القائمة الرئيسية

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/١

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/١
ملخص المقال

ملخص: يناقش هذا الجزء من الكتاب ذكريات الطفولة وعلاقة الكاتب المبكرة بالأسلحة، حيث يعيدنا إلى أوائل الخمسينيات، عندما كان الغرب الأمريكي المتوحش يحتل المخيلة الجماعية للأطفال الأمريكيين. يسرد الكاتب تجربته مع مسدس الأطفال الذي حمله في تلك الفترة، والذي مثّل بالنسبة له رمزًا للبطولة والعدالة. يصف كيف تأثرت طفولته بالتلفزيون الذي كان ظاهرة جديدة آنذاك، حيث شكلت مسلسلات رعاة البقر والأفلام الغربية المبكرة جزءًا كبيرًا من وعيه. ويستعرض الكاتب تدريجيًا تجربته العملية الأولى مع الأسلحة، بدءًا من تعلم الرماية في مخيمات صيفية، وصولًا إلى استخدام البنادق أثناء زياراته إلى الريف. على الرغم من استمتاعه بالرماية وإحساس الإنجاز الذي رافقها، إلا أنه لم يستمر في هذا النشاط. يعزو الكاتب ذلك إلى خلفيته العائلية والمجتمعية التي لم تشجع على امتلاك الأسلحة أو استخدامها، مما جعله ينأى بنفسه عن ثقافة السلاح التي كانت منتشرة في أمريكا.

لم أمتلك مسدسا يوما . ليس مسدسا حقيقيا على أية حال لكن بعد عامين أو ثلاثة من ترك الحفاظات، مشيت ومعي مسدس سداسي الطلقات يتدلى من خصري كنت من تكساس مع أنني عشت في أحياء نيوارك بنيوجيرسي، لأنه في أوائل الخمسينيات كان الغرب المتوحش في كل مكان، وكانت أعداد لا تحصى من صغار الأولاد الأمريكيين فخورين بامتلاك قبعة راعي بقر ومسدس أطفال رخيص الثمن مربوط بحامل جلدي مصطنع أحيانا كانت تدخل لفافة من كبسولات القدح في الجهة الأمامية من الزناد لتحاكي صوت الرصاص الحقيقي منطلقا حيثما وجهنا وأطلقنا النار لنمحو أحد الأشرار من العالم. لكن في معظم الأحيان كان يكفي أن نضغط الزناد وتصرخ: «بانغ بانغ أنت ميت!

كان التلفزيون مصدر هذه التخيلات التلفزيون الذي كان ظاهرة جديدة بدأت تصل أعدادًا غفيرة من الناس في عام ولادتي تماما (1947)، ولأنه صادف أن والدي كان يملك مخزنا للأجهزة كان يتعامل مع عدة ماركات من التلفزيون، تميزت بأنني كنت من أوائل الناس في أي مكان من العالم الذين عاشوا مع جهاز تليفزيون منذ يوم ولادتي. كان هو بالونغ كاسيدي» و «اللون رينجر المسلسلين التلفزيونيين اللذين أتذكرهما جيدا، غير أن برامج الظهيرة أثناء سنوات ذهابي إلى روضة الأطفال تضمنت أيضًا هجوما يوميا لمسلسلات البي ويسترن، القادمة من الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، لا سيما تلك التي كان نجومها بستر كراب وصديقه الحميم وغريب الأطوار آل سانت جون كل ما كان في تلك الأفلام والمسلسلات كان خزعبلات خالصة ولكن في عمر الثالثة والرابعة والخامسة كنت أصغر من أن أدرك ذلك، وكان عالم منقسم بحدة بين لابسي القبعات البيضاء ولابسي القبعات السوداء مناسبًا تماما للقدرات المقموعة في ذهني البدائي الصغير، أبطالي كانوا سنجا وطيبي القلب، ليسوا سريعي الغضب، ويترددون قبل الكلام، ويخجلون أمام النساء لكنهم كانوا يميزون الصواب من الخطأ، وبإمكانهم أن يتفوقوا في لكم الأشرار وفي إطلاق النار عليهم حيثما كانت مزرعة أو قطيع أو سلامة مدينة مهددة. 

كان الكل يحمل المسدسات في تلك القصص الأبطال والأشرار على حد سواء، لكن مسدس البطل كان وحده الآلة التي تتمتع بالحق والعدالة، ولأنني لم أتخيل نفسي شريرا وإنما بطلا، كان المسدس السداسي المربوط على خصري مؤشرا على طيبتي وفضيلتي، دليلا ملموسًا على رجولتي المثالية المتخيلة. من دون المسدس كان يتعذر علي أن أكون بطلا، بل أظل لا شيء مجرد طفل. 

تمنيت في تلك الأعوام أن امتلك حصانًا، لكن لم يخطر ببالي للحظة أن أتمنى سلاحا حقيقيا أو حتى أن أطلق النار حين أتيحت الفرصة لاحقا لفعل ذلك، كنت في التاسعة أو العاشرة وكنت قد تجاوزت بمدة طويلة عالم رعاة البقر الذي حلمت به صبيا ، كنت قد صرت رياضيا مكرسا اهتمامي بالبيسبول، إضافة إلى قراءة الكتب وأحيانًا كتابة قصائد سيئة على نحو بائس صرت ولدا يسير وتيدا عبر طريق متعرج نحو التحول إلى ولد أكبر في ذلك الصيف أرسلني والداي إلى مخيم للمبيت في ولاية نيو هامبشر، حيث انضافت إلى البيسبول رياضات السباحة والتجديف ورمي السهام وركوب الخيل إلى جانب الرماية مرتين أسبوعيا حيث جربت لأول مرة منع تعلم كيفية استعمال بندقية عيار ۲۲ وإمطار هدف ورقي مثبت على جدار يبعد من ٢٥ إلى ٥٠ ياردة بالرصاص لا أتذكر المسافة على وجه الدقة، لكنها بدت لي مناسبة تماما في ذلك الوقت لا هي بالقريبة أكثر من اللازم ولا البعيدة أكثر مما ينبغي. كان المشرف الذي يعلمنا يعرف عمله جيدا، وما زلت أتذكر بوضوح كيف كنت أعلم كيف. أموضع يدي حين أمسك البندقية، كيف أجعل الهدف منسقا مع طرف الماسورة كيف أتنفس بالطريقة الصحيحة حين أتهيأ للإطلاق، وكيف أسحب الزناد بحركة بطيئة سلسة الأرسل الرصاصة مندفعة غير الماسورة إلى الهواء، كان نظري حادًا عندئذ، فتعلمت بسرعة، أولا من وضع الانبطاح، حيث أحرزت ذات مرة 47 نقطة من خمسين باستعمال خمس طلقات مثلث حزمة كاملة، وبعد ذلك من وضع الجلوس الذي تضمن مخزونا كاملا من الأساليب، لكن ما إن تهيأت للتقدم إلى وضع الجثو انتهى فصل الصيف وانتهت بذلك مسيرتي في القنص، قرر والداي أن المخيم كان أبعد مما ينبغي فأرسلاني في الصيف التالي إلى مخيم مختلف يبعد أقل من نصف المسافة عن بيتي ولم تكن الرماية على قائمة النشاط، ربما كانت تلك خيبة أمل صغيرة لكن من جميع النواحي الأخرى كان المخيم الثاني متفوقا. على الأول، ولم أعر الأمر أهمية كبيرة، ومع ذلك فإنني بعد أكثر من ستين عاما ما زلت أتذكر كم كان ممتعا إطلاق النار على قلب الهدف، فقد جلب ذلك إحساسا مماثلا بالإنجاز. جاءت فرصتي التالية لإطلاق النار حين كنت في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة. في تلك المرحلة كان شغفي قد امتد إلى ما وراء البيسبول ليشمل كرة القدم والسلة أيضا, وبغض النظر عما إذا كنت ألعب في موقع مهاجم أو في منتصف الملعب أو في الملعب كله، كان التواصل مع شخص أو شيء يقع بعيدا عني ظل أكثر أجزاء اللعبة إثارة للحماسة - إحباط قفزة تهديف على بعد خمسة عشر أو عشرين قدما أو من موقعي بوصفي مدافعا، مرسلا تمريرة على بعد أربعين قدما في عمق الملعب سقطت بين ذراعي متلقي الكرة من فريقي والمنطلق بأقصى سرعة ليقطع مسافة طويلة أو يحقق هدفًا، أحد أقرب أصدقائي في تلك الأعوام كان من عائلة غنية ولم تمض فترة طويلة بعد امتلاك والده مزرعة كالتي يمتلكها أمثاله للمتعة في مقاطعة سسكس دعيت إلى هناك في أحد أيام السبت أو الأحد أواسط نوفمبر نسيت معظم تلك الزيارة الآن، لكن أبرز ما فيها وما لم أنسه هو الساعة أو الساعتين اللتين أمضينا نطلق النار على الأهداف الطينية التي تطلقها الراجمة في الهواء في ذلك الفضاء الريفي الشديد البرودة حيث الأغصان العارية ورفرفة الغربان المنقضة، ولم يكن السلاح هذه المرة بندقية 22 وإنما بندقية ثنائية الأنبوب، سلاحا أضخم وأشد مهابة وأقوى ارتدادا. ولم أكن أطلق هذه المرة على هدف ورقي مثبت إلى جدار وإنما على هدف متحرك محمول على الهواء - قرص مستدير أسود يسمى حمامة طينية يطلق من آلة على الأرض ويطير إلى الأعلى. وحين صوبت على ذلك الشيء الأسود وهو يندفع عبر سماء بيضاء تميل إلى الرمادي أدركت أن علي أن أتصرف بسرعة وإلا فإن القرص سيسقط على الأرض قبل أن أطلق النار والغريب أنني لم أجد صعوبة واستطعت حتى في المحاولة الأولى أن أقدر سرعة القرص ومساره وأن أعرف لذلك كم المسافة التي علي أن أصوب باتجاهها أمام الهدف، ولذا فإنه بمجرد انطلاق الخرطوش في الهواء فإنه سيصطدم مع الشيء السائر باتجاهه. أصبت الهدف مباشرة في المرة الأولى تفجر القرص الطيني وسط الجو وسقط على الأرض في شظايا صغيرة، وبعد ذلك. بعد لحظات حين أطلقت الحمامة الطينية الثانية، أصبتها مرة أخرى، ربما كان ذلك حظا يصيبه المبتدئ، لكني شعرت بثقة غريبة، وبينما كنت أنتظر صديقي ووالده ليطلقا بدورهما، قلت النفسي إن من المؤكد أن لذلك صلة بكل تلك الكرات التي رميتها على مدى العامين أو الثلاثة الماضية. وأكثر من ذلك أدركت أنني بقدر ما استمتعت بالتصويب على أهداف ورقية في نيو هامبشر فإن هذا النوع من الرماية كان أكثر إشباعا، ويعود ذلك أولا إلى أنه أصعب، وأيضًا إلى أنه كان من الممتع أكثر أن أفجر حمامة طينية من أن أترك ثقبا في قطعة ورق. لم أخطئ أي هدف في بقية ذلك المساء. 

بالنظر إلى اندماجي السلس في هذه الرياضة، أجد من الصعب فهم السبب وراء عدم استمراري فيها، حتى في نيو جيرسي، أنا متأكد من أنه كان بالإمكان العثور على ناد للسلاح في مكان ما والمضي في الرماية مرة أو مرتين أسبوعيا كلما رغبت في ذلك، لكني على الرغم من المتعة التي وجدتها في المزرعة قررت ببساطة أن أنسى الموضوع. وأكثر غرابة من ذلك أنني منذ ذلك الحين لم أمسك بندقية أو سلاحا بيدي. 

ولأنني لا أجد تفسيرا آخر، فإنني أظن أن لا مبالاتي بالأسلحة نتج عن حقيقة أنه لا شيء في خلفيتي جعلني أميل إلى الاهتمام بها. لم يمتلك أبي أو أمي أو أي شخص في أسرتي الكبرى سلاحا ولم تكن لأحدهم أية علاقة بصيد الطيور أو الحيوانات أو الرماية من حيث هي رياضة أو تحدثوا عن امتلاك مسدس أو بندقية لحماية المنزل من هجوم إجرامي، ويصدق ذلك على كل أصدقائي وأسرهم. ومع أن أخبار جرائم القتل التي ترتكبها العصابات كانت تملأ الصحف في خمسينيات القرن الماضي لا أذكر مرة واحدة تحدث فيها شخص في بلدتي عن موضوع السلاح، كان الأولاد الذين يعيشون في الريف يصيدون الحيوانات الوحشية مع آبائهم، أما الأولاد الأشداء، الأولاد الفقراء من المدن الكبيرة فيحارب بعضهم بعضا بمسدسات محلية مصطنعة تكسبهم صفة الشبان الجانحين، لكن في عالم الضواحي الهادئ غالبا حيث أقيم العالم الذي كان له نصيبه الكافي من الجانحين أيضا، لم تكن الأسلحة قضية مطروحة، حتى في تلك السنوات التي كان عشرون أو ثلاثون مسلسلا من مسلسلات الويسترن تبث أسبوعيا على التلفزيون واستوديوهات هوليوود تفرز العشرات من الأفلام الملونة حول الغرب المتوحش. أضف إلى ذلك عديدا من أفلام العصابات والبرامج التلفزيونية التي كانت تنتج أيضا في الخمسينيات وأوائل الستينيات، وملايين الشاشات الكبيرة والصغيرة من أحد طرفي أمريكا إلى طرفها الآخر التي كانت تفيض بصور العنف الناجم عن استخدام السلاح، لقد استمتعت بذلك التشوه مثل أي شخص آخر، لكن على الرغم من مشاهد إطلاق النار التي شاهدت والكمائن والرجال الذين يتلوون على الأرض بجروحهم القاتلة، فإن ذلك لم يترك في تأثيرا يذكر. كانت المسدسات مجرد أدوات في عمليات إنتاج سينمائي مرتبة بعناية، ولم يكن الدم من جروح الرجال سوى طلاء أحمر أو في أفلام الأبيض والأسود، شراب شكولاتة هرشي، كانت أحلامي بحياة كاوبوي من تكساس قد انتهت لسنوات خلت، وتأسيسا على ما شاهدته من أفلام في القرن العشرين تستعيد التخوم القديمة، فقد أدركت أيضًا أنني لم أكن أسعى لأن أكون رجل عصابات حين أكبر أو سارق بنوك، أو تلك الفكرة الجنونية، أن أكون شرطي مباحث.

لو أنني جئت من خلفية مختلفة، لكان الاحتمال عاليا أن اعتنق السلاح ليكون جزءا أساسيا من حياتي. تلك هي حال ملايين الأمريكيين على طول البلاد وعرضها، ولو أنني تربيت في مكان آخر مع والدين مختلفين في مجتمع مختلف، ولو أن والدي شجعني أن أتخذ من الرماية مبدأ أساسيا لرجولتي، فإن ولدا بمواهبي في التصويب كان سيتبع ذلك النموذج بحماسة. لكن أبي لم يكن من أولئك الرجال، ولذا لم أكن من أولئك الأولاد. وأكثر من ذلك، كان هناك ما لم أعرفه، شيء أساسي كان مدفونا في الأرض طوال طفولتي واستمر حتى مطلع العشرين، ولكن بمجرد تسليط الضوء على ذلك الشيء، أدركت في النهاية إلى أي حد كان أبي يكره الأسلحة وإلى أي حد ملئت حياته بالندوب نتيجة لوحشية الأسلحة حين يطلق الرصاص الحقيقي على جسد إنساني حقيقي. 

كنت منذ تبلور وعيي أعرف أن جدي لأبي مات حين كان أبي صغيرا ، كانت لدي جدتان ولكن لم يكن لدي سوى جد واحد. واستمر ظل ذلك الشخص الغائب يجتاح مخيلتي، يدفعني للظنون حول هوية ذلك الإنسان وماذا كانت ملامحه، وذلك لعدم توافر صور له في أي مكان في بيتنا اتذكر أنني سألت أبي ثلاث مرات مختلفة في طفولتي المبكرة عن كيفية موت أبيه. كانت دائما هناك وقفة قبل الإجابة، وفي كل مرة كانت الإجابة مختلفة عن التي قبلها، في المرة الأولى التي طرحت عليه فيها السؤال قال إن والده كان يصلح سقف بناية عالية وأنه توفي حين زلت قدمه عن الحافة فسقط على الأرض في المرة الثانية قال إنه قتل في حادثة صيد في الثالثة إنه قتل حين كان جنديا في الحرب العالمية الأولى. لم أكن قد تجاوزت السادسة أو السابعة من العمر لكني كنت قد عشت ما يكفي أن أعرف أن الإنسان يموت مرة واحدة وليس ثلاث مرات، لكن لأسباب لا أفهمها جيدا لم أجادل أبي لكي يفسر التناقض في حكاياته، ربما كان ذلك لأنه كان ذلك الشخص الصامت والمنطوي على نفسه. لقد تعلمت مسبقا أن أحترم المسافة بيننا وأن أقف مطيعا على الجانب الآخر من الجدار الذي بناه حول نفسه، لذا كان تحطيم الجدار واتهامه عمليا بالكذب ليس في نطاق الممكن، أتذكر، وإن كانت ذكرى غائمة، انتي ذهبت إلى أمي أسألها عن الحكايات الثلاث التي رواها والدي، لكن إجابتها كان محيرة بنفس القدر، قالت: كان صغيرا في ذلك الحين، وربما أنه لا يعرف ماذا حدث. لكن ذلك لم يكن مقنعا . كان أبي أصغر خمسة أطفال ومن المؤكد أن إخوته الأكبر سنا قد أخبروه، حتى إن رفضت أمه أن تتحدث عن الموضوع. وبوصفي الثالث في العمر بين تسعة من أبناء العمومة الأقربين، سألت في النهاية أربعة أو خمسة ممن كانوا أكبر سنا إن كانوا قد سمعوا أي شيء عن موت جدنا، فذكر الجميع الواحد تلو الآخر أنهم سمعوا نفس الإجابات الغامضة حين طرحوا السؤال، لقد قرر الإخوة الأربعة من أسرة أوستر وأختهم أن يخفوا الحقيقة عن أطفالهم، فلم يكن لدى أحد منا نحن الجيل الأصغر أمل في كسر الغموض حول ما حدث لجدنا الذي توفي قبل وقت طويل من ولادة أحد منا.

مرت أعوام دون تقدم، ثم وبالصدقة العجيبة غير المتوقعة والتي بدت كما لو أنها تقلب كل فرضية عقلانية حول الكيفية التي يفترض للعالم أن يسير بمقتضاها، وجدت واحدة من بنات العمومة الأكبر سنا نفسها تجلس إلى جانب غريب في طائرة تعبر المحيط عام 1970، رجل نشأ وما زال يعيش في بلدة كينوشا بولاية وسكونسن نفس البلدة التي عاش بها أجدادنا مع أهلهم في الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الأولى وأثناءها. كشف ذلك الرجل السر الذي حبى على مدى العقود الخمسة الماضية، ولأني أعرف أبي، ولأنني صرت من أنا عندئذ ، لم أقل له كلمة واحدة طوال ما تبقى من حياته عرفت ما كان يعرف لكنه لم يعرف قط أنني عرفت بغض النظر عن دوافعه فلقد كان يحميني بصمته حين كنت صغيرا، وقررت الآن أن أفعل الشيء ذاته معه في كبره. 

حقيقة الأمر هي هذه في 23 يناير 1919، بعد شهرين من نهاية الحرب العالمية الأولى، وفي بداية الموجة الثالثة من جائحة الحمى الإسبانية التي كانت قد بدأت في العام الذي سبقه، وبعد أسبوع واحد فقط من التصديق على التعديل الثامن عشر للدستور الذي منع إنتاج الكحول ونقلها وبيعها في الولايات المتحدة، أطلقت جدتي النار على جدي وقتلته، كان زواجهما قد انهار عند نقطة ما أثناء العام أو العامين السابقين، بعد الانفصال انتقل جدي للإقامة في شيكاغو، حيث عاش مع امرأة أخرى. لكنه عاد إلى كينوشا مساء ذلك الخميس من عام 1919 ليقدم الهدايا لأطفاله، وأثناء زيارته التي تخيل دون شك أنها ستكون قصيرة، طلبت منه جدتي أن يصلح مفتاح إضاءة معطوب في المطبخ، كانت الكهرباء مطفأة، وبينما كان الابن الثاني في السن من عائلة أوستر يمسك بالشمعة له في الغرفة المظلمة، ذهبت جدتي إلى الطابق العلوي لتنوم أصغر أبنائها (والدي) ولتأخذ المسدس الذي احتفظت به مخباً تحت سرير الولد الصغير التنزل بعد ذلك وتدخل المطبخ وتطلق عدة عيارات نارية على زوجها المنفصل عنها، نفذت اثنتان منها إلى جسده إحداهما في وركه والأخرى في الرقبة، ولا بد أن تكون هذه الأخيرة هي التي قتلته، ذكرت صحف كينوشا أن سن جدي كانت ستة وثلاثين مع أنني أشك أنه كان أكبر من ذلك بعدة أعوام، كانت سن أبي ست سنوات ونصف، وسن عمي الولد الذي كان يمسك بالشمعة ويشاهد القتل، تسع سنوات. 

كانت هناك محاكمة بالطبع وبعد أن برثت جدتي بصورة غير متوقعة على أساس الجنون المؤقت غادرت مع أطفالها الخمسة وسكونسن متجهة شرقا ومستقرة أخيرا في نيوارك بنيوجيرسي. حيث ترعرع والدي في أسرة محطمة تهيمن عليها أم عنيدة وغالبا متسلطة دون رادع دربت أبناءها على ألا يتفوهوا بكلمة بين بعضهم أو مع أي شخص آخر حول ما حدث في كينوشا. استثمرت مصادر الدخل حتى نهايتها صارت الحياة صراعا يوميا، ومع أن الأولاد الأربعة عملوا في وظائف بعد المدرسة فإن الحصول على إيجار نهاية الشهر كان مشكلة، ما يعني أنهم كانوا ينتقلون عدة مرات أثناء العام للهرب من الملاك الغاضبين. ما أدى بدوره إلى تغيير الأولاد مدارسهم كلما انتقلوا من حي إلى آخر. ونتج عن ذلك قطع كثير من الصداقات، وإلغاء عديد من الروابط الممكنة، حتى وصلوا إلى درجة أنه لم يكن لديهم سوى أن يعتمد بعضهم على بعض، ولم يكن ذلك فقر الطبقة المحترمة التي تهبط هبوطا خفيفًا في العالم وإنما الفقر الخشن الأسرة سقطت إلى ما يقترب من القاع بكل ما يعنيه ذلك من معاناة وقلق، ونوبات فزع تنتج عن أنها لم تحقق ما يكفيها ذات يوم. 

كان السلاح سبب كل ذلك، فهو لم يحرم الأطفال من أبيهم فحسب وإنما عاشوا يدركون أن أمهم هي التي قتلته، ولكنهم مع ذلك أحبوها - بعناد وبضراوة، ومهما تصرفت معهم بجنون أحيانا أو بنوبات من المزاجية فإنهم لم يكونوا ليتزحزحوا عن تعلقهم بها .

حين نتحدث عن إطلاق النار في هذه البلاد، فإن تفكيرنا يتجه دون تردد إلى من ماتوا، وقلما نتحدث عمن جرحوا أولئك الذين بقوا على الرغم من الرصاص واستمروا في العيش غالبا بجروح مدمرة ودائمة مرفق محطم يجعل الذراع بلا قيمة. رضفة ركبة مسحوقة تجعل الخطوة الطبيعية عرجة مؤلمة او وجه مهشم يعاد تركيبه بجراحة تقويمية وفك صناعي، ثم هناك الضحايا الذين لم يمسهم إطلاق النار والذين يمضون في المعاناة من جروح الفقد الداخلية - أخت مشوهة، أخ مجروح الدماغ، آب متوفى . وإذا كان أبوك ميتًا لأن أمك هي من قتله وإذا مضيت تحب أمك على الرغم من ذلك، فإن من شبه المؤكد أنك ستخضع لحياة تتقاطع فيها عديد من الأسلاك الذهنية التي تؤدي إلى توقف جزء منك عن العمل. 

الأولاد الثلاثة الأكبر سنا، الذين كانوا قد حققوا قدرا عاليا نسبيا من النضج حين حدث القتل، تمكنوا من التأقلم بسهولة أكبر مع الواقع الجديد من الاثنين الأصغر سنا، أبي الذي كان عمره ست سنوات ونصف وعمي الذي كان في التاسعة الولد الذي شهد القتل كبر ليصير رجلا ناجحا لكنه مطارد تجتاحه نوبات من الغضب المفاجئ، اندفاعات مرعبة، صراخ، وغضب متفجر يمكن أن يتطور إلى إعصار يحطم الجدران والبيوت ومدنا برمتها عند حدوث نوباته العنيفة. أما في حالة والدي الأميل إلى الهدوء، فقد جاهد لكي يحول متجره لإصلاح أجهزة الراديو إلى نشاط تجاري متكامل لإصلاح الأدوات الكهربائية، وظل أعزب عاطلاً وغير منجز يعيش مع أمه حتى بلغ السادسة والثلاثين. في عام 1946 تزوج والدتي ذات الواحد والعشرين عاما، امرأة يفترض أنه كان يعبدها لكن دون أن يستطيع أن يحبها، لأنه كان في تلك الفترة يعيش رجلا منعزلاً ومحطما، نفسيته هشة إلى درجة أنه عاش بعيدا عن ذاته وعن الآخرين، الأمر الذي جعله غير مؤهل للزواج، ولذا فقد تطلق والداي، وكلما فكرت في أن والدي كان طيبا في جوهره وبماذا كان يمكنه أن يصير لو أنه نشأ في ظروف مختلفة، فكرت أيضًا في السلاح الذي قتل جدي - الذي كان نفس السلاح الذي دمر حياة والدي.

الفصل التالي الفصل السابق

مقالات ذات صلة