المبررات والمبادئ الموجهة المفهوم متطور للمنهاج
The Rationale and Guiding Principles for an Evolving Conception of Curriculum
كلمة إلى قراء نموذج المنهاج الموازي الجديد
قليلة هي المهن التي ينبغي على الممارسين لها اتخاذ أكبر ما يمكن من القرارات وبأسرع وقت كما يفعل المعلمون. فالتعليم مهنة موجهة بالقرارات التربوية الصائبة. وفي هذا السياق، يؤكد مؤلفو كتاب المنهاج الموازي على حاجة التربويين الماسة إلى بناء أساس منطقي قوي للمنهاج الذي يقومون بتصميمه أو تنفيذه. فالتربويون يغدون أكبر ثقة وأكثر فاعلية عندما يتسلحون بالأطر النظرية والتطبيقية ذات العلاقة بالمناهج والتدريس. وبعبارة بسيطة، يستطيع التربويون اتخاذ قرارات أفضل عندما تكون قراراتهم قائمة على أسس نظرية وتطبيقية مدروسة. ولهذا السبب، اخترنا أن نبدأ هذا الكتاب باستعراض سريع للأسس التي يقوم عليها نموذج المنهاج الموازي على الرغم من إدراكنا أن القراء الجدد لهذا النموذج يفضلون أن يتعرفوا أولاً على النموذج بحد ذاته ، ومن ثم يطلعوا على الأسس النظرية التي يستند إليها عندما يكون النموذج واضحا في أذهانهم. لذلك، مع أننا نأمل أن يتمكن جميع مستخدمي نموذج المنهاج الموازي من فهمه والإفادة منه في ممارساتهم التدريسية، فإننا ندعو قراء هذا النموذج الجدد إلى أن يقرروا فيما إذا كانوا سيبدؤون دراسة هذا النموذج بالإطلاع على أسسه أولاً ، أو تأجيل ذلك إلى وقت لاحق. وبمعنى آخر، يمكن للقارئ أن يبدأ دراسته لنموذج المنهاج الموازي من هذا الفصل الذي يعرض خلفية نظرية للنموذج، أو من الفصل الثاني الذي يعرض نموذج المنهاج الموازي نفسه .
مبررات الحاجة إلى نموذج آخر للمنهاج
إن السعي الدؤوب وراء التعليم والرغبة في الإبداع أنماط سلوكية أساسية في حياة الإنسان. وتمثل هذه الأنماط السلوكية أهدافاً رئيسة المهنة التعليم. فنحن كمعلمين ندرك أننا مسؤولين عن مساعدة النشء على فهم الماضي ليكونوا قادرين على بناء مستقبل أفضل. وهذا السعي الدؤوب للإنسان للتعلم من خبرات الماضي لتشكيل معالم المستقبل هو ما لجأ إليه المؤلفون في عرضهم لنموذج المنهاج الموازي بين ثنايا هذا الكتاب. فقد أمضوا سنوات عديدة يتساءلون ويحاولون الإجابة عن تساؤلاتهم حول التعليم والتعلم والمنهاج، وكمجموعة من التربويين قمنا بدراسة بنية المعرفة، وخصائص طلبة زماننا المعاصر، واستراتيجيات التعليم القائمة على البحث، وحاجات المستقبل ومطالبه ، والأطر الهيكلية السائدة في تخطيط المناهج وتنفيذها. وقد أسفرت قراءاتنا وكتاباتنا ونقاشاتنا حول الموضوع عن تكوين رؤية مشتركة المفهوم متطور للمنهاج ؛ بحيث تؤكد هذه الرؤية على إعادة تعريف المنهاج لا على أساس أنه مجموعة ثابتة من الحقائق والمعارف الدقيقة والمهارات التي نأمل من المتعلمين تعلمها وتذكرها . بل على أنه عملية تصميم ديناميكية تمكن المتعلمين من الربط ا بين معارفهم م السابقة وميولهم وخبراتهم وبين المفاهيم والمبادئ والمهارات الأساسية والتطبيقات السليمة لأي مجال معرفي.
وبخلاف النماذج التقليدية للمنهاج، فإن نموذج المنهاج الموازي يفترض أن نقطة البداية في صناعة القرارات المتعلقة بتصميم المنهاج ينبغي أن تكون معرفتنا بخصائص متعلمينا التي تشمل جوانب القوة لديهم وحاجاتهم وميولهم ورغباتهم وتساؤلاتهم وغاياتهم وانطباعاتهم ووجهات نظرهم وخبراتهم السابقة. فنحن كمؤلفين لهذا الكتاب نرى أن المنهاج المصمم بشكل جيد يراعي الأسس الضرورية التي يستند إليها أي مجال معرفي ويمكن بنفس الوقت تطبيقه ضمن إطار تعليمي تعلمي يسهل تعديله وتكييفه ليتماشى مع الخصائص الأساسية المجموعات صغيرة من المتعلمين : الأمر الذي يؤدي إلى أن يمثل المنهاج جسرا يصل بين خصائص المتعلمين والمحتويات المعرفية الأساسية، أو أن يصبح ممراً آمناً يعبر من خلاله جميع المتعلمين إلى عالم المعرفة. وقبل البحث في نموذج تطوير المنهاج المقترح في هذا الكتاب، نود أن نطرح السؤالين الآتيين: "لماذا ينبغي علينا التفكير بشكل مختلف حول "المنهاج" والمسائل المتعلقة به عما كنا عليه في السابق؟" " ولماذا نحتاج إلى نموذج آخر لتوجيه عملية تطوير المنهاج؟" ونقترح ثلاثة مبررات أو أسباب للإجابة عن السؤالين السابقين. وندعو القراء إلى التفكير في السؤالين ومحاولة الإضافة إلى المبررات أو الأسباب المقترحة
أولاً : اختلاف الخصائص التي يتسم بها طلبتنا حالياً عما كانوا عليه في السابق
لقد تغيرت خلال العقود القليلة الماضية طبيعة مجتمعنا وتغيرت معها خصائص المتعلمين فيه بشكل جذري. فقد أصبح مجتمع اليوم موجها بالتكنولوجيا ، ومشبعاً بالكم الهائل من المعلومات، وذا وتيرة أسرع، وعالميا، ومتعدد الثقافات، وأكثر توجها نحو الاستهلاك، وأميل إلى الجماعية في التعبير عن الأفكار ووجهات النظر. لذلك، فإن أفراد مجتمع اليوم بحاجة إلى قدرات أكبر للتكيف مع التغيرات الهائلة التي طرأت أكثر من الأجيال السابقة. كما يتطلب مجتمع اليوم عمالاً أكثر تخصصية وأكثر قدرة على التكيف.
إذن، ليس غريباً أنه حتى يتمكن أبناؤنا من تحقيق أهدافهم في مجتمع اليوم، فإن عليهم التفاعل مع شبكة واسعة من الأفكار والخبرات والأشخاص، والتواصل مع الجهات الداعمة لهم أكثر من مما كان قائما في الماضي. وليس غريباً أيضاً ، أن يكون أبناؤنا أكثر حاجة إلى التعليم مما كان عليه أقرانهم في الماضي : فهم أكثر انفتاحاً وقدرة على التعبير وبكل صراحة عن حاجتهم إلى خبرات تعليمية مناسبة وعملية وواقعية ومثيرة لاهتماماتهم ونافعة لهم. ولذلك، فقد برزت الحاجة إلى منهاج دراسي يلبي هذه الحاجات.
إننا نعتقد أن هناك عناصر لا بد من توافرها دائما ضمن مكونات المناهج الدراسية الفعالة (سيتم وصفها في فصول الكتاب اللاحقة). ونعتقد كذلك أن المناهج الفعالة يجب أن تستجيب بشكل استباقي إلى احتياجات المتعلم الراهنة والمستقبلية. وإن تقديرنا لمتعلمي اليوم وإدراكنا لإمكاناتهم وتفهم احتياجاتهم، إضافة إلى الحاجة إلى مضاعفة قدرة كل متعلم جعلتنا نخلص إلى عدد من الاستنتاجات التي توجه عملنا في تصميم المناهج الدراسية : حيث ينبغي أن تقوم عملية تصميم المناهج على تلك الاعتقادات. وفي هذا السياق، يؤكد مؤلفو هذا الكتاب على وجوب مناقشة رؤيتهم حول ضرورة أن يراعي المنهاج خصائص المتعلمين ويلبي احتياجاتهم قبل تبني نموذج المنهاج الموازي. ويمكن تلخيص الفرضيات التي يبني عليها المؤلفون اعتقاداتهم حول ما ينبغي أن تكون عليه المناهج الدراسية كما يأتي :
- يجب أن ترشد المناهج الدراسية الطلبة إلى سبل إتقان الأفكار والمعارف والمهارات الأساسية الخاصة بكل مجال معرفي.
- يجب أن تساعد المناهج الدراسية الطلبة على التعامل مع القضايا والمشكلات المعقدة والغامضة.
- يجب أن تنقل المناهج الدراسية الطلبة من مستوى المبتدئ إلى مستوى الخبير فيما يتعلق بأدائهم في المواد الدراسية المختلفة.
- يجب أن توفر المناهج الدراسية للطلبة الفرص للعمل الإبداعي الحقيقي في المجالات المعرفية.
- يجب أن تساعد المناهج الدراسية الطلبة على تقبل التحديات التعليمية ومواجهتها .
- يجب أن تساعد المناهج الدراسية الطلبة على إدراك وتطبيق المفاهيم والمبادئ الرئيسة في كل موضوع دراسي ؛ والتي تبين بنية المجال المعرفي ووظائفه.
- يجب أن تساعد المناهج الدراسية الطلبة على تنمية شعورهم بذاتهم، والثقة بإمكاناتهم وقدراتهم في العالم الذي يعيشون فيه.
- يجب أن تكون المناهج الدراسية مثيرة وممتعة ومقنعة لتشجيع الطلبة على المثابرة ومواصلة الجهود للتعلم بالرغم من مشاعر الإحباط التي قد تعتريهم.
ثالثاً : ضرورة أن يأخذ المنهاج المتطور في الحسبان إسهامات الرواد الأوائل في الميدان التربوي ويبني على ما قدموه من أفكار لبناء المستقبل.
لجأ الرواد من التربويين منذ القدم إلى تحدي الواقع التربوي السائد ونقده في محاولة منهم لتوفير فرص تعلمية مناسبة لمتعلميهم. وفي هذا السياق، نود التأكيد على ثلاث مسائل هامة ذات صلة مباشرة بعملنا لا بد من مراعاتها في تصميم نموذج المنهاج الموازي الذي سنصفه في كتابنا. وهذه المسائل الهامة هي : أولاً ، إن جذور الماضي وإسهاماته ستكون واضحة في نماذج المناهج التي سيتم تصميمها للمستقبل. ثانيا ، إن نماذج المناهج المصممة للمستقبل ستختلف عن تلك المصممة للماضي بطرق واضحة جدا . ثالثاً ، إذا كان نموذج المنهاج الذي تقترحه في هذا الكتاب نافعا للوقت الحاضر، فسيأتي اليوم الذي يقوم خلاله تربويون آخرون بنقده وتحدي الفرضيات والأطر الفكرية التي قام عليها بغية الارتقاء بالإسهامات الفكرية في مجال تصميم المناهج.
الأسس النظرية والتطبيقية التي يقوم عليها نموذج المنهاج الموازييمهد نموذج المنهاج الموازي الطريق لتصميم دروس ووحدات تعليمية تختلف بدرجة كبيرة عن تلك التي يتم تصميمها وفقا للمناهج التقليدية. وفي هذا العصر الذي يخضع فيه التربويون إلى المساءلة عما يقومون به من إجراءات في الواقع التربوي، فإن من الملائم أن يقدم مؤلفو نموذج المنهاج الموازي في كتابهم قاعدة من الأسس النظرية والتطبيقية المقنعة لاقتراح توصيات تخرج عن المألوف في مجال تصميم المناهج الدراسية وتطويرها. ويتضمن هذا الجزء من الفصل الحالي توضيح لذلك.يعزز نموذج المنهاج الموازي الأفكار التي قدمها منظرون وباحثون تربويون كبار مثل باندورا (1977) ، وبرونر (1960) ، وديوي (1938) ، ودوك (1996) ، وجاردنر (1993) ، وجليسر (1969) ، وبياجيه (1928 ، 1955) ، ستير نبيرغ ( 1985 ، 2006) ، وتابا (1962) ، وفايجوتسكي (1962 ، 1978) . وأن وصف تفاصيل الافتراضات والمبادئ النظرية التي بنى عليها أولئك التربويون نظرياتهم، وبيان ارتباطها بالأنشطة المنهجية المتنوعة لنموذج المنهاج الموازي، أمر لا يمكننا الإلمام به في تأليفنا لهذا الكتاب، على الرغم من أننا ننصح القراء بالاطلاع على عناوين التوثيق المدرجة في قائمة المراجع. وعلى أية حال، فإن الجزء التالي من هذا الفصل يصف المبادئ الأساسية لأعمال أولئك المنظرين الكبار في المجال التربوي، والمنسجمة مع الأسس أو المبادئ التي يستند إليها نموذج المنهاج الموازي. وهذه الأسس أو المبادئ هي : أولاً : يراعي المنهاج الدراسي الفعال الخصائص الفريدة لكل متعلميتمثل أحد المبادئ العامة للتربية في أن المنهاج ينبغي أن يراعي خصائص الفرد المتعلم وحاجاته ويعمل على تلبيتها . وقد أكدت كتابات كبار التربويين أمثال ديوي وجليسر وبياجيه وفايجوتسكي التي تم الرجوع إليها أعلاه على ذلك المبدأ. ويمكننا وصف خصائص المتعلمين في خمس فئات هي : القدرات العقلية، والمهارات والمعارف الأكاديمية، والخصائص والحاجات الانفعالية والاجتماعية، الاهتمامات، والأشياء التي يفضلون تعلمها . وكما هو معلوم ، فإن مجتمع الطلبة يعكس مدى واسعا من الخصائص والقدرات والإمكانات التي تتضمنها تلك الفئات الخمس ؛ الأمر الذي يتطلب تعديلا في كل من مدى وعمق ومستوى ودرجة صعوبة المحتويات والمواد التعليمية والنواتج والمهام التعلمية المطلوب إنجازها ضمن الأنشطة المنهجية. ونشير هنا إلى أن الطلبة يأتون إلى المواقف الصفية بقدرات متنوعة ومستويات مختلفة في خبراتهم السابقة حول الموضوع الذي تعلمه . أيضاً ، ففيما يتعلق بما يفضله الطلبة أو اختياراتهم التعلمية، فإن بعضهم يتعلمون بشكل أكثر فعالية من غيرهم في البيئات المختلفة : حيث يفضل بعض الطلبة التعلم الاستقرائي، بينما يفضل البعض الآخر التعلم الاستنباطي.وبناءا على ما سبق، فإن الحقيقة الواضحة والتي لا يمكن تجاهلها هي أن خصائص المتعلمين تتنوع فيما يتعلق بقدراتهم واهتماماتهم ومدى دوامها أو تغيرها. وأن رغبات المتعلمين وما يفضلون تعلمه يتأثر بعوامل ومتغيرات تشمل النوع الاجتماعي (Gender) ، والثقافة السائدة، ونمو الفرد بشكل عام. كما أن قدراتهم قد تكون واضحة تماماً أو مموهة. لذلك، ينبغي التأكيد على حقيقة أنه لا يمكن لمنهاج بمفرده أن يلبي حاجات جميع المتعلمين : الأمر الذي يجعل نموذج المنهاج الموازي يمثل تحدياً ملائماً للمتعلمين كأفراد بما يوفره من أنشطة منهجية تراعي معارف وخبرات المتعلمين السابقة، ورغباتهم وميولهم ومستويات استعداداتهم.وهكذا، فإن أي منهاج ينبغي تعديله أو تطويره لكي يلبي حاجات ورغبات واهتمامات واختيارات المتعلمين، حتى وإن كان قد تم تصميمه وفقا للمعايير الأساسية في تصميم المناهج كما قدمها أصحاب النظريات الكبار في هذا المجال أمثال تايلور (1949) ، وتابا (1962) ، وبرونر ( 1960، 1966) . ويسهم كل نموذج من نماذج المناهج الدراسية في تقدير قدرات المتعلمين وإمكاناتهم بدرجات متفاوتة. لذلك، فإن المنهاج الذي نريد هو ذلك المنهاج الذي يتسم بمرونة كافية تجعله قادرا على مقابلة قدرات أفراد المتعلمين ويلبي حاجاتهم ويسهم في تطورهم.ثانياً : ينبغي علينا الاعتماد على نظريات المعرفة في اختيارنا لمحتوى المنهاج
لقد تم تأليف العديد من الكتب حول نظريات المعرفة. وقد طرح مؤلفون في مجالات معرفية مختلفة نظماً عديدة لتصنيف المعارف ودراستها بأسلوب منظم. ويستطيع مصممو المنهاج توظيف واحدة أو أكثر من نظريات المعرفة هذه كأساس لاختيار محتوى أي موضوع دراسي وتنظيمه . كما يمكن توظيف أي من هذه النظم كأحد أطر العمل الأساسية لمدخل معين في تصميم المناهج وتطويرها . وقد اخترنا الإطار الذي صممه وليام جيمس الذي يستند إلى ثلاثة مستويات للمعرفة.
مستويات المعرفة
اقترح عالم النفس والفيلسوف الأمريكي الشهير وليام جيمس (William James) في عام ١٨٨٥ نظرية للمعرفة تستند إلى ثلاثة مستويات من المعرفة. وهذه المستويات هي :
(Knowledge of) المعرفة بمستوى التذكر والاسترجاع للمعلومات الأساسية : (Knowledge about) المعرفة بمستوى الفهم واستنتاج العلاقات : (Knowledge how) المعرفة بمستوى تطبيق الأدوات والاستراتيجيات لإيجاد الحلول وإنتاج المعرفة. وقبل الخوض في تفاصيل هذه المستويات، نشير إلى مسألة هامة هي أن كل واحد من هذه المستويات الثلاثة وبخاصة المستويين الثاني والثالث - تقع في متصل (Continuum) تتدرج المعارف فيه من السهل إلى الصعب. وتقع على عاتق من يطورون المناهج مسؤولية تحديد درجة الصعوبة في كل مستوى، ومدى ملاءمة ذلك لفئة عمرية معينة من الأفراد المتعلمين وفقا لمستويات استعداداتهم. وبالمحصلة النهائية، إن فهم مطوري المناهج المحتوى المجال المعرفي وتقنيات التدريس، إضافة إلى إدراكهم لطبيعة النمو الإنساني في مراحل النمو المختلفة هو الذي يوجه عملية اتخاذ القرارات الفعالة بشأن مستوى المعرفة الذي يمكن أن يُعد محتوى ملائماً لوحدة دراسية معينة يتم تدريسها المجموعة معينة أو لأفراد ضمن تلك المجموعة.
المستوى الأول : المعرفة بمستوى التذكر والاسترجاع للمعلومات الأساسية في موضوع معين (Knowledge of)
ويمثل هذا المستوى من المعرفة الوعي بالمعارف والمعلومات، ويتضمن القدرة على تذكر المعلومات واسترجاعها والإلمام بها ، ولكنه لا يتضمن أنواع معقدة من التفكير. ونظرا لأن هناك معلومات أولية أساسية في كل موضوع دراسي ينبغي على المتعلمين الإلمام بها ، فإن عملية تصميم المناهج وتطويرها تبدأ بهذا المستوى من المعارف : إذ أن معظم المعلمين يشعرون بالراحة عند تدريس الحقائق والمعلومات الأساسية المرتبطة بالموضوع، بينما لا يكون الأمر كذلك عندما يكون عليهم تحديد المعلومات الأساسية والضرورية من غيرها. وعلى أية حال، فإنه ما لم يستطع مصممو المناهج الدراسية تجاوز هذا المستوى المنخفض من المعرفة بسرعة ، فلن يهتم الطلبة بتعلم الموضوع والانخراط فيه أو اكتشاف أن ما تعلموه نافعا لهم.
المستوى الثاني : المعرفة بمستوى الفهم واستنتاج العلاقات Knowledge About)
ويتضمن هذا النوع من المعرفة مستوى أعلى من مجرد القدرة على تذكر المعلومات واسترجاعها . فهو يبني على التذكر للمعلومات واسترجاعها ، ويتضمن مستويات معرفية متقدمة من الفهم : كعقد المقارنات والتوضيح والتحليل والاستنتاج والتفسير وإيجاد العلاقات. وفي هذا المستوى من المعرفة، فإن الفرد المتعلم ينتقل من مجرد التذكر للمعلومات المتراكمة لديه إلى مستوى "الفهم " الذي يتسم بالدوام والارتباط بحياة المتعلم. ويبدأ المتعلمون عند هذا المستوى من المعرفة بالتعامل مع المفاهيم والمبادئ والمهارات الأساسية لمجال معرفي معين. ولكي ينتقل المتعلمون من مجرد الإلمام بالحقائق إلى مستوى أعلى من الفهم، ينبغي عليهم إدراك المفاهيم الأساسية التي تنظم المجال المعرفي، والمبادئ الرئيسة التي تحكم المفاهيم، والطرق التي يدرك من خلالها المتخصصون في المجال أو القائمون على تدريسه الروابط القائمة بين الأفكار والأمثلة التوضيحية لها .
وكمعلمين، فإن الكثير منا ليسوا على دراية أكيدة بالمفاهيم والمبادئ والمهارات الأساسية في الموضوعات التي ندرسها. لذلك، ينبغي علينا قضاء الوقت اللازم لاكتشاف هذه الأطر المفاهيمية والتعليم وفقا لها . ومن بين المصادر التي تساعد المعلمين في الإلمام بالمفاهيم والمبادئ والمهارات الأساسية في المجالات المعرفية التي يدرسونها ما يلي : الكتب المنهجية الجامعية ، الوثائق الخاصة بالمعايير التربوية التي تمثل مستخلصات معرفية وافية أعدها متخصصون في المجالات المعرفية المختلفة ؛ ويمكن الوصول إلى هذه المستخلصات من خلال الموقع الإلكتروني التالي (www.merel.org) ، إضافة إلى كتب حول تدريس المفاهيم مثل الكتاب الموسوم بـ "المناهج وطرق التدريس القائمة على إدراك المفاهيم " من تأليف إريكسون في عام 2006.
المستوى الثالث : المعرفة بمستوى تطبيق الأدوات والاستراتيجيات لإيجاد الحلول وإنتاج المعرفة (Knowledge How)
وعند هذا المستوى من المعرفة، ينتقل المتعلم من دور المتلقي للمعلومات أو المستهلك لها إلى دور القادر على حل المسائل التعليمية والمنتج للمعرفة. ويبدو واضحاً أنه كلما كان لدى الفرد المتعلم معلومات أكثر من المستوى الثاني الذي تم وصفه أعلاه ، كلما كان أكثر قدرة على تكوين أفكار وإجراءات وحلول جديدة للتعامل مع المسائل التي يواجهها . وفي هذا السياق، نشير إلى أن العلماء والمتخصصين يرون أن مستوى "معرفة كيف" هو المستوى الأعلى للانخراط في المجال المعرفي : حيث يمثل هذا المستوى من المعرفة ما يقدمه الباحثون والأدباء والفنانون من إسهامات في مجال تخصصاتهم، بالإضافة إلى أن هذا المستوى المتقدم من المعرفة يرتبط بشكل مباشر بمتطلبات عصر إنتاج المعرفة الذي نمر خلاله حاليا.
وفي حين أن غالبية المتعلمين لا يستطيعون إعادة تشكيل الموضوعات الدراسية في أثناء دراستهم لها ، إلا أنهم يستطيعون البدء بالتعامل مع تلك الموضوعات بصورة تماثل ما يفعله المتخصصون فيها. وهذا النوع من العمل الواقعي هو جزء من التقدم الذي يحرزه المتعلمون في تعلمهم من مستوى المبتدئ إلى مستوى الخبير، وينبغي أن يكون أساسيا في عملية تصميم المناهج لما له من أثر في رفع دافعية الطلبة وحثهم على مزيد من بذل الجهد والالتزام لإنجاز مهامهم التعلمية. وهكذا، فإنه مع مرور الوقت، يصبح المعلمون الذين يوظفون أنشطة منهجية تتضمن هذا المستوى المتقدم من المعرفة أكثر قدرة على تصميم مهام تعلمية تساعد الطلبة على العمل كمتخصصين أمثال المؤرخين والفنانين وعلماء الرياضيات وغيرهم.
ثالثاً : ينبغي أن يعزز المنهاج مستويات تقدم الطلبة في انخراطهم بالمواضيع الدراسية
إن مستويات المعرفة الثلاثة التي اقترحها وليام جيمس في نظريته عام 1885 مشابهة لمفاهيم التعلق العاطفي والكفاءة التقنية وإصدار التعميمات التي قدمها ألفرد نورث وايتهيد (Alfred North Whitehead) في عام1929 . وتتحدث تلك المفاهيم عن مستويات التعامل التي ينخرط بها الأفراد في تعلمهم الموضوع ما في مجال معرفي معين. حيث يرى وايتهيد أنه يتكون لدى المتعلمين أولاً اهتماماً أو حبا المجال معرفي معين. ونتيجة لهذا الاهتمام يرغب كثير من المتعلمين في معرفة المزيد عن عدد من الموضوعات أو المجالات المعرفية في أثناء تعلمهم ، وقد يشغلون أنفسهم في مجال معرفي أو أكثر. وقد يزداد حب بعض الأفراد لذلك المجال لدرجة تمكنهم من أن يصبحوا ممارسين محترفين له ؛ حيث يصل غالبية المتخصصين في حقل معين إلى أقصى درجة من الانخراط فيه عند هذا المستوى. مع أن بعض الأفراد قد يستمرون في الانخراط في الموضوعات التي تهمهم حتى يصلوا إلى مستوى إصدار التعميمات الذي يستطيعون عنده إضافة معلومات ونتاجات معرفية جديدة إلى مجال دراستهم. ونشير هنا إلى أن هذا المستوى الثالث يتفق في جوانب كثيرة مع أحد الأهداف الرئيسة للبرامج التي تطور الموهبة.
إن نظرية المنهاج التي تهدف إلى إبراز الطاقات الكامنة لدى كل طفل وتنميتها ، يجب أن تعول على المعرفة القوية الواقعية، وعلى تطبيق منهجية واقعية لحل الإشكالات في المجالات المعرفية المتنوعة. كما ينبغي أن تؤكد طرق التدريس على مهارات التفكير العليا، وعلى استراتيجيات التدريس الأكثر مرونة وعلى الاهتمام بالمسائل والقيم والمعتقدات الجدلية. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن يعكس المنهاج اختيارا المحتوى يضاعف انتقال المعارف والمهارات. فالمستوى المتسارع الذي تنتشر فيه المعرفة في وقتنا المعاصر يؤكد أهمية هذا المبدأ ويعزز ما يؤكد عليه نموذج المنهاج الموازي من أنه ينبغي أن يتوافر للغالبية العظمى من الطلبة مناهج وطرق تدريس تمكنهم من إيجاد فرص نجاح أكثر في عالم اليوم بالغ التعقيد.
رابعا : ينبغي أن يقوم المنهاج على المعارف الأساسية الثابتة في كل مجال معرفي
إن جميع ميادين المعرفة الإنسانية تقوم على قواعد من المعارف الأساسية الثابتة التي تتكون من المفاهيم الرئيسة والمبادئ الأساسية والمنهجيات الواضحة في كل مجال معرفي. حيث تشكل هذه المعارف الأساسية المحرك الذي يدفع المجال قدما لاكتساب معارف جديدة، كما يعزز إدراك الطلبة وفهمهم للموضوعات. وبالرغم من أن المفاهيم والمبادئ والمنهجيات الأساسية تتغير ببطء بمرور الوقت، إلا أنها ثابتة قياسا بالموضوعات أو المعلومات العابرة. وينبغي إدراك هذه المفاهيم والمبادئ والمنهجيات الخاصة بكل مجال معرفي كأدوات تساعد المتعلم على فهم الموضوعات في ذلك المجال. فعلى سبيل المثال، إن إدراك مفهوم معامل الثبات جوهري في دراستنا لموضوع الاختبارات. لذلك فإنه يعد مثال على مفهوم أساسي في هذا المجال، أما قيمة معامل الثبات الخاصة بأحد الاختبارات فهي معلومة عابرة لأنها تتغير بمرور الوقت، وعلينا إيجادها دائما .
خامساً : ينبغي أن تمثل الموضوعات الدراسية في كل مجال معرفي المفاهيم والمبادئ والعمليات الأساسية
إن من أهم المسائل المرتبطة بنظرية المنهاج تحديد ما على المعلمين تعليمه في مجال معرفي معين ؛ حيث يتفق معظم خبراء المناهج على أن المنهاج ينبغي أن يجعل الطلبة يركزون على فهم المبادئ والمهارات والمفاهيم الأساسية التي تمثل البنية الأساسية لذلك المجال. ففي أي مجال معرفي هناك كميات هائلة من المعلومات التي يمكن أن يركز عليها المعلمون وطلبتهم ؛ حيث يتوجب على واضعي المنهاج الدراسي تحديد أي من هذا الكم المعلوماتي الهائل يستحق الدراسة. وفي هذا السياق، يقترح فيليب فينكس (1964 ,Philip Phenix) أن على التربويين التركيز على ما يسميه "الموضوعات الممثلة للحقل المعرفي ، والتي تنبثق من محتوى مجال معرفي وتمثل إلى حد كبير موضوعات مشابهة ومتنوعة في ذلك المجال. فعلى سبيل المثال، إن دراسة الخلية كمنظومة متكاملة في أجزائها يمهد الطريق لفهم أنظمة الجسم الفرعية، وإدراك الجسم كنظام متكامل، والأنظمة البيئية، وهكذا. وهذا ما نعنيه بالموضوعات الممثلة للحقل المعرفي " : فدراسة الخلية كمنظومة يزود المتعلمين بالمعارف والمفاهيم والمبادئ والأدوات التي تسهل فهمهم لعدد كبير من الموضوعات ذات العلاقة بالموضوعات الممثلة للحقل المعرفي. إذ أن المعلم أو المطور للمنهاج يدرك أن الطلبة لا يستطيعون الإلمام بكافة تفاصيل الموضوعات الدراسية. ولذلك، يصبح من الضروري اختيار موضوعات دراسية تكفي لتوضيح المفاهيم والمبادئ الأساسية في موضوع ما ، وذات ارتباطات بموضوعات أخرى في المجال المعرفي.
وفي حين أن "الموضوعات الممثلة للحقل المعرفي " ذات أهمية في تطوير منهاج عالي الجودة، هناك أمر آخر هام في هذا السياق يتمثل في توظيف المهارات اللازمة للقيام بالعمليات العقلية لتحقيق أهداف التعلم. وتشمل تلك المهارات مدى واسعا من الكفايات التي تتراوح بين الفهم والتطبيق والتحليل والتركيب وبين التقويم. كما أنها تتضمن : توفير الفرص للطلبة للوصول إلى استنتاجات التعلم بشكل استقرائي أو استنتاجي، دارسة الموضوعات من زوايا متعددة، تنمية وتوظيف التقمص العاطفي، وعي الفرد بتفكيره وقدرته على تنظيمه ، تطوير معايير للجودة في العمل والتفكير والمحافظة عليها ، وتنمية روح المثابرة ومواصلة العمل لإنجاز المهام المطلوبة (Bloom, Englehart, Furst, Hill, & Krathwhol, 1956; Costa & Kallick, 2000; Marzano, 1992; Wiggins & McTighe, 1988).
وباختصار، فإن المهارات اللازمة للقيام بالعمليات العقلية تُمكن الطلبة بما يملكون من كفايات معرفية من إنجاز المهام التعلمية بشكل أعمق من مجرد تذكرهم للمعلومات واسترجاعها.
سادساً : ونظراً لتنوع أهداف القيام بالعمليات العقلية وتغيرها بصورة تفوق تغير المعارف، فإن من المهم استخدام "الموضوعات الممثلة" كأدوات لتنمية المعارف الأساسية ومهارات العمليات العقلية.
( سيتم مناقشة مزيد من التفاصيل حول تنمية المهارات اللازمة للقيام بالعمليات العقلية في الفصل الثالث من هذا الكتاب) . وحري القول هنا أن التركيز على طرق التعلم وأدواته يُعزّز انخراط الطلبة الإيجابي في المهام التعلمية ويزيد من دافعيتهم ورغبتهم في التعلم.
إن محتوى أي مجال معرفي يتضمن وصفاً للطرق والأساليب التي تُعد أساسية لكل من الخبراء والممارسين لذلك المجال. ونظرية المعرفة - التي تهدف إلى أن يوظف الطلبة ما تعلموه في المدرسة من معارف لاكتساب خبرات حياتية حقيقية - ينبغي أن تؤكد على التوظيف الملائم للطرق والمهارات والأساليب بصورة مماثلة لتلك التي يقوم بها الخبراء والمتخصصون في المجال المعرفي. ومع أن استخدام هذه الطرق والمهارات يتطلب أحياناً أدوات متطورة أو مستوى متقدما من الفهم، فإن بمقدور الطلبة أن ينجحوا في تطبيق بعض الطرق المدخلية التي تساعدهم في الوصول إلى ذلك ؛ مثل انخراطهم في تعلم المنهجيات البحثية وتوظيفها في تنمية اتجاهاتهم الإيجابية نحو قبول التحديات التعليمية، إضافة إلى تعزيز التعلم الفعال لشحذ همم المتعلمين وحثهم على المشاركة.
سابعاً : إن المنهاج القائم على ما ينتجه المتعلمون يُعزّز التطبيق الواقعي للأفكار المادية والمعنوية
فنحن نعتقد أن المنهاج الذي يؤكد على وصول جميع المتعلمين إلى مستويات تحصيل عالية، ينبغي أن يأخذ بالحسبان النواتج المادية والمعنوية : حيث غالباً ما يرتبط هذان المنتجان التعلميان معا .
وتتضمن النواتج التعلمية المادية أجزاء معينة من المعارف التي يكتسبها الطلبة، ومهارات العمليات العقلية، ونماذج من أعمال الطلبة مثل ( التقارير المشروعات البحثية، القصص، خطوط الزمن، أداء رقصات مقالات افتتاحية، مؤلفات موسيقية، وفعاليات خدمة المجتمع. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النواتج المادية لا تمثل غايات بحد ذاتها ، وإنما أدوات ضرورية لتطوير نواتج متنوعة.
أما النواتج المعنوية فتشمل نتاجات تعلمية أساسية ثابتة وأخرى قابلة للانتقال مثل : الأفكار الاستراتيجيات الاتجاهات، الاعتقادات والقيم ، والنمو الشخصي والاجتماعي. وبالإضافة إلى ذلك تشمل النواتج المعنوية تقدير النواحي الجمالية، وفاعلية الذات، والسعي إلى تحقيق الذات. وفي معظم الحالات تستغرق عملية تحقيق مستويات متقدمة من النواتج المعنوية سنوات عديدة. لذلك ينبغي أن تسهم الأنشطة والخبرات المنهجية في تحقيق واحدة أو أكثر من هذه النواتج المادية والمعنوية التي تشكل في مجموعها الأهداف العامة لنظرية المنهاج.
ثامناً : إن المنهاج الفعال هو منهاج محدد الأهداف وعالي التنظيم، ويشغل الطلبة بأنشطة هادفة تتحدى قدراتهم
لقد قام عدد من قادة الفكر التربوي بوضع الخطوط العريضة لأفضل ما ندركه حاليا عن المناهج وطرق التدريس (Brandt, 1998; Costa & Kallick, 2000; National Research Council, 1999; Schlechty, 1997; Wiggins & McTighe, 1998) حيث يرى هؤلاء التربويين أن المناهج وطرق التدريس المناسبة لجميع المتعلمين في المجالات المعرفية المتعددة يجب أن :
- تركز بشكل واضح على الحقائق والمفاهيم والمبادئ والمهارات الأساسية التي يؤكد عليها المتخصصون في المجال المعرفي.
- توفر الفرص للطلبة لفهم الموضوعات الدراسية بشكل عميق.
- تكون منظمة لضمان أن جميع المهام المطلوبة من الطلبة منسجمة مع أهداف الفهم العميق.
- تكون مترابطة ومنظمة بشكل منطقي.
- تستثير المتعلمين وتدفعهم للمشاركة الوجدانية والعقلية.
- تراعي حاجات كل متعلم وتعززها لكي يشكل معنى للأفكار والمعلومات التي يطلع عليها ، ويكون قادراً على إعادة تنظيم مداركه القديمة ومواءمتها مع الجديدة.
- تكون ممتعة وغنية ومسلية للمتعلمين. توفر خيارات مناسبة للمتعلمين.
- تسمح بالمشاركة الفعالة.
- تؤكد على تحقيق نواتج تعلمية تهم الطلبة.
- ترتبط بواقع الطلبة وعالمهم .
- تبدو واقعية وهادفة ونافعة .
- تتعامل مع قضايا عميقة.
- تتطلب من الطلبة أن يوظفوا ما يتعلموه بطرق مفيدة وممتعة.
- تساعد الطلبة في تنمية الوعي بما يفكرون.
- تساعد المتعلمين لكي يصبحوا قادرين على حل ما يواجههم من مشكلات بفعالية تسمح بمشاركتهم في وضع أهدافهم التعلمية وتقييم مدى تقدمهم .
- تنمي قدرات الطالب وإمكاناته.
كما تؤكد الدراسات أيضاً أن مواءمة التعليم مع نمط التعلم المفضّل لدى الطالب، ونوعه البشري (Gender) ، وثقافته وذكائه يعزز التعلم (Delpit, 1995; Dunn & Griggs, 1995; Grigorenko & Sternberg, 1997; Sullivan, 1993 )
تؤكد معرفتنا الراهنة عن التعليم والتعلم على ضرورة تزويد جميع المتعلمين بالمنهاج الذي يتطلب منهم فهم وتطبيق الأفكار والمفاهيم والمبادئ والمهارات الأساسية للمجالات المعرفية : مع أنه يتوجب علينا تعديل الأنشطة المنهجية لتتلاءم مع تنوع الطلبة. وهذا يعني أن المناهج وطرق التدريس ينبغي أن تتناسب مع معرفة المتعلم السابقة، ومع ميوله واهتماماته ، وأن تُعرض بشكل وأسلوب فعالين لكل متعلم . وكلما ارتقى الطلبة بمستوى معارفهم وفهمهم ومهاراتهم، فإنه يتوجب زيادة مستوى التحديات المتضمنة في المهام والأنشطة المنهجية المقدمة لهم . وفي هذا الكتاب، فإننا نسمي الازدياد المتكافئ بين مستويات التحديات التعليمية المقدمة للمتعلمين وبين قدراتهم ومهاراتهم المعرفية "المتطلبات العقلية المتنامية (Ascending Intellectual Demand)
وبعبارة بسيطة ، فإن "نموذج المنهاج الموازي " الذي نستخدمه في هذا الكتاب يؤكد على أن معظم المتعلمين إن لم يكن جميعهم، يجب أن يتعاملوا بانسجام مع : المنهاج القائم على المفاهيم الأساسية ، المهام التي تستدعي تفكيراً متقدماً ، والنواتج المتوقعة من الطلبة لتوضيح ما تعلموه وتوظيفه بطرق مثمرة. وكلما ارتفع مستوى نمو المتعلم المعرفي وتبلورت مهاراته ، فإن متطلباته العقلية تتنامى لضمان تحديات تعليمية ملائمة تسهم في تحقيق خبرات تعلمية واسعة. ونشير إلى أنه سيتم التطرق إلى مفهوم "المتطلبات العقلية المتنامية" في جميع فصول الكتاب، وتناوله بشكل مستفيض في الفصل الثامن.
إن أحد الافتراضات المنطقية التي يقوم عليها "نموذج المنهاج الموازي " هو أن الطلبة ينمون وفقا لمتصل (continuum) من المعارف والمهارات : حيث يكون فيه بعض الطلبة متقدمين بدرجة كبيرة عما هو متوقع من أقرانهم ضمن الفئة العمرية، وبعضهم متقدمين بدرجة معتدلة أو قليلة . كما قد يكون البعض ضمن المدى العام لما هو متوقع من أقرانهم ضمن الفئة العمرية، والبعض الآخر دون التوقعات بدرجات قليلة أو معتدلة أو حادة. أما الافتراض المنطقي الذي يقوم عليه النموذج فهو أنه طالما يتم تزويد كل متعلم بمناهج غنية وطرق تدريس ملائمة لحاجاته المعرفية المتزايدة، ومرتبطة باهتماماته وطرق تعلمه ، فإننا نساعد كل متعلم على أن ينمو في قدراته وإمكاناته إلى أقصى حد.
عاشراً : يزيد الاهتمام بالجوانب الوجدانية للطلبة من فعالية المنهاج في تعزيز فرص تعلمية مثيرة لاهتماماتهم ومتحدية لقدراتهم الفكرية
من السهولة بمكان عند تصميم المناهج الدراسية التركيز على محتوى التعلم ونواتجه وعملياته التي يستخدمها التربويون مع الطلبة دون إدراك لدور الجانب الوجداني وأهميته في نمو الطالب ونجاحه . فقد تبدو الخطة لوحدة دراسية أو لأحد الدروس جميلة على الورق، ولكنها من الناحية العملية ذات قيمة قليلة إذا فشلت في تلبية حاجات الطلبة الانفعالية ولم تعمل على تنميتها . وفي هذا السياق، فإننا نعتقد أن المعلم الفعال هو الذي يعمل باستمرار لتطوير بيئة تعلمية، وتصميم أنشطة منهجية، وتوظيف طرق تعليم تهدف إلى تعزيز نمو الطلبة المعرفي ومشاركتهم الوجدانية. والمعلمون الفعالون هم الذين :
- يفكرون مليا بحاجات كل طالب، ويسعون باستمرار للوصول إلى فهم أعمق للطلبة كأفراد وفي مجموعة.
- يستجيبون لتوظيف ما يعرفونه عن الطلبة في تصميم مناهج وطرق تدريس تتوافق مع حاجات المتعلمين واهتماماتهم.
- يراعون خصائص الطلبة المعرفية والجسمية والاجتماعية والعاطفية العامة والخاصة.
- ويسعى المعلمون الذين يشعرون أنهم متعلمين عند طلبتهم ويتعلمون من المحتوى الذي يعلمونه إلى التأكيد على أن تؤدي الخبرات التعلمية داخل الغرفة الصفية إلى :
- الأمان ؛ حيث يشعر الطلبة بالسلامة والأمان، وأن القاعة الصفية مكان آمن للتواجد فيه، ويدركون أن معلمهم يتفهمهم ، ويطرح عليهم أسئلة تهمهم ، ويسمح لهم بالتعبير عن آرائهم وأفكارهم ، وأنهم يقعون في الأخطاء التي هي أمر لا مفر منه في أثناء عمليات التعلم والنمو.
- الدعم والتأييد ؛ حيث يتيقن الطلبة أن كل واحد منهم يتلقى دعما كافيا من معلمه ومن زملائه في الصف.
- الأهمية والتقدير؛ حيث يعتقد الطلبة أن كل واحد منهم لديه دور نافع، وأنه موضع تقدير واحترام في الصف.
- الانتماء : حيث يشعر كل طالب أنه ينتمي إلى المجموعة الصفية وينسجم مع أفرادها .
- الألفة والانسجام ؛ حيث يشعر كل طالب بصلته وارتباطه مع أفراد المجموعة (Mahoney .1998)
- أكثر تقديرا لإسهاماتهم وحاجاتهم وأفكارهم ومنتجاتهم، ولإسهامات وحاجات وأفكار ومنتجات الآخرين.
- أكثر إقبالاً على العمل وإقامة العلاقات الإيجابية، وأكثر استجابة للتحديات التعلمية وإلى تحقيق الجودة فيما ينجزون.
- أكثر تأملاً فيما يتعلمون، وفي كيفية تأثير تعلمهم على شخصياتهم ومعتقداتهم ، وعلى ما يستطيعون القيام به، إضافة إلى التفكير مليا في كيفية تأثير اتجاهاتهم وأنماط سلوكهم في نمو الآخرين وخياراتهم.
