القائمة الرئيسية

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/٠

كتاب الشعب الدموي الجزء ٥/٠
ملخص المقال

ملخص: يقدّم هذا الجزء تمهيدًا بصريًا وفكريًا لكتاب «الشعب الدموي» لبول أوستر، حيث تصوّر صور سبنسر أوستراندر مواقع شهدت حوادث إطلاق نار جماعي، خالية من البشر والأسلحة، لتغدو شواهد صامتة على حزن أمريكي جماعي منسي. وفي مقدمة المترجم، يُعرَّف القارئ العربي على أوستر بوصفه مثقفًا ومحللًا اجتماعيًا لا روائيًا فحسب، يناقش ظاهرة العنف المسلح في المجتمع الأمريكي من زاوية إنسانية تاريخية ناقدة، كاشفًا جذورها الممتدة إلى الاستيطان والتعديل الثاني للدستور، ومحللًا شبكة المصالح السياسية والاقتصادية التي تحمي انتشار السلاح. يجمع الكتاب بين التحليل المدعّم بالوقائع والإحصاءات، والسرد الشخصي المؤلم، دون خطاب أيديولوجي حاد، ويمنح القارئ رؤية نادرة لأمريكا بوصفها مجتمعًا يعاني هشاشة عميقة لا قوة مهيمنة. كما تتكامل النصوص مع الصور لتعميق الإحساس بالمأساة، بينما تسعى الترجمة، مع بعض الإيضاحات الضرورية، إلى تجسير الفجوة الثقافية وتقديم هذا العمل المكثف والمؤلم للقارئ العربي في سياقه الإنساني والفكري.

ملاحظة من المؤلف

 الصور المرفقة في هذا الكتاب تصور الصمت على مدى عامين قام سبنسر أوستاندر بعدة رحلات طويلة حول البلاد ليلتقط صورا لمواقع شهدت أكثر من ثلاثين حالة إطلاق نار جماعية حدثت جميعا في السنوات الأخيرة. وتتميز الصور بغياب الأشخاص وبحقيقة أنه لا توجد أسلحة أو ما يوحي بالأسلحة في المشهد . هي صور لبنايات مظلمة في الغالب، بنايات قبيحة في مناظر أمريكية محايدة وغير مميزة منشآت منسية ارتكبت فيها مذابح مروعة على يد رجال معهم بنادق ومسدسات، استرعت اهتمام البلاد لمدة قصيرة ثم توارت في النسيان حتى أظهرها أوستاندر بكاميرته وحولها إلى شواهد قبور لحزننا الجماعي.

مقدمة المترجم

 لم يعتد القراء العرب، أو ربما معظمهم أن يقرؤوا بول أوستر باحثا أو محللا للا ! لظواهر اجتماعية وسياسية. اعتادوا قراءة رواياته التي منحته مكانة بارزة في خارطة آداب اللغة الإنجليزية وبالتالي في العالم أجمع سواء بلغته أم مترجمة إلى لغات أخرى، ومع أن من كبار الروائيين من خرج عن عباءة السرد ليقدم للعالم رؤيته. حيال قضايا مختلفة تولستوي دوستويفسكي، ميلان كونديرا نجيب محفوظ الطيب صالح، وغيرهم، فإن كتابة الروائي خارج إطار السرد ليست ظاهرة شائعة، أو ليست ما يخطر بالبال حين يتذكرهم القراء. تطغى شخصية الروائي على شخصية كاتب المقال أو المؤلف وربما صدق ذلك على الكتابة الإبداعية والفنون عامة، من شعر ومسرح وتشكيل وموسيقى وغيرها . غير أن أهمية هذا الكتاب لا تأتي فقط من كون كاتبها روائيا ذا منصة عالمية معروفة، بل وأحد أبرز روائيي العالم اليوم، ولا من حيث هي خروج عن عباءة السارد إلى عباءة الباحث المحلل وصاحب الرأي في قضايا مهمة هي كل ذلك مضافا إليه كون الكتاب يتناول مجتمعا لدولة مهيمنة عالميا وظواهرها من ثم ما يهم، أو يجب أن يهم العالم كله يتناول الكتاب ظاهرة العنف في المجتمع الأمريكي من زاوية حساسة أو وجه خلافي في الولايات المتحدة جانب مثير للجدل مثلما هو مثير للقلق بل الرعب أيضًا، بول أوستر هنا مثقف أمريكي معني بقضية بالغة الخطورة في المجتمع الذي يعيش فيه وتعيش معه فيه أجناس وأقليات أو إثنيات عديدة تألف منها المجتمع الأمريكي منذ نشأته في القرن السادس عشر. إنها قضية الأسلحة وما يرتبط بها من عنف دموي. 

غير أن القارئ العربي الذي يقرأ هذه الترجمة لكتاب أوستر الشعب الدموي، لا يتعرف على أوستر محللا وباحثا وصاحب رأي فحسب، وإنما يتعرف أيضا على المجتمع الأمريكي نفسه من زاوية لا تعرض كثيرا في وسائل الإعلام ناهيك بشبكات التواصل الاجتماعي. هنا نقرأ رأي مثقف وكاتب أمريكي كبير في ما يجتاح مجتمعه من عنف دموي لا نظير له في أي مجتمع غربي أو شرقي شمالي أو جنوبي. يتعرف القارئ على الولايات المتحدة من زاوية تختلف عن زاوية الهيمنة السياسية والاقتصادية أو زاوية التفوق التقني وضخامة المنجزات الحضارية، ولا من حيث تتمثل أمريكا في هوليوود ونتفلكس والسي إن إن هي هنا معروضة لا من حيث هي مهيمنة، بل من حيث هي مهيمن عليها، لا من حيث هي قوية بل من حيث هي تعاني من مشكلات عميقة ومدمرة تعرض من زاوية إنسانية مؤلمة توضح هشاشة الوضع البشري في مواجهة النزوع إلى القتل الجماعي وتقديس السلاح، يمنحنا الكتاب زاوية نظر لم نعتدها من وسائل الإعلام التي تطل بين الفينة والأخرى على حادث هنا وحادث هناك، يطوف بنا في التاريخ الأمريكي محللا وراصدًا بنظرة شمولية تدعمها المعلومات التاريخية والوقائع المثبتة والإحصائيات. يعود بنا إلى أن علاقة الأمريكيين بالسلاح تعود إلى تكوين المجتمع منذ حركة الاستيطان في القرن السابع عشر والتوسع بالاستيلاء على أراضي السكان الأصليين: أقنع المستوطنون الأمريكيون الذين ولدوا في إنجلترا أنفسهم بأن الله منحهم حق السكني في أي مكان يشاؤون من براري العالم الجديد الذي جاؤوا ليطلقوا عليه وطنا، حتى وإن أدى ذلك إلى الحلول محل السكان الذين كانوا يسكنون في تلك الأراضي والتي كانوا يسكنونها لآلاف السنين قبل وصول الإنجليز»، لتحقيق ذلك شكل المستوطنون ميليشيات مسلحة مارست كل أنواع العنف الدموي ضد السكان الأصليين الذي سموهم الهنود الحمر». وحين أسست الدولة بالاستقلال عن بريطانيا ظل المستوطنون يرفضون سلطة الحكومة أو يشككون فيها محتفظين بحقهم في امتلاك السلاح.

يعود بنا أوستر إلى ذلك التاريخ وهو يستعرض الحوادث الكثيرة المتمثلة بإطلاق النار الجماعي التي يقوم فيها فرد بقتل أناس لا يعرفهم ولم يتسببوا له بأذى أفراد امتلكوا حق السلاح بموجب ما يعرف بالتعديل الثاني على الدستور الأمريكي الذي فسر بأنه يشرع لذلك الحق لتنشأ بعد ذلك منظمات تدافع عن ذلك الحق وصناعات تثرى بتوفير السلاح ومشرعون يسعون إلى استمرار الوضع كما هو. ومما يمنح الكتاب قوة وقدرة على الإقناع أنه يحاجج دون انفعال عاطفي أو تحيز أيديولوجي فاقع، فمع أنه يقف إلى جانب الدعوة إلى تقييد امتلاك السلاح، رافضا العنف ومتألما مما آلت إليه الأوضاع، فإنه يورد حجج الجانب الآخر المعارض، ثم يدعم حججه بالمنطق وبالوقائع والأرقام وأهم من ذلك بالمعلومات التاريخية والاجتماعية إلى جانب السياسية والاقتصادية.

لكن كتاب الشعب الدموي ليس دراسة اجتماعية أو سياسية. وإنما هو أيضا مذكرات شخصية إلى جانب كونه عملا لا يخلو من متعة السرد . يتحدث الكاتب الأمريكي من زاويته الشخصية عن علاقة أسرته بالعنف، وصلاته الشخصية بأناس اصطبغت شخصياتهم بالعنف الدموي، كما بأناس عرفوا العنف بصورته المباشرة المؤلمة، مثل صديقه الطبيب الذي عمل في غرف الطوارئ بالمستشفيات وكان فضلا عن ذلك مثقفا وقاصا مبدعا . سيستمتع القارئ بفن السرد بقدر ما يتألم بل ويقشعر بدنه وهو يقرأ تفاصيل بعض الحوادث وهذه من عجائب الأدب التي تعرفها من فن المأساة بصفة خاصة. 

ذلك كله وأكثر منه يتوافر في هذا الكتاب القصير ولكن المكثف في مادته والممتع بقدر ما هو مؤلم في لغته وتفاصيله. ومما يضيف إلى تلك المادة ومتعتها ما تضمنه الكتاب من صور للمصور الأمريكي سبنسر أوستراندر التي اختارها المؤلف التعرض بعض الأماكن التي جرت فيها الحوادث المؤسفة من القتل الجماعي، فترى المواقع خالية من الناس بصورة مقصودة، وهذا الالتحام بين النص المقروء والنص المشاهد هو مما يغني الكتاب على نحو فريد بقدر ما هو قادر على تعميق الإحساس بالماسي. والصورة نص مشاهد بقدر ما أن الكتابة صورة مقروءة، يعضد بعضهما بعضا إذ يتداخلان حول القضية الواحدة والهم الواحد. وضروري ألا ننسى أن ما يجده القارئ هنا هو نص مترجم والمؤكد أن هذه الترجمة لن تستطيع التحليق إلى جانب الأسلوب الذي كتب به روائي كبير، لكن قدر الترجمة هو هذا : أن تكون إعادة كتابة النص بلغة غير لغته ومن زاوية مغايرة بالضرورة مهما سعى المترجم إلى الالتزام بالنص الأصلي. الترجمة محاولة التجسير الفجوة اللغوية والثقافية وصناعة معرفة وثيقة قدر الإمكان بالآخر، وعلى الرغم من الحرص على الدقة فقد اقتضت الترجمة تعديلات طفيفة وإضافات هامشية قدرت بوصفي مترجما أنها ضرورية لقارئ بعيد عن ظروف المجتمع الأمريكي. فالكتاب في نهاية المطاف لم يكتب وفي الذهن مجتمع غير المجتمع الذي كتب فيه ونشر له في المقام الأول، الأمر الذي استلزم تلك التعديلات والإضافات، كما في إضافة أن ممفيس مدينة أو فلان رئيس أو أن الحادثة جزء من التاريخ الأمريكي معلومات كهذه وغيرها يتوقع من القارئ الأمريكي أن يعرفها بينما تغيب عن غيره. 

وغني عن القول أن المقدمة هي أيضًا مما اقتضته الترجمة للتعريف بالكاتب والكتاب وبالسياقات التي تحيط بهما، كما بالترجمة نفسها.

الفصل التالي

مقالات ذات صلة