القائمة الرئيسية

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/٢

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/٢
ملخص المقال

ملخص: يناقش هذا الجزء من الكتاب تجربة الكاتب في عام 1970، عندما عمل في الأسطول التجاري على ناقلة نفط، حيث التقى بعدد من الرجال الذين نشؤوا في بيئة تحيطها الأسلحة. يتطرق الكاتب إلى تأثير هؤلاء الأشخاص على ثقافته حول الأسلحة، بدءًا من لامار الذي تحدث عن إصابته في عينه أثناء احتجاجات ضد مارتن لوثر كينغ، وصولًا إلى ممارسات أخرى عنيفة مثل إطلاق النار على السيارات. كما يذكر أيضًا لقاءه مع "بلي" الشاب الذي تلقى خبرًا عن أخيه الذي أطلق النار على شخص في حانة. يتساءل الكاتب في النهاية عن السبب وراء العنف المنتشر في الولايات المتحدة مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى، ويطرح تساؤلات حول السبب في تميز أمريكا بمعدل العنف المرتفع.

في عام 1970، العام الذي علمت فيه عن ذلك السلاح، بدأت مهمة مدتها ستة أشهر في الأسطول التجاري في وظيفة بحار عادي على ناقلة نفط الشركة إسو»، وعلى ظهر تلك السفينة كان لقائي الأول برجال نشؤوا حول الأسلحة واستمروا يعيشون في علاقة حميمية معها. تمثلت حمولتنا في المقام الأول من وقود محركات كنا نحمله وتنزله على امتداد المحيط الأطلسي وصولا إلى خليج المكسيك، كانت المدن اليزابيث في ولاية نيوجيرسي وبيتون في ولاية تكساس، حيث تقع اثنان من أكبر مصافي «إسو»، المحطات الأخيرة لرحلاتنا، إلى جانب وقفات في مدينة تامبا وموان أخرى على الطريق، لم يكن هناك أكثر من ثلاثة وثلاثين رجلا على ظهر الناقلة، وإذا استثنينا اثنين من الأوروبيين وشماليا واحدا هو أنا، فإن كل العاملين وعضوا في فريق الملاحة كانوا من الجنوب، كانوا كلهم تقريبا من ولاية لويزيانا وبعض البلدات على ساحل تكساس يقفر اثنان من الملاحين إلى ذهني الآن ليس لأنهما كانا صديقين مقربين وإنما لأن كلا منهما، بطريقته المختلفة تماما عن الآخر، كان له أثر كبير في تعزيز ثقافتي حول الأسلحة. 

كان لامار رجلا قصيرا ذا شعر أحمر ليفي من مدينة باتون روج وكانت في عينه اليسرى بقعة قرمزية ساطعة تشوه بياض العين إلى جانب ثمانية أحرف رسمت بالتاتو على المفاصل من أصابع يديه L-O-V-E و H-A-T-E حب وكراهية)، العلامات ذاتها المكتوبة على أصابع واعظ روبرت متشم المعتوه في (فيلم) ليلة الصياد . كان لامار يعمل مساعدا لموظف التزييت في غرفة المحرك وكان تقريبا في نفس سني (23 عاما). على الرغم من تاتو الولد السين، وجدته مهذبا في حديثه، من النوع اللطيف. ولأن كلينا كان مستجدا على سفينتنا الأولى، فقد اعتبرنا متأزرين بلا جدال وبدا أنه يستمتع برفقتي حين لا تكون منشغلين بعملنا . كوني من الشمال وتخرجت في كلية ونشرت بعض القصائد في مجلات لم يكن مما عده مريبا ، تقبلني كما أنا، وتقبلته كما هو. وانسجمنا - ليس كأصدقاء بالضبط وإنما كبحارة وزملاء متوافقين من باب المجاملة والاستلطاف، ثم جاء الانكشاف الأول الصدمة الأولى، كنا قد تشاركنا في ما يكفي من حكاياتنا الشخصية وبالقدر الذي جعلني أشعر بأنني لن أهيئه لو سألته عن البقعة الحمراء في عينه، لم ير تلك إهانة، فأوضح بهدوء أنها حدثت قبل أعوام قليلة حين كان مع حشد من الناس واقفين على أحد الأرصفة يلقون بالزجاجات على مسيرة احتجاجية يقودها مارتن لوثر كنغ إحدى الشظايا الزجاجية ضربت عينه واخترقت الغشاء مسببة جرحًا اندمل ليتحول إلى الشيء الأحمر القبيح الذي سيبقى معه بقية حياته، ومع ذلك فإن الأمر كان سيكون أسوا. كما قال، وقد شعر بأنه محظوظ لأنه لم يفقد عينه.

حتى تلك اللحظة لم يقل لامار كلمة سلبية عن السود في حضوري، وحين سألته لماذا قام بعمل غبي كالذي قام به، أي ذلك العمل الوحشي، هز كتفيه غير مبال وقال إن الأمر بدا ممتعا في ذلك الوقت كان دون العشرين ولم يكن يعرف الكثير ما يعني أنه لن يفعل ما فعله في الوقت الحالي، ولم يكن بإمكانه ذلك بالطبع لأن مارتن لوثر قتل قبل عامين، لكني اخترت أن أفسر كلماته على أنها اعتذار، مع أنه كانت لدي شكوكي. ثم جاء الكشف الثاني. كنا نقف ذات مساء نشاهد سرب نوارس تحوم فوق السفينة حين أخبرني لامار عن إحدى المنع التي كان يحب ممارستها ليالي السبت في مدينة باتون روج حين يشعر بالملل. تمثل ذلك في أنه يأخذ بندقيته ويملأ جيبه بالذخيرة، يتخذ موقعا على ممر يعلو الطريق السريع ويطلق النار على السيارات. بينما كان يبتسم وهو يتذكر كنت أحاول استيعاب ما كان يخبرني به قلت أخيرا : إطلاق النار على السيارات، لا بد أنك تمزح. أجاب: أبدا ، وأكد أنه فعل ذلك، وحين سألته إن كان يصوب تجاه السائقين أو الركاب أو خزان الوقود أو الإطارات، أجاب بطريقة غامضة قائلا إنه كان يصوب باتجاههم جميعا، سألت ماذا لو أنه قتل أحدًا، ماذا سيفعل عندئذ؟ جاءت حركة استخفاف أخرى من الامار تبعتها إجابة مقتضبة ولا مبالية: من يدري؟ جاءت تلكما الصدمتان أثناء الأيام العشرة أو الاثني عشر الأولى من وجودي على السفينة، وبعد أن احتفظت بمسافة مهذبة بيني وبين لامار لعدة أيام، جاني ذات مساء حين كنا نقترب من أحد المواني ليودعني. قال إن رئيس المهندسين لم يعجبه عمله وأنه قد طرد . وكان قبل ذلك قد أخبرني أنه اجتاز فترة تدريب صعبة وامتحانا مكتوبا لكي يحصل على وظيفة مزيت، لكن ما اتضح هو أن لامار غش في الامتحان ولم يعرف عن التزييت أكثر مما كنت أعرف، كما أخبرني رئيس المهندسين لاحقا : كان يمكن لابن الكلب أن يفجر الناقلة وكل من عليها، لذا طردته من هناء قلت الكثير عن رفيقي الذي ذهب صديقي لبعض الوقت. لم يكن مجرد عنصري يرمي بالزجاجات على الآخرين، لم يكن مجرد مدع خطر، وإنما شخص مضطرب ومفرغ لا يرى مشكلة في تصويب بندقيته على غرباء لا يعرفهم وإطلاق النار عليهم لا لسبب غير المزاج، ما يجده من متعة، ضع سلاحا في يد مجنون وكل شيء قابل للحدوث كلنا يعرف ذلك، لكن حين يبدو المجنون عارفا، شخصا عاديا ليس لديه مبرر للغضب أو ما يشير إلى حقد على العالم، فما الذي سيبدو لنا وكيف يفترض بنا أن نتصرف حسب علمي، لم يجب أحد بصورة مقنعة على هذا السؤال. 

كان «بلي» حيوانا من نوع مختلف أليف، لطيف، وشاب، لم يتجاوز الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة الأصغر بفارق كبير بين المجموعة، كنت أتلوه في السن، لكن إلى جانب «بلي» الأشقر ذي الوجه الناعم، شعرت بقوة أنني كبير السن كان من بلدة ريفية صغيرة في ولاية لويزيانا، ويتحدث في الغالب عن شغفه بالسيارات المطورة وصيد الوعول مع أبيه الذي كان يشير إليه بـ بابا» و«باباتي»، نزلنا إلى الميناء معا مرتين ومعنا مارتينيز، ذو الخمسة والأربعين عاما، وهو أب لأسرة من تكساس، لكن بعيدا عن استلطافي لـ «بلي»، ووعدي له بالصيد معه يوما حين أكون في لويزيانا، فإنني لم أعرفه جيدا . ولم يعد أي من ذلك مهما اليوم. ما يهم، بعد خمسين عاما، هو أنه في توقف لنا في مدينة تامبا تركنا السفينة مع مارتينيز، وبينما كنا ثلاثتنا ننتظر سيارة أجرة لتأخذنا إلى المدينة، أجرى بلي مكالمة مع أمه يدفعها متلقي الاتصال من إحدى كابينات الهاتف على الرصيف، تحدث إلى والده وأمه لمدة بدت أطول من المعتاد وبعد أن أغلق سماعة الهاتف استدار نحونا تعلو وجهه ملامح انزعاج وقال: لقد التي القبض على أخي. لقد أطلق النار على شخص في البار ليلة البارحة، وهو الآن في سجن المحافظة. 

لم يقل أكثر من ذلك. لم يقل شيئًا عن لماذا أطلق أخوه النار على أحد، لا شيء حول ما إذا كان ذلك الشخص حيا أو ميتا وإن كان حيا ما إذا كان مجروحًا جرحًا بليغا أو لا، فقط تلك المعلومات المقتضبة أخو بلي، أطلق النار على شخص وهو الآن في السجن.

بتعذر الحصول على معلومات أكثر من تلك، لا بد لي من وضع الفرضيات. لو كان أخو بلي الأكبر شبيها ولو من بعيد بـ «بلي» نفسه، أي إنسانًا طيبا، متوازنا بصورة معقولة، وليس مهووسا جاهزا لإطلاق النار مثل الامار. فإن هناك احتمالا قويا أن إطلاق النار في الليلة السابقة نتج عن خلاف ربما مع صديق قديم، أو مع غريب، وأن أثر الكحول التي تزيل الضوابط لعبت دورا حاسما في الحكاية أيضًا، كأس إضافية من البيرة وخلاف لفظي ينفجر فجأة ودون توقع متحولا إلى لكمات متبادلة، تلك الأشياء تحدث كل ليلة في البارات والحانات، والمقاهي في كل أنحاء العالم، لكن الأنوف المدماة والأحناك المؤلمة التي تنتج عادة عن عراكات في كندا الترويج، أو اليابان، تتحول غالبا إلى جراح ناجمة عن إطلاق النار في الولايات المتحدة، والأرقام واضحة ومفيدة الأمريكيون يفوقون غيرهم بين الدول الغنية التي تسمى متقدمة بخمسة وعشرين مرة في احتمال أن يتلقوا طلقة نارية، ومع أن سكان الولايات المتحدة أقل من نصف مجموع سكان تلك الأربع والعشرين دولة الأخرى فإن اثنين وثمانين بالمئة من الوفيات الناجمة عن إطلاق النار تحدث هنا الفرق كبير وصادم وغير متوازن بالقياس إلى ما يحدث في أماكن أخرى. إلى حد أنه لا بد للمرء أن يسأل لماذا . لماذا تختلف أمريكا بهذا الشكل - وما الذي يجعلنا أكثر الشعوب عنفا في العالم الغربي؟ 

الفصل التالي الفصل السابق

مقالات ذات صلة