القائمة الرئيسية

كتاب الإسلام كما يراه ألماني مسلم

كتاب الإسلام كما يراه ألماني مسلم
ملخص المقال

يتناول الفصل الأول من الكتاب بداية نزول القرآن الكريم وتلقي النبي محمد صلى الله عليه وسلم الوحي في غار حراء، مع التركيز على تفاعل قريش مع ظهور الإسلام وتحديات النبي في الدعوة إلى التوحيد. يسلط الضوء على معارضة قريش الشديدة لمحمد، مما دفعهم إلى محاولة إقناعه بالابتعاد عن الدعوة، ورفضهم الإيمان بالآيات القرآنية التي تحدت معتقداتهم. كما يتناول الفصل هجرة النبي إلى المدينة المنورة، التي شكلت نقطة تحول حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وكيف بدأت الدولة الإسلامية بالظهور مع تطور مفاهيم المجتمع الجديد القائم على الإسلام.

ظهور الإسلام

 الإسلام دين عالمي عندما يخرج المرء من القلعة الحمراء في العاصمة الهندية نيودلهي ويتابع سيره بخط مستقيم يجد أمامه خمسة بيوت للعيادة: معيداً جينياً ، مزاراً للسيخ معبداً هندوسياً ، ومسجداً إسلامياً، وكنيسة معمدانية، فمن ذا الذي يشكك بعد ذلك بأن الإنسان كائن متدين. homo religiosus قلما يمكنه العيش دون جواب عن التساؤلات الأساسية للفلسفة. 

من أين جاء كل ذلك إذاً؟ ماذا يتوجب علي هنا؟ وإلى أين نتجه الرحلة؟ إن الإجابات التي قدمها أسلافنا لأنفسهم عن تلك التساؤلات والتي غالباً ما صدرت عن حكيم، قد تبلورت لتصبح ديانات. وكل منها تطور إلى نظرة خاصة على العالم وروحانية وقوانين تقوم على أعراف وطقوس وقيم جمالية خاصة.

وباختصار، لقد تطورت مجمل الديانات - بوصفها عاملاً ثقافياً - إلى حضارات عن طريق إيمان الإنسان بالحقيقة النهائية والعلة الأولى، التي هي الله. والآن ينظر إلى نظم الاعتقاد التي يعتنقها مليارات من البشر على أنها ديانات عالمية مثل الكونفوشية والهندوسية والبوذية والمسيحية والإسلام، وكذلك - اليهودية أيضاً التي لها انتشار عالمي، بالرغم من أن عدد معتنقيها لا يتجاوز بضعة ملايين. والإسلام دين عالمي حسب كلا المعيارين فقد بلغ عدد معتنقيه في مطلع القرن الحادي والعشرين 1.2 مليار مسلم. ونجد المسلمين الآن في عصر العولمة، منتشرين في كل أنحاء العالم.

الإسلام دين توحيدي

يمكن تقسيم جميع الأديان إلى مجموعتين ديانات هندية - جرمانية يطلق عليها في الهند اسم آرية) ومجموعة أخرى ليست هندية - جرمانية (يطلق عليها في الهند اسم غير- آرية).

 تقسم المجموعة الأولى من هاتين المجموعتين إلى ديانات من أصل هندي قديم، أي الفيدية ... (مثل الهندوسية والبراهمانية وتلك التي ليست من أصل فيدي مثل البوذية والجينية والسيخية والزرادشتية).

أيضاً يمكن تقسيم المجموعة غير الهندو - جرمانية إلى مجموعتين، ألا وهي الديانات السامية (مثل: اليهودية والمسيحية والإسلام) وديانات غير سامية مثل الكونفوشية والطاوية والشينتو). ميزة الديانات العالمية السامية هي الصورة الخاصة التي كونتها عن الإله، وأنها قامت على وحي (تنزيل) تحول إلى كتب بدلاً من أساطير قديمة أو تأملات فلسفية، أما ديانات الشرق الأقصى فقد صبت في مفهوم وحدة الوجود، في السبب الأصلي للوجود الذي هو الحقيقة. وقد فهم التقليد الهندي الصوفي هذه الحقيقة كعملية كونية دورية أو قوة غير شخصية متدفقة ومستقطبة بعبارة كل شيء إله. إلى هذه الصورة الكونية نبهت فيزياء الجزيئات شبه الذرية التي تعيد كل الحقيقة إلى تراكيب طاقة مرتبط بعضها ببعض، أي أن هناك نسيجاً كونياً مؤلفاً من جزيئات وأمواج وعلى النقيض من ذلك، فقد صبت الديانات السامية في تصور ثنائي - توحيدي عن علة الوجود الأساسية، أي عن الله. وقد فهم التفكير السامي ذلك على أنه أناء ذكية ذات هوية مدركة، كحقيقة مستقلة شخصية، قبل ومع العالم الذي خلقه الله: أي أن كل شيء لله. أما الديانات العالمية التي قامت في الشرق الأقصى فقد أصبحت عملياً إما متعددة الآلهة مثل الهندوسية، أو أنها أقرب إلى آلية السيطرة على الحياة دون التطرق إلى مسألة الإله، كالبوذية مثلاً.

إن البحث عن إله كشيء مقابل، هو ما يميز الديانات العالمية التي ظهرت في الشرق الأوسط، الأمر الذي جعلنا نميل إلى اعتبار اليهودية والمسيحية والإسلام أنها الديانات التوحيدية الكبرى. ولكن المتخصصين في المصريات الحضارات المصرية يتساءلون فيما إذا كان الشعب اليهودي قد وجد طريقه وحيداً وبنفسه إلى التوحيدية لأن أحد فراعنة السلالة الثامنة عشرة، وهو أمنحوتب الرابع والمعروف باسم (أخناتون وزوج نفرتيتي) قد اتبع ديناً توحيدياً على شكل عبادة أتون الذي رأى جوهره متجلياً في قرص الشمس. ولكن لم تكن لهذا الدين ديمومة.

الإسلام دين إبراهيم

تعود عقيدة الإيمان بالإله الواحد، التي تجمع الديانات التوحيدية الثلاث إلى الأب الأول المشترك إبراهيم - عليه السلام - الذي وصفه القرآن بأنه مسلم بمعنى التسليم لله 

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوراة والإنجيل إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم به علمٌ فَلمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وأنتم لا تعلمونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يهوديًا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤمِنينَ(68). (آل عمران 68 - 65).

 لأن ابراهيم حسب الإرث المشترك هو الموحد الأول الذي أدرك بشكل منطقي أنه لا يمكن أن يكون هناك إلا إله واحد، وفهم هذا الإله على أنه الذات المحركة خلف العالم الظاهر.

يشعر المسلمون بترابطهم الوجودي مع جميع الناس الذين يؤمنون بالله الذي خلقهم تألفهم الإبراهيمي مع اليهود والمسيحيين الذين اعتبرهم القرآن أهل الكتاب، باعتبار أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يجعل التمسك بثوابت الديانات الأخرى شرطاً من شروط التمسك بعقيدته، حيث يجمع الإسلام بين الملامح الأساسية للدين اليهودي، أي العدالة الإلهية والعقيدة المسيحية المتمثلة في محبة الله. طبعاً يعتبر المسلمون أن إيمانهم بالإله الواحد هو فقط الإيمان النقي والحقيقي، وأن اعتقاد اليهود بأنهم شعب الله المختار» على أساس بيولوجي فقط، لا ينسجم من وجهة النظر الإسلامية مع الخطاب الإلهي الحق والخير إلى البشرية جمعاء، بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ببين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير) (المائدة - الآية (18) أو قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) (سورة الجمعة - الآية (6).

ومما لا يمكن أن ينسجم مع جلال الله من وجهة نظر المسلمين هو اعتقاد اليهود بأنهم مقربون من الله بموجب عقد» أبرموه معه. أما المفهوم المسيحي لله، الذي تؤطره مسألة اختلاق مسألة الخلاص من الخطيئة الأول الموروثة)، ومما ترتب على ذلك من تجلي الله في صورة المسيح، فإنه أيضاً مرفوض من قبل المسلمين.

والتصور بأن إنساناً - ولو كان نبياً - يمكن أن يكون مساوياً له في الجوهر، كما صاغه المجتمع العالمي للكنيسة في نيزا عام 325 كعقيدة كنسية، يعتبره المسلمون تأملات نظرية عرفانية (غنوسطية).

وقد جاءت السورة 112 في القرآن الكريم، (سورة الإخلاص) التي تعادل في أهميتها ثلث القرآن الكريم لترفض هذه التصورات : قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد(3) ولم يكن له كفوا أحد (4) .

 كما أن مبدأ الثالوث أو التثليث الإلهي يعتبر بالنسبة للمسلمين تعديلاً شديداً للإيمان بوحدانية الله، فعقيدة التوحيد لا يعلو عليها شيء عند المسلمين، وأول ركن من أركان الإسلام هو قول : لا إله إلا الله .

الإسلام دين سماوي

 يتفق معتنقو الديانات العالمية التوحيدية الثلاث على أن الإنسان غير قادر على فك لغز وجوده من خلال مراقبة الطبيعة والتأمل وليس بمقدوره أن يعلم أو يعرف شيئاً موثوقاً عن الحقيقة الأولى من خلال الانطباعات التي تتولد من أحاسيسه. ومن هنا فإنها تعتبر تجلي الإله ضرورة وهذا أمر ممكن بالطبع. أما جوهر العقيدة الإسلامية فهو الاقتناع بأن الله قد أرسل رسله بدءاً من آدم - إلى الشعوب جميعاً ليعلموهم ما هو نافع لهم، وكذلك ليدلوهم على عدالته وليخبروهم عن يوم القيامة.

(ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (طه) - (122): ﴿وَلَكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) (يونس - 47) وقوله تعالى: (ولكنا كنا مرسلين) (القصص - (45).

وبشكل خاص كان أنبياء العقيدة الموسوية واضحين، وهم الذين اختار الله من أجلهم أبناء إسرائيل:( ولقد اخترناهم على علم على العالمين) (الدخان - 32)

ويفرق المسلمون بين الرسول - مثل موسى ومحمد - الذي تلقى كتاباً مقدساً كهداية جديدة، وبين النبي الذي يساعد على تحقيق رسالة منزلة مسبقاً. وحسب هذا التفريق فإن كل رسول هو نبي، ولكن ليس كل نبي رسولاً ، فالأنبياء هم بذلك ظواهر استثنائية. كما يمكن لكل إنسان ملهم أن يتلقى في حالة فردية إلهاماً إلهياً.

 نبي الإسلام 

ينص الركن الثاني من أركان الإسلام على شهادة أن محمداً رسول الله.. ولا يقتصر الأمر هنا على كونه نبياً بل أيضاً - وكما جاء في إنجيل يوحنا ، "وأنا أسأل الأب فيعطيكم معزياً آخر ليقيم معكم إلى الأبد" . الفصل الرابع عشر - (16) - وكذلك : "ولكن متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما يأتي"  (الفصل السادس عشر - 13)، الذي سيكون خاتم الأنبياء أو آخر رسل الله. (وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) . (الأحزاب - 40).

ومن وجهة نظر إسلامية كانت مهمته تصحيح الادعاءات حول صورة الإله التي قدمتها اليهودية والمسيحية، وتعليم الإنسانية ما لم تكن تعلمه : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مَنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة - (151) وقد تم ذلك بكتاب، لقوله تعالى : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) . (الأنعام - 38).

نبي الإسلام هذا اسمه محمد بن عبد الله، ولد يوم الإثنين الواقع في السابع عشر من حزيران (يونيو) عام 569م في مكة المكرمة وتوفي يوم الإثنين الواقع في الرابع من حزيران (يونيو) عام 632 م في المدينة المنورة. يتضح من هذه الدقة في معرفة ولادة ووفاة نبي المسلمين الله بأن أضواء التاريخ قد سلطت على حياته.

وبسبب أزمة المصادر في العهد الجديد يعد الآن - حتى بين أوساط رجال الدين المسيحي - بأنه لا أمل في التحقق التاريخي لحياة المسيح. هناك الكثير من المعلومات عن التبشير بالمسيح، أما عن المسيح المبشر فلا يعرف إلا القليل. وعلى النقيض من ذلك فإن حياة وأثر الرسول الكريم موثقة بكل تفاصيلها . ولا تتوفر معلومات عن أية شخصية من شخصيات العصور القديمة المتأخرة كما تتوفر عن شخصية الرسول .

شبه الجزيرة العربية قبل الرسول صلى الله عليه وسلم :

 ولد الرسول الكريم لعائلة تحظى بالاحترام والتقدير لكنها فقيرة. تيتم في سن مبكرة فتولّى عمه رعايته في مكة. وفي ظل الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية لم تكن الجزيرة العربية تشكل آنذاك وحدة سياسية، لكنها ظلت متماسكة بسبب العادات البدوية بتأكيدها على الشجاعة وكرامة الأسرة واللغة العربية المشتركة التي تطورت في ذلك الوقت إلى لغة مكتوبة بطريقة بدائية جداً، وكان العرب منقسمين إلى بدو رحل وسكان مستقرين، وإلى قبائل شمالية وجنوبية متنازعة فيما بينها . الأهم من ذلك هو أنه كانت هناك أربعة أشهر من كل عام يسود خلالها السلام في هذه المنطقة مما يسمح للقوافل بالمشاركة في سوق ومعرض مكة الذي كانت تقام فيه مباريات شعرية؛ لأن الشعر المنظوم بأسلوب قوي كان الصيغة الفنية الأكثر تطوراً في الجزيرة العربية. لم تكن مكة بكعبتها التي تعود إلى إبراهيم وابنه إسماعيل، الذي انحدر منه العرب، مجرد مركز اقتصادي، بل كانت أيضاً مركزاً دينياً للعالم العربي يتجاوز الطائفية. فقد كان هناك بعض المسيحيين. بالإضافة إلى قبائل يهودية وبخاصة في المدينة. وكانت الغالبية العرب تصورات دينية مبهمة، بل أقرب إلى السحرية، خاصة أن البدو لم يكونوا يعتقدون بحياة بعد الموت. وكانوا يعبدون آلهة مؤنثة مثل اللات والعزى ومناة التي كانت تتحدد أماكنها بحجارة أو بأشجار وكان هناك تصور بأن هذه الآلهة المؤنثة هي بنات تخضع لكائن أعلى هو الإله أو الله. هذا الاصطلاح الذي ليس له جمع أو صيغة تأنيث أي لا جنس له. وبالرغم من أن العرب القدماء في ذلك العصر - الذي عرف باسم الجاهلية - قد تقربوا إلى آلهة مؤنثة، إلا أن نساءهم كانت محرومة من حقوقها، وكان تعدد الزوجات والممارسات الجنسية خارج إطار الزوجية (التسري) بغير حدود ، ولم يكن للنساء حق الملكية أو الوراثة، بل كن يورثن كأنهن أشياء. فلا عجب إذن أن تنتشر عادة وأد المولودات وهن على قيد الحياة نتيجة ضيق الحالة الاقتصادية.

بعث الرسول صلى الله عليه وسلم:

 تزوج الرسول - الذي كان أمياً لا يحسن القراءة والكتابة كما ورد في سورة الأعراف - الآية 158 (النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ......) . لكنه كان معروفاً بأمانته حتى لقب بالأمين الذي حاز على احترام الناس وتقديرهم - من السيدة خديجة التي كان يعمل في تجارتها . كانت تكبره بخمسة عشر عاماً وهي أم ابنته فاطمة. عاش معها حياة زوجية سعيدة لا تشوبها شائبة، ولم يتزوج غيرها طالما كانت على قيد الحياة. التفت حوالي نهاية العقد الرابع من عمره إلى الصلاة والتأملات الدينية. وفي هذا الوقت نزل عليه أول الوحي في شهر رمضان المبارك عام 610 م وهو في غار حراء في ظاهر مكة بشكل مباشر وبقوة. جاءه الملاك جبريل وأمره - وهو الأمين - أن يقرأ : اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق(2) اقرأ وربك الأكرم(3) الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) . (العلق 1 - 5) 

وفي السابع والعشرين من رمضان يتذكر المسلمون كل عام هذه الحادثة التاريخية التي جاء عنها في القرآن الكريم : إِنَّا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر(2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مَنْ أَلْف شهر(3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سلام هي حتى مطلع الفجر(5) . (القدر 1 - 5).

كان الرسول عقب هذه الحادثة غير المتوقعة، وبعد استراحة مؤلمة دائم الاضطراب نتيجة ما حصل له بعد هذا الوحي، لكنه سرعان ما أدرك بأن الله قد اختاره لتبليغ رسالته الختامية والنهائية، ليس لقومه فقط، بل أيضاً للإنسانية جمعاء. أحدث ما بلغه الرسول هزة قوية في منظومة العقيدة والتقاليد المكية، فكان رد فعل معظم أفراد قبيلته قريش يتناسب مع خطورة هذا الحدث، فقابلوه أول الأمر بالتهكم والسخرية والتجريح، ثم بالمقاطعة الاقتصادية ضده وضد كل أفراد عشيرته من بني هاشم. أعقبت ذلك ملاحقات شديدة للمسلمين الأوائل ثم محاولة قتله أخيراً.

طالب المكيون المتشددون - حسب التقاليد السامية - الرسول أن يثبت نبوته من خلال معجزة، (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مَن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون) (الأنعام (37) وكذلك: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لولا أُنزل عليه آيةٌ من رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاد) (الرعد (7).

وكان لهذا الطلب وزنه، لأن المعجزات التي أقرت للسيد المسيح كانت معروفة، وهي مذكورة في القرآن الكريم : (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية مَن رَّبِّكُم أني أخلُقُ لَكُم مِّنَ الطين كهيئة الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيرا بإذن الله وأُبْرِئُ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلكَ لآيَةً لكم إن كنتم مؤمنين) . (آل عمران - 49) وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وَعَلَى وَالدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُكَ بِرُوح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سحر مبين (المائدة -110).

وقد أوضح القرآن الكريم حول هذه المسألة بأن الله تعالى فقط هو الذي يأتي بالمعجزة،( ...... وَمَا كَانَ لِرَسُول أَن يَأْتِي بِآيَة إلا بإذن الله لكُلِّ أَجل كتاب) (الرعد - 38 ) وكذلك (وَأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لكن جاءتهم آيةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعُرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جاءت لا يؤمنون) . (الأنعام - 109) بحيث بإمكانه هو أن يخرق عادته التي نطلق عليها اسم «القوانين الطبيعية». وقد أدرك الرسول أن الله قد جعل له معجزة واحدة وهي التنزيل المستمر للقرآن: (وإن كنتم في ريبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةِ مَن مَثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ الله إن كنتم صادقين) . (البقرة - 23) وهذا في إعجازه يعتبر معجزة للرسول الكريم، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مَثْلِهِ وَادْعُوا مَن استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) . (يونس - 38) وكذلك: ﴿قُل لئن اجتمعت الإنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يَأْتُونَ بمثله وَلَوْ كان بعضهم لبعض ظهيرا ). (الإسراء - 88).

ظل المكيون المتشككون على موقفهم ولم يقتنعوا بأن القرآن قد تنبأ بالنصر على الإمبراطوريتين الجبارتين البيزنطية والفارسية منذ عام 616 م، أي قبل ست سنوات من حدوث ذلك، وهما اللتان غزتا دمشق عام 613م والقدس عام 614 م ثم عايش الرسول عام 621 م رؤيا حقيقية هي الإسراء إلى القدس ثم المعراج إلى السماء. وللوصف القرآني للشيء الذي يصعب على الوصف، سرد يحبس الأنفاس ويحقق مصداقيته بنفسه: : (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا) . (الإسراء - 1). ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين(21) وما صاحبكم بمجنون(22) ولقد رآه بالأفق المبين(23) وما هو على الغيب(24) بضنين وما هو بقول شيطان رجيم(25) . (التكوير 19 -25).

ما ضَلَّ صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى(3) إن هو إلا وحي يوحى(4) علمه شديد القوى(5)  ذو مرة فاستوى(6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8) فَكَانَ قَابَ قوسين أَوْ أَدْنَى(9)  فَأَوْحَى إِلَى عبده ما أوحى(10) ما كذب الفؤاد ما رأَى(11) أَفتَمارُونَهُ عَلَى ما يرى(12) ولقد رآه نزلة أخرى(13) عند سدرة المنتهى(14) عندها جنة المأوى(15) إذ يغشى السدرة ما يغشى(16) ما زاغ البصر وما طَغَى(17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى(18) . ( النجم2 - 18 ) ولكن بالرغم من ذلك ازداد رفض المكيين.

هاجرت مجموعة من أتباع الرسول عام 615م إلى الحبشة ووجدت فيها ملاذاً. ومن أجل البحث عن مكان آمن بعد أن ضاقت بهم مكة قرر المسلمون جميعاً عام 622م الهجرة التي أصبحت بداية التأريخ الإسلامي حسب التقويم القمري. قبل محمد دعوة الرجال والنساء الذين آمنوا بالإسلام من مدينة يثرب المدينة الواحة، التي تبعد 400 كيلو متراً عن مكة من جهة الشمال، والتي تعرف اليوم باسم المدينة المنورة، ليتم فيها تأسيس كيان الدولة الإسلامية. وفي الحقيقة أقام الرسول عقب وصوله يوم الإثنين الواقع في 31 أيار (مايو) عام (622) اتحاداً إسلامياً - يهودياً، أصدر بموجبه أول دستور دولة في التاريخ. كانت هذه الدولة ثورية، لأنه، ولأول مرة، لم تتحدد فيها المواطنية على أساس العرق أو اللغة أو القبيلة، بل يحددها فقط الانتماء الديني. وجاء ذلك في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكرمكم عند اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) . (الحجرات - 13). وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المؤمنون إخوة) . (الحجرات 10)

من هذا الجانب كانت المدينة دولة تقوم على الفكر (الإيديولوجيا) نتيجة تبدل حقيقي للمفاهيم. وكان سكانها يشكلون الخلية الأولى للجماعة الإسلامية التي هزت العالم والمؤلفة من إخوة وأخوات يشكلون الأمة التي أعرضت منذ ذلك الوقت عن التطرف لتكون أمةً وسطاً، كما جاء في القرآن الكريم: « وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لَتَكُونُوا شهداء على الناس ...» (البقرة (143). ومن موقع الدفاع الاستراتيجي اكتسب الرسول، كونه رئيس الدولة شخصية غير عادية وقدرات سياسية ودبلوماسية واستراتيجية ودبلوماسية وإدارية وقضائية، يعود الفضل إليها في إفشال كل محاولات الزعماء المكيين لتحقيق الانتصار العسكري على المسلمين بدءاً من معركة بدر (624م) التي انتصر فيها 312 مسلماً على 950 محارب مكي. ولم يكن أي من الجانبين قادراً على حشد قوة أكبر. وخلال مجمل النزاعات التي دامت قرابة ثماني سنوات بين مكة والمدينة، من عام 622 حتى 630 لم يسقط إلا 240 قتيلاً وشهيداً، وبلغت أكبر الخسائر التي مني بها المسلمون في يوم واحد 70 شهيداً، عند سفح جبل أحد . يجب أن نضع نسب القوة هذه أمام أعيننا قبل الحديث عن «معارك» أو توسع إسلامي بقوة السلاح. أخيراً استطاع الرسول عام 628م تحقيق ضربة صائبة هي وقف القتال مع المكيين، وكان ذلك استسلاماً مسبقاً. وفي الحقيقة استطاع المسلمون عام 630م الاستيلاء على المدينة (مكة) دون مقاومة ومن خلال عفو عام.

توفيت خديجة عام 619م فتزوج بعدها الرسول عام 622 م من عائشة، التي كانت في مطلع صباها وذات ذكاء وقاد، وهي ابنة أقرب أصحابه إليه أبو بكر الذي أصبح فيما بعد أول الخلفاء الراشدين. وباعتباره رئيس دولة تزوج بعد ذلك اثنتي عشرة مرة كانت معظمها لدوافع عائلية وبعضها كان صورياً فقط، لأنها تمت من نساء مطلقات وأرامل. ولترسيخ سريع لكيان الدولة الإسلامية في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية ونخبها القيادية، أطلق على زوجاته اسم أمهات المؤمنين.

توفي الرسول عام 632 م في المدينة عقب حجة الوداع بقليل دون أن يخلفه ولد ذكر.

محمد - الإنسان الكامل

 تفيد السيرة النبوية بأن الرسول الكريم لم يكن هو الذي أوجد الإسلام، بل كان الوعاء الجدير بتلقي وتبليغ الرسائل الإلهية المنزلة عليه. وبالرغم من كل ما يحظى به من احترام وتقدير نتيجة اختياره وإنجازه، لا يعتبره المسلمون مؤسس ديانة ولا كائناً علوياً أو أن الإله قد تقمصه؛ ولذلك فمن المضلل والجارح لشعور المسلمين أن نتحدث عن «المحمدية» أو «القانون المحمدي» أو «المحمديين».

إن محمداً - دون أدنى شك - هو واحد من أكثر الشخصيات التي افتري عليها في تاريخ الإنسانية؛ ولذلك فمن المهم لغير المسلمين أن يعلموا أنه بالنسبة للمسلمين الإنسان الكامل الذي اختاره الله، فهو التقي المتواضع المتقشف الزاهد العطوف المؤتمن المسالم الشجاع ورجل الدين الحكيم. وهو أيضاً الصديق والتاجر والزوج والأب والقاضي والجندي وصاحب الإستراتيجية والمشرع ورجل الدولة الناجح. كل هذه الصفات اجتمعت في شخص واحد . ومن وجهة نظر إسلامية يكمن الكمال في التحقق المتوازن لفطرة الإنسان المتصوف الذي يدافع في الوقت نفسه - كجندي - عن العقيدة. 

بذلك يمثل الرسول الكريم الإنسان المثالي في العقيدة الكنفوشية الذي يجمع في شخصه صفة الحكيم والملك.

أما المسيحيون الذين أصبح المسيح - الذي لا حرفة له، وينكر العالم والممتنع عن الجنس والخائب بشكل مأساوي - قدوة بالنسبة لهم فيتجاهلون ببساطة أن الكمال الإسلامي غير مقترن بنموذج معين، فما كان أحد مطالباً بالإضرار بشخصيته من أجل كماله الأخلاقي. ولطالما أنتج الإسلام شخصيات كاملة»، بدءاً من عمر بن الخطاب الخليفة الثاني (634 - 644). وعلي بن أبي طالب، الخليفة الرابع (656 - 66) . ثم أعقبهم كثيرون، منهم صلاح الدين الذي حرر القدس من الصليبيين، وهو محارب على درجة عالية من الرقي (توفي عام 1193). وكذلك ابن تيمية (1263 - 1328) الفقيه الإسلامي الكبير الذي عاش في العصر المغولي ومات في السجن. كذلك برز في القرن التاسع عشر اسم كل من المناضل الجزائري الصوفي عبد القادري الجزائري، والمهدي من السودان كنموذجين للإنسان الكامل في عصر ما بعد الرسول.

نزول القرآن الكريم

 في كل مرة عندما كان النبي يتلقى وحياً منزلاً، كان يبلغ مضمونه وموقعه ضمن ما سبقه من نصوص، كما كان يحرص على أن لا يقتصر حفظ الآيات الجديدة على العديد من المسلمين عن ظهر قلب بل يطلب من كتبة الوحي، ومنهم زيد بن ثابت، أن يحفظوها مدونة على ورق البردي والجلد والعظام وسعف النخيل والألواح الحجرية وما شابه ذلك.

بالإضافة إلى ذلك أطلع الرسول أوساطاً عريضة من صحابته على النصوص القرآنية، بحيث كان يستذكر منها في الصلاة، ويتلو القرآن بكامله خلال شهر رمضان وبما أن التنزيل استمر طيلة 22 عاماً . حتى وفاة الرسول - كانت هناك دائماً وأبداً تتمات. كان الكتاب عبارة عن صحف لم يتم الانتهاء منها إلا قبيل وفاة الرسول وانسجاماً مع ذلك طلب الخليفة الأول، أبو بكر، من زيد بن ثابت بعد وفاة الرسول أن يجمع نصوص القرآن بالتشاور مع جميع حفظته المعترف بهم بشكل كامل.

كان الخليفة قلقاً لأن الكثير من المسلمين الذين كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب قد ماتوا . وقد انتقلت هذه النسخة الأولى من الخليفة الأول إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ومنه انتقلت بعد وفاته إلى ابنته حفصة، إحدى زوجات الرسول. وفي عهد الخليفة الثالث نسخت عدة مرات عام 650 - 651 وأرسلت - باعتبارها النص الوحيد المعتمد - إلى الأمصار الإسلامية. وبقيت منها نسختان منذ ذلك الوقت يختزن مئات الآلاف من المسلمين القرآن في ذاكرتهم. وحفظه إلى آخر الزمن مبشر به في القرآن. (إِنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر - (9) وكثير من المسلمين يعرفون القرآن الكريم حتى الآن معرفة جيدة (كما يعرفون أبناءهم). (الأنعام - 20).

لقد ثبت للمختصين الغربيين في الشؤون الإسلامية بأن النص القرآني الذي بين أيدي المسلمين يتوافق مع النصوص المرسلة التي يبلغ عددها 651 نصاً. وبذلك ليس هناك أدنى الشكوك العلمية بصحة القرآن الكريم. فهو أول كتاب كتب بالعربية على الإطلاق، وفي الوقت نفسه أول مخطوط موثوق من العصور القديمة المتأخرة. وبذلك لا يكون هناك ما يناقض حقيقة أن شكل كتابة نصوص القرآن الكريم الحالية تختلف عن كتابته الأصلية، حيث لم تكن الكتابة العربية القديمة تتضمن علامات تنقيط أو حركات أو أية علامات مميزة أخرى تظهر الآن على الكتابة العربية، مثل عدم وجود الأحرف الصوتية، أو مضاعفة حرف من الحروف، أو الهمزة . ولا يتناقض ذلك مع حقيقة أن الرسول سبق أن قرر أنه من المسموح لكل عربي أن يتلو القرآن بلهجته بالرغم من أن القرآن قد كتب بالدرجة الأولى بلهجة قريش المكية. ولم تكن هناك أي شكوك بمعنى آية من الآيات. مثلاً ليس هناك من ضير في قراءة كلمة مالك، أو ملك يوم الدين في الآية الرابعة من سورة الفاتحة.

مكانة القرآن الكريم :

 تؤكد أنماط الكلام التي أفرزتها أجهزة الحواسب بأن للقرآن الكريم مؤلفاً واحداً فقط، ويختلف نمطه عن نمط كلام الرسول، يعود الفضل في ذلك إلى نصوص مجموعة الأحاديث النبوية، فالرسول ليس هو الذي وضع القرآن، وهذا ما يستدل عليه أيضاً من خلال تعرضه فيه للانتقاد الشديد كما جاء في (سورة عبس - الآيات (۱ - (۱۱): عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى(2) وما يدريك لعله يزكي (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى(5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11 ) .

وهكذا يقتصر التساؤل الموجه إلى القرآن فيما إذا كان محمد حقاً نبياً : إنه قضية إيمان بالنسبة لمن يتحدث اللغة العربية كلغة أم فيمكن أن يقتنع بسهولة من خلال إعجاز القرآن الكريم لأن القرآن الكريم معجزة لغوية بالنسبة للعرب. أما القراء الغربيون فيمكن إقناعهم من خلال حقيقة أن تاريخ الطبيعة وعلم الكون وغير ذلك من مقولات في علوم الطبيعة الواردة في القرآن تتوافق بلا استثناء مع المعارف الحديثة، ودون اعتبار القرآن بسبب ذلك - كتاباً تعليمياً في مجال علوم الطبيعة. اختلف المسلمون في القرن التاسع الميلادي فيما إذا كان القرآن الكريم - باعتباره كلمة الله السرمدية، أي أم الكتاب - غير مخلوق (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) (الزخرف - 4) أم أنه حدث تاريخي. بالنسبة لبعض المسلمين المعاصرين بعد القرآن الكريم كلاهما معاً : لأنهم يعلمون بأن الله لا يحده زمان، وبأنه يمكن أن نتصور الزمان في الله وليس الله في الزمان.

ترجمات القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية: 

إن النص العربي فقط هو الذي يستحق أن يطلق عليه اسم قرآن. ومن هنا فإن الترجمات، كتلك التي قام بها محمد أحمد رسول مثلاً. يجب أن نصفها بأنها المعنى التقريبي للقرآن الكريم بلغة المانية... وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كل ترجمة هي تفسير، وكل تفسير هو اختصار، فقد ساورت العالم الإسلامي المخاوف حتى قبل نقل المعنى التقريببي للقرآن إلى لغات أخرى.

وهكذا كان مترجمون مسيحيون مثل هيرمانوس دالماتا وروبرتوس كيتيننزيس أول من ترجم القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية بناءً على أمر من رئيس دير غلوني - بيتروس فينيرابيليس عام 1143 في طليطلة.

ومرة أخرى، أيضاً بناءً على مبادرة مسيحية من قبل مارتين لوثر طبعت هذه الترجمة عام 1543 في مدينة بازل الأول مرة على الإطلاق. 

كما صدرت ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الألمانية عام 1616 في مدينة نورنبرغ قام بها سالمون شفايغر.

وهناك الآن العديد من الترجمات إلى اللغة الألمانية. بعضها من وجهات نظر يهودية ومسيحية واستشراقية. وإذا ما أراد المرء أن يعرف كيف يفهم المسلمون أنفسهم القرآن الكريم، فيفضل أن يتناول طبعة إسلامية للقرآن، كتلك التي صدرت في دار نشر ديدريش (ميونيخ عام 1999) أو تلك التي أصدرها أمير زيدان. «التفسير» (أوفنباخ 2000) . وإذا ما أراد أن يغوص أكثر، عليه أن يعمد إلى الطبعة العربية الألمانية بأجزائها الخمسة من الحجم الكبير المزودة بالشروحات الغنية الصادرة عن دار النشر "بافاريا" في ميونيخ (الطبعة الثانية 1998).

مقالات ذات صلة