القائمة الرئيسية

كتاب قُل لهم: أنا لم أبك

كتاب قُل لهم: أنا لم أبك
ملخص المقال

يتناول الفصل الأول من كتاب قل لهم: أنا لم أبك تجربة الكاتبة الشخصية في العراق، حيث كانت تعمل كمراسلة صحفية في ظروف خطرة. تصف رحلتها إلى بغداد، من لحظة وصولها إلى مطار المدينة تحت الحراسة المشددة، مرورًا بتفاصيل الحياة اليومية في مكتب صحيفة "واشنطن بوست"، وصولًا إلى المخاطر التي واجهتها مثل التنقل بسيارات الأجرة في بيئة غير آمنة. الكاتبة أيضًا تسلط الضوء على علاقتها بأختها التوأم، التي عارضت بشدة قرارها بالذهاب إلى العراق. رغم الخوف والاعتراضات، فإنها وجدت نفسها مجبرة على دعم أختها لاحقًا وفهم دوافعها للقيام بمهمتها، مما يعكس تعقيد المسؤولية والولاء بين أفراد العائلة، خاصة بين التوائم.

كان الإسمنت اللاهب يحرق نعل صندلي المطاطي وأنا أركض عبر المتاهة المحصنة من حواجز التفجير، أكياس الرمل، والأسلاك الشائكة المطوقة لمجمع سلطة الاحتلال الأمريكية في بغداد ورائي حشد غاضب من شباب وكهول كان يطلق صرخات احتجاج متناغمة ويرفع غابة من البنادق السوداء الطويلة نحو السماء. بعضهم كان يحمل لافتات عليها صورة العلم الأمريكي مشطوباً بخطوط سوداء عريضة. ما كان بوسعي أن أبدو أكثر أمريكية مما فعلت في تلك اللحظة منتعلة الصندل الأسود المميز ومرتدية سروال الخاكي والقميص الأبيض المزرر من الأعلى إلى الأسفل. على الرغم من أن شعري الخرنوبي الملوح بالشمس كان ملموماً إلى الخلف، فإنني لم أكن أعتمر غطاء رأس إسلامي تقليدي كان من شأنه أن يوفر لي قدراً أفضل من التنكر . كنت واثقة من أن الوقت كفيل بأن يمكن أحدهم من التعرف علي في لهيب الشمس الأيارية الساطعة.

انطلقت بأقصى ما استطعت من سرعة باتجاه مدخل المنطقة الخضراء حيث كانت السلطتان المدنيتان الأمريكية والعراقية قد عسكرتا في قصور صدام حسين الرئاسية السابقة الفاخرة منذ غزو آذار / مارس 2003 قبل أربعة عشر شهراً . كانت مساحة الأميال المربعة الأربعة في قلب العاصمة العراقية مدينة داخل مدينة فيها أعداد من مباني الشقق الطابقية من ناحية والبيوت العائلية المنفردة الفاخرة حيث كان خدم القصور وكبار مستخدمي نظام صدام يعيشون. جل أولئك الناس هربوا مع اندلاع الحرب حين بدأت القوات الأمريكية تقصف المباني والقصور الحكومية وحين توغلت فرقة المشاة الثالثة من الجيش الأمريكي في المجمع الحكومي لاحقاً، اشتهرت المنطقة الخضراء بوصفها عنواناً للأمن. فما هو أخضر من أما ما هو أحمر فلا، والمنطقة الحمراء كانت تشمل العراق كله خارج المنطقة الخضراء المحمية، ثمة أسطورة كبرى تزعم أن الصحفيين في بغداد يقيمون في المنطقة الخضراء، متقاسميتها مع الرسميين والمتعاقدين الأمريكيين الذين يعيشون في مقطورات إفرادية واسعة بيضاء ويعملون في القصر ومبان حكومية أخرى. أما الحقيقة فهي أن جل الصحفيين الأجانب في العراق يقيمون في فنادق وفي مساكن محروسة بكثافة في المنطقة الحمراء مستخدمين قوى أمنية خاصة أو عراقية لتوفير الحماية متكبدين عناء الرحلة الخطرة إلى المنطقة الخضراء لحضور المؤتمرات الصحفية وعقد اللقاءات مع الرسميين الحكوميين الذين نادراً ما يغادرونها .

من المؤكد أن المنطقة الخضراء، أو الفقاعة، كما يسميها الرسميون الذين يعملون داخلها - هي إحدى أكثر الأمكنة أمناً في العراق، لا لشيء إلا لأنها معزولة تماماً عن باقي العاصمة والبلاد في المقام الأول الطريقة الوحيدة التي يستطيع من خلالها الصحفيون أو المدنيون العراقيون أن يدخلوا المنطقة الخضراء هي عبور حاجز تفتيش عسكري وحيد مفتوح للجمهور الذي يتعين عليه أن يبرز في الحد الأدنى وثيقتي هوية ودعوة خطية أو سبب بالغ الوجاهة للدخول، يكون بطبيعة الحال، خاضعاً لمراجعة الجنود الذين يتولون حراسة البوابة، وبعد أن تصبح في الداخل، تكون ملزماً باجتياز ثلاثة حواجز تفتيش أمنية، اثنان منها يتطلبان تفتيشاً كاملاً من شأن أكثر الأمريكيين أن يجدوه مرفوضاً كلياً إذا أقدم عليه أي مفتش مطار أمريكي.

بوصفي إحدى العاملات في الصحافة، كنت أستطيع دخول المنطقة الحرة بقدر أكبر من اليسر مقارنة بأي مواطن عراقي شرط حيازتي للتصريح السليم الصادرة عن إدارة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. ذلك هو السبب الذي كان قد جعلني أتي إلى المنطقة الخضراء يوم المظاهرات الاحتجاجية. كنت أحاول إخراج بطاقتي الصحفية فقط. إلا أن الجنود الأمريكيين المكلفين بحراسة حاجز التفتيش كانوا قد أحكموا إغلاق البوابة لافين سلسلة فولاذية غليظة حول أعمدة السور. كان هؤلاء الجنود يشكلون خط جبهة الحرب في العراق، إذا ما حاول أحد الانتحاريين اقتحام المنطقة الخضراء مثلاً، فإن أرواحهم كانت ستشكل الخسائر الأولى لعل حراسة أي حاجز تفتيش هي إحدى أخطر المهمات في الجيش.

تحسست داخل حقيبة كومبيوتري بحثاً عن جواز سفري.

ملوحة بجواز سفري الأزرق الناصع المميز صرخت "أنا مواطنة أمريكية. أرجو أن تسمحوا لي بالدخول" .

رد أحد الجنود بصوت مرتفع: "حاجز التفتيش مغلق "لم أكن قريبة لأرى وجهه الذي كان جزؤه الأكبر مخيوماً وراء نظارات داكنة كبيرة وخوذة مموهة. شريط أخضر كان يحيط ذقته.

"غير أنني مراسلة الواشنطن بوست والأمور تزداد سوءاً هنا" .

علق جندي آخر : "من الأفضل أن ترحلي إذن أنت في خطر" .

قلت لنفسي:  "ذلك واضح" وأنا أتلفت حولي واقفة حيث أنا للحظة، لا أعرف ما يمكنني أن أفعله لم يكن قد سبق لي في العراق سوى نحو أربع وعشرين ساعة.

يقضي الناس أعماراً مهووسين بالوقت مشغولين بما فعلوا به، بما إذا توفر لهم ما يكفي منه، بما إذا كانوا قد بددوه دون جدوى ام كسبوه. درجت على إنفاق ساعات طويلة وأنا أخطط للخطوات التي سأتخذها الحركة المسلكية التالية التي سأقدم عليها ، غير أن شيئاً طلب مني أن أركض حين قضى أبي نحبه فجأة من السرطان، وظللت أركض وأركض منذ ذلك الوقت قاطعة المسافة كلها إلى بغداد جرياً، هرباً من صورة رجل في ربيع العمر يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام عيني المصدومتين، كنت بحاجة إلى هدف أكثر أفراد أسرتي وأصدقائي عجزوا عن أن يفهموا سبب تطوع أي شخص للذهاب إلى مكان سيتعرض فيه المحنة البقاء على قيد الحياة يومياً . ذهبت إلى العراق لأنني صحفية: نحن نقتحم الأعاصير لا نهرب منها. نحن نطارد عناصر الحياة الفعلية التي يتجنبها أكثر الناس.

لدى مغادرتي إلى العراق، لم تكن عندي أي فكرة عما كانه الخطر فعلاً : لم اكن أعرف سوى أن لدي شعوراً عميقاً بالمسؤولية إزاء القصة، وأنا كنت أعاني من الملل كنت في واشنطن مشغولة بالكتابة عن خطة المحاسبة وعن عقود إعادة بناء العراق طوال العام الذي سبق ذهابي إلى العراق. كنت أموت موتاً مسلكياً بطيئاً، فبعد عقد كامل في البوست كانت الكتابة الوحيدة ذات المعنى بالنسبة إلي هي قصص رحلاتي وأسفاري التي أوصلتني إلى فنلندا، أسبانيا، وجزر الغالاباغوس، ومثل الأمكنة التي استكشفتها في تلك الأسفار، أردت أن أرى العراق بنفسي أن أرى البلد والناس الذين هم وراء قصص العقود التي كنت أدبجها قابعة في غرفة الأخبار المريحة بواشنطن أردت أن أثبت أن وراء أكمة القصص ما وراءها ، وأنني شخصياً، أستطيع أن أقوم بما هو مختلف عما أنا مشغولة به هنا.

منذ سنة كاملة كنت دائية على إقناع رؤسائي في التحرير بتمكيني من الذهاب إلى العراق أحبطني الجلوس في وضعية المتفرج أمام قصة إعادة إعمار العراق. كانت قصة بالغة الأهمية قصة قائمة على توظيف عشرين ملياراً من دولارات دافعي الضرائب التمويل أكبر عملية بناء دولة منذ مشروع مارشال في 1947، ذلك المشروع الذي ساهم في إصلاح البنية التحتية التي خربتها الحرب العالمية الثانية.

منذ لحظة الانطلاق كان مشروع إعادة إعمار العراق هدفاً ناضجاً لتهم الفساد لا لشيء إلا لأن أكثرية عقود إعادة الإعمار منحت دون منافسة كما هو مسموح قانوناً في الحالات الطارئة والجهات المانحة للعقود أوردت السرعة المطلوبة لإسالة نهر الأموال باتجاه العراق بوصفها السبب الرئيسي الكامن وراء عدم عرض العقود في السوق لإجراء المناقصة جزء كبير من الاهتمام تركز على الكي. بي آر (KBR) الهيوستوني الذي هو أحد فروع هاليبورتون الذي ظل نائب الرئيس ديك تشيني متولياً قيادته مديراً تنفيذياً بين عامي 1995 و 2000. الارتباط بالذات كان كافياً لإثارة الشكوك حول عقود هاليبورتون العراقية ذوات مليارات الدولارات حتى وإن ظلت هوامش الربح المحددة تصعب على الشركات جني أرباح كبيرة من غنائم الحرب. كان رؤسائي في التحرير قد طلبوا مني أن أغوص في الأمر عميقاً وأكشف ما أستطيع كشفه من فساد في العقود. كافحت الأكثر من سنة لتحقيق ذلك متعقبة طرف خيط ورقي في واشنطن حين كانت أكثرية القرارات تتخذ على الأرض في بغداد، مرة بعد أخرى تعرضت للإحباط جراء القيود الجغرافية التي كانت تمنعني من الوقوف على الفساد المحتمل بنفسي، أحياناً، كان الحظ يحالفنا : كان أحد الأبواق الفضائحيين يعود من العراق وجعبته ملأى بقصص المحروقات والمناشف المسعرة بأثمان مضاعفة. تلك كانت قصصاً يصعب التحقق من صحتها على نحو مستقل، فنضطر أكثر الأحيان للتعويل على تقارير الرقابة والتحقيقات المستقلة لبعض أعضاء الكونغرس التي كانت رغم تكرر جدواها بوصفها نقاط انطلاق ذات دوافع سياسية على نحو شبه دائم.

انطوت إحدى التهم الموجهة إلى الكي. بي. آر. على مبالغته المحتملة في تحديد أسعار الوجبات الغذائية المقدمة من المطاعم العسكرية في الكويت والعراق. في كانون الثاني / يناير 2004 اكتشف تقرير رقابة روتيني لوزارة الدفاع أن الشركة أخفقت في تقدير عدد الوجبات المقدمة إلى الجنود والمتعاقدين تقديراً سليماً. سارع المشرعون المنتقدون للشركة والمتشككون بسلامة العقود التي تزيد قيمتها على ثلاثة مليارات من الدولارات المبرمة مع الشركة لإنجاز أعمال ذات علاقة بالعراق إلى الإمساك بالاكتشاف بوصفه برهاناً رئيسياً على تورط الكي، بي آر في عمليات الاتجار بالحرب، جاء رد الكي. بي. آر. متمثلاً بإبراز مدى صعوبة تحديد عدد متناولي الوجبات الغذائية في زحمة منطقة حربية، إلا أنها تعهدت بأن تحسن عملها كتبت عدداً غير قليل من التقارير والقصص عن تلك الاتهامات دون أن أتناول ولو وجبة غداء واحدة في أحد مرافق الطعام العسكرية بالعراق، كان من شأن ذلك أن يشكل سياقاً مفيداً. وعندما جئت إلى العراق بالفعل، وجدت أن الوحدات العسكرية التي رافقتها كثيراً ما كانت تجهل الجهة التي ستنطلق إليها بين ساعة وأخرى أو ما إذا كانت ستعود إلى إحدى القواعد لتناول طعام الغداء ففي أثناء معركة الفلوجة في تشرين الثاني / نوفمبر 2004، بقي المطعم، على نحو غير متوقع، مغلقاً عدداً من الأيام، صحيح أن الأمر لم يكن مبرراً، غير أنه أفاد في تسليط المزيد من الضوء على مدى احتمال وقوع الشركة في خطأ إحصاء عدد الوجبات.

من واشنطن، لم تكن قصصي مثيرة أو جذابة، مما جعل من الصعب علي إقناع رؤسائي في التحرير بضرورة الذهاب إلى العراق، بوجوب متابعة القصة من هناك، كنت أنتظر فرصة مناسبة بفارغ الصبر في الصحافة تتناسب قيمة المرء طرداً مع قيمة القصص التي ينسجها، ومن المفيد أن يستطيع الصحفي كتابة التقارير المطلوبة لدى المحررين أحسست أن المحررين كانوا راغبين بمكر في تشويه سمعة هاليبورتون، أنا لم أكن أفعل ذلك، ومحاولاتي الرامية إلى تجنب الغوص في الجانب السياسي من القصة جعلتني أبدو ناعمة، مسالمة وكنت على علم بذلك كثيرون في غرف الأخبار شديد و الرغبة في احتلال أمكنة على الصفحة الأولى، أما أنا فلم يسبق لي قط أن سعيت إلى ذلك، ربما على حساب وضعي المسلكي، كنت أكتب قصصاً جيدة، قصصاً منصفة، وكنت أهاجم بقوة حين كان الأمر يتطلب ذلك، غير أنني لم ولن أحاول جعل القصص القذرة تبدو أكثر قذارة كرمى لعين الوصول إلى إحدى زوايا الصفحة الأولى لست أقل من غيري من الصحفيين ولعاً بالسبق الصحفي، غير أنني أعشق التحلي بالصدق أكثر يبقى النضال في الصحافة متركزاً بالطبع، على تحقيق السبق من ناحية والتحلي بالصدق من ناحية ثانية، وهذا أمر لا يتوفر دائماً، كنت على الدوام أكثر شعوراً بالمسؤولية إزاء مصادري وتجاه قرائنا مقارنة بموقفي من رؤسائي في التحرير الصحفيون الذين يجرون وراء الضربات الكبيرة ويخطئون يضحون بمستقبلهم المهني بنظر أولئك الذين يتابعون عملهم عن خبرة. غير أن لذلك أيضاً ثمنه، فالصحفيون يتعرضون أحياناً للضياع في غرف الأخبار. حين اندلعت الحرب في العراق، كان قد مضى بعض الوقت وأنا أعاني من مثل هذا الضياع.

في أيار / مايو 2004 أراد مساعد مدير تحرير القسم المالي تكليف أحدهم بالذهاب إلى مكتب استخدام للكي. بي. آر. لكتابة تقرير عن نوعية الأشخاص المستعدين للمخاطرة بكل شيء من أجل الحصول على فرصة عمل في العراق. افترضت أنني سأكون مرشحة لأنني كنت دائبة على الكتابة عن العقود والكي. بي. آر. منذ أكثر من سنة. إلا أن مسؤول التحرير أبلغني أن دوت لم يكن موافقاً على إرسالي لأنني لم أكن على المستوى المطلوب في مجال كتابة القصص. غضبت اكتأبت، شعرت بالإحباط. كنت واثقة من أنني مراسلة ناجحة، غير أنني بقيت أتصارع مع قلمي داخل المكتب المالي. كنت أعاني كثيراً قبل الاهتداء إلى صوت شبيه بذلك الذي كان يراودني عندما كنت أكتب في قسم الرحلات والأسفار . تبقى الكتابة بنظري اجتهاداً شخصياً، حيث تكون كل جملة إبداعاً يتطلب جهداً وتعباً . أن يقال لي إنني لم أكن على مستوى يؤهلني لمعالجة قصة متطلبة لكتابة سردية كان ضرية كبيرة على الصعيدين الشخصي والمسلكي. إذا كان رؤساء التحرير في قسمي مفتقرين للثقة بي إلى هذه الدرجة فكيف سأتمكن من انتشال نفسي من هذا القاع السحيق حقاً؟ ومع ذلك فقد نجحت في إقناع رئيسي المباشر تشاك بابكوك بجدوى إرسالي إلى تكساس مهما تطلب ذلك، نجحت الخطة لحسن الحظ

بعد بضعة أيام التقيت الن بتي، وهو والد ست بنات في الحادية والثلاثين من العمر، الذي كان سيغادر إلى العراق في اليوم التالي في مكتب استخدام الكي بي أر الهيوستوني أمضيت معه ساعة في المكتب، فيما كان فريق صغير من قسم العلاقات العامة في الكي بي آر شديد الحرص على مراقبتنا بعناية. وبمباركة معشر العلاقات العامة، لأن مثل هذه اللقاءات العرضية كانت تخضع للمراقبة الدقيقة سافرت بالسيارة شمالاً المقابلة زوج الن: سيلفيا، وبنائهما.

استقبلتني سيلفيا في منزلهما الريفي المتواضع في الشارع الرئيسي لقرية بورنت التكساسية، ذلك المنزل الذي كان الزوجان قد استأجراه من أبويها . أمضينا ساعات ونحن نتحدث عن السبب الذي جعلها هي وآلن يقرران أن على الأخير أن يذهب إلى العراق. لم تكن العائلة مؤمنة، لم تكن متوفرة على أي رصيد، ولديها فواتير هي عاجزة عن تسديدها. كانا يتدبران امورهما بكثير من الصعوبة استناداً إلى مرتب الن السنوي البالغ ثلاثين ألفاً من الدولارات - كان الن يسوق شاحنة عملاقة لدى شركة خاصة في إحدى البلدات المعروفة بمقالعها، كانا يشعران بأنهما في مأزق.

سيلفيا امرأة بالغة اللطف عميقة الإيمان بالمسيحية دعتني إلى مرافقتها هي وأسرتها إلى الكنيسة بمركز الإحسان المسيحي في كيلين، حيث يقام قداس كبير جذاب، تتولى فيه فرقة موسيقية عزف سلسلة من الألحاترعرعت في كنيسة لوثرية أكثر تشدداً، غير أنني كنت قد حصلت على نصيبي من معسكرات الشبيبة المسيحية أيام الطفولة، تفهمت حاجة سيلفيا إلى الغوص في هذا الجزء من حياتها وهي موشكة على إرسال زوجها إلى الحرب ولو تطوعاً، ولو من أجل المال في إحدى منعطفات القداس طلب القس من المصلين أن يدعوا لجميع الجنود الموجودين في العراق. لم يقترح أحد الصلاة من أجل سائقي الشاحنات. هذه كانت القصة التي تعين علي أن أرويها . كان الن بتي مواطناً أمريكياً شريفاً، مجتهداً شديد التوق لتوفير حياة أفضل لأسرته كان الجنود في العراق بحاجة إليه فسائقو الشاحنات أمثال آلن ينقلون المواد الغذائية المواد الطبية، وقطع غيار العربات عبر العراق من المؤكد أنهم يحصلون على أموال أكثر بكثير مما يحصل عليها الجنود ، بعضهم يحصل على أكثر من مئة ألف دولار مقابل تنفيذ المهمات الأكثر خطراً . غير أن هؤلاء المتعاقدين كانوا أيضاً يخاطرون بحيواتهم، ومع ذلك فإنهم كانوا يتعرضون للتهميش الكامل من قبل الجمهور، بل ومن قبلنا نحن في الإعلام كما ينبغي أن تعترف. الإنجيلية المعاصرة فيما يواصل المصلون التصفيق والتمايل ذات اليمين وذات الشمال .

قصتي عن الن بتي احتلت مكاناً لها على صفحة البوست الأولى مسبوقة بصورة لآلن وسيلفيا على شرفتهما الأمامية مستمتعين به موعد غرام هادئ فيما الأطفال غارقون في النوم. تذكرت سيلفيا أنها قالت لزوجها بعد ساعات من المناقشة حول ما إذا كان يتعين عليه أن يخاطر بكل شيء في سبيل تمكين الأسرة من امتلاك فرصة، فرصة صغيرة متواضعة من رصيد الفرص الصغيرة الأكبر لدى الحلم الأمريكي، عندما اكتشفت أنني كنت ذاهبة إلى العراق كانت سيلفيا إحدى أوائل الذين اتصلت بهم. ظلت تكتب لي كل الوقت الذي أمضيته في العراق.

قبل أن أغادر تكساس عائدة إلى واشنطن أبلغني تشاك بابكوك بأن أجهزة الإرسال كانت تتحدث عن أن برنامج الأخبار الثاني للستين دقيقة في قناة السي. بي. س. قرر بث قصة كبرى عبر التلفزيون، كانت القصة عن فضيحة فساد كبيرة في سجن أبو غريب بالعراق، في غرفة تعذيب خاصة بالمجرمين العاديين كما بخصوم صدام السياسيين كانت قد أخليت قبل الغزو مباشرة، بعد التوغل في العراق كان الجيش الأمريكي قد استولى على السجن وراح يستعمله الإيواء المحتجزين الأمنيين شريط السي بي إس عرض الصور الأولى الجنود أمريكيين يهينون سجناء عراقيين. كنت قد بدأت أكتب عن أحد عناصر الفضيحة الأمر الذي دعا المحرر إلى الاتصال، ثمة صديق مشترك كان قد عرفني على سابرينا هارمون، إحدى أعضاء وحدة الشرطة العسكرية السباعية المتهمة بداية بسوء التصرف أراد بابكوك أن يعرف المدة سيستغرقها إنجازي للقصة كنا سابرينا وأنا عاكفتين على التراسل الفوري منذ أسابيع إلا أن محادثاتنا ظلت جميعاً متركزة على الخلفية، وبقيت سراً فيما بيننا، لم تكن سابرينا واثقة من رغبتها في الظهور العلني وهي لا تزال في زحمة الإجراءات الحقوقية، كثفت رسائلي الإلكترونية إليها في العراق مشجعة إياها على التحدث مع محاميها فرانك سينر ليس من أقربائي). قررا إذاعة القصة على الملأ. عند تلك النقطة كانت صور لسابرينا معلنة أن كل شيء على ما يرام أمام جثة عراقية قيد التداول وهنا في واشنطن، سارعت إلى كتابة روايتها لقصة تلقي وحدتها إيمازاً قضى بتحطيم معنويات المحتجزين وبوصفها شرطية عسكرية كانت مهمتها إبقاءهم مستيقظين قلب حياتهم إلى جحيم حتى يتكلموا ، كما أخبرتني سابرينا.

وجدت القصة طريقها إلى الصحيفة بعد بضعة أيام، جاعلة البوست صاحية قصية سبق رئيسية على صعيد ما تحول بسرعة إلى فضيحة دولية زادت من شدة غضب العالم العربي بعد الغزو الأمريكي، أعلن الجيش الأمريكي عن اعتزامه مباشرة التدابير القضائية ضد الجنود مباشرة تقريباً ، أيقنت أن هذه كانت فرصتي للذهاب إلى العراق. في 1996 أمضيت ثمانية أشهر وأنا أساهم في تغطية فضيحة أخرى في الجيش، فضيحة انطوت على اتهام رقباء تدريب ذكور بإقامة علاقاتغير لائقة مع عدد من المجندات. وظفت هذه الخبرة لإقناع فيل بنت مساعد مدير تحرير الصفحة الخارجية آنذاك ومدير تحرير الجريدة الآن. رئيس مكتب البوست في بغداد، راجيف تشاندر سيكارات، كان أيضاً دائباً على الاهتداء إلى طريقة تمكنه من جلبي إلى العراق. كنا قد نشأنا معاً في البوست بوصفنا جزءاً من فريق برات باك في العشرينيات من العمر ممن انطلقوا بوصفهم من متدربي موسم الصيف المتفرغين. كان راجيف قد انطلق من ضربة ذات علاقة بمحطة مترو ضاحية فيرجينيا، إلى سباق مثير لتغطية محاكمة قضية حظر احتكار ذات علاقة بمايكروسوفت لصالح المكتب المالي وصولاً بعد ذلك إلى جهاز العاملين في القسم الخارجي. كان راجيف يقدر حاجتي إلى فرصة لإثبات نفسي، وكان يعلم مدى حرصي على فهم قصة العراق، كنا نتبادل الرسائل الإلكترونية والمخابرات الهاتفية حول الأمر منذ أشهر طالبنا بنت بإلحاح بأن يمكنني من تغطية المحاكمات العسكرية، وافق الرجل، وقبل تحديد موعد الإجراءات القانونية الأولى بسبعة أيام، حصلت على بطاقة سفري إلى بغداد.

تلك هي الطريقة التي وجدت بها نفسي خارج حاجز التفتيش العسكري بعد أربع وعشرين ساعة من وصولي إلى بغداد، واقفة في المنطقة الحمراء، قريبة جداً من الفقاعة، ولكن عاجزة، مع ذلك، عن التوغل في ملاذها الأمن.

زحفت حول أكياس الرمل الفاصلة بين منطقتي العراق وتقدمت عائدة إلى المظاهرة، لم أستطع تغطيتها بالفعل لأنني لم أكن برفقة أي مترجم لم يكن بوسعي إلا أن أراقب وانتظر ما إذا كانوا سيبدؤون إطلاق النار أو محاولة اقتحام المنطقة الخضراء. في ذلك الصباح بالذات كان أحد مترجمينا قد عرض علي صورة غير واضحة لمديرنا الضابط العراقي الشاب عمر الذي لم أكن قد التقيته بعد، في الصورة، وهي ملتقطة في صيف 2003، يبدو عمر متابعاً في حالة من الرعب لحشد متظاهرين موشكين على الانقضاض عليه هو وزميلتي من واشنطن تيولا لابي أوسعوا عمر ضرباً وحاولوا أخذ دفتر تيولا، قاومت رافضة التخلي عن الدفتر. كانت الصور مصدر فخر بنظر مترجمينا العراقيين، لقد كانوا في صفنا نحن في الصراع.

 كنت قد نسيت الهاتف الجوال الذي كان المكتب قد خصصه لي قبل يوم الأمر الذي تذكرته فجأة بعد تفتيش حقيقة الكمبيوتر بحثاً عنه، بدلاً من الهاتف الجوال لامست يدي شيئاً طرياً. كانت سندويشة جبنة كنت قد أعددتها قبل المغادرة ذلك الصباح، مشيت نحو محرس معدني صدى يلون الفليفلة الحمراء المشوية وعليه عبارة "حرس الموقف مرسومة بأحرف إنجليزية كبيرة بيضاء تحت كتابة منقوشة بالعربية تعين على أن أخطو برشاقة حول سلك شائك ملموس وفوق أكوام الزبالة التي راكمتها الرياح عليه عاينت حشد المتظاهرين بحذر وخوف ثم اخترت بقعة ندية في الظل على الطرف الآخر من المحرس بما مكنني من اختلاس النظر ذات اليمين وذات الشمال، وفيما كنت أمضغ الخبز العراقي اللذيذ المحشو بجوزة الطيب المعروف باسم السمون، سمعت صوتاً ناعماً ينادي تكسي مدام؟ قفزت بسرعة ملتفتة في ذهول إلى مصدر الصوت فرأيت رجلاً حليقاً أسمر البشرة في سروال نظيف وقميص مربعات نصف كم متقدماً نحوي. كان قد وصل إلى المكان في سيارة متداعية مصبوغة بطلاء رديء باللونين البرتقالي والأبيض. في ظل حكم صدام حسين كثيراً ما كان السائقون يطلون سياراتهم بلوني سيارات الأجرة المحددين المراوغة القيود والضرائب المفروضة على استعمال السيارات الخاصة مصعبين التمييز بين سيارات الأجرة الحقيقية ونظيرتها الزائفة.

لا لا. شكراً كان ردي، إذ شعرت بريبة مباغتة وترددت في القفز إلى سيارة يسوقها رجل قد يكون أحد المتمردين أو خاطفاً محتملاً، أصر السائق قائلاً: أنت بحاجة إلى من يوصلك لغة إنجليزية مكسرة، قلت له: لا، اتناول غدائي فقط، قبل أن أكتشف أن هذا لم يبد سخفاً مطلقاً مثيراً للسخرية فقط بل وأن من شأن هذه السيارة أن تكون فرصتي الوحيدة للعودة إلى فندق الشيراتون حيث مقر مكتب البوست لم تكن لدي أي فكرة عن الموعد الذي يمكن للجنود أن يسمحوا لي فيه بالدخول أو عما إذا كانت الأمور كانت ستكتسب صفة العنف فجأة.

"حسناً، موافقة أنا أن أركب معك أريد الذهاب إلى الشيراتون هل تعرف العنوان"

 "بالطبع مدام " قال السائق فاتحاً باب السيارة وكاشفاً عن المقاعد الوسخة الممزقة المهترئة المغطاة بالأغيرة وما بدت بقعاً دهنية خلفتها وجبات طعام التهمت على عجل. قفز إلى الطرف الآخر من السيارة وانطلق بسرعة في اتجاه بدا وكأنه نحو الفندق مما جعلني أشعر بشيء من الانفراج، لم أكن أعرف سوى يضع كلمات عربية، ولم يكن هو يعرف الإنجليزية غير أننا تبادلنا عدداً من الجمل القصيرة فيما ظل هو يطارد بـ كركوعته ماراً بميان حكومية قصفتها المقاتلات النفاثة الأمريكية قبل عام. كانت الشظايا المتداعية ملفحة بالسخام في حين كانت الغرف مفرغة مما كان فيها من قبل اللصوص الذين كانوا يقتلعون حتى المسامير إذا استطاعوا أن يجدوها صالحة للاستعمال.

سألني سائق سيارة الأجرة عما إذا كنت متزوجة كذبت وقلت:" نعم. بالتأكيد" ، ظانة أن من شأن ذلك أن يكون أشرف من العزوبة، سألني عما إذا كان عندي أولاد، وكذبت مرة أخرى متبنية ابن أختي البالغ سنتين من العمر، وبعد كل كذبة كان يرد قائلاً: "الحمد لله" رأيت أن من الأفضل في هذا البلد حيث العائلة أهم من أي شيء آخر أن أكون أماً تركت ابنها وراءها بدلاً من ألا أكون أماً بالمطلق.

كان الهواء الساخن الثقيل يهب عبر الشباك المفتوح ونحن تعبر شارع الباعة الذين يبيعون الأحواض والأواني المطبخية البلاستيكية الرخيصة المستوردة من الصين. كان الوقت عصراً. وكانت أكثرية المحلات التجارية في حي الكرادة التجاري حيث الشيراتون مغلقة بسبب قيظ ما بعد الظهر، عملياً بدت الشوارع مهجورة الباعة جالسون دون عمل الزبائن نادرون.

توقفنا عند نقطة التفتيش خارج الشيراتون البرجي المبني بالطوب البني المحروس من قبل متعهدين خاصين، وأعطيت السائق ورقة نقدية من فئة الخمسة دولارات قبل القفز إلى الأرض، اختفيت عبر مسار آخر مسيج بالأسلاك الشائكة.

فوجي سائق الواشنطن بوست الذي كان قد أنزلني أمام مدخل المنطقة الخضراء قبل ساعة حين رأني داخلة مكتبنا . كنا نعتمد نظاماً معقداً لإيصال المراسلين - سيارات مطاردة وحراس مسلحين مع خطط سفر تفصيلية. لم يكن ظهور أي مراسل ببساطة بعد خروجه بعد ظهر أحد الأيام مألوفاً . شرحت ما كنت قد تعرضت له غير أن مهنداً، مدير الأمن عندنا، وهو ضابط سابق في الجيش العراقي كان قد خان صداماً إذ قائل مع الفرقة 82 الأمريكية المحمولة جواً في أثناء غزو 2003، كان رجلاً موثوقاً، وكانت معرفته بالعراق مدعمة بولائه للواشنطن بوست توفر لنا الأمن.

لامني مهند قائلاً: "اختطافك كان وارداً" مشينا لبعض الوقت ذهاباً وإياباً وأنا أبين له أنه لم يكن أمامي سوى خيارين إما سيارة الأجرة أو الحشد، إلا أن أياً منهما لم يبد بنظره أفضل من الآخر، عرضت عليه صورة كوخ الحراسة التي كنت قد التقطتها قبل ركوبي سيارة الأجرة. تصورت أن بوسعي قذف آلة التصوير من النافذة . دليلاً، ربما، إذا شعرت أنني بحاجة إلى ترك أثر. نظر إلي مهند نظرة ذات معنى نظرة تقول: ليس هذا واحداً من الأفلام البوليسية الأمريكية التي أدمنت مشاهدتها ليس هذا خيالاً: إنه واقع.

حين وصلت قبل يوم، كنت قد وقعت حرفياً، في حضن مهند . كان قد أوفد المساعدتي على الخروج من المطار بعد رحلتي التجارية إلى داخل العراق وبعد هيوط شاقولي مخيف تجنباً لنيران المضادات، ما إن نزلت من الحافلة المزدحمة التي أقلتني من مطار بغداد الدولي الوسخ إلى موقف للسيارات قريب من حاجز تفتيش عسكري آخر حتى شدني ثقل حقيبة ظهري ذات اللونين القرمزي والأسود إلى الأمام وكدت أقع، مقارنة بما سبق كان ذلك دخولاً مناسباً لأصغر أعضاء جهاز العاملين في مكتب البوست البغدادي. لم يكن قد سبق لي أن جنت إلى الشرق الأوسط سوى مرة واحدة، قبل سنة من الآن، خلال رحلة دامت عشرة أيام مع فرقة المهندسين التابعة للجيش الأمريكي إلى العراق ومن ثم إلى افغانستان.

للمرة الأولى راودني، لدى مغادرتي إلى العراق قدر من الوعي كان كافياً الأشعر بالفزع، لأكتب رسائل إلى أهلي مغلقة، ممهورة، ومسلمة إلى أصدقاء يودعونها صناديق البريد . في حال.. خلال مدة بقائي في العراق كثيراً، ما كان الجنود يعبرون عن الحيرة إزاء تجرئي على اقتحام منطقة مبتلية بالحرب، كان يربكهم رفضي لحمل أي قطعة سلاح، كانوا يسألون باستغراب شادين بنادقهم إلى ستراتهم المضادة للرصاص أقرب قليلاً :"لا تحملين سلاحاً؟" كنت دائماً أسحب قلمي المدسوس في مكان ما من ثيابي وأبرزه قائلة:" هذا هو سلاحي!"

إنني الصحفية الأولى في عائلتي أبي كان عامل تمديدات وقد توفي سنة 2001 إثر إصابة بسرطان الأمعاء. لم يسبق له أن التحق بأي جامعة وظل يكافح خلال الجزء الأكبر من طفولتي لإعالتنا أمي معلمة مدرسة ابتدائية متقاعدة تركت غرفة الصف لنحو عقدين من الزمن لتربية أولادها الثلاثة في بيت صغير غير مستقل بديكاتور الإيلينوية مدينة الياقات الزرقاء الملأى بالمصانع القاذفة للبخار الأبيض الملوث والدخان إلى السماء فوق حقول الصويا والذرة المغطية للسهوب المحيطة.

التقى أبواي في حافلة المدرسة وهما طالبان في السادسة عشرة من العمر بمدرسة ديكاتور الثانوية، وأنا بدأت عملي الصحفي في المدرسة نفسها إثر لقاء عارض بين اثنتين من الأمهات المنتسبات إلى الرابطة الصغيرة، كانت أمي، تيم. تلعب البيزيول مع ابن مستشارة الجريدة في المدرسة الثانوية التي كنا أختي التوامة جني وأنا، ستلتحق فيها بالصف الأول من دراستنا الجامعية في خريف ذلك العام، عام 1984 نجحت المستشارة بارباره، في إقناع أمي بضرورة انتسابنا، أنا وأختي إلى هيئة الجريدة، فتحدد مصيري ذات ليلة صيفية ندية على المرج الأخضر للملعب الكائن خلف مدرسة ستفنسون الابتدائية.

أختي تتذكر أكثر مما أتذكره أنا بكثير عن طفولتنا، ربما لأنها تدرك بوصفها كاتبة مقالات العائلة بطريقة ما أن قدرها هو أن تصبح راوية قصة العائلة، فعكفت على نحو لا شعوري على استظهار المشاهد واللحظات والتفاصيل التي لم أكن أنا أجدها ذات جدوى. غير أن ذلك المساء في ملعب الكرة ينتصب بكل ألوانه في ذاكرتي الغارقة في بحر من اللون الرمادي. أستطيع سماع هتافات أولياء الأمور، صفعات المضارب البلاستيكية، عبر الغبار الناعم ومن خلال رائحة العشب المحشوش حديثاً، أستطيع أن أرى سماء الغروب القرمزية. كنا الفريق الأهلي كنت في الثالثة عشرة من العمر.

بعد عشرين سنة ألقيت خطاب بداية العام الدراسي الجامعتي الأصلية جامعة إيلينوي الجنوبية في كاربونديل، التي حصلت منها على إجازتي في الصحافة عام 1992 . كنت قد عدت من مهمتي في العراق للحصول على جائزة الإنجاز الممنوحة للخريجين الناجحين خلال خطاب البداية، حاولت أن أبين كيف أن طفلة من إيلينوي ذات جذور غربية متوسطة متواضعة كانت وصلت إلى العراق حيث نجحت في الاهتداء إلى إحدى أهم وأبرز قصص جيلي، أنهيت كلمتي بهذه النصيحة ليس ثمة سوى طريقة واحدة للوصول إلى ما تريدون الوصول إليه، إنها شديدة البساطة انطلقوا إلى المسيرة في تلك السهرة الصيفية العطرة، فيما كان أخي يأخذ دوره في رد الطابة، أقدمت على فعل ذلك تحديداً، انطلقت

أختي وأنا كنا معاً حين بدأت الحرب في آذار / مارس 2003، على شاشة تلفزيون غرفة الفندق في مانهاتن شاهدنا لقطات أخبار الليلة العراقية المظلمة المضاءة بالنيران الأمريكية. واقضتين كتفاً إلى كتف عند طرف السرير، لم نتمكن من انتزاع عيوننا عن الشاشة. كان من الصعب الاستهانة بمدى أهمية ما كنا نتابعه من مرصدنا القريب من حفرتي البرجين التوأمين الفارغتين. ثمة شبح أسود حلق في الغرفة ذلك اليوم لم أتعرف عليه إلا بعد تسعة أشهر حين نطقت جاكي للمرة الأولى بعبارة: "أنا ذاهبة إلى العراق لم يكن الشيح سوى اللون الأسود للخوف.

غضبت من أختي ليس فقط لأنها وافقت على الذهاب إلى العراق، بل ولأنها أرادت ذلك. حين يقدم الناس على الالتحاق بالجيش، يكونون مدركين لخطر احتمال اشتباكهم في معركة ما ذات يوم. أما أختي؟ لقد كانت صحفية مراسلة أعمال بالطول والعرض، حيث كانت تتعامل وتتصارع يوميا مع الأرقام، لا مع الطلقات، ولا مع القذائف والقنابل. بماذا كانت تفكر؟ أي ترقية مسلكية كانت قادرة على أن توازي الموت؟ جادلتها أياماً خضت معها مناقشات ضارية قلت فيها أشياء مرعبة ذكرتها بأن رحيل بابا إلى لحده لم يمض عليه سوى ثلاثة أعوام مازالت عائلتنا تعاني جراء خسارتها. قلت لها إن السرطان شيء لا يستطيع المرء تجنبه. أما الحرب؟ وفي بلد بعيد جداً من هنا بلد أكاد لا أستطيع تحديد مكانه على أي خارطة ؟ صرخت بأعلى صوتي: "أنت الأكثر أنانية بين جميع من عرفتهم. لماذا تفعلين هذا بي؟ أرجوك لا تذهبي لا تفعلي هذا، أتوسل إليك" ، غير أنها لم ترد . لأنني لم أقل هذه العبارات على الإطلاق لها مباشرة وجهتها إلى الجدار. وجهتها إلى السماء. قلتها لوجهها وهي تنظر إلى في المرأة. هناك مسؤولية معينة تترتب على كون المرء توأماً كما علمتني السنون لابد لحبك من أن يكون مطلقاً، غير مشروط، قائما على نكران الذات. حين يتخلى الجميع عن توأمك فإن عليك أن تسارع إلى التمسك به ابتلعت فزعي وغنيت في مبسم الهاتف: "ما أسعدني بك يا للفخر"

 سيمر وقت طويل، أشهر عديدة، قبل أن أتمكن من أن أفهم لماذا أرادت أن تذهب لماذا اضطرت لأن تذهب، ولماذا أصبحت أنا أيضاً، مع مرور الزمن راغية في أن تكون هناك.

مقالات ذات صلة