ملخص: يناقش هذا الجزء من الكتاب تاريخ السيطرة على السلاح في الولايات المتحدة، بدءًا من القرن السابع عشر، حيث فرضت الولايات الاستيطانية قيودًا على حمل الأسلحة في الأماكن العامة، وتطورت القوانين مع مرور الوقت لتشمل قوانين تمنع المبارزات وحمل السلاح المخفي، إضافة إلى تنظيم تجارة الأسلحة وتسجيلها. يشير النص إلى أن العنف في الغرب الأمريكي القديم، الذي كان يُصور في الأفلام، كان أقل مما تم تصويره في تلك العروض، حيث كانت المدن تشهد ضوابط صارمة على حمل الأسلحة. كما يتطرق إلى أول قانون اتحادي للسيطرة على الأسلحة في عام 1934، الذي استهدف الأسلحة الرشاشة نتيجة للعنف المرتبط بالعصابات في العشرينيات. ثم يعرض النص مثالًا عن فشل الحظر في تغيير سلوك المجتمع، مستشهدًا بمنع الكحول في بداية القرن العشرين وتأكيده على أن قوانين الحظر لن تكون فعالة في حل مشكلة العنف بالسلاح. يشير أيضًا إلى صعوبة فرض قيود حقيقية على الأسلحة في ظل وجود طرق تهريب واسعة النطاق. في النهاية، يتساءل عن ما إذا كان المجتمع الأمريكي مستعدًا للحظة من الصدق والمصالحة بشأن هويته واحتياجاته في المستقبل.
حسب تقدير مركز أبحاث مستشفى فيلادلفيا للأطفال، يوجد 393 مليون قطعة سلاح يملكها سكان الولايات المتحدة حاليا - أكثر من قطعة سلاح لكل رجل امرأة وطفل في البلاد. ويقتل كل عام في البلاد نحو 40 ألف شخص نتيجة جراح ناجمة عن إطلاق النار، أي ما يعادل تقريبا المعدل السنوي لوفيات المرور في شوارع أمريكا وطرفها السريعة، من بين الأربعين ألف حادثه وفاة نتيجة إطلاق النار، أكثر من النصف ينتج عن الانتحار سنويا. فإذا أضفت إلى ذلك حوادث القتل بسبب السلاح، والوفيات العرضية التي يسببها السلاح، والقتل الذي يرتكبه البوليس باستعمال السلاح، فإن المعدل سيبلغ أكثر من مئة أمريكي يقتلون بالرصاص يوميا، على ذلك المعدل اليومي، يجرح بالسلاح ما يزيد على المئتين ما يترجم إلى ثمانين ألفا في السنة. ثمانون ألف جريح وأربعون ألفا من الوفيات، أو مئة وعشرون ألف خدمة إسعافية وحالات غرف طوارئ كلما أعلنت الساعة مرور اثني عشر شهرا . لكن أثر العنف يمتد إلى ما يتجاوز أجساد الضحايا المخترقة بالرصاص والمدماة نفسها، متحولاً إلى ألوان من الدمار الذي يقع على أسرهم القريبة، وأسرهم الممتدة، وأصدقائهم العاملين معهم جيرانهم، والمجتمعات بصفة عامة - أي الحشد من الناس الذين لمست حياتهم حياة شخص واحد يعيش أو عاش بينهم ما يعني أن عدد الأمريكيين الذين يصيبهم عنف السلاح كل عام يعد بالملايين.
تلك هي الوقائع، ولكن بقدر ما أن من المفيد النظر إلى الأرقام التي تدعم تلك الوقائع، فإنها لا تجيب عن السؤال: لماذا أمريكا وليس في مكان آخر. إراقة الدماء والموت بهذا القدر على هذا المستوى من التكرار يفترض أن يستدعي تحركا على مستوى الأمة، مسعى منظما من جانب الولاية والسلطات الفيدرالية والبلدية لضبط ما بعد بأي معايير من الفهم العقلاني أزمة صحية عامة. إن علاقة أمريكا بالأسلحة أبعد ما تكون عن العقلانية، لكننا، ولهذا السبب، لم نفعل إلا القليل أو لا شيء المعالجة المشكلة ليس لأننا نفتقر إلى الذكاء أو الوسائل التي تخفف من هذا التهديد السلامة المجتمع وعيشه الكريم، لكن الأسباب تاريخية معقدة افتقرنا إلى الإرادة لفعل ذلك. لقد وصل بنا العناد في رفض مواجهة المشكلة أن مركز مراقبة الأمراض ومنعها، منعه الكونغرس عام 1996 من استعمال الأموال الفيدرالية الإجراء الأبحاث يمكن أن يستفاد منها في الدعوة إلى السيطرة على الأسلحة أو تشجيع ذلك. في المقابل، تأمل التقدم الذي حققنا في السيارات التي نقود وكيف أنقصنا بكل عناية نسب. الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث السيارات عبر السنين. ويجب الا نخطئ هنا : السيارات ليست مختلفة كثيرا عن الأسلحة. ان بندقية أوتوماتيكية عالية الشحن وشيفرولية وزنها أربعة آلاف باوند تهدر على الطريق السريع بسرعة سبعين أو ثمانين ميلا في الساعة كلتاهما أسلحة قاتلة.
لقد عرفنا السيارات منذ نهاية القرن التاسع عشر، ونظر إلى العربة التي لا تعتمد على الخيول في بدايتها على أنها ليست أكثر من أنموذج للعربة التي تجرها الخيول ولا يختلف إلا بأنه أسرع ويديره محرك، نتيجة لذلك لم تكن هناك قوانين أو قواعد تحكم استعمالها : لا رخص، مثلا، ما يعني أنه لم تكن هناك اختبارات طريق لإثبات كفاءة من يقودها، ولا إشارات وقوف، أو إشارات ضوئية، أو حدود للسرعة، أو إشارات للكوابح، أو مرأة للنظر إلى الخلف، أو إشارات للاستدارة إلى اليسار أو اليمين، أو عقوبات للسائقين المخمورين أو زجاج يقي من الريح وضد الكسر، أو لوحة مبطنة لأجهزة القياس ، ولا أحزمة أمان تدريجيا، وعلى مدى سنوات هي معظم القرن العشرين، أدخل كل واحد من تلك التحسينات - أدخل وفرض بالقانون وصارت السكك والشوارع والطرق السريعة في البلاد أكثر أمانا نتيجة لذلك، ما يزال هناك عدد مرعب من الوفيات المرورية في أمريكا كل عام، لكن بالمقارنة مع المستويات الصادمة في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، فإن نسبة الحوادث قياسا إلى عدد الأميال التي يقطعها أكثر من ثلاثمئة مليون أمريكي في ما يقارب ثلاثمئة مليون سيارة مسجلة شاحنات حافلات صغيرة، سيارات ركاب حافلات، وموتورسيكلات فإن العدد انخفض في حقيقة الأمر وبصورة كبيرة جدا. وهذا يستدعي السؤال: إذا كما استطعنا أن نواجه المخاطر المتمثلة في السيارات واستعملنا عقولنا وإحساسنا العام بالهدف من وراء مقاومة هذه المخاطر، فلماذا لم تستطع أن نفعل الشيء نفسه مع الأسلحة؟
إن تاريخ الأسلحة لدينا أطول بكثير من تاريخ السيارات بطبيعة الحال، لكن السيارات أكبر من الأسلحة ولذا أكثر وضوحا، وبعد أن عاشت معنا على مدى الأعوام المئة والعشرين الماضية أحكمت قبضتها على المخيلة الأمريكية بصورة لا تقل قوة عن شغفنا بالأسلحة السيارات والأسلحة هما الركيزتان التوأمان للميثولوجيا الوطنية الأعمق لدينا، لأن السيارات والأسلحة يمثل كل منهما فكرة للحرية والقوة الفردية، الشكلين الأقرب والأكثر إثارة للتعبير عن الذات جرب أن تتحدى نفسك بالضغط على دعاسة الوقود إلى الآخر وستجد نفسك فجأة تسير بسرعة تصل إلى نحو مئة ميل في الساعة، واعقف أصابعك حول زند مسدس الغلوك أو بندقيتك الآي آر - 15 نصف الأوتوماتيكية و ستسيطر على العالم، ولا نحن نتعب يوما من مشاهدة تلك الأشياء والتفكير فيها. المكونان الأحب في الأفلام الأمريكية كانا دائما تبادل إطلاق النار ومطاردة السيارات، ومهما يكن عدد المرات التي نسينا أنفسنا عند مرأى تلك السباقات المثيرة والممسرحة بمهارة كما تعرض على الشاشات، فإننا نعود إليها مرة أخرى من ناحية أخرى، وعلى الرغم من كل أوجه الشبه بين السيارات والأسلحة، هناك اختلاف جوهري بينهما أيضًا . الأسلحة موجودة الغرض واحد هو تدمير الحياة، في حين أن السيارات تصنع لنقل الأحياء من مكان إلى آخر، وحتى لو قتل العديد من السائقين والركاب والمشاة في السيارات، فإننا نسمي موتهم حوادث عرضية نواتج ماسوية لمخاطر الطريق على النقيض من ذلك، كل موت ناجم عن السلاح تقريبا موت متعمد، سواء كان الشخص الذي يستعمل السلاح جنديا في المعركة، صيادا يترصد غزالاً في الغابة، قاتلا معتوها أو مترصدا في أحد شوارع المدينة أو في مطبخ منزل ما، أو كان لصا مسلحا أصيب بالهلع بينما هو يشهر سلاحه في محل للمجوهرات، أو إنسانا محطما وبائسا أفرغ في جوفه نصف زجاجة من الويسكي في غرفة مظلمة ثم أطلق الرصاص على رأسه السيارات إحدى ضرورات الحياة المدنية في أمريكا. الأسلحة ليست كذلك، وبتزايد عدد الأمريكيين الذين يدركون أن نسبة المنازل التي يوجد فيها سلاح ظلت تتناقص تدريجيا وباستمرار على مدى الأعوام الخمسين الماضية، من منتصف العدد إلى ثلث العدد إلى ما هو الآن أقل من الثلث، فإن عدد الأسلحة التي يمتلكها الأمريكيون ظل مع ذلك أكبر من أي وقت مضى - ما يعني أن عدد الذين يشترون السلاح يتناقص بينما كمية السلاح المشتراة تتزايد.
كيف يمكن تفسير هذا الفرق الكبير، ولماذا في هذه اللحظة من تاريخنا ينقسم الناس بصورة متزايدة حول موضوع السلاح ما يعني أننا في وضع يرغب فيه معظمنا أن تكون علاقتهم بالسلاح إما محدودة أو معدومة فيما قدس بعضنا - أقلية تتضمن الملايين الأسلحة لتكون رموزا للحرية الأمريكية، حقا إنسانيا أساسيا منح لكل المواطنين من قبل الذين صاغوا الدستورة قبل خمسين عاما، حين كنت أسافر عبر مياه خليج المكسيك بوصفي بحارا عاديا، كنت سأجيب بأن الأمر يتعلق بالمكان الذي ولدت فيه وكيف تربيت وماذا كان يتوقع منك من جهة أسرتك ومجتمعك. لو أنني تربيت في ريف لويزيانا كما تربى (بلي) زميلي على السفينة، فمن شبه المؤكد أن يكون القنص نشاطا عاديا بالنسبة الي، لكن لأنني ولدت في مكان آخر وتربيت بطريقة مختلفة ولم يتوقع مني أن أتعلم كيف أطلق النار على الحيوانات، فإن القنص لم يكن كذلك. لم يكن للسياسة علاقة بالأمر ليس في حالتي وليس في حالة (بلي) وخشية أن نكون قد نسينا أين نحن، فإن العام الذي أتحدث عنه هو 1970، في منتصف حرب فيتنام التي قسمت الأمريكيين عندئذ بصورة تقترب في حدثها مما نحن فيه الآن، لكن حتى في تلك الفترة من المظاهرات الضخمة المناهضة للحرب، فترة الثورة المدنية والفوضى فترة الاغتيالات العديدة الأبرز قادتنا (جون كينيدي، مالكوم إكس مارتن لوثر كنغ، روبرت كينيدي)، لم تكن الأسلحة قد صارت قضية سياسية تغلي، حتى وإن كانت المسدسات والبندقيات القوية والبعيدة المدى الأدوات التي جعلت حالات القتل تلك ممكنة.
الخطوة المنطقية التالية بالنسبة إلي هي أن أبدأ بالحديث عن تطور منظمة البنادق الوطنية الـ إن أر أي)، و«التعديل الثاني ، حركة السيطرة على السلاح، ومختلف المواقف التي تيناها الناشطون على جانبي القضية، لكن كل وجهات النظر هذه باتت مألوفة بالنسبة إلينا إلى حد الملل، وما عدا ذلك، هناك الحقيقة الأكثر أهمية وهي أن المشكلة الهائلة التي نواجه في بلادنا ليس من المتوقع أن تحل بإقرار قوانين جديدة أو إلغاء قوانین سابقة أو بدعم إجراءات سلامة مبتكرة عبر الكونغرس التشريعات الجزئية قد تساعد في تخفيف بعض الضرر، لكنها لن تعالج قلب المشكلة، وبما أننا فشلنا في استخدام المنطق في مواجهة عنف السلاح بوصفه تهديدا للصحة العامة، مثلما نجحنا في حوادث السيارات، تدخين السجائر، الأسبستوس، علب بخاخ الأيروسول، وما لا يحصى من الأعراض المضرة للحياة الحديثة، فإني لا أتخيل أننا سنفعل ما هو أفضل من ذلك لو تجاوزنا الكونغرس إلى المحاكم لتكون فيصلاً حاسما حول ما تعمل وما لا تعمل سيكسب أحد الجانبين ويخسر الآخر، وفي اللحظة نفسها سيبتهج المنتصرون بانتصارهم، وستعلو أصوات الخاسرين غاضبة بأن ظلما فادحا قد وقع، وسنعود إلى حيث نحن الآن.
لكي نفهم كيف وصلنا إلى هنا، علينا أن نترك الحاضر ونعود إلى البدايات إلى الوقت الذي سبق اختراع الولايات المتحدة حين لم تكن أمريكا أكثر من مجموعة من المستوطنات ذات السكان البيض القليلي العدد والمشتتة بين ثلاث عشرة نقطة حدودية نائية تابعة للإمبراطورية البريطانية، فترتنا الاستعمارية ما قبل التاريخية استمرت مئة وثمانين عاما، وكانت الحياة أثناء معظم تلك الفترة الفوضوية التأسيسية حالة من الصراع المسلح الذي لا ينتهي لذات السبب الذي جعل الممالك الأوروبية لا تعنى كثيرا بغزو السكان المحليين فيما وراء البحار أو إخضاعهم (إسبانيا. البرتغال فرنسا هولندا)، أقنع المستوطنون الأمريكيون الذين ولدوا في إنجلترا أنفسهم بأن الله منحهم حق السكنى في أي مكان يشاؤون من براري العالم الجديد الذي جاؤوا ليطلقوا عليه وطنا، حتى وإن أدى ذلك إلى الحلول محل السكان الذين كانوا يسكنون في تلك الأراضي والتي كانوا يسكنونها لآلاف السنين قبل وصول الإنجليز. لا حاجة إلى التعليق على ردة فعل الهنود تجاه الموقف غير المهادن من جيرانهم الجدد، ولن أستعرض القائمة الكتيبة من الحروب بين القبائل المحلية والمستوطنين أثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر التي تضمنت غزوات لا تحصى على القرى الهندية وأدت غالبا إلى مذابح - الذبح الأخلاقي لكل رجل وامرأة وطفل كان يعيش هناك، والذي تلاه إشعال النار في كل مسكن من القرية حتى يحترق تماما.
التنفيذ هذه العمليات العسكرية، نظم المستوطنون ميليشيات تتألف من كل الرجال القادرين ممن هم فوق السادسة عشرة. ولم يكن كل واحد من أولئك مطالبا بأن يجهز نفسه ببندقية مسكيت» على حسابه الخاص فحسب ما جعل امتلاك السلاح يتجاوز أن يكون مجرد حق إلى أن يكون إلزاميا أي واجبا مدنيا وإنما كان كل شخص مطالبا أيضًا بأن يؤدي الخدمة في الميليشيا إلى أن يصل به العمر حدا لا يستطيع معه أن يقف منتصبا ويحمل بندقية، ما يعني أنك إن كنت تاجر بضاعة جافة، أو مزارعا أو شماس الكنيسة ، فإنك أيضًا جندي منتظم، سواء أعجبك ذلك أم لم يعجبك. عد المستوطنون أنفسهم مهددين وما لم يتكاتفوا للدفاع عن أنفسهم ضد العدو المشترك، فإن مستقبل بيوتهم وبلداتهم، بل حتى وجودهم في القدس الجديدة، التي تخيلوا أنفسهم يبنونها سيكون في خطر.
اقترن الخوف بالعنف، مع الرصاص ليكون الخيار الأول. إنه اقتران عرفته كل فصول تاريخنا وما زال حقيقة أساسية في حياة الأمريكيين حتى اليوم.
وحاضرة أيضًا في وقتنا الحالي هي النتائج العالقة لظاهرة أمريكية أخرى تعود إلى القرن السابع عشر، إنها العبودية التي تحيل الإنسان إلى متاع، تلك الممارسة البشعة التي استمرت طوال فترة الاستيطان الكولونيالية)، واستمرت على الرغم من تأسيس الجمهورية، ومزقت البلاد أخيرًا، ولا تزال تمزقنا بطرق شتى بعد أربعمئة عام من فرض الإنجليز لنظامهم الاقتصادي الذي يعتمد على العمل المجاني نتيجة لاختطاف البشر وإخضاعهم في المستوطنات الثلاث عشرة وفي الجزر الكاريبية العديدة الواقعة تحت الحكم البريطاني حسب علمي، ليس هناك ما يؤكد أي مقاومة من جانب المستوطنات التي أفادت من هذا الابتكار البشع. حين بدأ تجار العبيد من باربيدوس بالتحرك نحو جنوب كارولاينا في سبعينيات القرن السابع عشر استوردوا الممارسات المتعلقة بإدارة العبيد التي كانوا قد أسسوا في موطنهم السابق، ومن بينها إيجاد ميليشيا تعرف بدوريات العبيد التي جرى إدماجها بميليشيات أكبر كانت مكرسة المحاربة الهنود والقضاء عليهم تلك الميليشيات التي دعمت لتشرف على مجموعة قوانين كلف بموجبها ضمن مهام أخرى كل البشر المستعبدين الذين أرسلوا في مهام كلفهم بها مالكوهم بأن يبرزوا إذنا بالمرور عندما يوقفهم أي شخص أبيض يستجوبهم، ومن أجل الحفاظ على اقتصاد أسس على السخرة منحت الميليشيات حرية التصرف في ملاحقة العبيد الهاربين والقبض عليهم. هكذا بدأ تقليد امتد لقرون وتمثل في رجال سود في حالة هياج ويخوضون في المستنقعات تطاردهم قطعان من الكلاب المسعورة والمدربة على تحقيق هدف وحيد هو اصطياد الهاربين، وبمجرد الإمساك بهم كانوا يجلدون بالسياط حتى تدمى ظهورهم ثم يعادون إلى ملاكهم. من الناحية العملية كانت دوريات العبيد هي قوى البوليس الأولى في أمريكا، وحتى نهاية الحرب الأهلية كانت تمثل صورة للغستابو الجنوبي.
مع مرور الوقت استمرت الحرب ضد الهنود ولحماية مؤسسة العبودية بكامل طاقتها في حين كان الأمريكيون قد بدؤوا يوسعون حدودهم وراء المستوطنات الثلاث عشرة كانت هناك فرصة لكسب قدر لا بأس به من المال بالاستيلاء على الأرض الواقعة وراء جبال اليغيني في وادي أوهايو التي تعرف أيضا بالمنطقة الهندية، وبحلول منتصف القرن الثامن عشر حتى انتهاء الحرب الفرنسية الهندية (1754-1763) كان المستوطنون الأمريكيون يوسعون حدود عالمهم، ولم يكن أحد منهم يفعل ذلك بذكاء وحرص على الربح يفوق مساح الأرض والجندي جورج واشنطن الذي جمع ثروة من المضاربة في الأراضي وهو في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. انتشرت العبودية في هذه المناطق وذبح العديد من الهنود أثناء عملية تحويل ذلك التراب الخصب إلى أراض للبيض، ولكن حين انتهت الحرب بانتصار إنجلترا على فرنسا، حاول البريطانيون أن يوقفوا نهم المستوطنين الذي لا يشبع الابتلاع المزيد من الأرض. في كتابها <محشو> (2018) المتعمق في البحث والمقنع في آرائه حول تاريخ السلاح في أمريكا، تختصر روكسان دنبار - اورتز الوضع بدقة وتبرز كيف أن الصراع على الأرض كان أحد الأسباب الأهم وراء الثورة الأمريكية : مما خيب أمل المستوطنين إصدار الملك جورج الثالث، بعد توقيع معاهدة باريس عام 1763، إعلانا يمنع الاستيطان البريطاني وراء سلسلة جبال اليغيني الأبالاش، أمرا أولئك الذين استوطنوا هناك أن يتخلوا عن دعاواهم ويعودوا إلى مستوطنات المملكة الثلاث عشرة، واتضح سريعا أن المسؤولين البريطانيين كانوا بحاجة إلى أعداد أكبر من الجنود الفرض المرسوم لأن آلافا من المستوطنين تجاهلوه وواصلوا التدفق عبر الجبال حيث احتلوا أراضي السكان الأصليين، مشكلين ميليشيات مسلحة، الأمر الذي استدعى مقاومة السكان الأصليين في عام 1765، ولكي يثبت الحدود المعلن عنها، فرض البرلمان قانون الطابع على المستوطنين وهو ضريبة على كل المواد المطبوعة التي فرض دفعها بالجنيه البريطاني وليس بالعملة الورقية المحلية. الشعار الأيقوني الاحتجاجي الضريبة من دون تمثيل ) استبداد، كان مؤشرا على تزايد التمرد ضد السيطرة البريطانية لكنه لم يكن سوى جزء من القصة، إذا أخذنا في الاعتبار أن الضريبة كانت الأغراض أخرى هي: دفع تكاليف السكن والإعاشة والنقل للجنود بغية احتواء وقمع المستوطنات لكي لا تواصل التوسع في الأراضي الهندية.
بعد عشرة أعوام من صدور قانون الطابع، بدأت المعارك بين الجنود البريطانيين والمستوطنين الأمريكيين في بوسطن والمنطقة المحيطة بها، وبعد مرور عام على ذلك، اتضحت في إعلان الاستقلال، أسباب التمرد وأهدافه تأسيس وطن منفصل بحكم ذاتي ومتحرر من الحكم البريطاني، الفقرة الثانية الشهيرة من الإعلان تبدأ بالكلمات التالية: إننا نرى أن هذه الحقائق واضحة. وهي أن كل الناس خلقوا سواسية، أن الخالق منحهم حقوقا محددة وأصيلة، وأن من بينها الحياة والحرية والبحث عن السعادة . لا تزال تلك الكلمات تقف بوصفها مبدأ مقدسا في العقل الأمريكي أي العقيدة الأساسية التي نهضت عليها الجمهورية، ومع ذلك. كما يعلم الجميع، فإن تلك الكلمات كذبة وكان معروفا أنها كذبة في اليوم الذي نشرت فيه، ذلك أن «كل الناس» تعني «كل الناس». و«متساو»، تعني «متساو»، و«الحرية» تعني الحرية، وأن تطلق الجمهورية الحديثة العهد ذلك التوكيد حين كانت أعداد كبيرة ممن كانوا يسكنون ضمن حدودها مسترقين ولا يتمتعون من ثم بالمساواة ومحرومين من الحرية ويعدون في واقع الأمر متاعا، أي ملكا شخصيا، يمكن نقله مثلما ينقل الخنزير أو الكلب أو العربة كان لونا من ألوان النفاق الرفيع المستوى الذي يفقد التوكيد معناه. كانت اللحظة التاريخية تلح على إلغاء العبودية في تلك الساعة والمكان بوصف تلك جملة مفصلية في وثيقتنا التأسيسية لكن كما يعلم الجميع فإن ذلك لم يحدث.
لقد كان توماس جيفرسون ذو الستة وعشرين عاما، ذلك الشاب الأعجوبة الذي كتب النسخة الأولى من إعلان الاستقلال، ربما كان أوضح الأمثلة على الصراع الأنطولوجي الكامن في قلب المشروع الأمريكي. كان ابنا لأحد ملاك العبيد، ومع ذلك أدرك بتعبيره هو أن العبودية كانت الطخة شريرة، و فقرا أخلاقيا علما أنه كانت له أملاك تضم ستمئة عبد وأنه أنجب نصف دزينة من الأطفال من سالي همنغز مزيجة العرق، التي كانت مستعبدة وأختا غير شقيقة لزوجته المتوفاة، ومع ذلك ففي صيف عام 1776، في تلك اللحظة المبكرة من حياته الوظيفية الطويلة، شعر جيفرسون أنه مضطر إلى مواجهة مسألة العبودية في النسخة الأخيرة من الإعلان بين قائمة طويلة من احتجاجاته ضد الملك البريطاني يأتي اثنان من ألوان الشجب:
- لقد شن حربا على الطبيعة الإنسانية ذاتها، منتهكا حقوقها الأكثر قداسة فيما يتعلق بالحياة والحرية متمثلة في أشخاص شعب ناء لم يؤذه يوما، وذلك حين أسرهم وحملهم إلى العبودية في جزء آخر من الأرض، أو حين تسبب في موت بائس لهم أثناء نقلهم إلى هناك.
- لقد هبط إلى الدرك الأسفل برفضه كل محاولة تشريعية لمنع أو تقييد تجارة قذرة، مصمما على الإبقاء على سوق يشترى فيه الناس ويباعون.
كلمات قاسية، ولكنها ليست قاسية بما يكفي، ففي حين كان جيفرسون محقا في شجب الملك لجلبه هذه التجارة القذرة إلى العالم الجديد، فإنه لا يقول شيئًا عن نشاط المستوطنين واستعدادهم للمشاركة في تلك التجارة، ولا نجده في أي مكان يشير إلى أن العبودية يجب أن تلغى. ومع ذلك فقد مسحت تلكما العبارتان من النسخة النهائية للإعلان في تسوية مع المستوطنين الجنوبيين لكي يتعاونوا في الحرب ضد البريطانيين. وبهذا فإن أهم الأفكار التي تضمنها الإعلان أن الناس خلقوا سواسية. قضي عليها بتعديل كلمة «كل» إلى بعض، أو «معظم، مع استثناء السكان المستعبدين من السود من طبقة البشر. كان السود هم الضحية التي دفعت بالثورة إلى الأمام وأدت إلى تأسيس الجمهورية، كان الشمال إذا، وعلى نحو مخيف ويهيئ لما كان سيتلو يتنازل للجنوب في اللحظة التي كان موقعو الإعلان يدشنون الجمهورية، وذلك للحفاظ على تماسك الجبهة المتحدة ما أدى إلى السابقة التي ظلت تفسد ديمقراطيتنا منذ ذلك الحين - بسماحها لأقلية أن تجعل الأكثرية رهينة خاضعة لرغبتها، الأمر الذي منحنا ديمقراطية تحكمها الأقلية.
والأسوا أن هذه الحكومة الضعيفة صارت جزءا من القانون الفيدرالي على يد الرجال الذين كتبوا النسخة الأولى من الدستور بعد مرور أحد عشر عاما، حين أعطي الجنوب قوة لا تتناسب معه. الأمر الذي أتاح لهم في الجنوب أن يعدوا كل واحد من عبيدهم معادلا لثلاثة أخماس إنسان وذلك ليزيدوا عدد الذين يمكنهم انتخابهم ليمثلوهم في الكونغرس، هكذا كان، وهكذا استمر الوضع إلى أن أضيفت التعديلات الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر للدستور بعد الحرب الأهلية - ومرة أخرى ظل السود هم الضحية. ثلاثة أخماس إنسان لكم أتمنى لو استمعت إلى حوارات أولئك الرجال المتنورين حين أمضوا الوقت في التنقيب عن الكيفية التي يمكنهم بواسطتها أن يحددوا كم جزءا من الحياة الإنسانية يمكن منحها للعبد لو كان جوناثان سويفت حيا لكان بإمكانه أن يشتغل على المشهد ليحوله إلى أحد فصول جلفر . وسيضحك العالم من دهائه الهجائي الذي لا يضاهى. لافاييت : «لم أكن لأستل سيفي في قضية أمريكا لو أنني كنت أعلم أنني بذلك أؤسس أرضًا للعبيد ».
ومع ذلك استطاعت تلك الأرض التي خدعت أن تنجح في إنتاج دستور وأن تؤسس بذلك قواعد للحكم ما زلنا نعيش بمقتضاها - وثيقة مرنة التي لكي تصنع اتحادا أكثر اكتمالا، مرت بعدد من التغييرات المهمة منذ كتابتها عام 1787، ما نسميه اليوم قانون الحقوق الذي نظم إلى حد بعيد الحريات الشخصية وحماية الفرد، أضيف إلى النص الأصلي لجعل التصديق عليه ممكنا. يقودنا هذا إلى التعديل الثاني، تلك الجملة المصوغة بغموض والمرقومة بطريقة غريبة، الجملة التي وجدت مكانها على الصفحة الأولى من القانون، وجرى تجاهلها إلى حد بعيد. طوال التاريخ حتى انتهى التجاهل وفجأة، كما لو أن ذلك حدث بين عشية وضحاها، صارت الجزء الأكثر إثارة للجدل في الحوار الذي دار حول السلاح وقسم البلاد طوال المئة وخمسين عاما الماضية: «تعد الميليشيا المنظمة تنظيما جيدا ، ضرورية لضمان أمن الدولة الحرة، فلا يجوز تقويض حق الشعب في حمل السلاح والاحتفاظ به .
لقد أريقت محيطات من الحبر في سيل لا يتوقف من الحجج والحجج المضادة حول ما تعنيه تلك الكلمات.
ما خشيه معظم الأمريكيين الذين عرفوا الاستقلال حديثا كان في المقام الأول أن تكون هناك حكومة فيدرالية تؤسس جيشا وطنيا دائما - جيشًا ثابتا من الجنود المهنيين وهو ما رأوه أداة للاستبداد، قوة ضغط تمارس الكبت وتوظفها حكومات ملكية مثل تلك التي جاءت من الإمبراطورية البريطانية وكانوا قد هزموها للتو، نتيجة لذلك أعيد تشكيل الميليشيات الاستيطانية لتصير ميليشيات تابعة للولاية، وكما ورد في متن الدستور (المادة الأولى. الجزء الثامن الفقرات 15 و 16)، ستستدعى تلك المليشيات عند الضرورة التطبيق قوانين الاتحاد إحباط التمرد وصد الغزاة إلى جانب الاحتفاظ بالنفوذ في تعيين الضباط، والسيطرة على تدريب الميليشيا، حتى أثناء خدمة الاتحاد بتعبير آخر، حين ترى الحكومة الفيدرالية ضرورة أن تحشد جيشا، فإن الجنود والضباط سيتألفون من ميليشيات الولاية، في ضوء تلكما الفقرتين التي نقر بوضوح بوجود ميليشيات إلى جانب حق تلك الميليشيات في أن تبقى موجودة، يبدو من الغريب، أو على الأقل مما لا معنى له، أن الذين صاغوا القانون سيعودون إلى موضوع الميليشيات في التعديل الثاني الذي يبدو أنه لا يضيف أكثر من تأكيد أن الناس أي الرجال لهم الحق في الانضمام إلى ميليشيات. هناك آخرون بطبيعة الحال ممن يجادلون في أن التعديل أيضا يمنح الحق للأفراد بأن يمتلكوا سلاحًا، لكن ليس هناك موضع في تاريخ اللغة الإنجليزية تتضمن فيه عبارة «حمل السلاح معنى لا يشير إلى الجيش الشخص الذي يذهب الصيد الغزلان في الأحراش لا يحمل السلاح، ولا هي المرأة التي تطلق الرصاص على أهداف ورقية في مكان الرماية المحلي تحمل السلاح، فقط هم الجنود الذين يحملون السلاح، وفي الحالات القليلة التي عرض فيها الأمر على المحكمة العليا، كان القضاة دائما يحكمون بمقتضى التفسير العسكري للنص، ثم جاء القرار المتعلق بمقاطعة كولومبيا ضد هلر عام 2008 حين صوتت المحكمة بفارق ضئيل هو خمسة إلى أربعة لتقلب السابقة التاريخية وقبلت بالتفسير المتوسع للتعديل الدستوري معلنة أن حق الاحتفاظ بالسلاح وحمله، ينطبق على الأفراد أيضًا، ومع ذلك، كما أكد القاضي أنتونين سكاليا في رأي الأكثرية . .... الحق الذي يمنحه التعديل الثاني ليس بلا قيود، وأن لا شيء في رأينا ينبغي أخذه على أنه يثير الشك في استمرار منع المجرمين أو المختلين عقليا من حمل السلاح أو في القوانين التي تمنع حمل السلاح في الأماكن الحساسة مثل المدارس ومباني الحكومة أو القوانين التي تفرض شروطا ومواصفات على بيع السلاح. كان نصرا للوبي السلاح، نعم، لكنه لم يكن نصرا عظيما، الأمر الذي يعيدنا بالضبط إلى حيث كنا قبل أن تحسم المسألة، ويؤكد القول في اعتقادي، بأنه سيكون من الحماقة أن نحسم المسألة في المحاكم.
السيطرة على السلاح أو منع امتلاك الأسلحة النارية بتعبير سكاليا) باتت جزءاً من الحياة الأمريكية منذ القرن السابع عشر، حين وافقت الولايات الاستيطانية والحكومات المحلية على ما يزيد على الألف من القوانين والأوامر التي فرضت قيودا على إشهار السلاح، وحمل السلاح علنا (نيو جيرسي، 1686 لأن سلوكا مثل ذاك أحدث خوفًا وخصومات كبيرة)، وحمل السلاح المخفي (كنتاكي (1813)، ونفذت منها على البندقيات المعدلة، وكاتمات الصوت والرشاشات ويست فرجينيا، 1925 وتبعتها مباشرة سبع وعشرون ولاية أخرى وكذلك الأسلحة شبه الأوتوماتيكية (عشر ولايات في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين). ثم منعت قوانين أخرى المبارزة، ومنعت المدانين بجرائم حق امتلاك السلاح، وطالبت الصيادين بالحصول على تراخيص وقيدت فترات الصيد بأسابيع محددة من السنة وطالبت مالكي السلاح بالحصول على تراخيص (نيويورك، قانون سوليفان (1911)، وطالبت تجار السلاح بالحصول على تراخيص نيوهامبشر (1917)، وفرضت ضرائب على الأسلحة (جورجيا. 1866 ميسيسبي (1867)، وأمرت بأن يسجل ملاك الأسلحة كل سلاح لديهم بأنواعهامونتانا (1918)، وفي كل الولايات تقريبا على طول البلاد، جعل من المخالف للقانون إطلاق النار في مكان عام في مدرسة، في كنيسة، أو قطار، أو أي مكان قريب من طريق أو من جسر حين أعود إلى سبعينيات القرن التاسع عشر يتبين لي أن المنطق وراء تلك القيود لم يكن أكثر تأثيرا مما كان على التخوم الفوضوية التي كنت أشاهدها على تلفزيون طفولتي، التي اتضح أنها لم تكن أكثر من أسطورة اختلقها مؤلفو الروايات الهزيلة والعروض ذات الشعبية الهائلة التي عرفت بـ عروض وايلد ويست البوفالو بلز التي كانت تطوف البلاد لعدة عقود، ناشرة ذات النوع من المشاهد الكاريكاتيرية والبالغة العنف لحاملي المسدسات التي أعيد تدويرها لتصير أفلاما وتعرض على التلفزيون طوال القرن العشرين. ذلك أن الحقيقة هي أن تلك البلدات الأسطورية مثل دوج سيتي»، و«تومستون» و ديدوود العواصم والمناطق المشتعلة افتراضيا للمواجهات الفردية المسلحة وإطلاق النار المتبادل بين العصابات وخصومات السلاح في الصالونات الصاخبة حيث يسحب كل لاعب بوكر من أسفل ورق اللعب، كانت إلى حد بعيد خالية من العنف الذي لا يتوقف كما تصوره افلام الويسترن الكلاسيكية. وكما يبين ونكلر في كتابه، شهدت الفترة من 1877 إلى 1886 ما مجموعه خمس عشرة حادثة جنائية في دوج سيتي (1,5 في العام) في عام 1881 العام الأكثر عنفًا في تاريخ «تومستون» المسجل، قتل خمسة أشخاص (ثلاثة منهم في خصومة حدثت في و. ك. كورال) وفي ديدوود . شهد العام الأكثر عنفا أربعة قتلى السبب وراء هذه الأرقام المنخفضة بصورة مدهشة كان الفرض الصارم لضوابط استعمال السلاح للناس الحرية في حمل السلاح في الأحراش، لكن بمجرد دخولهم المدينة عليهم أن يتزعوا سلاحهم ويظلوا كذلك حتى يغادروا كانت الإرشادات معلنة حول مدينة ويتشيتا توجه الناس أن اترك مسدسك في مكتب البوليس واحصل على وصل في مدينة دوج سيتي ذات الشهرة السيئة، كانت الإرشادات: حمل السلاح ممنوع بتاتا بمقتضى المصلحة العامة، وضعت الإدارات البلدية لتلك الأماكن أوامر تحمي السكان من الأذى وتحول دون الأزمات الصحية العامة التي تضطر المسؤولين إلى أن يتعاملوا مع أكداس لا تتوقف عن التزايد من الجثث أو من الأجساد المملوءة بثقوب الرصاص. كما عبر الباحث و يوجين هولون في دراسته التي تعود إلى العام 1974 عنف التخوم، كان الغرب القديم أكثر تحضرا وسلاما وأمنا بكثير من المجتمع الأمريكي الحالي.
كان القانون الفيدرالي الأول بشأن السيطرة على السلاح قانون السلاح الناري لعام 1934، الذي فرض ضريبة ثقيلة على بيع الأسلحة الرشاشة وشرائها إلى حد أن تلك الأسلحة القاتلة ذات الطابع العسكري قد منعت عمليا، انتشار رشاش تومي الصغير كان نتيجة مباشرة لتزايد العصابات الإجرامية وأسلوب العصابات في عشرينيات القرن العشرين، والسبب الرئيس وراء ذلك التزايد كان تعديلا آخر للدستور، التعديل الثامن عشر، الذي منع بيع المشروبات الكحولية وفتح الباب أمام سنوات المنع التي خلطت الأمور رأسا على عقب. لم تكن كل الدوافع وراء ذلك التعديل غير صحيحة كارثة الإدمان على الكحول كانت بلا شك سببا في كثير من الوفيات ومدمرة لكثير من الأسر). لكن معظم الناس الذين كانوا يشربون الكحول لم يكونوا مدمنين وفي القرون العديدة منذ منح ديونيسيوس العالم معجزة النبيذ صار ذلك المشروب المسكر الخفيف جزءا أساسيا من الحياة اليومية لمئات الملايين، فهو يشرب مع الوجبات، وينظر إليه بوصفه مكملا للرفقة والأجواء البهيجة، وأيضًا من حيث هو بلسم مريح للمتعبين، وللأرواح القلقة، وفي الغالب من حيث هو مهيج للرغبات الجنسية، في مطلع القرن العشرين، ومع التجذر العميق لاستهلاك النبيذ والبيرة ومختلف أنواع الكحول في كل الثقافات الإنسانية تقريبا، صدم الأمريكيون بالقيود التي فرضت عليهم ورفضوا الانصياع للقانون، كانت النتيجة كارثة وطنية فالأمر تجاوز عجز التعديل الثامن عشر عن منع الأمريكيين من الشر إلى أنه أدى إلى نتيجة عكسية بدفعهم لشرب مزيد مما أفرز جيشا من مهربي الكحول والاتجار غير المشروع والعالي الربحية في الكحوليات، كما تسبب في حالات لا يشار إليها من الوفيات وحالات العمى نتيجة لمشروب الجن المعد في أحواض الاستحمام ومن الأوعية المصنعة منزليا لعمل كحول الخشب إضافة إلى أنها أطلقت العنان لحروب تنافسية بين موزعي الخمور كانت من العنف بحيث أن مجرمين مثل آل كابوني، لكي لوتشيانو، مايير لانسكي، وبقر موران صاروا شخصيات وطنية. ومن هنا كان منع الأسلحة الرشاشة عام 1934، بعد عام واحد من الموافقة على التعديل الحادي والعشرين الذي ألغى التعديل الثامن عشر وأنهى المنع المفروض على الكحول دون أن ينهي الجريمة المنظمة للأسف - التي لا تزال معنا بعد مرور قرن وتستمر بوصفها أنموذجا يدرس للقانون ذي النتائج غير المقصودة.
إنني أذكر المنع على أنه مثال لـ غياب الفعل، في وجه أزمة وطنية بقدر ما أود حل مشكلة العنف الناجم عن السلاح، وبقدر رغبتي في قبول أن تحظر صناعة وبيع جميع أنواع السلاح، فإن مالكي الأسلحة في هذه البلاد لن يتقبلوا ذلك، ولن يكون ذلك الحظر أكثر تأثيرا مما كان منع الكحول عام 1919، ذلك لأنه يقدر ما أن معظم الناس الذين يتعاطون الكحول لم يكونوا مدمنين فإن الأغلبية العظمى ممن يملكون أسلحة ليست لديهم النية في استعمالها لإبداء الناس الآخرين أو قتلهم. لكن حتى لو نفذت قوانين الحظر تلك، فإنها لن تنجز شيئًا، مع انتشار ما يقارب أربعمئة مليون قطعة سلاح موجودة بيننا ووجود تدفق إضافي متاح عبر وسائل جديدة لصناعة الأسلحة الطابعات الثلاثية الأبعاد والأدوات التي يمكن تجميعها شخصيا لتكون أسلحة خفية). فإن أي شخص مصمم على الحصول على السلاح لن يتعب كثيرا في العثور عليه حتى في مدينتي التي أسكن، نيويورك، حيث لا يزال قانون سوليفان ساري المفعول وكل مالكي الأسلحة اليدوية مطالبين بالحصول على ترخيص، فإن القانون يسهل تخطيه والأسلحة التي يهربها تجار السوق السوداء من الولايات التي تتبنى قوانين سهلة مثل جنوب كارولاينا وفرجينيا يمكن شراؤها في الشارع السعر يتراوح بين ثلاثمئة وألف دولار، ولو افترضنا جدلا - لكي تصل بالاحتمالات إلى حدود اللا معقول أنني عينت حاكما أعلى للولايات المتحدة لمدة ساعة واحدة ووقفت عندئذ على قمة جبل وأعلنت أن القرار الوحيد الذي سأتخذه أثناء وجودي في السلطة هو شراء كل قطعة سلاح في البلاد بخمسة أضعاف سعرها التجاري لكي أذيبها فتكون آلات زراعية، ستفهم كلماتي على أنها إعلان حرب قبل وصولي إلى أسفل الجبل سأكون قد قتلت ألف مرة وسيبدو جسدي مثل كتلة من الجبن السويسري.
لا لننس الحظر الكلي والإجراءات الصارمة لفرض السلام على المتحاربين، سيأتي السلام فقط حين يرغب الجانبان فيه ولكي يحدث ذلك علينا أولا أن نجري تفحصا صادقا ومستقصياً لهويتنا وأي شعب نريد أن نكون إذ نمضي إلى المستقبل، تفحصا لا بد أن يبدأ بتفحص منقص لمن كنا في الماضي، هل نحن جاهزون للحظة الصدق والمصالحة هذه التي تأجلت طويلا على المستوى الوطني؟ ربما ليس الآن. لكن إن لم يكن ذلك كذلك فمتى؟
بعد أن ارتكبت البلاد خطأ بتفعيل التعديل الثامن عشر. تراجعنا عنه في النهاية وفعلنا التعديل رقم واحد وعشرين الذي ازال معظم الضرر الناجم عن ذلك الخطأ الأمر الذي يؤكد أن الدستور، وثيقة مرنة بما يكفي للسماح بتصحيح الأخطاء وهو ما يجعل أكثر الباحثين يسمونه نصا حياء. لكن ليس كل الباحثين فكما يروي مايكل والدمان في كتابه، ألقى أنتونين سكاليا، الذي كتب رأي الأكثرية في قضية هلر»، كلمة في جامعة برنستون أمام حشد تألف من سبعمئة شخص في 11 ديسمبر 2012، في أحد المواضع قال: هناك صفوف من التلاميذ الصغار يأتون إلى المحكمة ويتلون ما تعلموه باعتزاز الدستور نص حي ، إنه ليس نصا حيا، إنه ميت ميت، ميت، ميتا، بعد ثلاثة أيام، كما يذكرنا والدمان دخل شاب معتوه إلى مدرسة ساندي هوك الابتدائية في نيوتن كونيتيكت، وقتل عشرين طفلا وستة من البالغين.
الفصل التالي الفصل السابق