر الأزور الواقعة في وسط الأطلسي على خطوط العرض نفسها مثل البرتغال ذاتها، وهي وقتها عبارة عن سلسلة غير مأهولة من الجزر اكتشفت عن طريق المصادفة، وخلال القرن التالي عقب سنة ١٤٧٠، شرع سكان البرتغال الأصليون بالتوجه نحوها لإعمارها. فأصبحت تلك الجزر بحلول منتصف القرن التالي جزءاً من البرتغال، وصاروا ينتجون النبيذ والقمح والماشية ذاتها التي تنتجها شبه جزيرة البرتغال، لكنها تحولت في آخر المطاف أيضاً إلى مستعمرات حقيقية لإسبانيا والبرتغال.
كانت البرازيل في بداياتها ملحقة بإمبراطوريات المحطات التجارية البرتغالية في المحيط الهندي، وكان لا بد من أن تمر على مقربة منها المراكب المبحرة باتجاه الهند. وعلى الرغم من أنها لم تكن ترسو، في أغلب الأحيان في مرافئ البرازيل إلا أنه كان من الممكن أن تشكل هذه الأخيرة تهديداً محتملاً للمتجهين بأمان واطمئنان نحو الهند في حال وقوعها في أيد غير صديقة، وبحلول الأربعينيات من القرن السادس عشر، عندما نشط الفرنيسون وغيرهم في مجال تجارة الخشب الصبغي على ساحل البرازيل اتخذ ملك البرتغال قرار زرع مستعمرة في ذلك الموقع كي تكون بالدرجة الأولى نواة تؤمن الدعم الذاتي لكتيبة هدفها حماية موقع استراتيجي مهم.
ظهرت نوايا البرتغاليين من خلال الحملة الأولى التي انطلقت في سنة ١٥٤٩ واشتملت على ۲۲٠ شخصاً يعملون لحساب ملك البرتغال، و ٤٠٠ من المجرمين المدانين الذين يعملون بالسخرة، وحوالي ۲۰۰ شخص من الرهبان والرجال الأحرار المستخدمين لأغراض استعمارية أو تبشيرية. ظل المستعمرون الأوروبيون يحظون بالأغلبية حتى حوالي ۱۵۷۰ ، ولكن الميزان اختل مع تدفق العبيد الأفارقة والهنود الأميركيين، فبات الشمال الشرقي من البرازيل مستعمرة زراعية يديرها الأوروبيون ويشكل الأفارقة والهنود الأمريكيون طبقتها العاملة. ولم يتم التوصل إلى مقدار مهم من الاستعمار الحقيقي من جديد سوى في مطلع القرن التاسع عشر، وتركز هذه المرة بشكل أساسي في وسط البرازيل وجنوبها .
اتبع الفرنسيون والهولنديون في مطلع القرن السابع عشر استراتيجية مماثلة فيما يتصل بالمستوطنات التجارية، وحذت بعض المحطات في الكاريبي حذو المثال البرازيلي وتحولت مع مرور الزمن إلى مستعمرات زراعية يكون الأفارقة أغلبية سكانها، إلا أن غيرها اتخذ منحى آخر وأصبحت مستعمرات فعلية بفضل النمو السكاني لا بسبب الهجرة المستمرة من أوروبا - يذكر من الأمثلة على ذلك المستوطنة الهولندية عند رأس الرجاء الصالح والمستوطنة الفرنسية حول مصب سان لورانس أقيمت هاتان المستوطنتان في منتصف القرن السابع عشر من أجل حماية التجارة وعززتا بعدد كاف من المزارعين الأوروبيين لإنتاج مؤونة غذائية محلية، وتأمين القدرة على الحماية والدفاع.
أقيمت فرنسا الجديدة على طول نهر سان لورانس لتسهيل تجارة الفراء، ولم يستلزم ذلك سوى بضعة آلاف من المستوطنين، وهو العدد الكلي الذي كان بوسع فرنسا إرساله. وطوال الفترة التي تراوحت بين تأسيسها ووقوعها بأيدي الإنكليز سنة ١٧٦٣ ، لم يقدم من فرنسا أكثر من 10 آلاف مهاجر، وتعتقد بعض المصادر أن عدد القادمين من فرنسا قد يكون في حدود الأربعة آلاف إلا أن التزايد الطبيعي الصافي لما يقل عن ١٠ آلاف مستوطن، بالإضافة إلى أعداد إضافية قليلة قدمت فيما بعد من أوروبا، أدى إلى ظهور مجتمع كندي يفوق عدده حالياً الخمسة ملايين في أمريكا الشمالية.
كان هدف المستوطنات الهولندية في رأس الرجاء الصالح مشابهاً - أي كان يقصد منها إقامة محطة الطريق التي كانت تسلكها شركة الهند الشرقية للاتجار في إندونيسيا والهند وتأمين كتيبة تحمي الخليج Table bay وظلت كيب تاون، طوال عدة عقود عقب تأسيسها، محطة عسكرية أو أكثر بقليل من ذلك، ولكن الشركة قررت في سنة ۱٦٧٩ ، زيادة عدد المستوطنين كي ترفع المحطة دعمها الذاتي إلى حد ما . لم يكن المستوطنون يتقاضون أجوراً من الشركة، ولكن كان بالإمكان استدعاؤهم للخدمة العسكرية في هذه الأثناء، كانوا يندفعون لإنتاج الغذاء للكتيبة وبيعها للمراكب المارة، ومولت الشركة لفترة من الزمن هجرة البروتستانت الألمان والهولنديين والفرنسيين فأرسلت بالإجمال حوالي ۱۹۳۰ شخصاً، ولكنها أوقفت إمدادها المالي للهجرة في سنة ۱۷۰۷ ، فضعفت الهجرة تدريجيا ثم توقفت تماما. وكون هذا النزوح الأوروبي لحوالي ألفي شخص قبل ۱۷۱۰ بشكل طبيعي مجتمعاً أبيض البشرة ناطقاً باللغة الإفريقانية في جنوب إفريقية تعداده في مطلع القرن العشرين حوالي الثلاثة ملايين ونصف المليون.
ولكن رأس الرجاء الصالح لم يشهد ظهور مستعمرة فعلية على شاكلة كيبيك، نجا شعب خويسان Khoisan المحلي واختلط بالمستوطنين الأوروبيين والعبيد القادمين من مختلف سواحل المحيط الهندي وانبثق عن ذلك مجتمع رأس الرجاء الصالح الهجين الحالي الذي يعد اليوم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة. وهكذا باتت مقاطعة الرأس مجتمعاً متعدد الأعراق ولكنه امتص العديد من الثقافات المختلفة، لم تكتف النواة الصغيرة من المستوطنين الأوروبيين بالتوسع عن طريق النمو السكاني وحسب بل أصبحت ثقافتهم عنصراً له شأن كبير في ثقافة الأغلبية الهجينة في الرأس. فعلى سبيل المثال، تتكلم الأغلبية العظمى من مواطني الرأس الهجناء اللغة الإفريقانية بوصفها لغتهم الأم.
تبدي المستوطنات الأوروبية في الرأس والكيبيك تمايزين مهمين عن امبراطوريات المحطات التجارية الأخرى، وفي المثالين، لم تشتمل قوة المستوطنين العسكرية على الرجال فقط بل انخرطت النساء في صفوفهم وسرعان ما حققوا نسبة توازن طبيعية بين الجنسين أدت إلى التزايد الطبيعي في المجتمع الأوروبي. ونادراً ما بلغت المجتمعات الأوروبية في المناطق الاستوائية الرطبة زيادة طبيعية صافية حتى بعد مرور عدة عقود.
ويعود ذلك لنقص عدد النساء من جهة وافتقارهن إلى المناعة في مواجهة الأمراض الخاصة بالمناطق الاستوائية من جهة أخرى، ولكن بيئة الأمراض التي سادت في كل من كندا ورأس الرجاء الصالح اضطلعت بدور إيجابي بالنسبة لنمو المجتمع الأوروبي في العوالم الجديدة كما لأوروبا نفسها، وربما أكثر من ذلك. وما لبثت المجتمعات المستوطنة في كل من أمريكا وجنوب إفريقية أن حققت مستوى من التزايد الطبيعي فاق ما حققته المجتمعات الأوروبية في مواطنها.
كانت المتغيرات الديموغرافية في أمريكا الإسبانية مشابهة لما سبق وإن أكثر تعقيداً . وبحلول السبعينيات من القرن السادس عشر، تغلبت المكسيك والبيرو على الفوضى التي عمت من جراء حقبة الاحتلال، وتحولنا إلى الامبراطوريات الإقليمية الأولى في العالم الأوروبي. ولكنها أصبحت بعد مرور قرنين من الزمن شبكة معقدة من المجتمعات المتعددة الأعراق لم تحصل من أوروبا إلا على إضافة ديموغرافية صافية ضئيلة العدد.
لم تر الإمبراطورية الإسبانية في الأمريكيتين النور بمبادرة من الحكومة الإسبانية بل من المحتلين عينهم ولم يكن عددهم يزيد على بضعة آلاف، واتسم خلفاؤهم بالعدد الضئيل ذاته حيث إنهم ضموا جنوداً، وإداريين، ومبشرين، وصاروا فيما بعد مديري مناجم وأصحاب مزارع للماشية، لقد ظلت أمريكا الإسبانية، على مدى القرن السادس عشر، عبارة عن إمبراطورية إقليمية تسيطر عليها أقلية أوروبية قليلة العدد.
بعد مرور هذه الحقبة بات من الصعب تقدير عدد المهاجرين الإسبان المترحلين إلى الأميركتين، طرحت بعض المصادر عدد ١۵۰ ألف مهاجر شرعي عبروا البحار من إسبانيا باتجاه الأميركتين على مدى الفترة ما بين ١٥٠٩ و ١٧٤٠ ، واقترح آخرون عدد نصف مليون قدموا إلى هذه الأراضي حتى سنة ١٦٥٠ فحسب، لا يمكن الاعتداد بهذه الأرقام إذ إنها لم تكن تأخذ بالاعتبار، سوى في حالات نادرة، عددا كبيراً وإن لم يكن محددا من الموظفين الرسميين والتجار والجنود الذين عادوا إلى إسبانيا بعد أداء واجبهم في الأميركتين، وعلاوة على ما سبق، كان القسم الأكبر من المهاجرين من الذكور فقد بلغت نسبة الإناث بينهم أقل من ١٥ بالمئة قبل سنة ١٥٥٠، وظلت دون الـ ٣٥ بالمئة بحلول نهاية القرن ويوحى إلينا من خلال ذلك بأن الجيل الثاني من المجتمع المنحدر من أصول إسبانية كان من الميستيروس mestizos أي أنهم إسبانيون من طرف الأب فقط.
شكلت أنماط الأمراض والهجرة والتوالد الديموغرافيا التاريخية الأمريكا الإسبانية طوال فترة الاستعمار.
وبغض النظر عن عدد المهاجرين الصافي القادمين من أوروبا، فما أن تكافات نسبة الذكور والإناث بين الإسبان المولودين في أمريكا حتى ازداد عدد السكان الأوروبيين في المهجر تزايداً طبيعياً، تماماً كما جرى في رأس الرجاء الصالح أو في الكيبيك، حدث الشيء نفسه المجتمعات الميستيزو أي الإسبانيين من طرف الوالد. ومع مرور الوقت أبطأت عجلة انخفاض عدد الأميركيين الأصليين وتوقفت وبدأت مرحلة الانتعاش، ولكن التوقيت لم يكن متشابها في كل الأماكن. فقد انطلق الانتعاش بقوة لدى المجتمعات الأمريكية الهندية التي أصيبت أولاً بعدوى الأمراض الغريبة قبل أن تبلغ أزمة الأمراض مناطق أكثر انعزالاً.
يعتبر المؤرخون مسألة حجم المجتمع ما قبل الكولومبي مشكلة مشوبة بالغموض. ولم تكن البيانات الإحصائية هي وحدها غير المتوافرة، بل كان المؤرخون يبالغون في التقيم رغبة منهم بأن ينعكس التقدير الكبير الذي كانوا يولونه المجتمعات الأميركيين الأصليين غيرهم كان يشتق أرقامه من الآثار وعينات أخرى، وتعد مجموعة الاستنتاجات واسعة النطاق، فاقت التقديرات المبالغ فيها، في أغلب الأحيان، عشرة أضعاف التقديرات الأخرى، وقد كمن التناقض الأكبر في العقود الأولى التي أعقبت وصول الأوروبيين، وبعد إقامة الحكومات الإسبانية الاستعمارية، أصبح الدليل مضموناً. ويمكن اعتبار وسط المكسيك حالة في صميم الموضوع. فابتداء من عام ١٥٧٠ ضم وسط المكسيك حوالي ٥٧ ألفاً من البيض والإسبان من جهة الأب وأربعة ملايين من الهنود. ولذلك كان العنصر الأجنبي يعد أقل من نسبة 15 بالمئة من مجموع عدد السكان، ولا شك بأن التباينات الأولى كانت أكبر بكثير بعد.
بحلول ۱۷۰۰، أي بعد ۱۳۰ سنة، لم يكن عدد الهنود يزيد على ألفين وحسب انخفاض بنسبة ٥٠ بالمئة مقابل ٤٠٠ ألف من البيض والإسبان من جهة الأب زيادة بنسبة ٧٠٠ بالمئة)، ارتفع العنصر الأجنبي في تلك الفترة إلى 18 بالمئة من المجموع، وما من شك بأن جزءاً من هذه الزيادة نتج عن الهجرة الصافية من أوروبا. ولكن معظمها مصدره نمو سكاني بكل بساطة. وقد تسببت ديناميات السكان المحليين عوضاً عن الهجرة في إدخال التغييرات في هذا الجزء من أمريكا الإسبانية بحيث حولتها من إمبراطورية حقيقية إلى مجتمع متعدد الأعراق، تماماً كما تحولت الكيبك من محطة تجارية إلى مستعمرة حقيقية .
شهدت أمريكا الشمالية البريطانية نوعاً آخر من التحول الديموغرافي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، فقد ازداد عدد السكان الأوروبيين القادمين من وراء البحار زيادة كبيرة على غرار ما حصل خارج الأراضي المنخفضة، إلا أن عدد الهنود الذين نجوا من الأمراض كانوا أقل من أن يشكلوا طبقة عاملة، كما حصل في أمريكا الإسبانية ولذلك تشكلت الطبقة العاملة في معظم أجزاء المستعمرات الشمالية من الخدم الأوروبيين الملزمين بعقود رسمية وعائلاتهم، وبعض العبيد الأفارقة، وبعض المدانين، وبعض المستوطنين الأحرار.
على أن الإنكليز، وخلافاً للقوى الاستعمارية الأخرى، أسسوا عن قصد في بعض الأحيان، مستعمرات حقيقة في أمريكا الشمالية في مطلع القرن السابع عشر، شاع اعتقاد انكلترا مأهولة بأعداد مفرطة من السكان. وقد استند على هذا الاعتقاد عند استعمار إيرلندا أيضاً، صممت بعض المستوطنات، وليس كلها، من أجل نسخ مجتمع البلد الأم. صممت نيويورك جزئياً لترسيخ تجارة الفراء عبر البانيا وصولاً إلى الغرب، تماماً كما قصد من وراء إقامة الكيبك تركيز تجارة الفراء في سان لورانس. وقد كانت المنطقة المنخفضة من كارولينا الجنوبية في مطلع القرن الثامن عشر مستعمرة زراعية على شاكلة نموذج غرب الهند أكثر منها مستعمرة للاستيطان.
ومع ذلك، فخلال الفترة الاستعمارية كان عدد النازحين الأوروبيين إلى أمريكا الشمالية أكبر منه إلى أي وجهة أخرى ولذلك كان نمو السكان الذي أعقب وصولهم كبيراً جداً. فوفقاً للتخمينات الأخيرة المستندة إلى إحصائيات المهاجرين المتباينة قدر عدد الواصلين من المستعمرات البريطانية بما يتراوح بين ٣٦٠ ألفاً و ٧٢٠ ألفاً. وفقاً لأسلوب التقديرات. ومهما كان العدد الفعلي المتضمن في هذا المدى، فقد كانت نسبة نمو السكان مرتفعة إلى حد أن هذه الإضافة الصغيرة انتجت مجتمعاً أوروبياً في ما وراء البحار فاق الثلاثة ملايين بحلول سنة ١٧٩٠.
وعلى الرغم مما سبق، يظل حجم الهجرة الأوروبية ضئيلاً بالمقارنة مع التدفق الذي شهدته في أواخر القرن التاسع عشر. تشير التقديرات غير الدقيقة لحركة الأوروبيين نحو الخارج بحلول سنة ۱۷۹۰ إلى حوالي المليون ونصف المليون، وهو رقم أقل بكثير من مجموع الأفارقة البالغ عددهم ثمانية ملايين تقريباً، كما أنه ضئيل بالمقارنة مع هجرة الأوروبيين إلى الخارج خلال مدة زمنية موازية امتدت من ١٨٠٠ إلى ۱۹۹۰، وصلت الأعداد في بعض التقديرات إلى الستين مليوناً .
ظهور الإمبراطورية الإقليمية:
ينتمي ظهور الإمبراطورية الإقليمية إلى الحقبة الصناعية، على غرار حركات الهجرة الأوروبية الضخمة في بلاد ما رواء البحار، قبل عام ١٧٥٠ كانت الهيمنة الأوروبية المهمة على الامبراطوريات الإقليمية لا تزال مقتصرة على الأميركتين.
ولكن المنطقة الواقعة تحت سيطرتهم في تلك الفترة لم تكن أكثر من مجرد صورة مصغرة لما كانت تظهره الخرائط التي تتصدر الكتب المدرسية على أنها أمريكا الإسبانية والبرتغالية تبين الخرائط مطالبة أوروبا بالسيادة، في حين اقتصر نطاق سيطرة الإدارة الحكومية الفعلية ابتداء من سنة ۱۸۰۰ على الأراضي الجبلية امتداداً من وسط المكسيك إلى وسط تشيلي، ومعظم جزر الكاريبي، والقسم الأكبر من البرازيل الساحلية، ومن ناحية أخرى، اقتصرت سيطرة الأوروبيين الفعلية على المستعمرات المحاطة بالأراضي التي طالبوا بها ولكنهم لم يحاولوا حكمها، وقد تضمنت هذه المقاطعات الواقعة شمال وسط المكسيك مراكز المناجم المتناثرة على مساحات شاسعة، والمدن التجارية من قبيل سانتا Snta Fe ، وأجزاء من كاليفورنيا التي تحيط بمراكز تبشيرية، وظهر نمط الاستقرار نفسه في مواقع أخرى من أمريكا الشمالية، فقد شملت السيطرة الحقيقة مناطق المستوطنة الساحلية ابتداء من الكيبك وصولاً إلى جورجيا، ولكن ساد ما وراء جبال الأبالاش Appalachians نمط رئيس آخر تمثل في إمبراطورية المحطات التجارية البرية، وبحلول سنة ١٨٠٠. كان ربع مساحة الأميركتين بالكاد خاضعاً لسيطرة الأوروبيين.
كانت لأوروبا تخوم أخرى يمكن استخدامها لتوسيع رقعة سيطرتها نحو الشرق في شمال البحر الأسود وجنوب موسكو Muscovy، في مطلع القرن السابع عشر كانت هذه المنطقة تحت سيطرة البدو التتر الذين تخلفوا وراء أسلافهم خلال حركتهم التوسعية في مطلع القرن الثالث عشر وفيما بعد، وباتت تلك المناطق موضع مطامع وصراعات الدول الحدودية، أي موسكو Muscovy في الشمال. وبولندا وليتوانيا في الغرب، ومقاطعات آل هابسبورغ في الجنوب الغربي والإمبراطورية العثمانية في الجنوب إلا أن النزاعات السياسية والعسكرية الناشبة بين هذه الدول المستقرة كانت أكثر مرونة من الصراعات الحدودية المماثلة لها في أوروبا الغربية. لم يكن التحكم السياسي المطلق للبنى البروقراطية يتمتع بالقدر ذاته من الأمان كما في أوروبا الغربية.
فقد كان السكان أكثر تباعداً وحركة على حد سواء. ولكن السلطة انزاحت، في الفترة المترواحة بين ١٦٠٠ إلى حوالي ۱۸۰۰، بعيداً من أيدي التتر والعثمانيين واستقرت في قبضة الإمبراطورية الروسية، وقد ترافق التقدم العسكري والسياسي باستيطان واسع النطاق لما كان يعرف بأوكرانيا وجنوب روسيا، عندها ابتدأ الاستعمار الروسي الذي امتد في آخر المطاف إلى ما وراء الأورال أيضاً.
أما الوجود الروسي في سيبيريا فقد اتخذ قبل سنة ۱۸٠٠- شكل إمبراطورية للمحطات التجارية توسعت باتجاه الشرق حتى الاسكا، تمحورت بداية الاستعمار الحقيقي حول شريط ضيق من الأراضي الممتدة على طول خط سكة الحديد القديمة العابرة لسيبيريا، وفي الحقيقة، بدأ الروس بالتحرك داخل ذلك الرواق قبل سنة ١٨٠٠ بفترة زمنية قصيرة. لكن الغزو الروسي الحقيقي وقع في فترة لاحقة. وقد ترافق ذلك مع تكوين الروس الامبراطوريات الإقليمية الأولية في الجنوب وامبراطوريات المحطات التجارية البرية في الشمال بالإضافة إلى مقاطعات خاضعة الاستعمار حقيقي متناثرة في المنطقتين. لقد كانت استراتيجية التوسع الأوروبي بأسرها في هذه البلاد واقعة تحت التأثير الشديد الذي كانت تمارسه التقاليد القديمة للنزاعات بين الشعوب البدوية والحضرية.
على طول السواحل الجنوبية والشرقية من آسيا، كان النمط السائد للإمبراطورية الأوروبية لا يزال نمط المستعمرات التجارية على الرغم من بدء ظهور بعض الهيمنة الإقليمية هنا وهناك. أما في الفيلبين، فقد كانت إسبانيا قد وسعت أنماط هيمنتها المتوسعة انطلاقاً من أمريكا الإسبانية وغطت بنيتها الإدارية البيروقراطية من الناحية النظرية الجزر كافة. ولكن عناصر السيطرة القوية الكامنة فيها ظلت في أيدي المحليين، أي الإسبانيين والفيليبينيين. لم تحاول الحكومة في مانيلا أن تدير القسم الأكبر، أو معظم الأراضي الفيليبينية التي طالبت بها .
كانت أهم الامبراطوريات الإقليمية الأوروبية في آسيا تلك التي خضعت للشركة البريطانية والشركة الهولندية للهند الشرقية. لقد كانت تلك شركات تجارية
E مرخصة، الهدف الأولي منها أن تراقب امبراطوريات المحطات التجارية، وبحلول سنة ١٨٠٠ أصبحت الشركة الهولندية تمتلك سطوة هائلة على أجزاء واسعة من مجموعة الجزر الإندونيسية، ولكنها كانت تستغل هذه السيطرة بشكل رئيس للحصول على منافع تجارية عوضاً عن الاكتفاء بمنافذ الضرائب والرسوم، غير أنها ظلت أقل بكثير في الإدارة الحكومية اليومية، واقتصر حكم الشركات على الأراضي. وإن واهناً، على الثلاثة الأرباع الغربية من جزيرة جاوة، ومن نواح أخرى، أحكمت تجارة التوابل من قبيل جزء المالوكوس. وابتداء من سنة ۱۸۰۰ في الهند كانت شركة الهند الشرقية البريطانية هي السلطة المسيطرة على مقاطعات البنغال والبيهار. ولكن طبيعة هذه السلطة تشير إلى المرحلة الانتقالية بين إمبراطورية المحطات التجارية والسيطرة الإقليمية الفعلية، وحتى الأربعينيات من القرن الثامن عشر لم تضطلع القوى الأوروبية ولاسيما بريطانيا وفرنسا، إلا بدور تجاري بسيط، إذ كانت متمثلة بتجار مسلحين نقلوا عداواتهم الأوروبية إلى السياسات الهندية. أما الإمبراطورية المغولية التي حکمت شمال الهند طوال معظم القرن السادس والسابع عشر، فهي تعد ذات سلطة مركزية قوية ما خلا ما يكتنفه اسمها . استأثر الحكام الريفيون بالسلطة وإن كانوا يحكمون باسم المغول، وأتاح هذا الوضع المدن المجال للشركات الأوروبية تجنيد جنود من الهنود للتصدي لبعضهم، واستخدام قدراتهم العسكرية للمشاركة بفاعلية في نظام الدولة الهندية. بادئ ذي بدء، سعى الأوربيون للتأثير على الحكام الهنود بشكل حصري، ولكن سطوتهم هذه تزايدت تدريجياً إلى أن حولتهم إلى الحكام الفعليين، في سنة ١٧٧٢. أصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية هي المسؤولة باسم إمبراطورية المغول عن مقاطعات البنغال والبيهار في الأراضي ما وراء كالكوتا. وقد أدت دور جابي الضرائب والديوان في هذه المقاطعات ولكنها كانت تحتفظ بهذه المداخيل لنفسها عوضاً عن إرسالها إلى عاصمة المغول في دلهي جباة الضرائب الفعليون كانوا من مرخصة، الهدف الأولي منها أن تراقب امبراطوريات المحطات التجارية، وبحلول سنة ١٨٠٠ أصبحت الشركة الهولندية تمتلك سطوة هائلة على أجزاء واسعة من مجموعة الجزر الإندونيسية، ولكنها كانت تستغل هذه السيطرة بشكل رئيس للحصول على منافع تجارية عوضاً عن الاكتفاء بمنافذ الضرائب والرسوم، غير أنها ظلت أقل بكثير في الإدارة الحكومية اليومية، واقتصر حكم الشركات على الأراضي. وإن واهناً، على الثلاثة الأرباع الغربية من جزيرة جاوة، ومن نواح أخرى، أحكمت تجارة التوابل من قبيل جزء المالوكوس.
وابتداء من سنة ۱۸۰۰ في الهند كانت شركة الهند الشرقية البريطانية هي السلطة المسيطرة على مقاطعات البنغال والبيهار. ولكن طبيعة هذه السلطة تشير إلى المرحلة الانتقالية بين إمبراطورية المحطات التجارية والسيطرة الإقليمية الفعلية، وحتى الأربعينيات من القرن الثامن عشر لم تضطلع القوى الأوروبية ولاسيما بريطانيا وفرنسا، إلا بدور تجاري بسيط، إذ كانت متمثلة بتجار مسلحين نقلوا عداواتهم الأوروبية إلى السياسات الهندية. أما الإمبراطورية المغولية التي حکمت شمال الهند طوال معظم القرن السادس والسابع عشر، فهي تعد ذات سلطة مركزية قوية ما خلا ما يكتنفه اسمها . استأثر الحكام الريفيون بالسلطة وإن كانوا يحكمون باسم المغول، وأتاح هذا الوضع المدن المجال للشركات الأوروبية تجنيد جنود من الهنود للتصدي لبعضهم، واستخدام قدراتهم العسكرية للمشاركة بفاعلية في نظام الدولة الهندية.
بادئ ذي بدء، سعى الأوربيون للتأثير على الحكام الهنود بشكل حصري، ولكن سطوتهم هذه تزايدت تدريجياً إلى أن حولتهم إلى الحكام الفعليين، في سنة ١٧٧٢. أصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية هي المسؤولة باسم إمبراطورية المغول عن مقاطعات البنغال والبيهار في الأراضي ما وراء كالكوتا. وقد أدت دور جابي الضرائب والديوان في هذه المقاطعات ولكنها كانت تحتفظ بهذه المداخيل لنفسها عوضاً عن إرسالها إلى عاصمة المغول في دلهي جباة الضرائب الفعليون كانوا من الهنود، كما جرت العادة في السابق، ولكنهم أصبحوا يعملون في ظل مراقبة موظفي الشركة البريطانية، وأدت جباية ضرائب الشركة إلى اكتساب المزيد من السلطات الإدارية والقضائية، وعلى مستوى الحكومة الأقل. ولكن في وقت لاحق، أقيمت المراقبة غير المباشرة على الدول الأصلية الهندية، التي قبلت سلطة المقيم. البريطاني، وهو فعلياً سفير كان الحاكم مجبراً على قبول نصيحته واستشارته في المسائل المهمة.
واستناداً إلى هذه المعاهدات الوهمية الملائمة، واصلت سلطة الشركة البريطانية تزايدها حتى سنة ۱۸۰۵ ، وباتت أكبر قوة إقليمية نفوذاً في الهند، وبحلول الأربعينيات من القرن التاسع عشر، صارت لأوامر الشركة البريطانية قوة القانون في غالب الأحيان، حتى في داخل الدويلات الهندية التي لم تضم رسمياً إلى الهند البريطانية. ومع ذلك، كان نفوذ الشركة ومدراؤها العاملون في خدمة التاج البريطاني جزءاً لا يتجزأ من مجموعة من مؤسسات المغول التي أضفى عليها الطابع الغربي تدريجياً على مدار القرن التاسع عشر.
الواقع المتغير للقوة الإمبريالية:
تبدلت القوى الحكومية مع مرور الزمن على الرغم من أن العصر الصناعي الأول مهد الطريق أمام تكنولوجيا جديدة للحكومات انتشرت في أنحاء العالم كافة بعد إدخال بعض التغييرات المحلية عليها، في أثناء العصر الزراعي اختلفت الإدارة الحكومية إلى حد كبير باختلاف الثقافات، فكانت أوروبا الإقطاعية مختلفة تماماً عن الصين الخاضعة لحكم السونغ، فهناك العديد من الأطالس التاريخية التي تورد خريطة الإمبراطورية شارلمان بلون واحد، وتمتد على معظم المناطق الواقعة شمال غرب أوروبا انطلاقاً من عاصمة الإمبراطورية في Aachen. من الممكن أن يكون نفوذ شارلمان قد اعترف به من بعض النواحي على هذه الأراضي الواسعة النطاق ولكن مستويات التعلم والكفاءة الحكومية كانت منخفضة في تلك الفترة إلى حد أنه كان من الصعب أن يضمن نقل الأوامر بأمانة إلى الأماكن كافة، وبالتالي تنفيذها. ومن المشكوك فيه أن تكون أقلية مهمة من السكان الريفيين مدركة بأنها جزء من إمبراطورية ما مهما كان الاسم الذي تحمله.
تظهر خرائط تعود إلى فترة لاحقة بعض المتغيرات من مثل انتقال الألزاس واللورين من فرنسا إلى ألمانيا سنة ۱۸۷۱ . ولكن المعنى في هذه الحالة يكتسب المزيد من الواقعية، تحولت الضرائب إلى اتجاه جديد، كانت الأوامر تنفذ كالعادة ومارست الشرطة والسلطات القضائية نفوذاً ضمن الإطار المركزي للسلطة، كان التعليم على الرغم من أن سكان الالزاس واصلوا استخدام لغتهم الأم التي لم تكن الفرنسية أو الألمانية، ومن الصعب أن يتجاهل أي امرئ، مهما تدنى مستوى تعليمه هذا التغيير هيمنت الحكومات الأوروبية في مطلع العصر الصناعي على مجتمعات متعلمة في أغلبيتها من خلال إدارة عامة متزايدة الكفاءة كانت تسيطر على مجالات واسعة من الخدمة العامة، ولم تكن أي من حكومات ما قبل العصر الصناعي تمتلك هذه القدرة الشاملة على التأثير على مواطنيها بهذا القدر الشاسع من أوجه حياتهم.
زادت القوة الإدارية للامبراطوريات الأوروبية في ما وراء البحار أيضاً، ولكن كان لابد من وجود هوة هائلة أحياناً بين مطالباتهم بالسلطة وواقع القوة التي كانوا قادرين على ممارستها ، يعود استخدام الأوروبيين للألقاب الضخمة - على أقل تقدير - إلى مطالع القرن السادس عشر عندما طالب ملك البرتغال مانويل الأول بلقب سيد الفتوحات والبحار، والتجارة في أثيوبيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد فارس والهند». في تلك الفترة، لم تكن غير قلة من أهالي تلك الأراضي قد سمعت يوجود دولة البرتغال.
ولكن المطالبة بهذا اللقب لم تكن تحتوي على هذا القدر من الغباء كما يبدو عليه الأمر.
ففي السياق الأوروبي لتلك الفترة على توكيد احتكار البرتغال للتجارة في آسيا إخراجاً للأوروبيين الآخرين، وإنذاراً بأنه إذا ما حاول بعض الأوروبيين غزو الأراضي الآسيوية أو الإفريقية فإنهم سيواجهون القوة البرتغالية.
في فترات زمنية أخرى ، خفض الأوروبيون من واقع هذه القوة عوضاً عن تضخيمه، وفي سنة ۱۸۸۲ احتل الجيش البريطاني مصر، ولكن الوضع الدبلوماسي الأوروبي في تلك الفترة، حال دون السماح البريطانيا بضم مصر إليها أو الانسحاب. وللخروج من هذه الورطة بسطت وزارة الخارجية البريطانية سيطرتها على العمليات الرئيسة التي تقوم بها الحكومة المصرية وحكمت مصر بالفعل لعدة عقود. بدأ الحكم البريطاني سنة ۱۸۸۲ . وظلت السياسة الخارجية المصرية خاضعة لنوع من السيطرة البريطانية حتى سنة ١٩٥٢ ، ولكن مصر لم تعد جزءاً من الإمبراطورية البريطانية إلا في الفترة الواقعة بين ١٩١٤ و ١٩٢٢ ، لم تكن الشخصيات المهمة تجهل ما كان يحدث، ولكنه كان ضرباً من الخيال المؤاتي أن يطلق على الحاكم البريطاني تسمية المندوب السامي العام عوضاً عن تسمية حاكم، وأن تحكم الدول الخاضعة للوصاية من خلال وزارة الخارجية عوضاً عن مكتب المستعمرات.
لم يكن غريبا، بعد مرور هذه الفترة الزمنية على الإمبراطورية، أن تكسي هذه السيطرة بهذا القناع الفاضح، زخرت الخريطة بمحميات كثيرة ,Schuutzgebientn ودول خاضعة للوصاية، ومقاطعات ما وراء البحار والجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، والأوطان الإفريقية، بالاضافة إلى أشكال مقنعة أخرى من الإمبراطورية الاقليمية، في معظم الحالات، ولم يكن القناع إلا مجرد خيال قانوني يخدم العلاقات العامة، وليس جهداً جدياً هدفه خداع الشعب المحكوم أو العالم بأسره.
ولكن يصعب أحياناً التحقق من الدرجة الفعلية لهذا النفوذ الخارجي من الناحية النظرية، وكان من الممكن إقامة إدارة إمبريالية بيروقراطية كاملة في ذروة.
