القائمة الرئيسية

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/٤

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/٤
ملخص المقال

ملخص: يناقش هذا الجزء من الكتاب الشخصية البطولية لرجل طيب قام بتصرف شجاع في ظروف صعبة، لكنه يعاني من الشعور بالذنب بسبب الأرواح التي لم يتمكن من إنقاذها. رغم تقديره وتكريمه من قبل السياسيين والمنظمات مثل الـإن آر أي، إلا أنه لا يوافق تمامًا على موقفهم حول حق حمل الأسلحة. يعكس الكاتب التوتر بين الفكرة المثالية حول حماية الذات بالسلاح وبين التأثير السلبي لحمل الأسلحة في المجتمع، مُشيرًا إلى أن خوف الأفراد يمكن أن يؤدي إلى تصرفات متهورة وخطيرة. يناقش بشكل أعمق التحديات الأخلاقية والقانونية المرتبطة بحمل الأسلحة، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الحلول الأكثر فعالية تكمن في نزع السلاح بدلاً من تعميمه.

أحد أصدقائي الطيبين رجل اسمه فرانك هايلر، كاتب نشر قصائد وروايات وأعمالاً غير سردية لكنه أيضًا طبيب غرفة طوارئ في مستشفى جامعة نيومكسيكو في مدينة البكركي، حيث يعمل منذ أكثر من عشرين عاما، مجموعتاه الأوليان من النصوص القصيرة التي وثقت حياته الشخصية في غرفة الطوارئ - غرباء الدم (1999) و الضوء الأبيض الحار (2020) كلتاهما من الروائع في تقديري، تجمعان القوة إلى الجمال بدرجة تجعلني أضعهما بين أفضل ما أنتجه الأطباء الكتاب منذ تشيخوف. في بداية أبحاثي حول التفاصيل المروعة لعنف السلاح الأمريكي تحدثت مع فرانك لساعتين على الهاتف أمطرت عليه أسئلة حول المعايير المختلفة التي تتخذ حين تأتي ضحية من ضحايا إطلاق النار إلى غرفة الطوارئ، وهو شيء يحدث أكثر من مئة مرة في السنة حسب تقديره، وهو ما لا يعكس بطبيعة الحال العدد الكلي الحالات إطلاق النار التي تعالج في المستشفى لأنه ليس مناوبا كل يوم من أيام السنة، من ملاحظاتي التي لا تكاد تهميشاتها نقرأ استطيع تبين التالي:

 إسعاف - أو سيارة مع شخص ملقى على المقعد الخلفي 

غرفة الطوارئ 

يعتمد الأمر على مكان إصابة الشخص بالطلقة في الرجل اليسرى - أخطأت العظم - رصاصة تخترق - ثقب صغير - أرسله إلى المنزل

أصابت العظم - تحطم العظم، حسب السلاح 

طلقات - فظيعة 

بنادق - فظيعة - إتلاف أنسجة 

مسدسات - مثل كسارات الثلج 

بطن - فتحة - لا بد من اتخاذ قرار سريع حول 

نزيف الداخلي 

ضغط الدم - حقن الوريد - تقدير سريع المؤشرات الحياة 

يبدو مستقرا أو غير مستقر - رمادي / شاحب - مزق الملابس 

ابحث عن ثقوب - مسارات غربية للرصاص - 

ليس من الواضح أين ستنتهي - 

بطن - غرفة العمليات - بطن مفتوح - ابحث عن 

ثقب - 

اخترق الأمعاء (ليس بحثا عن رصاص) - غالبا اتركها في 

الداخل - 

من الصعب العثور عليها (مستقرة في عضلة) 

جراحة - السيطرة على النزيف - جراحيًا إن كانت أحشاء - 

لا بد من إصلاح - 

محتويات الأحشاء تتسرب إلى البطن - عالج الالتهابات 

ما بعد الجراحة - أمعاء - تصميم القولون - أيام قليلة في المستشفى 

لكن إن حدث نزيف كثير، قد تكون أسابيع 

صدر - يمكن للرصاص أن يخترق 

أو يستقر - ومعالجة انهيار

الرئة - أنبوب الصدر - مثل خرطوم مياه حديقة ضيق - 

أدخله بين الأضلاع 

الرئة مثل حقيبة داخل حقيبة 

فجوة في الصدر - طبقتان - 

محرومة - يتسرب الهواء ما بين الرئة والصدر - 

الرئة المنهارة - 

استرواح صدري - يشفط الهواء - الرئة تتمدد 

غالبا هناك دم أيضًا - إن أصيب شريان صغير أو كبير - 

عديد من الوفيات 

وجه - رأس - 

جروح مشوهة - حسب نوع السلاح 

مسدس طويل - ذراع قصيرة - 

انتحارات - الرصاصة لا تصيب المخ - لا يموت مباشرة 

رأس 

مسدسات من العيار الثقيل - يأتون فاقدي الوعي - 

إن كان جذع الدماغ ما زال يعمل، يمكنه البقاء حيا لبعض الوقت 

قمة الدماغ مخترقة - انتفاخ نزيف - يتسبب في الوفاة 

رأس - غالبا محاولات انتحار - 

ثمل في معظم الحالات 

أسباب إطلاق النار - 

  1. انتحارات ( جانب من الرأس عادة) - صدغ - 

يقطع عصب النظر -

أعمى 

الجلد البشري قوي ومرن - 

يمكن للجلد أن يعمل مثل شبكة - تحت السطح مباشرة 

  1.  إطلاق نار إجرامي - نزهات بالسيارة - مخدرات 

طقوس انضمام أعضاء العصابة الصغار 

غالبا نزوة عابرة - قتل للانتقام - 

  1. خلافات منزلية - عراك يتحول إلى إطلاق نار -
  2.  عائلات - جرائم عاطفية - ثمل غاليا 

بارات خصومات منزلية - رجال يقتلون نساء 

القليل منها معكوسا

أكثر الضحايا من الرجال 

من الشبان غالبا 

حين سألت قرانك إن كان قد عالج ضحية أو ضحايا الإطلاق نار جماعي، قال إن ذلك حدث له مرة واحدة فقط، وكان ذلك قبل عشرة أو اثني عشر عاما . دخل رجل إلى مكتب زوجته السابقة بعد ظهر أحد الأيام عازما على قتلها، لكن قبل أن ينجح في العثور عليها سخن بإطلاق النار عشوائيا على عدة أشخاص من العاملين الموجودين على مكاتبهم. قتل ثلاثة وجرح العديد ، بدأت الحالات تصل إلى المستشفى الواحدة تلو الأخرى، وبين الحالات التي استدعي فرانك لفحصها كانت امرأة في أواخر الثلاثينيات. لم يخبرني عن عدد الرصاصات التي أصيبت بها، لكني فهمت بأن حالتها كانت خطرة، وأثناء استلقائها على ظهرها تنظر إلى فرانك قالت له بصوت وصفه بـ الهادئ والرصين - دون اية آثار للخوف - سأموت. ثم بذات الصوت الخالي من العاطفة. أعطته رقم جوال زوجها، ولم يمض وقت طويل، وقبل أن تنقل إلى غرفة العمليات كانت قد ماتت. 

تمثل إطلاقات النار الجماعية نسبة ضئيلة من وفيات السلاح الأمريكية، لكنها مع ذلك تحدث بتكرار مذهل، بمعدل واحدة يوميا تقريبا على مدى العام، يعرف الجماعي، بالرقم أربعة بصورة عامة، مع أن البعض يرى أن ذلك يعني أربعة قتلى فيما يرى آخرون أنه يعني أن أربعة أطلقت النار عليهم، سواء قتلوا أو جرحوا . كما هو الحال في الحالات التي يقتل فيها فرد آخر عبر البلاد، لا تنقل الصحافة على مستوى البلاد إلا قليلا من حالات الإطلاق الجماعي، صار الأمريكيون معتادين المذابح اليومية إلى درجة أنهم لم يعودوا يأبهون لها، حتى مع تزايد الأعداد عاما بعد آخر، لكن فجأة يحدث إطلاق نار جماعي في مكان ما يكون أكثر بروزاً من غيره، حمام دم بحجم وقدر من الرعب يجعل المجتمع الأمريكي برمته يتوقف في طريقه لبرهة أثناء انقضاض الكاميرات لتلتقط الصور الأناس مدمرين يبكون فيما يتفحص المراسلون تفاصيل الجريمة وينشرون أخبارهم حول القاتل ودوافعه ويعبر كتاب صفحات الرأي ومعلقو التلفزيون عن آرائهم للجمهور لوهلة يبدو الجميع وقد التف بعضهم على بعض في هذه البلاد الوحيدة والممزقة لكن بعد وهلتين يبدأ مناصرو السلاح ومعارضو السلاح يتعاركون مرة أخرى، وعلى الرغم من النداءات الغاضية مطالبة بالإصلاح والفعل والتغيير، لا يحدث شيء أبدا، وخلال أسبوع أو اثنين يصرف الجمهور المشتت انتباهه إلى شيء آخر. 

هذه المشاهد المروعة حدثت على مدى العقدين الماضيين بتكرار يكفي لجعلها شكلا جديدا من الطقوس الأمريكية: تحول إراقة الدماء والحزن إلى سلسلة من أشكال التسلية المخيفة التي تزرعنا المرة تلو الأخرى أمام أجهزة التلفزيون فيما نحن نمتص الحكايات المتجهمة حول آخر كابوس وتنعي ما حدث لأمريكا التي نحب. في هذه الأثناء ترفع شركات التلفزيون معدلات مشاهدتها وتزيد من دخلها بقلب ترنيمة البائع المتجول القديمة: طلقة أخرى من دولارك لتصير دولارات أكثر من الطلقة. ذلك يكفي لتحويل أشد الناس تفاؤلا إلى منهكم لا يطاق. 

معظم حالات القتل الجماعي هذه يرتكبها شبان يعيشون في عزلة، أحيانا يكون المرتكب رجال على مشارف منتصف العمر، ونادرا ما يكونون نساء ذلك معدوم تقريبا)، وكما هو الحال مع الزوج الغاضب في البكركي يكون أولئك الرجال كامنين في زاوية مظلمة من الاحتجاج الشخصي حيث يمضون الأشهر، وربما السنوات، في تقيح مستمر، ثم ينبثون في كراهية شاملة تدفع بمطلق النار إلى قتل أي شخص حتى وإن كان بعيد الصلة بهدفه الأساسي، ذلك ما يميز حالات القتل الناجمة عن الاحتجاج الجماعي عما يقابلها من المواجهات الفردية - استعداد مطلق النار أن يحول سلاحه إلى الغرباء ويجتثهم لا لسبب سوى إشباع الرغبة في قتلهم وهو ما يجده معظم الناس عصيا على الفهم، سواء كنا مؤيدين للسلاح أو معارضين له، أو بين بين ما السبب يا ترى في رغبة إنسان أن يقتل أناسا لا يعرفهم، لا سيما أولئك الذين لم يؤذوه وكانوا على الأرجح سيعينونه على النهوض لو رأوه واقعا على الأرض أو يمدون أيديهم إلى جيوبهم ليعطوه دولارا لو أخبرهم بأنه جائع مع أن كل حالات القتل التي يرتكبها شخص ضد آخر نتيجة مشكلات فردية مروعة وصادمة، فإنها لا تغمرنا بذات القدر من الحيرة، لأننا نعرف الغيظ بل والغضب الشديد، ويمكننا جميعا تخيل أنفسنا مدفوعين إلى ما يتجاوز حدود العقل فتصل إلى جنون مؤقت يجعلنا نلاحق شخصا نرى أنه أساء إلينا، مثلما حدث لجدتي حين أطلقت النار على جدي وقتلته في مطبخ بيتها في كينوشا، فعل لا يمكن التسامح معه لكن يمكن فهمه. 

كما أنه ليس من المستعصي فهم القاتل المأجور الذي يكسب عيشه بقتل الغرباء أو الصبي القادم من حي مضطرب في إحدى المدن ويعرف أن حياته ستكون مهددة باستمرار إن لم ينضم إلى عصابة محلية ويذهب من ثم إلى الشوارع بعد ظهيرة يوم ما ليطلق الرصاص على مارة لا يعرفهم ليثبت أنه يمتلك الشجاعة التي تؤهله للانضمام إلى العصابة، ليس هناك عاقل سيثني على حالات القتل هذه، لكننا يمكن فهم لماذا تحدث. ما لا تستطيع فهمه هو التعمد في القتل العشوائي، وفي كل مرة يشد الاهتمام العام حدوث إطلاق نار جماعي آخر، نشعر جميعا بأننا مهددون أكثر من ذي قبل، ذلك أنه إذا كان ذلك الشخص أو ذلك الشاب أو ذلك الطفل الصغير يمكن أن تطلق النار عليه ويقتل دون سبب، فلماذا لا يحدث ذلك لطفلي أو لي؟ يسيطر علينا الخوف والخوف سم يفسد قدرتنا على التفكير، وحين لا تستطيع التفكير، تكون قراراتنا قد تم التنازل عنها لقوى عاطفية عمياء ومدمرة. 

أمر آخر يجعل القتل الجماعي مختلفا عن الأنواع من القتل هو المستوى العالي من التخطيط الذي يرافق القيام بتلك الهجمات. أسابيع وأحيانا أشهرا من التحضير مطلوبة قبل أن يكون القاتل جاهزا للانطلاق النزعة المفاجئة غير واردة: الانفجارات الفاضية التي تسبق معظم معارك البارات القاتلة وحالات القتل الغاضبة على الطرق ليست عوامل مؤثرة في التخطيط للقتل الجماعي وعلى عكس ما قد يتوقعه المرء معظم هؤلاء القتلة يمضون في عملهم بهدوء ومنهجية بلا صراخ أو لعنات أو مظاهر خارجية للمشاعر، كما لو أنهم داخلون في منطقة تتجاوز ما نسميه عادة الحياة الواعية المعتادة، منطقة يكون فيها العالم قد مات بالنسبة إليهم وهم ميتون بالنسبة إلى أنفسهم، المسألة هي أن تحول نفسك إلى آلة للقتل، لتحقيق ذلك الهدف يختار أولئك القتلة أسلحتهم بعناية، يتسلحون في الغالب بتشكيلة من الأسلحة الطويلة واليدوية، وفي بعض الحالات يصلون إلى مكان العمل متحرمين بالكامل بدرع واق. وفي معظم الحالات تقريبا، تكون الأسلحة والذخيرة والواقي قد تم شراؤها بطرق قانونية تماما. شکاوى عائلية شكاوى زوجية شكاوى جنسية شكاوى عمل شكاوى مؤسسية، شكاوى سياسية، شكاوى عرقية وإثنية (جرائم الكراهية)، وبينما تستمر جائحة إطلاق النار الجماعي في الانتشار، يستمر طموح عديد من القتلة الشبان في تجاوز عدد الوفيات الذي حققه سابقوهم أن يحطموا الرقم القياسي ويحققوا من ثم الشهرة والمجد الأبدي في الخروج على القانون بوصفهم أعظم قتلة جماعيين في التاريخ الأمريكي مواقع التواصل الاجتماعي تعج بالمتبجحين من أولئك الذين يضمرون التدمير فيما هم يهيئون أنفسهم لتنفيذ نسخهم من المذابح المسلحة في مدرسة في كلية، أو في كنيسة، وقراءة بياناتهم تجعلنا ندرك أن إعدام الغرباء تحول إلى رياضة تنافسية ولون مرعب من ألوان الفنون الأدائية المعاصرة إنها أحدث هدايا آمريكا للعالم ملاحظة مريضة نفسيا على هامش عجائب سابقة مثل لمبة الضوء الساطعة، والتليفون، وكرة السلة، والجاز و التطعيم الواقي من الشلل أصدقاؤنا من قارات بعيدة ينظرون في حيرة ورعب ليسوا أقل ترويعا منا حين نقرأ عن تشويه الأعضاء الجنسية للفتيات المراهقات أو رجم النساء حتى الموت حين يتهمهن أزواجهن بالخيانة. 

ما يدهشني وأراه جديرا بالاهتمام هو أن أي أمريكي فوق الخامسة والعشرين وعلى قدر معقول من النباهة لن يجد صعوبة في تذكر التفاصيل من قائمة من حوادث إطلاق نار جماعي حدثت خلال الأعوام العشرة السابقة الهجمات التي حدثت براحة بال على مدارس ابتدائية، وثانوية، وكليات، كما هو على سبيل المثال قتل عشرين طفلا صغيرا عام 2012 وستة معلمين ومعلمات وإداريين في مدرسة ساندي هوك الابتدائية في نيوتاون بولاية كونيتيكت أو القتلى السبعة والأربعة عشر جريحًا عام 2014 أثناء حالة الهيجان التي حدثت بالمسدس والسكين والسيارة على بعد أمتار من مقر جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا في مدينة إسلا فيستا بكاليفورنيا، أو الشاب ذي الخمسة عشر عاما الذي بعد خمسة أشهر من بداية دراسته الثانوية قتل أربعة من أقرب أصدقائه ثم قتل نفسه في كافيتيريا مدرسة ماريسفيل - بيل تشك الثانوية في ماريسفيل بولاية واشنطن، أو الجرحى الثمانية والقتلى العشرة عام 2015 في كلية أو مباكوا المجتمعية في روز برغ بولاية أوريغن، أو حمام الدم عام 2018 في مدرسة مارجوري ستونمان دوغلاس الثانوية في باركلاند بولاية فلوريدا الذي خلف سبعة . عشر جريحًا وسبعة عشر قتيلا، وفي أول وآخر هذه الحالات. الصدمات التي أضيفت إلى عائلات الضحايا في معاناتها حين قفز من الظل جيش من الباحثين عن نظرية المؤامرة من أقصى اليمين وبدؤوا ينشرون حكايات مختلفة تقول بأن مذابح ساندي هوك وباركلاند التي غطيت إعلاميا بصورة واسعة ووثقت ليست سوى خدع نفذها من يسمون بفاعلي الأزمات، بعد ساعات من إطلاق النار أفسح شكل من أشكال الجنون الأمريكي المجال لشكل آخر، وكما حدث مع منكري الهولوكوست قبلهم، لم يستطع أي قدر من الأدلة المخالفة أن تدفع مدعي الخدع أن يغيروا تأكيداتهم القاسية بما تحمل من سخرية. 

في المجموع الكلي، شهدت الأعوام العشرة الماضية مثتين وثماني وعشرين حادثة عنف مصدرها السلاح في المدارس والكليات على امتداد البلاد ثلاثون من تلك كانت من الضخامة. بحيث يمكن اعتبارها حالات إطلاق نار جماعي، وبين الأمثلة التي ذكرتها للتو يستغرب المرء حين ينظر إلى التاريخ الشخصي والدوافع التي حركت مطلقي النار ثم يكتشف عدد السمات المشتركة بينهم كلهم، ابتداء، كانوا من صغار السن - خمسة عشر، تسعة عشر عشرون اثنان وعشرون ست وعشرون وجميعهم ظهرت عليهم علامات اضطراب عقلي وعاطفي في أواخر طفولتهم وبدايات مراهقتهم الأربعة الأكبر سنا كانوا مهووسين بالسلاح، وكانوا في الغالب بلا أصدقاء وعدوانيين تجاه الآخرين في المدرسة، وحملوا أحقادا تغلي ضد الناس الذين شعروا أنهم السبب وراء ما آلت إليه حياتهم الفقيرة المعزولة، الكلمة الوحيدة التي تكتنف حياتهم كلهم هي الوحدة. الوحدة المدمرة للعقل والتي لا تطاق، وهي الوحدة التي تدفع ملايين الأمريكيين الآخرين إلى البحث عن الراحة في صور مختلفة من الطمس - الكثير من المخدرات الكثير من الكحول وحالات الضياع المفرط في متاهات الإنترنت هي حيوات تدمر نفسها ببطء وعاما بعد آخر تفرز عشرات الآلاف من حالات الموت يأساء، وهذا تعبير جديد عن لون حديث من ألوان البؤس الأمريكي، وفي النهاية القصوى لمنظور البؤس يقف القتلة، أولئك الذين يختارون أن يدمروا انفسهم بتدمير الآخرين، لأن الحقيقة هي أن كل شخص يمضي لقتل عدد كبير من الناس على نحو عشوائي، أناس لا يعرفهم، إنما يخطط لانتحاره هو. 

لقد ترك مطلق النار في آيلا فستاء حكاية حياته في مئة ألف كلمة يلفت النظر ما عبرت عنه بدقة من تبرم وغضب وكراهية متزايدة للنساء موجهة ضد جمعيات الفتيات اللاتي كن يتجاهلته باستمرار، وفي نص أقصر بكثير عنوانه «قصتي، يقدم قاتل أمبكوا ، وثيقة سلسة من ناحية، ومتباكية على الذات بمزيج من الغرابة من ناحية أخرى:

لقد كنت دائما الشخص المكروه أكثر من غيره في العالم .... كانت حياتي كلها مغامرة في العزلة، أدى فقد إلى آخر، وها أنا ذا في السادسة والعشرين، بلا أصدقاء، بلا عمل ولا صديقة لي، لم أمارس الجنس. أدركت منذ مدة طويلة أن المجتمع يحب حرمان أمثالي من هذه الأشياء الناس ذوي المكانة العالية، الناس الذين يصطفون مع الآلهة أناس مثل تتلو ذلك قائمة بالشبان الذين نفذوا القتل الجماعي في إيلا فستا... و كولومباين»، و«ساندي هوك، وكلية فرجينيا للتقينة ... حرم أولئك مثلما حرمت من كل شيء يستحقونه، كل شيء أرادوه، مع أننا قد نكون ولدنا سيئين، فإن المجتمع لم يدع لنا مخرجا، لا طريقة لأن تكون مستقيمين. لقد فرض علي أن أتحد مع قوى شيطانية، ما كان ذات يوم علاقة لا إرادية صار الآن اتحادا ، خدمة. إنني الآن أخدم التراتبية الشيطانية، حين أموت سأكون واحدا منهم. شيطانا، وسأعود لأقتل مرة تلو أخرى، سأمتلك روح شخص آخر وستعرفون عملي بالإشارة، ستطير النجمة الخماسية مرة أخرى... إن نجاحي في الجحيم مؤكد. ومثلي تماما، سيكون هناك آخرون، كما قال تيد بوندي، نحن أبناؤكم إخوانكم، إننا في كل مكان. نصيحتي للآخرين من أمثالي هي أن يشتروا مسدسا ويبدؤوا بقتل الناس..... 

لقد كنت مهتما بإطلاق النار الجماعي على مدى سنوات. لاحظت أن موضع الخلل لديهم أنها لا يعملون بسرعة كافية وعدد قتلاهم ليس حتى قريبا مما ينبغي. يطلقون النار عشوائيا بدلا من أن يطلقوا على أهداف محددة، كما أنهم لا يقتلون البوليس لماذا تقتل الناس الآخرين وتترك البوليس..... 

سؤال: هل أنت مختل عقليا ؟ 

جواب: لا لست كذلك مجرد اتحادي مع قوى ظلامية 

لا يعني أنني مجنون.

إلى جانب المدارس وحالات القتل المروعة للأطفال الصغار والأطفال الكبار واليافعين، إلى جانب الانهيار في نوبات من الحزن الذي لا يتوقف لدى مئات آلاف، بل أعداد لا تحصى من الأمهات والآباء والأخوة والأخوات وأبناء العم والخال والخالات والأحوال والعمات والأعمام والأجداد والأصدقاء، كان هناك إطلاق النار في الأماكن العامة، سواء داخل المباني أو خارجها، سواء في الليل أو النهار، وهنا مرة أخرى سيعرف جميع من يقرأ هذه الصفحات تقريبا وبشكل مسبق ما بات يتكرر على مدى الأعوام العشرة الماضية محاولة اغتيال عضوة الكونفرس غابرييل غيفوردز أثناء إلقائها كلمة في موقف السيارات التابع لإحدى البقالات على أطراف مدينة توسان في أريزونا، التي نفذها شاب في الثانية والعشرين مسلح بمسدس غلوك 19 نصف أوتوماتيكي أطلقه عشوائيا على الحشد المتجمهر: ما أدى إلى جرح خمسة عشر شخصا وقتل ستة بينهم قاض فيدرالي وبنت عمرها تسع سنوات، ومع أن محاولة الاغتيال فشلت فإن غيفوردز، التي أطلقت على رأسها النار عن قرب ولكنها تحت بطريقة عجيبة. ستظل معاقة بصورة شديدة بقية حياتها المذبحة التي نفذها عام 2012 طالب الدكتوراه في علم الأعصاب ذو الأربعة والعشرين عاما في دار سينما سينشري 16 في أورورا بولاية كولورادو، بينما كان أربعمئة شخص يشاهدون عرض منتصف الليل أحدث أفلام باتمان، في الصالة رقم 9 جرح وتضرر سيعون شخصا وقتل اثنا عشر بينهم بنت في السادسة من عمرها أصيبت أمها الحامل بجروح خطرة في صدرها فانتهت مشلولة للأبد، في الأسبوع الذي تلا الهجوم فقدت الأم جنينها بعد أن أسقطته الهجوم عام 2015 على عيادة للتخطيط الأسري في كولورادو سبرنغز الذي نفذه رجل في السابعة والخمسين سمى نفسه محارب من أجل الأطفال، وتسبب في جرح تسعة أشخاص وقتل ثلاثة كابوس عام 2016 في أورلاندو فلوريدا، حين قتل رجل في التاسعة والعشرين تسعة وأربعين شخصا وجرح أكثر من خمسين قبل أن يقتل نفسه في الليلة اللاتينية، في نادي المثليين بلس، حينئذ كان ذلك هو إطلاق النار الجماعي الأسوأ في التاريخ الأمريكي، لكن بعد مرور خمسة عشر شهرا فقط نسيت تلك الأرقام على يد رجل في الرابعة والستين في منتجع مندلي بي في لاس فيغاس، قتل تسعة وخمسين شخصا وأصاب وجرح 413 آخرين، ثم قتل نفسه ثم جرح 456 شخصا إضافيا في الفوضى التي تلت، حدثت عندما أطلق المهاجم النار من شباك في الطابق الثاني والثلاثين يطل على مكان عام مسور تجمع فيه 22 ألف شخص ليحضروا الحقل الموسيقي روت 91 ها رفست كاونتي في العام التالي 2018 أطلق النار جندي سابق من مشاة البحرية عمره ثمان وعشرون على حشد مؤلف من 80 شخصا في بار و مطعم بور در لاین في تاوزند أوكز بكاليفورنيا، وهو مكان يقدم الموسيقى الريفية ويؤمه الطلاب من عدة كليات في المنطقة جرح في الهجوم عشرون شخصا وقتل ثلاثة عشر، بينهم جندي سابق من البحرية كان قد نجا من هجوم لاس فيغاس في العام الذي سبقه، كان واحدا من نحو خمسين أو ستين شخصا كانوا موجودين في كلتا الحادثتين حسب النيويورك تايمز (2018/8/11)، كان "بور در لاين قد تحول إلى مكان للسلوى لعشرات الناجين من مذبحة فيغاس يأتون إليه للموسيقى للتشافي وللتذكر سموا أنفسهم «أسرة روت 91.. ثم جاءت حوادث إطلاق النار الجماعي في الثالث والرابع من أغسطس 2019، الأولى في متجر والمارت، في إل باسو بتكساس حين استهدف شاب أبيض في الحادية والعشرين مكسيكيين ومكسيكيين أمريكان في ما قدر مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه عمل من أعمال الإرهاب المحلي وجريمة كراهية. بندقية أي كي - 47، التي استعملها قتلت ثلاثة وعشرين شخصا و جرحت ثلاثة وعشرين آخرين وبعد مرور ثلاث عشرة ساعة فقط، هاجم رجل في الرابعة والعشرين مرتادي بار رد بيبرز في ديتون بأوهايو مستعملا مسدس أي أر - 15. في برهة اثنتين وثلاثين ثانية قتل تسعة أشخاص وجرح سبعة وعشرين قبل أن يقتل هو برصاص البوليس الذي كان في البار، وسواء كان مصادفة أم قصدًا، فإن إحدى ضحاياه اتضح أنها أخته ذات الاثنين والعشرين عاما. 

ثمانية أمثلة جمعت من حشد مما يمكن حشده، ومع ذلك فإن مجرد تعدادها باللغة الجافة والمسطحة في تقرير الطب الشرعي يكفي لجعل رأسك يلتف وركبتيك تصطكان عند النظر في تراكم المجازر الجنونية سنة شبان في العشرينيات واثنان في السن الأكثر تقدما السابعة والخمسين والرابعة والستين. الأسباب التي دفعتهم لفعل ما فعلوا تتراوح من حالة إلى أخرى. وفي حالة الجريمتين الهائلتين في أورلاندو ولاس فيغاس، تتجاوز الأسباب كل قدرة على الفهم. 

مطلق النار في أريزونا الذي حاول قتل غابي غيفورد كان ينتمي إلى حشد ضخم من الفتيان الأمريكيين الضائعين، هو شخص غير سوي ومدمر نفسيا طرد من المدرسة بسبب حالات متكررة من السلوك المعيق وكان غير قادر على الاحتفاظ بوظيفة، فيما كان مطلق النار في أورورا، المدمر نفسيا بصورة مساوية، عضوا في في بيتا كاياء للطلاب المتفوقين، وبدأ يحلم بقتل أعداد كبيرة من الغرباء عندما كان في الحادية عشرة أو الثانية عشرة وخطط لهجومه بتفاصيل متقصية ومطورا أفكاره بدقة شديدة مع تحضيرات معقدة لكل الظروف حتى إنه حين شن هجومه أخيرا في ليلة 20 من يوليو 2012، نفذها بالضبط كما تمنى أن يفعل بلباسه الأسود مع قناع للغاز يغطي وجهه وقبعة ضد القذائف على رأسه، وقف أمام شاشة السينما وجده مسلح بصدرية محملة بالرصاص، مع قماط ضد الرصاص للساقين. وواق ضد الرصاص للحلق، وحام للخصر، وكفوف تكتيكية، إلى جانب سماعات للرأس محيط بأذنيه وتضخ موسيقى تقنية عالية للحيلولة دون وصول آية أصوات من الجمهور. ولا يسع المرء إلا أن يغفر فاه دهشة من أعجوبة تلك السماعات: شخص على وشك أن يلقي بعبوتين من الغاز المسيل للدموع على حشد عدده أربعمئة شخص ثم يفتح النار عليهم من بندقية، وأخرى شبه أوتوماتيكية، ومسدس، وأعصابه مع ذلك من الرهافة بحيث لا يستطيع تحمل الاستماع إلى الضجيح والصراخ التي ستتسبب بها أفعاله حتما استسلم لمسؤولي الأمن دون مقاومة، وبعد أن تقرر أنه قادر عقليا على المحاكمة، حكم عليه باثني عشر سجنا مؤبدا إلى جانب 3318 سنة عقوبة على محاولات للقتل. 

هناك احتمال أن الجندي السابق في المارينز الذي أطلق النار في تاوزند أوكز كان يعاني اضطراب ما بعد الصدمة الناتج عن تجاربه في معارك أفغانستان مطلق النار في عيادة التخطيط الأسري في كولورادو سبرنغز كان متزمتا دينيا تسيطر عليه فكرة نهاية العالم (حسب ما ذكرت زوجته السابقة) وتقرر أنه ليس مؤهلا للمحاكمة المطلق النار في ديتون تاريخ من التهديد بالعنف وفي مرحلة مبكرة تعود إلى المدرسة الثانوية أعد قائمة بالناس الذين يريد اغتصابهم وقتلهم، في السنة التي سبقت هجومه على نيد بيبرز بار، شارك مع فرقة تؤدي أغاني بورنوغرایند تسمی مینستروال منتشيز وحسب ما ذكرت الواشنطن بوست (2019/5/8)، فقد أخبر صديقته في الثانوية أنه كان يشعر بهلوسات بصرية وسمعية وكان يخشى أن يتطور ذلك إلى شيزوفرينياء مطلق النار الصافي الذهن في متجر والمارت بمدينة إل باسو، من ناحية أخرى، لم تكن لديه شكوك حول الغرض من مهمته في ما نفستو عنوانه الحقيقة المزعجة كتب هذا الهجوم رد على الغزو القادم من أمريكا اللاتينية لتكساس.... سيسيطر الهسبانيون على الحكومة المحلية وحكومة الولاية في حبيبتي تكساس، فيغيرون السياسة لتناسب احتياجاتهم بصورة أفضل سيحولون تكساس إلى أداة لانقلاب سياسي يعجل بتدمير بلادنا.. 

لكن القاتل في النادي الليلي بلس، في أورلاندو لم يترك وراءه سوى أكثر الآثار ضبابية مسلم ينحدر من أسرة أفغانية ومن مواليد أمريكا، يدعي أنه يمارس الاحتجاج على الضربات الأمريكية الجوية على سوريا والعراق، لكنه لم يكن يوما ولو من بعيد على علاقة بمنظمة إسلامية سياسية، ومع أن الآخرين ادعوا أنه مثلي لم يفصح عن نفسه وسبق له ارتياد النادي على الأقل اثنتي عشرة مرة فإن هناك القليل مما يؤكد ذلك الادعاء. أما بالنسبة إلى مطلق النار في لاس فيغاس، الحقائق الوحيدة المؤكدة التي ظهرت على السطح حوله هي أنه رجل أعمال متقاعد كان قد تزوج مرتين وطلق مرتين، وأنه مقامر على مستوى عال ومعروف في عديد من كازينوهات لاس فيغاس ومسرف في الكحول، وابن السارق بنوك بين أشد المطلوبين على قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي ما بين عامي 1969 و 1977. ولربما كانت هذه تفاصيل ذات علاقة أو مجرد معلومة مثيرة في سيرته اختر ما بدا لك كل ما نعرفه بصورة مؤكدة هي أنه راكم كمية هائلة من الأسلحة في الأشهر التي سبقت الهجوم وأنه في الأيام التي قادت إلى المذبحة أودع في جناحه في الفندق ما مجموعه اثنتان وعشرون حقيبة - تضم أربع عشرة بندقية أي ار - 15 مجهزة بذخيرة سريعة الإطلاق ومخازن تتسع لمئة طلقة وثماني بنادي بندقية قناص ذات مؤخرة متحركة، ومسدس، وهو السلاح الذي استخدمه لقتل نفسه بعد أن انتهى الرش، ولم يخبر أحدا عن مخططه أثناء استعداداته، كما لم يترك وراءه نصا يفسر أفعاله، لذا لا تعرف شيئًا عنها ولن تعرف إطلاق النار الأسوا في التاريخ الأمريكي فراغ في الكون، صمت. 

قبل يومين وصلني أحدث كتاب نشره صديق دراستي الجامعية هلتون أوينزنغر وهو مجموعة قصائد عنوانها شاهد : 2017-2020، إحدى القصائد تتمحور حول عنف السلاح في أمريكا، ولأنني كنت غارقا طوال الأشهر الأخيرة في قذارة ودماء ورعب ذلك العنف، أصابني ما تدفق في تلك القصيدة من هجاء للأوضاع اللا معقولة بصاعقة الإدراك، لم يستطع أي شيء قرأته منذ بدأت كتابة هذه المقالة أن يعبر بوضوح عن الاشمئزاز الذي شعرت به والذي شعر به الملايين غيري حيثما أمعنا النظر إلى الممارسات الوحشية التي تعيش معنا من يوم إلى آخر في بلادنا الجميلة والتي تعاني الويلات والمرارات القصيدة المؤرخة في 6 نوفمبر 2017 تحمل عنوان التطلق الناره، اقتبسها فيما يلي كاملة:

لنذهب إلى الكنيسة وتطلق النار 

لتذهب إلى دور السينما وتطلق النار

لتذهب إلى المهرجان الموسيقي 

الذهاب إلى البقالة 

لتذهب إلى المدرسة 

لنذهب إلى حوض الأسماك ونطلق النار على الزجاج 

ونرى الناس يغرقون فيما تطلق النار عليهم 

ولا تنسى أن نطلق النار على الأسماك 

لنذهب إلى المتحف وتطلق النار على الفن 

ثم نطلق النار على الناس الذين يشاهدون بيكاسو 

أبل تطلق النار على بيكاسو إنه ميت لذا دعونا نطلق النار على المقبرة وتطلق النار على الأمـوات 

لتذهب إلى قاعات العدل وتطلق النار على القضاة 

لتذهب إلى مقر الـ إن أر أي وتطلق النار على الجميع 

لنذهب إلى القمر وتطلق النار على الأرض 

التسكر وتطلق النار 

لتصل وتطلق النار 

لتذهب إلى المستشفى وتطلق النار على المرضى 

لنتعر وتطلق النار 

لنطلق النار على العراة التحصل على أي آر 15 ونطلق النار على الناس الذين نكره 

لنطلق النار على من تحب 

يجب ألا ينفد الرصاص عندنا 

يجب ألا تنفد البنادق الأوتوماتيكية الطويلة 

والرشاشات

لتحصل على ملء الشاحنة من قاذفات القنابل 

يا ليتنا نمتلك دبابات وصواريخ 

لنطلق النار ما دام الإطلاق مستمرا 

ما أكثر ما يجب إطلاق النار عليه وما أقصر الوقت 

لنطلق النار على الربح الصغيرة الهادئة

التي تهب عبر قلوبنا 

ونقضي عليها تماما

نذهب إلى الكنيسة ونطلق النار. تعرضت أماكن العبادة أيضًا لغزو القتلة الجماعيين في السنوات الأخيرة، وباستثناء واحد فقط نفذ كل تلك الهجمات ذئاب متوحدة عنصريون بيض يتقصدون تطهير البلاد مما علق بها من تلويث الآخرين ذوي البشرة السوداء أو الآخرين من غير المسيحيين، وفي المقام الأول المسلمين واليهود. ومن هنا كان الهجوم 2012 على معبد السيخ في أوك كريك بولاية وسكونسن الذي شنه رجل في السابعة والأربعين، وكان أحد النازيين الجدد ومغنيا احتياطيا في فرقة ذوي الرؤوس القرعاء، الهجوم الذي خلف سبعة قتلى وثلاثة جرحى ثم صار القتلى ثمانية بعد أن قتل القاتل نفسه الأرجح أنه اختلط عليه الأمر فظن أن السيخ بعماماتهم مسلمون وأنه لذلك قتل المجموعة الخطأ من الغرباء، ومن هنا أيضًا كان قتل تسعة من السود عام 2015 على يد عنصري من البيض عمره إحدى وعشرون عاما في كنيسة إيمانويل الأسقفية الميثودية الإفريقية التاريخية ) في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، بين الموتى كان القس الأكبر الذي كان أيضًا عضوا بارزا في مجلس شيوخ الولاية وشعلة هادية لمجتمع السود. ومن هنا أيضًا كانت أيضا مذبحة أحد عشر يهوديا وجرح ستة آخرين في كنيس «شجرة الحياة في بتسبرغ على يد قومي أبيض في السادسة والأربعين من العمر كان يعد المنظمات اليهودية مسؤولة عن تمويل قوافل القادمين من أمريكا الوسطى التي تأتي بـ «غزاة يقتلون أهلنا.

ثلاثة أمثلة لما يمكن أن يحدث حين تتقد الكراهية في غرف شبكات التواصل الفارغة والمشتعلة ثم تتضاعف بسهولة الوصول إلى الأسلحة النارية، انتهاء إلى الاعتقاد الأحمق بأن موت تسعة من السود أو أحد عشر يهوديا أو سبعة مسلمين ليسوا فعلا مسلمين سيؤدي إلى تخليص المجتمع المسيحي الأبيض من عناصر التلوث وجعل السماء الأمريكية الهائلة صالحة للتنفس مرة أخرى. هكذا هو النموذج الذي يخرج من هذه الحالات كلها . ليأتي بعد ذلك الاستثناء، وهو إطلاق النار في كنيسة دون أن يكون مدفوعا بعداء إثني أو عرقي أو خوف لا عقلاني من الآخر» ولكنه مع ذلك يمضي بنا إلى قلب المعركة ذات الخمسين عاما التي احتدمت في هذه البلاد حول مسألة السلاح أي الحق في امتلاك السلاح في مقابل الضرورة الاجتماعية في اقتلاع العنف الذي تسببه الأسلحة، وما إن كان المبدأ الذي صاغه رئيس الـ إن أر أي بعد مذبحة ساندي هوك عام 2012 أن الشيء الوحيد الذي يوقف شخصا سيئًا يحمل السلاح هو شخص طيب يحمل السلاح، له أي معنى. 

الحالة التي أشير إليها هي إطلاق النار الجماعي في الكنيسة المعمدانية الأولى في سدرلاند سبرنغز بولاية تكساس، في 5 نوفمبر 2017 التي قتل فيها 25 شخصًا - أحدهم امرأة حامل وجرح عشرون آخرون. كان القاتل في السادسة والعشرين، وحشيا متصلبا، وغبيا، أوقف عن الدراسة الثانوية سبع مرات، وكذب في طلب الالتحاق بسلاح الجو عام 2009. كما سبق له أن ضرب وهدد وروع زوجته ممسكًا بسلاح مصوب إلى رأسها، فضلا عن أنه ولعدة مرات ضرب وصفع ابن زوجته ذا الأحد عشر شهرا ما جعله ينقل إلى المستشفى بشعر في الجمجمة بعد إحدى الاعتداءات ليؤدي ذلك إلى إلقاء القبض على القاتل وسجنه سنة في سجن عسكري مع تسريح من سلاح الجو في النهاية لسلوكه السين، سلاح الجو الذي لم يبلغ عن إساءاته لدى المسؤولين الفيدراليين فكانت النتيجة أنه بقي خارج القائمة التي كان يمكن أن تمنعه من شراء السلاح، بعد طلاقه من زوجته الأولى جرى التحقيق معه بسبب اعتداء جنسي، واغتصاب، واعتداء جسدي على صديقة له، مع أن مكتب الشريف في مقاطعة كومال بتكساس اختار الا يوجه تهمة. وبعد أن تزوج للمرة الثانية وانتقل إلى كولورادو غرم بسبب ضربه كلبه الجائع وذلك في مكان عام. كما أخبر زميل له سابق في سلاح الجو على فيسبوك، أنه كان بصورة روتينية يشتري كلاب وحيوانات أخرى لتكون أهدافًا لتمارينه وأنه أعجب كثيرًا بالشاب المسؤول عن إطلاق النار في الكنيسة الأسقفية الميثودية الإفريقية في تشارلستون . بعد عودته إلى تكساس مع زوجته الثانية، التي صارت وبسرعة زوجته الثانية المبتعدة عنه، بدأ بإرسال رسائل تهديد إلكترونية إلى والدة زوجته التي صارت لسبب أو أسباب غير معروفة مدار كراهية القاتل كراهية من الضخامة والحدة بحيث جاءت لحظة قرر فيها قتلها، ولأنه يعرف أنها تحضر قداس الكنيسة المعمدانية في سدرلاند سبرنغز كل أحد، قرر قتلها هناك - مع كل شخص آخر يصادف وجوده في المكان. ما حدث هو أنه لا أم زوجته ولا زوجته المبعدة حضرنا ذلك الصباح، لكن حين جاء القاتل عند الحادية عشرة من صباح اليوم المحدد ومعه بندقية أي آر 556 نصف الأوتوماتيكية لم يعلم عن غياب أم زوجته وافترض أنها موجودة داخل الكنيسة بعد أن صار مقابل الباب وانتظر خلف مقود سيارته الفورد ال إس يو في SUV لمدة عشرين دقيقة نهض أخيرا للعمل خرج من سيارته وعليه لباس تكتيكي أسود وصديرية ضد الرصاص مع قناع أسود تلمع عليه جمجمة بيضاء.. لن أسرد تفاصيل ما فعله بعد ذلك أو أفصل في الكيفية التي أنجز فيها ذبح خمسة وعشرين شخصا وجرح عشرين آخرين ولكني سأشير فقط إلى أن كثيرا من المتوفين والجرحى كانوا من الأطفال - وأن كثيرا من أولئك كانوا أطفالا صغارًا جدا، ثلاث وأربع وخمس سنوات. أصغرهم كان عمره ثمانية عشر شهرا . لقد أراد أن يقتل كل من كان في الكنيسة لكنه لم يفعل، وهنا تكمن بقية ما حدث في ذلك اليوم وهي ما يفسر السبب الذي اخترت من أجله أن أركز الانتباه على هذه الجريمة بصفة خاصة أكثر من غيرها . لأن هذه هي الحالة الوحيدة في السنوات الأخيرة التي أوقف فيها رجل طيب معه سلاح رجلا سينا معه سلاح. لم يحدث ذلك قبل وقت كاف للحيلولة دون المذبحة، لكن من دون تدخل ذلك الرجل الطيب كان يمكن لأناس أكثر أن يقتلوا . 

كان سباكا في السادسة والخمسين من العمر يعيش مع زوجته وأحد أبنائه البالغين الثلاثة في بيت على الجهة من الشارع في مقابل الكنيسة. كانت أسرته تعيش في سدرلاند سبرنغز على مدى سبعة أجيال، وفي تلك البيئة الزراعية الصعبة المعيشة حيث يقيم ستمئة شخص على بعد نحو ثلاثين ميلا فقط من سان أنطونيو، كان هذا الرجل ذو البنية الصلبة بلحيته البيضاء وشخصيته المتواضعة والبالغة اللطف ذا حضور مرموق محل إعجاب بل صديق وجار يحبه كل من عرفه. كانت سدرلاند سير نغز الأرض التي ألف، ومثلما كانت تقريبا لكل الناس من حوله فقد تربى على اتباع تعاليم المسيح وعلى التمكن من فن استعمال السلاح. كان أبوه قد علمه كيف يطلق النار حين كان في سن الخامسة يصوب على علب الكوكاكولا في الفناء الخلفي للبيت وذلك باستعمال بندقية عمل الترباس 22 وكما أخبرنا الكاتب مايكل ج. موني في مقالة رائعة نشرتها مجلة «تكساس منثلي (بعنوان عبء البطل، نوفمبر 2018) انجذب فيما بعد إلى الرماية التنافسية وكان بإمكانه أن يصيب سلسلة من البالونات المتحركة على بعد مئة ياردة. إنه رجل أمن بالسلاح احترم السلاح، وأدرك كيف يستعمله بدقة متناهية. كما أدرك خطورة السلاح، وبوصفه مالكًا للسلاح، اعتنى بصفة خاصة بحماية الآخرين وذلك بتخزين مجموعته من البنادق والمسدسات في خزانة مغلقة. 

في صباح الأحد المشار إليه، كان يستريح متهيأ لما بدا أنه سيكون أسبوعا مليئًا بالنشاط والجهد في وظيفته في المستشفى الجامعي بسان أنطونيو . حين بدأ القاتل هجومه في الكنيسة، كان الرجل الطيب في فراشه مستغرقا في النوم، لكن عند الحادية عشرة والنصف جاءت ابنته إلى الغرفة لتخبره بأنها تظن أنها سمعت إطلاق نار في المنطقة المجاورة جلس وأنصت لكن الأصوات كانت مختلطة في ذلك الجزء من المنزل بحيث جاءت كما لو كانت دقات خفيفة على الشباك. قام من فراشه لبس بنطلون الجينز وسار إلى صالة المعيشة في مقدمة المنزل وأخيرا أدرك أنه فعلا كان هناك إطلاق نار في مكان ما ، كان قد تيقظ تماما فما كان منه إلا أن سارع إلى الغرفة الخلفية حيث خزن أسلحته، فتح الخزانة وأخرج بندقيته الـ أي آر 515، فعباها بسرعة بعدد من الطلقات. في تلك الأثناء كانت ابنته قد غادرت البيت بسيارتها وعادت بأخبار تقول إن إطلاق النار كان يأتي من جهة الكنيسة اتصل الرجل رأسا بزوجته - حيث كانت تزور ابنتهما المتزوجة ليخبرها ما كان يحدث على الجهة المقابلة من الشارع، وحين بدأت تتوسل إليه ألا يذهب إلى هناك، أغلق الهاتف ودون أن يلبس حذاءه، انطلق إلى الباب، تبعته ابنته، لكنه وقد فكر سريعًا بحمايتها من أذى محتمل طلب منها العودة إلى الداخل وتهيئة مزيد من الطلقات له خرج بعد ذلك وحده عابرا الشارع بقطع مسافة مئة وخمسين ياردة باتجاه الكنيسة فيما كانت أصوات الطلقات في الداخل تتصاعد أكثر فأكثر. كان ثمة كارثة مروعة تحدث، فما كان من الرجل الطيب وهو يحمل بندقيته بيده وقد عرف معظم إن لم يكن كل أعضاء الكنيسة بصورة عفوية إلا أن رفع صوته بكلمة واحدة من أعلى صدره هيه، كان ذلك خطأ تكتيكيا كشف المطلق النار عن مكانه لكن كما أخبره الذين نجوا داخل الكنيسة فيما بعد، توقف القاتل عن إطلاق النار حين سمع قوة وحدة الصرخة التي جاءت تغلي من ذلك الصوت، وعندئذ خلال ثوان، وضع بندقيته على الأرض وانطلق إلى الباب الأمامي. لقد انفك السحر، يقول موني في مقالته إن السباك الشجاع كان مقتنعًا أن روح القدس كانت تتحدث من خلاله التخرج الشيطان من الكنيسة. 

عندئذ بدأ تبادل إطلاق النار اندفع القاتل إلى الخارج بعتاده الأسود وقبعته ذات الجزء المتحرك وبيده مسدس فيما كان البطل يبحث عن غطاء خلف شاحنة دوج واقفة أمام المنزل المجاور. أطلق القاتل عدة مرات - إحداها أصابت الشاحنة، وأخرى سيارة قريبة، وثالثة أصابت منزلا - كلها أخطأت المرمى، أما السباك فأطلق أربع مرات في كل واحدة زوج من الطلقات، لتصيب كل واحدة من الرصاص هدفها، أصابت الأوليان مقدمة الواقي من الرصاص ما تسبب في كدمات كبيرة في الجزء الأعلى من الجسد، وبعد ذلك، حين بدأ القاتل الجري نحو سيارته - على بعد نحو عشرين ياردة من الدوج أصابت الطلقتان الأخريان جسده إحداهما في الساق والأخرى في منطقة غير مغطاة من الجلد المكشوف ما بين الجزء الأمامي والخلفي للواقي من الرصاص تحت ذراع الرجل تماما . توقف القاتل، جرى، ثم قفز إلى سيارته الفان، وأغلق الباب خلفه بقوة. أطلق النار مرتين عبر الشباك إلى يساره - مخطئًا في المرتين صوب السباك نحو رأس الرجل فحطم زجاج النافذة إلى جانب السائق برصاصته الخامسة، وما إن ضغط القاتل على الوقود وبدأ يسرع بعيدا حتى جرى عدوه الحافي القدمين إلى الشارع ورفع بندقيته للمرة الأخيرة وأصاب الزجاج في الشباك الخلفي بالرصاصة السادسة التي اكتشف لاحقا أنها استقرت في مكان ما بالقرب من كتفي السائق.

في البدء إطلاق نار متبادل، ثم نتيجة لمصادفة عجيبة حدثت مطاردة سيارات عالية السرعة. ذلك أنه في ذلك اليوم الاستثنائي شاءت الصدف أن تكون هناك شاحنة أخرى من نوع دوج تنتظر عند إشارة مرور غير بعيد عن الكنيسة. في داخل الشاحنة كان رجل في السابعة والعشرين جاء إلى البلدة ذلك الصباح ليرى صديقته، وحين هدأ السرعة ليقف عند إشارة المرور، سمع ضجيج إطلاق النار قادما من الكنيسة فاتصل بـ 911 جرى الرجل الطيب إلى الشاحنة وصرخ: ذلك الشخص أطلق النار في الكنيسة. علينا أن نوقفه بعد لحظات، سمع صوت أقفال الأبواب تفتح فقفز إلى جانب السائق وانطلق الاثنان يطاردان القاتل بسرعة تصل إلى ما يزيد على 90 ميلا بالساعة وهما يتجهان شرقا على الطريق ذي المسارين الذي تعرج عبر ريف تكساس، ظل الشاب متصلا بـ 911 ليخبرهم عن موقعه على طول رحلة ثمانية أو تسعة أميال، وفي السيارة الأخرى كان القاتل يتصل أولا بزوجته التي فارقها ثم بوالديه، معترفا على العلن بما فعل في الكنيسة ومعبرا المرة تلو المرة عن أسفه عن عميق .... عميق أسفه، أغلق الهاتف بعد أن أخبرهما أنه مصاب إصابة خطرة وأنه لم يعتقد أنه سينجو». أخيرا فقد السيطرة على السيارة فاصطدمت في إشارة وقوف ثم سقطت في حضرة وتوقفت على بعد نحو عشر ياردات في حقل مجاور. في تلك الأثناء وصل مطاردوه ووجدوه وقد أطلق رصاصة على رأسه وأنهى حياته القصيرة البشعة.

الجزء الثاني من الحكاية معقد، سرد متعدد الطبقات الأفعال رجل واحد ورد فعله على تلك الأفعال مجتمعة مع شبكة هائلة من القوى الخارجية التي صنعتها السياسة والإعلام وذلك الشبح الذي لا ملامح له ويسمونه الرأي العام الذي بدأ يتفاعل بسرعة مع أفعال الرجل وردود فعله على تلك الأفعال إلى أن تحول الرجل نفسه إلى رمز لقضية وطنية، حتى وهو يصارع للاحتفاظ بتماسك ذاته الخاصة. صحيح أنها قصة معقدة، لكنها مؤثرة جدا بسبب هوية ذلك الرجل في أعقاب ما سال من دماء في يوم القتل، اضطر إلى التحدث إلى سبع جهات قانونية مختلفة محلية وعلى مستوى الولاية، وكذلك على المستوى الفيدرالي. بعد أن سرد قصته مرارا وتكرارا انهار باكيا، وفي الأسابيع التي تلت نوبة البكاء الأولى، يخبرنا موني، يتذكر أنه بكى أكثر مما بكى طوال حياته كلها. بعد عدة أشهر، قال لموني: «إننا لسنا مهيئين للقضاء على حياة شخص آخر. إن ذلك يتلفنا . يغيرنا.. أو حسب تعبيره في إحدى المقابلات التي تحدث فيها : لدي كل أنواع المسائل. لا استطيع أن أضع إصبعي على مكمن مشاعري. حتى في يوم القتل، حين كان الناس قد بدؤوا يسمونه البطل كان يرد بعفوية رافضا ذلك الكلام المبالغ به. في السادس من نوفمبر اقتبست النيويورك تايمز بعض الملاحظات التي أدلى بها لمحطة تلفزيون محلية: لست بطلا لست كذلك. أعتقد أن الهي، ربي حماني ومنحني المهارات الفعل ما كان ينبغي فعله. فقط أتمنى لو أنني وصلت إلى هناك أسرع مما فعلت. 

إن ما يجعل هذا الرجل جديرا بالإعجاب هي صلابة شخصيته معرفته المتوازنة والثابتة بمن هو وأين وكيف يقف في علاقته بالآخرين، لأنه ليس عاقلا وفصيحا فحسب، وإنما هو صادق أيضا، ما يعني أن لديه من الحكمة ما يمكنه من فهم أنه ليس جنديا أسطوريا في حرب أبدية ضد الشر وإنما هو رجل بسيط فعل ما فعله تحت ظروف صعبة وخطرة. وهو مع ذلك يمضي في تعذيب نفسه بالتفكير بعدد الأرواح التي كان يمكنه إنقاذها فقط لو أنه وصل الكنيسة قبل خمس عشرة ثانية ليس أكثر إنسان أقل طيبة كان سيتبجح بما أنجز الرجل الطيب يحرق نفسه حيا بسبب أنه فشل في الفعل حتى مع كونه، خاصة مع كونه، قد أنجز أكثر مما يتوقعه أي شخص آخر. 

لقد انقضت أجهزة الإعلام عليه بمجرد انتشار الخبر، فخيمت كتيبة من الصحفيين على الحديقة الأمامية لبيته يتطلعون إلى مقابلات صور ومعلومات خاصة ينفردون بها، وبعد أن حوله المراسلون إلى مواطن تكساس الأكثر أهمية في تلك اللحظة وقام البوليس المحلي أخيرا بإبعادهم، جاء السياسيون يطرقون الباب فالتقى بطل سذرلاند سبرنغز ممثله في الكونغرس، بحاكم تكساس، وبعضوي الولاية في مجلس الشيوخ، ونائب الرئيس جميعهم مناصرون للتعديل الثاني في الدستور وأعمدة الـ إن آر أي، وقبل أن يمضي وقت طويل قابل الرئيس نفسه، الرئيس الخامس والأربعين الذي لم يكن مضى من عهده سوى سنة واحدة، ولأن إطلاق النار ومطاردة السيارات حولت الرجل إلى تجسيد للفضائل العديدة المتضمنة في سياسة الـ إن أر أي دعي إلى حضور خطاب الاتحاد الأول الذي يلقيه الرئيس حيث سيقدم للشعب بوصفه أنموذجا ساطعا للشجاعة والطيبة الأمريكيتين.

هكذا رتب سفر البطل المهم وزوجته المخلصة ومحيطه العائلي الأوسع إلى واشنطن وأسكنوا في سلسلة من الأجنحة في فندق أومني، حيث طلب، كما يذكر موني، أول خدمة غرف في حياته. 

من الصعب الا يشعر المرء ببعض الاحتقار للسياسيين الذين يستغلون أعمالاً مشرفة يقوم بها آخرون لدعم موقفهم أمام الناس، لكن كان الوضع هنا أيضًا معقدا بصورة غير معتادة، لأن من يثني عليه السياسيون كان بالفعل هو نفسه عضوا في الـ إن آر أي، وحين طلب منه الظهور في إعلان تجاري للمنظمة، وافق الرجل الطيب، وحين طلب منه أن يتحدث في اللقاء السنوي للـ إن أر أي في دالاس بعد بضعة أشهر قبل الدعوة أيضًا ، شاهدت كلمته على الفيديو ووجدتها فاعلة ومؤثرة في صدقها، لكنني وأنا أسمع تصفيق تسعة الآلاف محتشد بقيت أعود بالتفكير إلى ما قاله هو نفسه بعد تجربته في إطلاق النار على شخص آخر للمرة الأولى: لسنا مهيئين للقضاء على حياة شخص آخر، إن ذلك يتلفنا . يغيرنا. ومع ذلك فهو يعتنق موقف الـ إن أر أي أن للأمريكيين الحق في تسليح أنفسهم ضد النوايا الإجرامية لدى الآخرين في ضوء ما حدث في سذرلاند سبرنغز، تبدو الحجة منطقية ومقنعة تماما، لكن معظم حالات إطلاق النار أكثر التباسا بكثير ولا يمكن مقارنتها بالمواجهة بين الرجل البالغ الطيبة والرجل السيئ التي حدثت في تكساس صبيحة ذلك الأحد الدموي. عد بتفكيرك إلى عام 1984 والحالة التي طارت شهرتها حين أطلق بيرنارد غوتز الـفيجيلانتي القطارات الأرضية في نيويورك الذي أطلق النار على أربعة يافعين سود غير مسلحين خوفا من أن يكونوا على وشك مهاجمته وسرقته. أو تذكر بدلا من ذلك حالة تريفون مارتن عام 2012، وهو شاب أسود في السابعة عشرة يدرس في المرحلة الثانوية غير مسلح وقتله جورج زمرمان ذو الثمانية والعشرين عاما لأنه بدا مثيرا للشبهة .. كلتا الحالتين من إطلاق النار كان دافعهما الخوف، وسواء كان حقيقيا أو متخيلا، فإن الخوف ليس مبررا مشروعا لإطلاق النار من سلاح على شخص آخر ليس كل من يملك سلاحا عاقلا ورابط الجأش مثل سباك سذرلاند سبرنغز، وإذا كان من الضروري، كما تحاجج الـ إن أر أي لكل الأمريكيين الملتزمين بالقانون أن يكونوا مسلحين ليحموا أنفسهم ضد من يتجاوزون القانون ويهددون سلامتنا، فإن أعدادًا ضخمة من الخائفين وكثيرا ما يكونون غير عقال، سيمتلكون القدرة على اتخاذ قرار بالغ السرعة يؤدي حتما إلى مزيد من الحالات التي يقتل فيها غرباء غير مسلحين. إن وضع سلاح في يد كل شخص سيحول الولايات المتحدة إلى بلاد للجنود ويعيدنا إلى بدايات العهد الاستيطاني حين كان كل مواطن محارب يحمل بندقية «مسكيت» وينخرط في خدمة الميليشيا المحلية مدى الحياة، هل ذلك ما نريد من أمريكا اليوم - الحق في أن نعيش في مجتمع من الصراع المسلح الدائم؟ إذا كانت المشكلة أن هناك أناسا كثيرين سيئين ومسلحين، أليست الحكمة هي أن نأخذ تلك الأسلحة منهم بدلا من أن نسلح من نسميهم أناسا طيبين، فيما هم في كثير من الحالات، إن لم يكن معظمها، أقل طيبة بكثير، ونكون بذلك قد أزلنا المشكلة من أساسها، ذلك أنه إن لم يكن لدى الرجال السيئين سلاح، فلم سيكون الناس الطيبون بحاجة إلى السلاح؟ كما اعتادت أمي أن تقول لي كلما جنحت بواحدة من تأملاتي العاطفية الغريبة حول كيفية إصلاح العالم: احلم يا بول. 

الفصل التالي الفصل السابق

مقالات ذات صلة