ملخص: يناقش هذا الجزء من الكتاب تأثير حركة حقوق السلاح في الولايات المتحدة، موضحًا كيف أن حركة الفهود السود في الستينيات كانت العامل الأساسي في تشكيل هذه الظاهرة، حيث حمل أفراد الفهود السود الأسلحة للدفاع عن أنفسهم ضد العنف الشرطي العنصري. يربط الكتاب هذه الحركة بتغيرات ثقافية وسياسية كبيرة، خاصة بعد أحداث حرب فيتنام والانقسامات التي نشأت عنها، والتي أدت إلى تعزيز ثقافة السلاح وحركات الاحتجاج. كما يناقش تأثير السياسات النيوليبرالية التي تبناها رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي، والتي ساهمت في تقسيم المجتمع الأمريكي على أسس أيديولوجية. وتستمر المناقشة لتشمل ردة الفعل السياسية ضد فوز باراك أوباما في انتخابات 2008، حيث ظهرت حركات مثل حزب الشاي كنوع من المقاومة. في النهاية، يعرض الكتاب قضية السلاح كرمز مركزي للصراع الداخلي في الولايات المتحدة، ويعتبره أحد العوامل التي قد تهدد الوحدة الاجتماعية في البلاد.
إن من المؤكد أن حركة حقوق السلاح كما هي موجودة اليوم لم تكن لتولد لولا الفهود السود. وفي الوقت نفسه، من شبه المؤكد أن ما يعرف بثقافة الحروب في هذه اللحظة لم تكن لتبدأ لو لم تكن هناك حركة حقوق مدنية أو الاحتجاجات السياسية والاجتماعية في ستينيات القرن العشرين قسمت حرب فيتنام البلاد لعدة سنوات مجزئة الشعب إلى ليبراليين ومحافظين، مع وجود متطرفين يساريين ومتطرفين يمينيين على طرفي المنظور ومع أن القوى التقدمية استحوذت على معظم الاهتمام من الإعلام في ذلك الوقت، فإن القوى المعارضة كانت تعمل دون كلل في الظل واستطاعت في النهاية أن تنتصر مثلما أن الجنوب خسر الحرب الأهلية على أرض المعركة ثم كسبها في المحاكم بعد انتهاء عملية إعادة البناء، فإن الحزب الجمهوري المعاد تشكيله مدعومًا بإضافة الديمقراطيين السابقين من الجنوب لم يكسب حرب الأفكار حول من نحن ومن ينبغي أن نكون بوصفنا شعبا فحسب، وإنما كسب أيضًا معظم الانتخابات الجمهورية منذ عام 1966، وحتى حين فاز الديمقراطيون تذكر جيمي كارتر وبيل كلينتون)، فإنهم تبعوا الزحف اليميني للبلاد ولم يدفعوا بقوة باتجاه ذلك النوع من الإصلاحات المحلية التي دعمها روزفلت وجونسون. أضف إلى ذلك التغيرات الهائلة التي حدثت للاقتصاد سواء الأمريكي أو العالمي منذ أوائل السبعينيات، التغيرات التي قادها الارتداد الجديد إلى مبادئ الأيديولوجيا الرأسمالية ببعدها النيوليبرالي - إزالة القيود عن معظم الصناعات، وتدمير اتحادات العمال، والإيمان الأعمى بالسوق لحل جميع المشكلات - ما زاد الفجوة بين الغني والفقير إلى مسافات لم تر منذ العصر المذهب»، ثم زد على ذلك الاعتقاد الذي نشره رونالد ريغان أن الحكومة ليست الحل لمشكلاتنا وإنما أنها المشكلة ذاتها ما يعني في ديمقراطية نحن الشعب أننا نحن المشكلة، أنها غيمة لا شكل لها من القلق تسربت ببطء إلى كل زوايا المجتمع. تتوج كل ذلك بانتخاب باراك أوباما للرئاسة عام 2008، ما جعل أعدادا كبيرة من الأمريكيين يتراجعون مرعوبين للإساءة الرمزية المتمثلة برؤية رجل أسود يحتل البيت الأبيض، وقبل أن يتاح لأحد أن يتنفس قفز حزب الشاي تي بارتي وألحق بالديمقراطيين هزيمة نكراء في الانتخابات النصفية، ثم واصل هزيمتهم حتى بعد فوز أوباما بفترة ثانية، ما جعل إدارته عاجزة عن تمرير أي تشريع له أهمية أثناء الأعوام الستة الأخيرة التي بقي فيها في المنصب، أدى انتخابه أيضًا إلى تحريك «حركة الولادة، التي كانت من عمل مليونير متجول طويل اللسان من نيويورك، وبتكرار كذبته مرة تلو المرة على الرغم من وجود الدليل على عدم صحة ادعائه، فقد استطاع ذلك الشخص ذو قصة الشعر الغريبة في النهاية أن يقنع ما يقارب الأربعين بالمئة من الأمريكيين أن يقعوا في الفخ وباستعمال نفس التكتيك عام 2016 نجح في الفوز في الانتخابات الأمر الذي أثار ما يشبه الانهيار العصبي الجماعي بين الشعب الأمريكي على مدى الأعوام الأربعة التالية وكاد يدمر البلاد، ومع أنه هزم في الانتخابات في نوفمبر الماضي، فلا ينبغي تجاهل إمكانية أن يجد هو وأتباعه، مع ذلك، طريقا إلى تدمير البلاد مرة أخرى. طوال هذه الخمسين عاما أو تزيد من الصراع الداخلي، ظلت الأسلحة قضية مركزية، المجاز الرئيس لكل ما يؤدي إلى ما يواصل تقسيمنا، وبينما تضطرم معارك ما بعد الانتخابات، فإن تلك القضية تهددنا الآن بالتمزيق وبالقضاء على التجربة الأمريكية.
في الثاني من مايو عام 1967 دخل ثلاثون عضوا من حزب الفهود السود، مبنى الولاية في ساكرامنتو ليحتجوا على قانون الفرض رقابة على السلاح تقدم به أعضاء جمهوريون في المجلس التشريعي، ومع أن كل واحد من أولئك الأربعة والعشرين شابا وست شابات كان مسلحا بماغنوم 357، وبنادق عيار 12، ومسدسات عيار 45، كلها معبأة فإنهم لم يكونوا مخالفين للقانون، بل كانوا في واقع الأمر يمارسون حقهم في فعل ما فعلوه، لأنه لم يكن في كاليفورنيا قانون يمنع الناس من حمل السلاح طالما كانت ظاهرة للعيان وليس مصوبة ضد أحد بطريقة تهدده. كان الفهود السود قد استغلوا القانون في مدينتهم أوكلاند كإجراء دفاعي ضد سوء المعاملة التي كان يلقاها السكان السود من البوليس الذي كان كله من البيض تقريبا، وكانت مشاهدة الرجال السود المسلحين يجوبون شوارع مدينة رئيسية بما يتضمنه ذلك من تهديد مقلقة لسكان كاليفورنيا إلى درجة أن مشرعي الولاية قرروا أن يلغوا القانون تماما . في ذلك اليوم في ساكرامنتو ألقى بوبي سيل، رئيس حزب الفهود السود كلمة أمام الإعلام :
يدعو حزب الفهود السود للدفاع عن النفس الشعب الأمريكي بصورة عامة والشعب الأسود بصورة خاصة أن يلاحظوا بعناية ما يفعله المجلس التشريعي العنصري في كاليفورنيا إذ ينظر في تشريع يهدف إلى إبقاء السود غير مسلحين وعزل في ذات الوقت الذي تقوم فيه إدارات البوليس العنصري عبر البلاد بتكثيف الإرهاب والوحشية والقتل والقهر ضد الشعب الأسود.
لو قفزت خمسين سنة إلى الأمام وغيرت ألوان الجميع، ثم أدخلت الكلمات الحكومة العميقة بدلا من عنصري، فستبدو تعليقات سيل مشابهة بصورة مدهشة لبيانات مؤيدي السلاح من المنظمات التي تؤمن بتفوق البيض اليوم. وفي قفزة أخرى بين الأمس واليوم، ظهر رونالد ريغان الحاكم اليميني المتطرف لكاليفورنيا في ذلك الوقت من مكتبه بعد مغادرة الفهود السود للمبنى وقال للصحفيين إنه ليس هناك سبب اليوم يبرر أن يحمل المواطن سلاحا معباً في الشارع، وأن الأسلحة «طريقة سخيفة لحل المشكلات التي يجب حلها بين الناس بنية طيبة.
من المهم أن نتذكر تلك الفترة، بعد شهر من زيارة الفهود السود للعاصمة الذي بدأ الإعلام يصفه بـ «غزوة ساكرامنتو» انفجرت حرب الأيام السنة في الشرق الأوسط، ووصلت المعارك في فيتنام إلى مستوى جديد من العنف بارتفاع أعداد الأمريكيين إلى أكثر من نصف مليون جندي، وعلى طرف الخليج المقابل لأوكلاند أعلن أطفال الزهور في سان فرانسيسكو عام 1967 صيف الحب»، في أماكن أخرى من البلاد، كان ذلك صيف إراقة الدماء، والحرائق، والزجاج المحطم عندما قامت موجات من الاحتجاج العفوي في المجتمعات السوداء الفقيرة في عشرات المدن ضد سلطاتهم المحلية والبوليس، كان انفجارا للشكاوى المكبوتة والإحباطات التي قادت إلى عديد من الوفيات الناجمة عن السلاح وآلاف الجرحى، وعشرات الآلاف من المقبوض عليهم والدمار الواسع للممتلكات العامة والخاصة. كان ذلك في أتلانتا بوسطن، سنسناتي، بوفالو، تامبا ، برمنغهام، شيكاغو، نيويورك ميلووكي، مينيابولس روتشستر توليدو بورتلاند، وأسوأ من الكل، أي الأشد دموية من الجميع، ديترويت ونيوارك، حيث كان الدمار بدرجة من العمق لم تستطع أي من المدينتين تجاوزه تماما عبر الأربعة والخمسين عاما منذ ذلك الحين، في عام 1967، كان سكان ديترويت ما بين مليون ونصف ومليون وستمئة ألف اليوم هو 670 ألفا.
استمر الجيشان طوال الأشهر الأولى من عام 1968، ابتداء بـ «هجوم تيت الذي شنته قوات فيتنام الشمالية وحلفاؤها في الجنوب، سلسلة من الهجمات المفاجئة والمنسقة على يد مغاوير الألغام على أكثر من مئة مدينة وبلدة فيتنامية جنوبية، ومع أن الهجوم دفع بالقوات الأمريكية للتراجع، فقد تحول أكثر من نصف مليون مدني من فيتنام الجنوبية إلى لاجئين بلا مأوى وتحولت الاستراتيجية الأمريكية إلى حطام، وكانت الرسالة هي أن الفيتناميين الشماليين لن يستسلموا أبدًا، وأنهم سيواصلون الحرب حتى آخر جندي في بلادهم، وأنه بغض النظر عن عدد الجنود الأمريكيين الإضافيين الذين يلقى بهم في المعركة فإن أمريكا لا يمكن أن تكسب الحرب في 31 مارس، ظهر الرئيس جونسون على التلفزيون وأعلن أنه لن يرشح نفسه للرئاسة، وكان ذلك اعترافا بالفشل وإقرارًا حزينا بأن الدعم الشعبي للحرب قد تراجع إلى درجة أن سياساته قد رفضت. بعد خمسة أيام اغتيل مارتن لوثر كنغ في ممفس، وبمجرد حدوث ذلك انطلق مئات الآلاف إلى الشوارع وبدؤوا يحطمون النوافذ ويحرقون البنايات في أكثر من مئة مدينة عبر البلاد. بدت أمريكا على شفا انهيار شامل، ومع ذلك حين ذاب الربيع في الصيف كان المزيد في طريقه للحدوث بعد شهرين ويوم من اليوم الذي أطلقت فيه النار على مارتن لوثر كنع من بندقية قتل روبرت كينيدي بمسدس في لوس أنجلس، بعد دقائق من إعلانه الفوز في انتخابات كاليفورنيا التمهيدية للرئاسة بجمع عمريهما معا يكون كنغ ذو التاسعة والثلاثين وكينيدي ذو الثانية والأربعين عاما قد تمكنا بالكاد من العيش عمر شخص مسن واحد.
كان مجلس كاليفورنيا التشريعي قد وافق على قانون السيطرة على السلاح الذي جرد الفهود السود من السلاح في يوليو 1967، والآن بعد أحد عشر شهرا، وافق الكونغرس الأمريكي على القانون الشامل للسيطرة على السلاح والشوارع الآمنة للعام 1968، متبوعا بقانون السيطرة على السلاح للعام 1968 في أكتوبر، أول التشريعات الفيدرالية المتعلقة بالأسلحة النارية منذ ثلاثينيات القرن العشرين. لم تكن لأي من القانونين قوة تذكر، وأثبت كل منهما أنه في الغالب غير مؤثر، لكنهما على الأقل مثلا نوعا من الاستجابة القومية للمشكلة القومية المتمثلة في تعاظم عنف السلاح، وأيدت المسعى الـ إن آر أي التي لم تكن مسيسة عندئذ بوصفه شيئًا يمكن الرياضيي أمريكا أن يتعايشوا معه .. ذلك ما قاله فرانكلين أورث، نائب الرئيس التنفيذي للمنظمة، لكن، كما لاحظ ونكلر في كتابه,
كان بعض الأعضاء ... معارضين بشدة للقوانين الجديدة وكانوا غاضبين من أورث. هذه المجموعة الصاعدة من النقاد الداخليين لم يكن دافعها معارضة تفاصيل القوانين الجديدة بقدر ما كانت تعارض فكرة السيطرة على السلاح، موقفهم انعكس على صفحات التحرير في المجلات المتخصصة بالسلاح آنذاك - غنز وآمو» غن ويك»، «غنز (1) حيث المقالات المطولة المعارضة للسيطرة على السلاح تتحول بسرعة إلى قاعدة. في نظر هؤلاء الناشئين من متشددي السلاح، كان أورث والقيادة الحالية لـ إن أر أي مولين اهتمامهم أكثر مما ينبغي للاستعمال الرياضي للسلاح على حساب الاستعمال الشخصي في الدفاع عن النفس والتعديل الثاني في زمن ارتفعت فيه معدلات الجريمة وسهولة الحصول على المخدرات، وانهيار المدن من الداخل، فيجب على الـ إن ار أي أن تحارب لحماية قدرة الأمريكيين على الدفاع عن أنفسهم ضد المجرمين اعتقدوا أن الـ إن آر أي بحاجة إلى إنفاق وقت وطاقة أقل على الأهداف السهلة وطيور البط ومزيد من الوقت على مهاجمة تشريعات السيطرة على السلاح، بل إن تلك المجموعة سعت لطرد أورث. فشلوا، لكن الخلاف على قوانين السيطرة على السلاح في ستينيات القرن الماضي، كان حسب ملاحظة أحد الكتاب، مجرد زخة الرصاص الأولى لما سيتحول إلى حرب شاملة ستؤدي إلى انقسام مجموعة السلاح بصورة واسعة في العقد التالي.
ما حدث على امتداد العقد التالي هو تحول الـ إن أر أي إلى واحدة من أقوى مجموعات الضغط في البلاد وتعميدها بوصفها المتحدث الرئيس باسم التوسع السريع للحركة المضادة للسيطرة على السلاح التي اجتذبت ملايين المؤيدين في العقود ما بين تلك الفترة والآن على الرغم من الممارسات المالية المشتبه فيها لـ إن أر أي ومشكلاتها مؤخرا مع القانون، فإن العمل الذي ابتدأته في السبعينيات والثمانينيات كان ناجحا إلى درجة أنه مع أو دون قيادة المنظمة، تمتلك الحركة من القوة ما يمكنها من المضي معتمدة على طاقتها الخاصة المفارقة هي أن الحركة التي يهيمن عليها البيض وأهل الريف والمحافظون ولدت لأنها تبنت فلسفة السلاح التي تبنتها مجموعة كانت من السود، وأهل المدن والمتطرفين: الاعتقاد التأسيسي بأن الأسلحة هي في المقام الأول للدفاع عن النفس وأن القوة السياسية»، إذا اقتبسنا كلمات ما وتسي تونغ ( التي اقتبسها الفهود، تنمو من ماسورة البندقية، الخطر الحقيقي أو المتخيل الذي مثله بوبي سيل وهوي نيوتن، وأتباعهما أحبطته مساعي المجلس التشريعي في كاليفورنيا ثم دمر تماما نتيجة للمحاولات التالية التي قام بها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) في عهد ج. إدغار هوفر من خلال العمليات السرية التي نفذتها وحدة برنامج التجسس المضاد كوينتيليرو) التي تسللت إلى المجموعة بمعلومات وعملاء إثارة ولجأت بالتعاون مع بوليس شيكاغو إلى القتل الصريح وغير المبرر بإطلاق النار على فريد هامبتون ذي الواحد والعشرين عاما أثناء نومه في سريره ليلا، ومع ذلك فإن الفكرة التي دعا إليها حزب الفهود السود الذي لم يطل به العمر اتضح أنها مقنعة بالقدر الذي جعلها تثبت لدى البيض على الجهة الأخرى من الجدل السياسي، ولأن الفهود السود كانوا قليلي العدد والبيض المحافظين كثيرون، ثبتت تلك الأفكار وهي الآن مقبولة بوصفها من الأساسيات التي لا تناقش في الحياة الأمريكية بالنسبة إلى قطاع عريض من السكان.
هو قطاع عريض لكنه ليس بأية حال الأعرض، وبتلك الحقيقة الباردة نقفز على رؤوسنا إلى المياه المظلمة للفوضى الأمريكية التي تحيط بنا اليوم.
هذه بلاد ولدت في العنف ولكنها أيضًا ولدت ومعها ماض، مئة وثمانون عاما مما قبل التاريخ عاشها الناس في حروب مستمرة مع سكان الأرض التي استولينا عليها وأعمال متواصلة من الكبت لأقليتنا المستعبدة - الإثمان الكبيران اللذان حملنا إلى الثورة ولم نكفر عنهما بعد. سواء أرضينا أم لم ترض، وبغض النظر عن كل ما فعلته أمريكا مما هو طيب طوال وجودها، ما زلنا نحمل عبء العار المرتبط بتلك الآثام، تلك الجرائم ضد المبادئ التي تعلن أننا نؤمن بها . لقد تحمل الألمان مسؤولية ما اقترفته النازية من البربرية واللا إنسانية، لكن الأمريكان ما زالوا يرفعون أعلام معركة الكونفدرالية عبر الجنوب وفي أماكن أخرى ويحتفلون بذكرى القضية الخاسرة بمئات من التماثيل التي تمجد جنرالات خونة وسياسيين مزقوا الاتحاد وأحالوا الولايات المتحدة إلى بلدين الحجة التي تقف وراء عدم تدمير تلك النصب التذكارية هو أنها جزء من تاريخنا. تخيلوا المشهد الألماني مركوما بأعلام نازية وتماثيل الأدولف هتلر. انظر إلى ذلك الصليب المعقوف، يقول الألماني باعتزاز للسائح الأمريكي إنه جزء من تاريخنا في برلين، هناك متحف مخصص لضحايا العبودية. ولكي لا يظن أحد أنني أبالغ حين أقيم هذا الربط لاحظوا أن سياسات هتلر بشأن العرق وجدت إلهامها في قوانين الفصل العنصري الأمريكية وفي حركة تحسين النسل. اخلط الاثنين وستكون النتيجة هي قوانين نورمبرغ و أرخبيل معسكرات الموت ممتدة من ألمانيا إلى بولندا التي أدت إلى القضاء على الملايين .
حق في العنف منذ الولادة، لكن أيضًا بلاد انقسمت في المنتصف منذ ولادتها، ليس فقط بين البيض والسود أو بين المستوطن والهندي وإنما بين الأبيض والأبيض أيضًا، لأن أمريكا هي أول بلد على وجه الأرض يتأسس على مبادئ الرأسمالية وهي نظام اقتصادي يتكئ على التنافس ولذا فهو بالضرورة مدفوع بالصراع، ذلك أن في لعبة مراكمة الثروة والممتلكات المؤشرات الوحيدة على القوة في أرض بلا أرستوقراطيين أو ملوك سيكون هناك بعض الرابحين وأكثرية من الخاسرين ونتيجة لذلك فإن على كل فرد أن يعتمد على نفسه فقط ليجتاز غابة سباق الفئران، ومعارك الكلب يأكل الكلب، وأسواق الثيران والدبية، التي تولد رؤية للعالم متغلغلة في العظام وغالبا في اللا شعور رؤية للفرد فيها أسبقية على المجموعة والأنانية تنتصر على التعاون. ليس كل شخص بطبيعة الحال، وبالتأكيد ليس في كل الأماكن أو كل الأوقات، ولكن في مقابل كل مثال من الأربعة والعشرين فلاحا الذي التموا لبناء حظيرة لجارهم أو المئتين من العمال الذين اجتمعوا لضم ورشتهم إلى اتحاد، هناك مثال يساويه يثبت المدى الذي كانت القطط السمان مستعدة للذهاب إليه في الدفاع عن مصالحها : الإخماد الوحشي لعشرات الإضرابات في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، مثلا كما حدث حين دعا هنري كلي فرك الشريك التجاري لأندرو كارنيغي، كتيبة من عملاء بنكرتون المسلحة لإطلاق النار على عمال مصنع هو مستيد للفولاذ في بنسلفانيا، أو التطهير المنظم للمجموعات السياسية المؤيدة للعمال والمعارضة للرأسمالية أثناء غارات بالمر» عام 1919 التي أدت إلى إلقاء قبض جماعي وترحيل لـ غير المرغوب فيهم، أو ما حدث هذا العام من إجراءات متطرفة اتخذتها أمازون لمنع تشكيل اتحاد في أحد مراكزها للشحن في الاباما. كنا منذ الأيام الأولى للجمهورية منقسمين بين أولئك الذين يؤمنون بأن الديمقراطية شكل من الحكومة التي تعطي الأفراد حرية فعل ما يعجبهم وأولئك الذين يعتقدون أننا نعيش في مجتمع ومسؤول بعضنا عن بعض، أن الحرية التي تمنحنا إياها الديمقراطية تتضمن أيضا التزاما بمساعدة أولئك الذين لا يمكنهم ضعفهم أو مرضهم أو فقرهم من مساعدة أنفسهم - صراع دام قرونا بين الحاجة إلى حماية حقوق الفرد وحرياته والمصالح العامة.
لا شيء يصل فيه الصراع إلى مستوى من التوتر أكثر مما يصل في الجدل حول الأسلحة، ذلك أن الانقسام الفلسفي بين الفريقين عميق إلى حد أنه ولعدة عقود حال دون أن تجلس القوى المؤيدة للسيطرة على السلاح وتلك الرافضة لتلك السيطرة معا للعمل على حل وسط يواجه الكارثة التي تدمي القلب والمتمثلة بالعنف المتعاظم للسلاح الذي ما زال ينتشر في كل زاوية من الولايات المتحدة. الطريق المسدود مرير وغالبا متوحش في عدائه المتبادل، إلى درجة أن الفريقين في السنوات الأخيرة تباعدا إلى مسافة يشعر معها المرء في الغالب أن الأمر يتجاوز مجرد معارضة موقف الجانب الآخر، كل واحد يتحدث بلغة مختلفة تماما . في تلك الأثناء، دمرت حياة مليون ونصف المليون أمريكي بالرصاص منذ 1968 - وفيات تجاوزت مجموع وفيات الحروب التي عانتها هذه البلاد منذ أول رصاصة أطلقت في الثورة الأمريكية.
أكثرية من الأمريكيين تؤيد حق الأفراد في امتلاك السلاح لكن تلك الأكثرية ذاتها تؤيد بصورة كاسحة تفعيل إجراءات تضع حدا للعنف المميت الذي تسببه الأسلحة. الأقلية المناهضة للسيطرة على السلاح تحتج بأن المشكلة ليست بسبب السلاح وإنما بسبب الناس الذين يستعملونه، كلاهما محق ومخطئ تماما مثلما أنهما محقون ومخطئون حين يحاجون في أن ظاهرة إطلاق النار الجماعي هي قضية صحة عقلية، لأن الحقيقة هي أن معظم مطلقي النار الجماعي مضطربون عقليا وعاطفيا. ومعظمهم كانت لديهم فانتازيا إطلاق النار وقتل أعداد كبيرة من البشر قبل ارتكابهم الجرائم المشكلة هي أن العديد من الناس الآخرين لديهم أيضًا تخيلات فانتازية حول قتل الغرباء أو أفراد من العائلة أو أصدقاء أو أعداء ولم يفعلوا شيئًا من ذلك. لا يمكن أن يعاقب شخص بسبب أفكاره، بغض النظر عن مقدار الوحشية أو السادية في تلك الأفكار، ولذا يقف القانون عاجزا عن التدخل حتى يكون الأوان قد فات - حين تكون تلك الأفكار القاتلة تحولت إلى أفعال وتكون عائلات المتوفين قد دفنت أبناءها وبناتها في الأرض.
الأقلية التي تقف ضد السيطرة على السلاح محقة حين تقول بأن عنف السلاح سببه الأشخاص غير المسؤولين والقلقين الذين يستعملون السلاح، لكن القول بأن السلاح لا يتسبب في عنف السلاح ليس أقل سخفًا من القول بأن السيارات لا تسبب حوادث السيارات أو أن السجائر لا تسبب سرطان الرئة ليس كل شخص يقود السيارة يتسبب في حادث، وليس كل مدخن سجائر سيموت بسرطان الرئة، وليس كل مالك سلاح سيستعمل سلاحه لتشويه أو قتل نفسه أو شخص آخر، لكن الناس يطلقون النار على الناس بالأسلحة لأنهم يملكون السلاح، والناس يرتكبون الانتحار بالسلاح لأنهم يملكون السلاح، وكلما توافر السلاح الذي يمكن شراؤه وكلما توافر أولئك الذين سيدفنونهم، فإن مزيدًا من الناس سيقتلون أنفسهم ويقتلون غيرهم بالسلاح. هذه ليست مقولة أخلاقية أو سياسية - هي مسألة رياضيات بحتة، أعط عشرين طفلا عشرين علبة كبريت في حفلة عيد ميلاد وستكون هناك كل الفرص لأن يحترق البيت بالكامل قبل أن تنتهي الحفلة. تريد الأكثرية أن توقف عنف السلاح بزيادة الصعوبة في الحصول على الأسلحة. التطبيق الصارم للتاريخ الشخصي, ومنع الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم عنيفة من شراء السلاح وإزالة المنافذ التي تسمح بعدم الفحص في معارض الأسلحة والعشرات الأخرى من المقترحات المعقولة التي تساعد على تخفيف الضرر الذي تسببه الأسلحة قدمت للكونغرس، لكن نتيجة للعقبات الدستورية التي ضمنت سيطرة الأقلية على مجلس الشيوخ، فإن من شبه المؤكد أن كل مشاريع القوانين هذه ستمنعها أساليب التعطيل الجمهورية غير أن هناك إجراءات أخرى يمكن اتخاذها، إجراءات لا تعتمد على تمرير قوانين وإنما على التطبيق الدقيق لقوانين قديمة، مثل الحملة الشاملة التي قامت بها وزارة العدل ضد المتاجرة غير المشروعة بالسلاح من حيث هي مخالفة إجرامية لقوانين التجارة بين الولايات أو الحملة المشابهة التي قامت بها وزارة الداخلية لاختراق عمليات المجموعات الإرهابية منظمات التفوق العنصري للبيض الشديدة التسليح والمتزايدة الخطر مثل العصابة المجنونة من ميتشغان التي خططت لاختطاف حاكم الولاية وقتله بسبب إصدار حجر مؤقت في الولاية أثناء الجائحة لن يؤدي أي من هذين الإجراءين إلى وضع نهاية للعنف، لكنه سيكون خطوة صغيرة ومع ذلك مهمة على الطريق الصحيح، وبالنظر إلى الانقسام الحاد الذي نحن عليه في كل الأمور تقريبا في هذا الوقت من الخلاف الغاضب سيكون السير إنشين إلى الأمام أفضل بالتأكيد من التوقف تماما . في هذه الأثناء تتزايد التشققات في المجتمع الأمريكي باستمرار لتصير جروفًا ضخمة من الفراغ.
لو أن دونالد ترمب نجح نجاحا وإن كان متواضعا في قيادة البلاد أثناء الجائحة، فلربما تفادى الخسارة في الانتخابات في نوفمبر، لكنه لم يفعل، ولذا خسر، وبمجرد أن بدأ الفصل الأخير من رئاسته أي فصل البطة العرجاء الممتد لشهرين ونصف تفجرت الجحيم وتضررت البلاد بطرق لم ترها منذ ولادة الجمهورية. لم يحدث من قبل أن تحدى مرشح للرئاسة نتائج الانتخابات بالضراوة كما فعل هذا، ولم يحدث من قبل أن حرض رئيس في فترة رئاسته على الانقلاب لاستعادة السلطة التي خسر العجيب، ولكن المتوقع هو أن الملايين أيدوا وما زالوا يؤيدون ادعاءه المخادع أن الانتخابات سرقت منه، وحين هاجمت مجموعة من غوغاء المؤيدين مبنى الكونغرس في السادس من يناير بقصد إعدام نائب الرئيس دون محاكمة وقتل قادة الكونغرس من الحزب الديمقراطي، فإن تدخل الحظ الأصم فقط هو الذي أنقذ العشرات من الناس من أن يذبحوا . دخلت أمريكا منطقة جديدة لم يتخيلها أحد من قبل، وبينما أكتب هذه الكلمات اليوم بعد سبعة أشهر من مغادرة ترمب للرئاسة، ليس لدى أحد في أي مكان ما بين ولايتي مين وكاليفورنيا، ولا أي مكان ما بين الطرف الشمالي لمينيسوتا والطرف الجنوبي الفلوريدا أي تصور لما يمكن أن يحدث في الفترة القادمة.
في هذه الأثناء ارتفع عنف السلاح بحدة منذ تفجر الجائحة مالنا الأجواء الأمريكية بتدفق كثيف من الرصاص المصنع حديثا . الإحصائيات المنشورة مؤخرًا عام 2020 تشير إلى زيادة حالات القتل بنسبة 30% عما كانت عليه عام 2019 في كل الثلاث عشرة من كبريات المدن في البلاد تقريبا، والإحصائيات العام 2021 تتضمن ما هو أسوأ من عام 2020. في مدينتي نيويورك ارتفع إطلاق النار بزيادة تصل إلى ثلاثة وسبعين بالمئة من مايو الماضي إلى مايو الحالي، والمبيعات القانونية للسلاح بلغت من القوة أن المصنعين لا يكادون يجارون الطلب، حتى مع استمرار السوق السوداء للاتجار بالسلاح في الازدهار، حسب أحدث الكشوفات، ارتفعت ملكية السلاح من اثنين وثلاثين بالمئة من السكان إلى ما يقارب التسعة والثلاثين بالمئة أثناء الثمانية عشر شهرا منذ بدأت الجائحة.
في هذه الأثناء أرسل قاتل جورج فلويد، أحد أفراد قسم البوليس في مينيابولس إلى السجن لمدة 22 عاما، نتيجة للجهد المتواصل والرؤية الواضحة لدى دارنيلا فريزر الفتاة ذات السبعة عشر عاما التي صورت الدقائق الثمان ونصف لذلك القتل الوحشي بالدم البارد لكي يراه كل أمريكي مع العالم أجمع. المظاهرات التي تلت جريمة قتل جورج فلويد كانت مؤشر الأمل الوحيد الذي شعرت به لعافيتنا المجتمعية أثناء الأيام المظلمة الأولى للجائحة وذلك حين سارت حشود ثنائية العرق معا في ما يقارب الألفي بلدة ومدينة عبر البلاد، لكن ليس من الواضح بعد ما إن كانت تلك المظاهر للوحدة بين السود والبيض تعني انحسارا للغيوم. في المجمل، يخطر ببالي أفراد بوليس نيويورك الذين كانوا يحطمون عصيهم الليلية على أجساد المحتجين المسالمين في منهاتن فيما كانت عصابات المراهقين تنهب مخازن حي «سوهو» على بعد عشرين أو ثلاثين صفا من البنايات إلى الجنوب دون أن يكون هناك أي بوليس، وحين لا أفكر في نيويورك، فإنني أفكر معظم الوقت بالمدينة الصغيرة في ولاية وسكونسن حيث أطلقت جدتي النار على جدي وقتلته قبل مئة وعامين وكيف أنه في كينوشا نفسها في أغسطس الماضي، بينما كان حشد من المحتجين يساندون جاكوب بليك الرجل الأسود الأعزل الذي ترك مشلولا بعد أن أطلق البوليس الأبيض عدة رصاصات على ظهره، وصل فتى في السابعة عشرة من عمره إلى المشهد مسلحا ببندقية نصف أوتوماتيكية وأطلق النار وقتل اثنين من المحتجين وجرح آخر، جرائم متعمدة غفرها الرئيس الأسبق بوصفها «دفاعا عن النفس. أعود بتفكيري عندئذ إلى الفتاة ذات السبعة عشر عاما بجوالها في مينيابولس وأسأل نفسي إن كان المستقبل سيكون لها أو للفتى ذي السبعة عشر عاما ببندقيته في كينوشا أو أن العالم سيظل كما هو الآن ويظل المستقبل لهما معا.
الفصل السابق